رواية جديدة ندوب مضيئة ليارا علاء الدين - الفصل 12 - الأربعاء 18/2/2026
قراءة رواية ندوب مضيئة
كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ندوب مضيئة
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة يارا علاء الدين
الفصل الثاني عشر
تم النشر يوم الأربعاء
18/2/2026
رن الهاتف قرب سريرها، تحسسته ديما بأصابع مرتجفة حتى التقطته. جاءها صوت حمزة، هادئًا:
- مساء الخير يا ديما... كيف حالكِ اليوم؟
أطرقت رأسها قليلاً، ثم همست بوهن:
-كعادتي... كل يوم يشبه الآخر، ظلامٌ طويل لانهاية له!
ساد صمت قصير، لم يكن ثقيلاً بل كان مشحوناً بكلمات لم تُقل، ثم أجابها بنبرة خفيضة تحمل دفئاً:
— لهذا اتصلتُ بكِ. أعلم أنكِ لستِ جاهزة بعد للنزول أو مواجهة الزحام, لكن... ما رأيك أن تعودي للعمل من البيت؟
زفرت ببطء، كأن الفكرة أثارت مقاومة داخلية:
— عمل؟ وأنا لا أرى؟ أتعرف كيف يبدو الأمر حين تتحول حياتك إلى عتمة دائمة؟ وتصبح الأشياء التي كنت تقتنيها مجرد ذكريات بعيدة؟
أجاب بصوت ثابت:
— أعرف أنكِ فقدتِ البصر، لكن لم تفقدي البصيرة... لم تفقدي تلك الدقة التي صنعتكِ كما أنتِ. والذكاء الذي يسبق الجميع، لا يزال بداخلكِ, لا أريدكِ أن تُحاصري نفسكِ بين هذه الجدران. دعينا نبدأ بخطوة صغيرة، من بيتكِ، وعلى طريقتكِ, وسأكون معكِ في كل تفصيلة.
ترقرت دمعة في عينيها، حاولت حبسها وهي تقول بحدة خافتة لتواري ضعفها:
- لا أعلم يا حمزة.. أخاف أن أفشل، أخاف أن أشعر بعجزي أكثر.
رد عليها بحنو:
— ومن قال إننا لا نفشل أحياناً؟ المهم ألا نستسلم, فكري بالأمر، فقط فكري. صدقيني، العودة إلى العمل ستعيد إليكِ شيئًا من نفسكِ، وأنا معكِ.
لم تجبه، بل اكتفت بقولٍ قصير:
— سأفكر ياحمزة.
أنهت المكالمة ببطء، وظلت ممسكة بالهاتف وكأنها تستمد من دفء صوته قوة ما. ثم مدت يدها تتحسس الطاولة، حتى لامست أصابعها حاسوبها المغلق؛ ذلك الرفيق القديم الذي اعتاد أن يكون نافذتها المضيئة إلى العالم.
همست لنفسها بصوت متهدج:
-هل حمزة على حق؟ هل سأستطيع؟
في تلك اللحظة، تعالت طرقات هادئة ومنتظمة على الباب، قبل أن يُفتح ببطء ويطل يحيى بابتسامته الواثقة. اقترب منها وحين رأى الهاتف لا يزال في يدها، قال بنبرة يملؤها الود:
- كيف حال أميرتي اليوم؟
أجابت بصوت خفيض وهي تحاول استعادة هدوئها:
- الحمد لله.. بخير يا يحيى.
ضيق يحيى عينيه قليلاً، ووقف أمامها يتأمل ملامحها بدقة، ثم قال:
- يبدو أنكِ متوترة.. وكأنكِ غارقة في تفكير عميق.. احكي لي ما بكِ ياديما.
حاولت الهروب وهتفت بكلمات مرتبكة:
— أبدًا.. لا شيء، مجرد أفكار عابرة.
