قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل الرابع عشر
تم النشر الأربعاء
18/2/2026
كانت جيهان تجلس في المقعد الخلفي للتاكسي، تحاوط ابنتيها بذراعيها وكأنها تحميهما من العالم، بينما عيناها تائهتان في شوارع المدينة التي بدت غريبة عنها في تلك اللحظة. شعرت بضياع مرير، وكأن الأرض ضاقت بها لدرجة أنها لم تعد تعرف لها مأوى.
فجأة، لمعت الفكرة في ذهنها؛ أرادت مكاناً بعيداً عن حسابات يوسف، مكاناً لم يطأه أحد منذ رحيل والديها، فقالت للسائق بنبرة خافتة لكنها حازمة:
ـ وديني لعنوان بيت والدي في الحي القديم.
وصلت جيهان إلى المنزل الذي هجرته لسنوات طويلة. فتحت الباب بصعوبة، ليدخلوا إلى عالم من الصمت والأتربة التي كانت تغطي كل ركن وتملأ الهواء. كانت الفتاتان الصغيرتان تترنحان من النعاس، لا تفهمان لماذا تركتا غرفتهما الدافئة والجميلة لتجدا نفسيهما في هذا المكان الموحش المظلم.
نظرت جيهان لابنتيها بشفقة وحزن، فقلبها يعتصر ألماً على هذه الحالة. اقتربت من أحد الكراسي القديمة وقامت بمسح الأتربة عنه بسرعة، ثم أجلست الفتاتين عليه قائلة لهما بهدوء:
ـ استنوا هنا يا حبايبي.. هظبط الأوضة بسرعة عشان تناموا.
وقفت جيهان في منتصف الصالة والدموع تنهمر بصمت وهي تتأمل الجدران المتسخة. في هذا الركن كانت تشعر بالأمان، وفي تلك الزاوية كانت تطمئن بحضن والديها. عادت جيهان للمنزل الذي هجرته منذ زمن بعيد، لتستعيد الأمان الذي فقدته في سنوات زواجها، ولتبدأ رحلة البحث عن نفسها بعيداً عن قهر يوسف وظلم نور.
بمجرد أن خطت قدماها غرفتها القديمة، شعرت وكأن الزمان قد توقف؛ رائحة الماضي المختلطة بالأتربة استقبلتها بجفاء. اتجهت نحو النافذة وبذلت مجهوداً لفتحها، فدخل هواء الليل البارد ليجدد أنفاس الغرفة الخانقة.
رغم أن جسدها كان يرتجف من التعب، وروحها منهكة من صدمات اليوم المتتالية، إلا أنها استجمعت ما تبقى من قوتها وبدأت في تنظيف الغرفة على عجل؛ أزاحت الأتربة عن الفراش القديم وهي تتنفس بصعوبة. لم تكن تفكر في شيء سوى توفير مكان آمن لصغيرتيها.
حملت ابنتها الأولى، التي كانت قد استسلمت تماماً للنوم، ووضعتها بهدوء على السرير، ثم عادت لتحمل الثانية. وبمجرد أن اطمأنت لوجودهما بجوارها، ارتمت جيهان بجانبهما دون أن تخلع ثيابها حتى. لم تكن تملك الطاقة لمزيد من التفكير أو البكاء؛ فقد غلبها النوم سريعاً من فرط الإرهاق الجسدي والنفسي، على أمل أن يمنحها الصباح قوة جديدة لتنظيف ما تبقى من منزلها القديم وحياتها الجديدة.
بعد تلك الصفعة المهينة، صعدت نور إلى غرفتها في الأعلى وهي تلملم بقايا كبريائها المكسور، بينما ظل التوتر سيد الموقف في الأسفل.
جلست سميرة مع عدنان في محاولة لتهدئة الأجواء المشحونة، فذهبت وأحضرت له مشروباً دافئاً لعلّه يخفف من حدة الضيق الذي يعتصر قلبه. في هذه الأثناء، اقتربت ندى بخطوات مترددة من والدها، والدموع تكاد تفر من عينيها، وحاولت الاعتذار بنبرة مرتعشة قائلة:
ـ بابا.. أنا بجد مكنتش أعرف إن جيهان هتكون موجودة، ولا كنت أتخيل إن نور هتعمل كدة.. أنا آسفة.
نظر إليها عدنان بضيق شديد، ولم يتقبل اعتذارها بهذه البساطة، بل قال لها بلهجة حازمة وقاسية:
ـ الاعتذار ده مش ليا يا ندى.. الاعتذار ده يكون للناس اللي أنتي أهنتيهم وأسأتِ ليهم في بيتهم. وبعد ما جيهان ترجع، هيكون ليا معاكي حساب تاني خالص.. امشي من قدامي دلوقتي.
كسـ.ـرت كلمات عدنان قلب ندى، فوقفت عاجزة عن الرد. تدخلت سميرة بلطف لتنهي هذا الموقف المؤلم، وطلبت من ندى أن تصعد لتنام في إحدى الغرف بالأعلى لأن الوقت قد تأخر جداً ولا يصح بقاؤها في الصالة بهذا المنظر.
صعدت سميرة مع ندى، واطمأنت عليها داخل الغرفة، ثم هبطت مرة أخرى لتجلس بجوار عدنان؛ فهي تعلم أنه لن يغمض له جفن إلا بعد سماع خبر عن جيهان، وبقيت معه في انتظار أي اتصال من يوسف أو تامر في هذا الليل الطويل.
استسلم عدنان أخيراً لنداء جسده المنهك؛ فالعمر والضغط النفسي الذي عاشه الليلة نالا منه كثيراً. وافق على اقتراح سميرة بالراحة في غرفته الخاصة بالفيلا، بعد أن أخذ منها وعداً غليظاً بأن توقظه في اللحظة التي يصل فيها أي خبر عن جيهان، وغادر الصالة بخطوات ثقيلة يملؤها الهم.
بقت سميرة وحيدة في الصالة الفسيحة، وسط سكون الليل الذي لا يقطعه إلا صوت عقارب الساعة. بدأت الأفكار تهاجم عقلها؛ فهي، رغم كل الخلافات السابقة، لم تكن تتخيل أبداً أن تمتلك جيهان هذه القوة لتتخلى عن كل شيء وتغادر. كانت سميرة دائماً ترى في جيهان الحائط الذي يصد عنها الكثير، والآن انهار هذا الحائط.
ترددت في أذنيها كلمات جيهان الأخيرة كأنها صدى مخيف:
ـ مبروك عليكي الانتصار.. بس افتكري كلامي كويس.. دورك جاي، ونور مش هترحمك زي ما ميرحمتنيش.
شعرت سميرة بقشعريرة تسري في جسدها؛ فاليوم رأت نور وهي تمحو وجود جيهان بكلمة واحدة، ورأت يوسف وهو يفقد أعصابه ويضر.ب نور. بدأت تدرك أن اللعبة تغيرت، وأن البيت الذي كانت تتصارع فيه مع جيهان على مكانة أو كلمة، أصبح الآن ساحة لمعركة بقاء، وأن جيهان ربما لم تكن هي العدو الحقيقي.
❈-❈-❈
كان يوسف يقود سيارته في تلك الساعات المتأخرة والندم يأكل قلبه؛ فالظلام الذي يحيط بالسيارة لم يكن أشد عتمة من الضياع الذي شعر به في صدره. أدرك يوسف متأخراً أنه هو من سمح لنور بتجاوز الحدود، وهو من صمت في اللحظات التي كان يجب أن يتكلم فيها، فكان اللوم يطارده مع كل شارع يعبره.
اتصل بـ تامر بصوت متهدج، يحدوه أمل ضعيف في أن يكون قد عثر على خيط يوصله إليها، لكن رد تامر كان جافاً ومحبطاً:
ـ مافيش فايدة يا يوسف، سألت في كل مكان ممكن تروحله وما لقتش أثر.