لم يقتنع يحيى بكلماتها، بل انتقل بصره بتركيز نحو أصابعها التي كانت لا تزال تتحسس حواف حاسوبها المغلق بشيء من التردد. وبفراسته المعتادة التي تجيد قراءة ما وراء الصمت، قال بهدوء:
- هل تفكرين في العودة إلى العمل؟
ازداد توتر وجهها، وارتجفت نبرة صوتها وهي تجيبه:
- أعود؟ وكيف أعود يا يحيى؟ ولماذا تصرون جميعًا على أنني قادرة؟
تقدم يحيى خطوة إضافية، ومد يده ليمسك يدها بحنو وثبات، ثم ضغط عليها برفق وكأنه يسكب فيها من قوته، وقال:
- لأننا نراكِ بوضوح بينما تعجزين أنتِ عن رؤية نفسكِ. أنتِ قادرة لأن القوة التي بداخلكِ لم تكن يومًا في عينيكِ، بل في هذا العقل و الإصرار الذي نعرفه فيكِ, أنا واثق أنكِ ستفعلينها.. ديما صدقيني أنتِ قوية.
سكتت لبرهة، وشعرت بكلماته تلمس ذلك الخوف الكامن في أعماقها، ثم سألته بصوت متهدج كأنها تستجدي منه تأكيدًا أخيرًا:
— حقًا يا يحيى؟ هل تعتقد ذلك؟
ابتسم يحيى بصدق وأجابها:
— بالطبع.. لا يساورني أدنى شك. اتخذي أنتِ القرار فقط، ودعي الباقي للأيام، وسترين كيف ستدهشين نفسكِ قبل أن تدهشينا.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة، ابتسامة لم تحمل إجابة واضحة لكنها كانت كفيلة بإعلان الهدنة مع يأسها. ربت يحيى على كتفها وهو يهم بالانصراف، قائلًا بمرحه المعتاد ليخفف من وطأة الموقف:
- بركاتك يا هندسة!
ثم انسحب من الغرفة تاركًا خلفه صدى كلماته يتردد في أذنيها، بينما بقيت هي وحدها، لكن هذه المرة.. لم يكن الظلام حولها موحشًا كما كان.
2-
في صباح يومٍ لم يكن عاديًا, وقفت ريم أمام خزانة ملابسها، تتأمل فساتينها البسيطة. لم يكن في يدها سوى خيارات قليلة، لكنها اختارت فستانًا رقيقًا من قماش ناعم بلون باهت يميل إلى الزهري، فضفاض لكنه منسدل على جسدها بانسيابية جعلته يبدو كأنه صُنع لها. ابتسمت وهي تتفقده في المرآة، وشعرت أن قلبها ينبض بخفة لم تعرفها منذ زمن.
وبهذا الشعور الخفيف، مضى يوم عملها وكأنها في سباق مع الساعات، حتى إذا ما حانت اللحظة المنتظرة واقترب موعد الانصراف، استأذنت من كريم ساعتين مبكرًا, خرجت وهي تحمل صندوقًا من أفخر أنواع الحلويات، رتبتها بعناية كهدية لسناء.
مضت دقائق الطريق كأنها ساعات من الانتظار، لتجد نفسها أخيراً أمام باب الفيلا؛ حيث فتحت سناء بابتسامة واسعة:
– ريم! أهلاً يا ابنتي.
عانقتها ريم بحرارة، لترد عليها سناء بصوت متهدج:
– لقد جلبتِ معكِ الدفء الذي فقدته منذ سنوات. تفضلي، البيت بيتك.
جلستا في غرفة استقبال أنيقة تنبعث منها رائحة زهور طازجة، وكانت سناء تحدثها بحفاوة:
– تأخر آسر قليلًا في العمل، لكن يحيى سيأتي حالًا.
وما كادت تنهي كلمتها حتى فُتح الباب، ودخل يحيى بخطوات هادئة, فالتفتت إليه سناء بابتسامة:
–يحيى… تعال يا بني، هذه ريم، التي حدثتك عنها, ابنة صديقة عمري.