أغلق يوسف الهاتف واليأس يتملك منه، وظل يدور في شوارع المدينة حتى بدأ الفجر يشق عتمة الليل، معلناً بداية يوم جديد مليء بالانكـ.ـسار.
عاد يوسف إلى الفيلا في تمام السادسة صباحاً، وكان وجهه شاحباً كالموتى. استقبلته سميرة بنظرات يملؤها الخوف والترقب؛ أرادت أن تسأله عن جيهان، لكن هيئة يوسف المنهكة والغاضبة ألجمت لسانها. وفي تلك اللحظة، قطعت سميرة عهداً على نفسها في صمت؛ فجيهان التي كانت الحصن المنيع في هذا البيت قد رحلت، ومن يقف في وجه يوسف الآن لن يرحمه، تماماً كما حدث لجيهان.
ألقى يوسف بجسده على الكرسي بإنهاك شديد، وطلب من سميرة بصوت خافت:
ـ اعملي لي فنجان قهوة يا سميرة.. بسرعة.
صعد إلى غرفته، تلك الغرفة التي كانت تفوح بعطر جيهان وهدوئها، ليجدها نظيفة بفضل مجهود سميرة، لكن رائحة "الكسر" كانت ما تزال تفوح من أركانها؛ كسور معنوية لا يراها أحد غيره. وقعت عيناه على "حجاب" جيهان الذي كانت ترتديه بالأمس، فأمسكه بيده وضمه إليه في لحظة ضعف وندم، وكأنه يحاول استرجاع وجودها من خلاله.
بدل ملابسه بسرعة وهبط للأسفل، تناول قهوته بآلية وجفاء، ثم خرج مرة أخرى وهو يشد على حجابها في جيبه، عازماً على ألا يعود إلا وهي معه، ليبدأ رحلة بحث جديدة في ضوء النهار، لعله يجد ما عجز الليل عن كشفه.
بعد أن تناول يوسف قهوته، خرج من الفيلا وهو لا يرى أمامه، وقلبه تملكه الندم والضياع. أخرج هاتفه وقام بالاتصال بـ تامر ليخبره بقراره، وقال له بنبرة مجهدة:
ـ تامر، روح أنت الشركة النهاردة.. أنا مش هقدر، لازم أكمل تدوير على جيهان، مش هرجع من غيرها.
تامر تردد في البداية، فالموقف صعب والبحث عن جيهان هو الأهم، لكنه في النهاية وافق يوسف قائلاً:
ـ خلاص يا يوسف، هروح أنا.. ورانا شغل ومصالح ناس ما ينفعش تقف.
أغلق يوسف معه ليكمل رحلة البحث، بينما اتجه تامر لمنزله لتبديل ثيابه. وأثناء سيره، راوده شعور قوي بأن جيهان قد تكون ذهبت لمنزل والدها القديم؛ فكّر في الذهاب فوراً للتأكد، لكنه وجد أن الوقت ما زال مبكراً جداً، فقرر أن يذهب للشركة أولاً لينهي عمله، ومن ثم يعود للبحث عنها.
وصل تامر إلى الشركة، وبمجرد أن خطت قدماه المكان، شعر بانقباض في صدره؛ فالشركة التي كانت جيهان هي نبضها وروحها، بدت باهتة وفاقدة للحياة تماماً في غيابها.
استيقظت جيهان من نومها المتقطع وهي تشعر بثقل في جسدها، لكنها بمجرد أن رأت وجه ابنتيها، استجمعت قواها وقررت النهوض. استغلت استغراقهما في النوم لتبدأ فوراً في إكمال تنظيف المنزل؛ فالمكان كان يحتاج لجهد كبير ليتخلص من غبار السنين.