سلم عليها يحيى بأدب:
– تشرفنا، يا ريم.
ابتسمت بخجل وهي تقول:
– الشرف لي.
وقعت عيناه على صندوق الحلويات بجوراها، فانحنى يتفحصه كخبيرٍ متأنٍّ:
- لحظة,.... هذا التغليف مألوف لي… أليست هذه من ذلك المتجر الذي ذاع صيته مؤخرًا؟
أومأت ريم بهدوء.
ارتفعت حاجباه بإعجاب حقيقي، وقال بنبرة خفيفة يغلفها المرح :
— إذن أنتِ أيضأ تعرفين ذلك المكان الذي حيّر آسر أيامًا وهو يمدحه كأنه اكتشاف القرن؟
أومأت بابتسامة دون أن ترد.
ضحكت سناء وقالت بحنان:
- وهل تعلم يا يحيى أن هذا هو السبب الذي أعادها إلينا؟
ثم بدأت تحكي له كيف وصلت ريم لهم من جديد.
ظل يحيى يتابع ملامح ريم بنظرات يغلفها الفضول والتعجب، وكأنه يحاول استيعاب الصدفة التي جمعتها بهم ثم قال:
- إذن أنتِ لم تعودي إلى حياتنا وحدكِ… بل عدتِ بطعمٍ لا يُقاوَم أيضًا!
ضحكت ريم، وشعرت بشيء من الألفة يتسرب إليها.
ورغم ذلك الدفء، ظل جزءٌ منها متيقظاً يترقب وقع خطى آسر عند الباب بقلبٍ يخفق توترًا. ومع ميل الشمس نحو الغروب دون أن يظهر، وقفت ريم تستأذن:
– أشكركِ كثيرًا يا حبيبتي على هذا اليوم الجميل، أظن أن الوقت تأخر وعليّ الانصراف.
لكن فجأة، سُمعت خطوات رجل تقترب، والتفتت سناء بابتسامة:
– آسر، لقد وصلت في الوقت المناسب. تعال لترى ريم فقد كادت أن تغادر!
توقف آسر مكانه لحظة، اتسعت عيناه، واخترقت نظراته ملامح ريم التي كانت تقف أمامه كطيفٍ هارب من أجمل أحلامه. خرج صوته واهناً، مشحوناً بذهولٍ لم يستطع مداراته:
أنتِ؟
ارتجفت أنفاس ريم ، وشعرت بقلبها يطرق ضلوعها بعنف، ثم همست بصوتٍ بالكاد يُسمع:
– نعم أنا!
ساد صمتٌ عميق، لم تقطعه سوى نظراتهما التي كانت تحكي آلاف الكلمات. تنبهت سناء للدهشة على وجهه، فسألت بحيرة:
- ماذا هناك يا آسر؟ هل حدث شيء؟
تقدم آسر بخطوات بطيئة، وعيناه تلمعان كمن يصدق معجزة؛ لم تكن مجرد فتاة على الشاطئ، بل ذكرى الطفولة التي حملها في قلبه لسنوات. شعر للحظة أن الزمن عاد به إلى المطر الأول، إلى اليد الصغيرة التي أمسكت بيده يومًا، وكأن قلبه استعاد مع تلك الذكرى نبضاً ظن أنه فقده للأبد؛ ثم قال بنبرة هادئة:
- لقد قابلتها على شاطئ البحر في مطروح, قبل أن أعرف أنها ريم!
هنا، تدخل يحيى الذي كان يراقب الموقف بابتسامةٍ ماكرة، ونهض من مقعده قائلاً وهو يضحك:
— لا يعقل! هل هذه هي الفتاة الشبحية التي أشغلت بالنا؟ لقد قلبنا مطروح رأساً على عقب لأجلك!
التفتت ريم إليهم، واتسعت عيناها بذهول:
— شبحية؟ أنا؟ هل كنت أبدو كالشبح؟
ضحك يحيى وتقدم نحوها قائلاً:
— ليس تماماً، لكن آسر جعل منا فريق بحث جنائي. لقد بحثنا عنكِ في كل ركن حتى فقدنا الشغف، وظننا أنكِ كنتِ مجرد خيال أو جنّية بحر واختفت.