بدأت تتحرك في أرجاء البيت بهدوء وحذر، تنظف الصالة والمطبخ حتى يصبح المكان صالحاً للمعيشة ولو بشكل مؤقت. ومع مرور الوقت، شعرت بالجوع وبأنها بحاجة لإحضار طعام لها ولصغيرتيها، لكنها بمجرد أن وصلت لباب المنزل، تراجعت في اللحظة الأخيرة.
أبت أن تترك بناتها وحدهما في هذا المنزل الغريب والمهجور؛ خافت أن يستيقظوا أثناء غيابها فلا يجدوا أحداً بجوارهم، فيتملكهم الخوف والرعب في هذا المكان المظلم. عادت من عند الباب وجلست بالقرب منهما، تنتظر استيقاظهما وهي تفكر في وسيلة لتأمين احتياجاتهما دون أن تتركهما للحظة واحدة.
بينما كان تامر يحاول التركيز في أوراق العمل، اهتز هاتفه معلناً عن اتصال وارد. اتسعت عيناه بتعجب حين رأى اسم كاميليا يزين الشاشة؛ فظن للوهلة الأولى أنها تتصل لتخبره بمكان جيهان.
فتح الخط وبادرها بلهفة دون مقدمات أو انتباه:
ـ كاميليا! جيهان فين؟ قوليلي أرجوكي هي معاكي؟
ساد الصمت للحظة قبل أن يأتيه صوت كاميليا المليء بالتعجب والقلق:
ـ تامر! يعني إيه جيهان فين؟ أنا اللي كنت بكلمك علشان أسألك عليها! بقالي كتير بتصل بموبايلها ومقفول، ويوسف خطه مشغول طول الوقت.. اتكلم يا تامر، أختي فين؟
شعر تامر بنغزة في قلبه وغضب عارم من نفسه بسبب تسرعه الذي كشف الأمر. حاول تدارك الموقف بالكذب فقال بصوت مرتعش:
ـ لا يا كاميليا، اهدي.. هي بس تعبانة شوية في البيت ونايمة، علشان كدة مش بترد.
لكن كاميليا، التي تحفظ نبرة صوته جيداً، صرخت فيه بشك:
ـ إنت بتكذب يا تامر! في إيه حصل؟ انطق جيهان فين؟
أمام إصرارها، لم يجد تامر مفراً من إخبارها بجزء من الحقيقة، فقال بأسى:
ـ جيهان سابت البيت ومشيَت يا كاميليا..
ورفض تماماً إخبارها بالتفاصيل المهينة عما حدث الليلة السابقة. جن جنون كاميليا وهتفت بحزم:
ـ أنا مش هستنى ثانية واحدة هنا.. أنا هحجز على أول طيارة لمصر، ولو جرا لأختي حاجة مش هرحمكم!
حاول تامر تهدئتها وطلب منها أن تخبره بموعد وصولها ليستقبلها، لكنها من فرط غضبها وخوفها أغلقت الهاتف في وجهه، تاركة إياه في حالة من التخبط والقلق المضاعف.
ابتسمت جيهان بمرارة وهي ترى صغيرتيها تفتحان أعينهما، سحبتهم إلى حضنها بقوة وكأنها تستمد من براءتهم الوقود لتكمل يومها. نظرت في أعينهما وقالت بنبرة حنونة ولكن حازمة:
ـ حبايبي.. أنا هنزل بسرعة أجيب أكل وحاجات ناقصة وهرجع علي طول. اقفلوا الباب ومحدش يفتح لأي حد، ولا تردوا على حد ينادي من برا.. سامعين؟
أومأت الصغيرتان بموافقة وهما لا تزالان تحت تأثير النعاس، فخرجت جيهان وأغلقت عليهما الباب من الخارج بمفتاحها القديم. تحركت بسرعة، اشترت طعاماً وبعض المستلزمات الأساسية، كما اشترت بعض الملابس البديلة لهما، فهي تدرك الآن أن رحلتها في هذا المنزل قد تطول، ولن تعود لمنزل يوسف مهما كلفها الأمر.