ابتسمت ريم بخجلٍ شديد وأطرقت رأسها، فما كان من آسر إلا أن لكز يحيى في كتفه بقوة ليصمته، وهو ينظر إليه بغيظٍ ويقول:
-سكر!
سناء قاطعت اللحظة ببهجة:
– تعال يا بني، تذوق الحلويات التي أحضرتها ريم، إن ذوقها لا يُقاوَم.
أخذ آسر قطعة صغيرة وتذوقها، ثم ابتسم قائلاً:
–مذهل…سلمت يداكِ يا ريم، اختياركِ مميز.
هنا، تقدم يحيى ببطء، وتناول قطعة من الصندوق وهو يتفحص الشعار المرسوم عليه بعينين تلمعان بمكر، ثم نظر إلى آسر وقال بنبرة متهكمة:
— غريب يا آسر! ألا يبدو هذا المذاق مألوفاً لك؟ ركز قليلاً.. أليس هذا هو "حلو الكرم" نفس المكان الذي اشتريت منه الحلوى ليوم عيد ميلاد ديما، وظللت تمدح في جودة صنعه لساعات؟
عقد آسر حاجبيه بذهول، ونظر إلى الصندوق ثم إلى ريم التي كانت تتابع الحوار بصمتٍ مضطرب، ليتدخل يحيى مرة أخرى موضحاً:
- يبدو أنك كنت تبحث عن السر وراء ذلك المحل يا صديقي، والسر يقف أمامك الآن.. فريم هي صاحبة اللمسة التي بهرتك يومها!
تسمر آسر في مكانه، واتسعت عيناه وهو يحاول استيعاب الحقيقة، ونظر إلى ريم بذهولٍ تام قائلاً:
— هل يعقل؟ يعني.. أنتِ تعملين هناك؟ لقد كنتُ في المحل، كيف لم ألمحكِ؟
أطرقت ريم رأسها بخجلٍ شديد، وشعرت بقلبها يطرق ضلوعها بعنف وهي تتذكر ذلك اليوم، ثم قالت بصوتٍ خافت:
- الحقيقة يا آسر.. أنا من رأيتك. كنتُ أقف بعيداً حين دخلتَ المحل، حتى أنني حين رأيتُ اسمك في سجل الطلبات تأكدتُ من ظنوني، لكنني..
صمتت للحظة وكأن الكلمات تعجز عن الخروج، فحثها آسر بنظرةٍ عميقة مليئة بالتساؤل، فأكملت بهمس:
— خفتُ كثيراً ألا تتذكرني.. ففضلتُ البقاء بعيداً.
اقتربت سناء منها وضمتها إلى صدرها بحنانٍ جارف، وقالت بنبرةٍ مطمئنة غسلت كل مخاوفها:
لا تقولي ذلك يا ابنتي، فأنتِ لم تغيبي عن بالنا يوماً.. هذا البيت بيتكِ، ونحن من كنا ننتظر عودتكِ بفارغ الصبر.
ابتعدت ريم عن أحضانها ببطء وهي تمسح دمعة فرت من عينيها، وقد غلبها الخجل من هذا الدفء الذي لم تعتده؛ شعرت أنها لم تعد تقوى على البقاء أكثر وسط هذا السيل من المشاعر، خاصة مع تأخر الوقت. أصلحت فستانها بارتباكٍ رقيق وهي تهمُّ بالرحيل، لكنها تذكرت فجأة ديما فتوقفت وسألت سناء باهتمام:
- حبيبتي أين هي ديما؟ لقد كنتُ أتطلع بشوق للقائها اليوم؟
خيم هدوء مفاجئ على المكان، وتلاشت ابتسامة سناء لتحل محلها نبرة حزينة:
— ديما تمر بظروف صعبة يا ابنتي.. لقد تعرضت لحادث أفقدها بصرها، وهي الآن حبيسة غرفتها، ترفض الخروج أو مقابلة أحد.