وأثناء عودتها وهي محملة بالأكياس، والحي القديم يلفه سكون غريب، رفعت رأسها لتتجمد في مكانها. سقطت الأكياس من يدها تقريباً حين وجدت سيارة تامر تقف تماماً أمام باب المنزل.
بعد أن أنهى تامر مكالمته العاصفة مع كاميليا، لم يعد قادراً على الجلوس في الشركة لدقيقة واحدة؛ سيطر عليه حدسه تماماً، وقرر التوجه فوراً إلى منزل عمه والد جيهان. وصل إلى الحي القديم، وصفّ سيارته في الخارج، ودخل المبنى بخطوات هادئة يسكنها القلق.
نظر تامر حوله بأسى، فالمكان كان مهجوراً، وتراكمت فيه الأتربة بشكل لا يصلح معه أن تعيش فيه ابنة عمه جيهان وصغيراتها، فتمتم في نفسه:
ـ مستحيل تكوني هنا يا جيهان.. البيت ده محتاج تنظيف أيام عشان يتسكن فيه.
ومع ذلك، صعد السلم وطرق الباب بهدوء، منادياً باسمها بصوت خافت. في الداخل، كانت الصغيرات ترتجفن، ورغم أنهن تعرفن على صوت تامر، إلا أن كلمات والدتهن كانت حاضرة في أذهانهن بقوة، فقررن الصمت التام وعدم إصدار أي حركة. شعر تامر باليأس، وظن أن حدسه قد خانه، فنزل السلم من جديد واتجه للخارج.
عودة للوقت الحالي:
كانت جيهان تراقب المشهد من بعيد وهي تختبئ خلف إحدى السيارات المركونة، واضعة يدها على قلبها الذي كاد يتوقف من شدة الرعب. لم تكن تخشى المواجهة بقدر خشيتها من أن يعلم تامر بوجود البنات في الداخل، فيخبر يوسف الذي قد يأتي ليأخذهم منها بالقوة.
ظلت جيهان تتابع تامر بعينين حذرتين وهو يقف بجوار سيارته في الشارع، يراقب المداخل والمخارج بعين فاحصة لعلّه يعثر على أي خيط أو يرى حركة خلف النوافذ، لكنه أمام الصمت المطبق للمكان، استسلم في النهاية، ركب سيارته وغادر الحي وهو يشعر بالإحباط.
تنفسّت جيهان الصعداء، لكن رجفتها لم تتوقف؛ أسرعت نحو مدخل المنزل وهي تلتفت حولها لتتأكد من اختفاء سيارته تماماً قبل أن تصعد لبناتها.
صعدت جيهان الدرج وأنفاسها متهدجة، وما إن فتحت الباب حتى ارتمت الصغيرتان في أحضانها وهما تحكيان لها بخوف عما حدث:
ـ ماما.. عمو تامر كان هنا، خبط على الباب ونادى علينا كتير بس إحنا فضلنا ساكتين زي ما قلتي لنا.
ضمتهم جيهان بقوة إلى صدرها وهي تشعر بفخر ممزوج بالألم، وقبّلت رؤوسهم قائلة بنبرة مرتجفة من التأثر:
ًـ برافو عليكم يا حبايبي.. أنتم شطار قوي. خلاص هو مشي ومحدش هيعرف مكاننا.
حاولت جيهان أن تتماسك لتبث في نفوسهم الطمأنينة، فطلبت منهم الجلوس في الصالة التي بذلت جهداً في تنظيفها، وأخرجت لهم بعض الألعاب البسيطة التي أحضرتها لتشغلهم، ثم اتجهت هي إلى المطبخ الصغير.
وقفت في المطبخ الذي تفوح منه رائحة الماضي، وبدأت في إعداد طعام بسيط بما اشترته من أغراض. كانت يداها ترتعشان قليلاً وهي تقطع الخضروات، وعقلها لا يتوقف عن التفكير: "تامر وصل لهنا.. يعني المكان مبقاش أمان مية في المية.. يوسف ممكن ييجي في أي لحظة." لكنها نفضت تلك الأفكار عن رأسها وقررت أن تركز فقط على إطعام صغيرتيها اللتين لم يتذوقا طعماً حقيقياً منذ ليلة أمس.
❈-❈-❈
في منزل يوسف، كان الهدوء الذي يسبق العاصفة هو سيد الموقف. استيقظ عدنان وجسده مثقل بالهموم، خرج إلى الصالة ليجد سميرة لا تزال جالسة بمكانها، سألها بنبرة خافتة يملؤها الرجاء:
ـ في أي جديد يا سميرة؟ يوسف اتصل؟
هزت سميرة رأسها بالرفض وهي تشعر بالأسى لحاله، وقالت:
ـ لسه يا حج.. يوسف وتامر بيدوروا، وإن شاء الله خير. هقوم أحضر لك لقمة تتقوت بيها مع مشروب دافي يهدي أعصابك.
في تلك اللحظة، هبطت ندى درجات السلم بخطوات مترددة، وما إن رآها عدنان حتى شاح بوجهه عنها، فمازال قلبه يحمل الكثير تجاهها بسبب ما حدث. قبل أن تدخل سميرة المطبخ، استوقفها عدنان ووجه حديثه لندى دون أن ينظر إليها:
ـ اطلعي يا ندى شوفي نور.. مخرجتش من أوضتها من امبارح، ورغم كل اللي عملته، أنا مش عايز أخوكِ يتأذي في بيته ولا يحصل لها حاجة وهو مش موجود.
أومأت ندى برأسها في صمت، وصعدت للأعلى بقلب مقبوض. طرقت باب غرفة نور عدة مرات لكنها لم تتلقَّ أي رد، فدفعت الباب ببطء لتتجمد مكانها من الصدمة؛ كانت نور ملقاة على الأرض، شاحبة الوجه وفاقدة للوعي تماماً.
صرخت ندى بأعلى صوتها وهي تركض نحوها:
ــ بابا! سميرة! الحقوني.. نور مغمى عليها!
خرجت سميرة من المطبخ مفزوعة على صوت صرخات ندى، وأسرعت للأعلى لتجد نور ممدة على الأرض. تعاونت هي وندى بصعوبة حتى استطاعتا نقلها إلى السرير، بينما صعد عدنان خلفهما وهو يرتجف قلقاً.
حاولوا جميعاً إفاقتها بشتى الطرق؛ سميرة تحاول تدليك يديها وندى ترش القليل من الماء على وجهها، لكن دون جدوى. قالت ندى بخوف:
ـ مش بتنطق يا بابا! لازم نكلم دكتور فوراً، ويوسف موبايله مش بيجمع.. هنعمل إيه؟
رد عدنان بحزم رغم تعبه:
ـ كلمي دكتور العيلة حالاً يا ندى، خليه ييجي بسرعة.
بالفعل، حضر الطبيب في وقت قياسي وبدأ فحص نور التي بدأت تفتح أعينها ببطء وهي تشعر بدوار شديد. فضّل عدنان الانتظار في الخارج تقديراً للموقف، بينما ظلت سميرة وندى بجانبها تراقبان الطبيب بقلق.
بعد لحظات من الفحص، التفت الطبيب إليهم بابتسامة هادئة وقال:
ـ مبروك.. المدام حامل في الشهر الأول، والظاهر إنها اتعرضت لضغط عصبي شديد ومكلتش كويس، وده اللي سبب لها الهبوط وفقدان الوعي.
وقعت الكلمة كالصا.عقة على مسامع ندى وسميرة؛ ففي الوقت الذي ينهـ.ـار فيه بيت يوسف وتضيع فيه جيهان وبناته، يأتي خبر حمل نور ليقلب كل الموازين من جديد.
يتبع...
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

تسلم ايدك
❤️❤️❤️❤️
تم