في تلك اللحظة، شحبت ملامح ريم وتراجعت خطوة للخلف وكأن ذكريات فقدها لوالديها وصدمات حياتها قد استيقظت دفعة واحدة أمام فاجعة ديما.
ببطء، بدأ الذهول يذوب ليتحول إلى حزنٍ عميق اعتصر قلبها، وامتلأت عيناها بدموعٍ لم تشأ لها أن تسقط أمامهم. اقتربت من سناء وقالت:
- هل تسمحين لي أن أراها؟ ربما.. ربما وجودي يخفف عنها قليلاً.
ترددت سناء للحظة ونظرت في عيني ريم بامتنانٍ صامت، فجاء صوت آسر ليقطع حيرتها بالموافقة على الفور، وصعد معها إلى الطابق العلوي, وقفا أمام باب غرفتها، فتنفست ريم بعمق قبل أن تطرق الباب وتدخل برفقة آسر. كانت الغرفة غارقة في صمتٍ مهيب، وديما جالسة بشرودها المعتاد.
همس آسر:
- ديما.. هناك صديقة غالية جداً جاءت لتراكِ.
التفتت ديما برأسها نحو مصدر الصوت، وبدأت ملامح ريم تلين وهي تقترب منها بحذر، جلست على طرف السرير, ومدت يدها تلمس طرف أصابع ديما المرتجفة فوق حجرها، وقالت بصوت يقطر حناناً:
أنا ريم ابنة منال صديقة والدتكِ.. جئتُ اليوم لأراكِ فقط، وأقول لكِ إنني سعيدة جداً لأنني أصبحتُ أخيراً في بيتكم.
ارتسمت شبه ابتسامة على وجه ديما، وكأن نبرة ريم الهادئة طمأنتها، وهمست:
— أهلاً بكِ يا ريم.. والدتي تحدثت عنكِ كثيراً.
لم ترد ريم أن تثقل عليها في اللقاء الأول، فربتت على يدها برفق وقالت:
— لن أطيل عليكِ الآن، سأترككِ لترتاحي، لكنني سأزوركِ كثيراً في الأيام القادمة.. اتفقنا؟
أومأت ديما برأسها موافقةً، فانسحبت ريم بهدوء نحو الباب حيث كان آسر ينتظرها, ثم هبطا معاً إلى الطابق السفلي بينما كانت سناء ويحيى لا يزالان جالسين، وعلامات الترقب تملأ وجهيهما.
ما إن رأتهم سناء حتى نهضت قائلة بلهفة:
- كيف وجدتِ ديما؟
ابتسمت ريم ابتسامة هادئة طمأنت قلب الأم، وقالت بصدق:
— إنها رقيقة جداً,أشعر أننا سنصبح صديقتين مقربتين الفترة القادمة.
ثم اقتربت من سناء لتعانقها مودعة:
— أشكركِ كثيراً يا حبيبتي على هذا اليوم، لقد شعرتُ فعلاً أنني وسط عائلتي.
أمسكت سناء يدها بحب وقالت:
— بل أنتِ واحدة منا بالفعل يا ريم.
ثم التفت إلى آسر ويحيى قائلة بخجل:
– أشكركم جميعًاعلى هذا اليوم, الوقت تأخرعلي أن أرحل.
وقف آسر الذي كان يراقب ريم بنظرات هادئة منذ نزولهما، وقال بصوتٍ حاسم:
— سأوصلكِ يا ريم، لا يمكنني ترككِ تعودين بمفردكِ في هذا الوقت.
رغم ترددها، وافقت.
ودعت ريم الجميع مرة أخرى، وخرجت برفقة آسر نحو سيارته تحت ضوء القمر الذي بدأ يسطع في السماء. ساد بينهما في تلك المسافة القصيرة صمتٌ يشبه هدوء ما قبل العواصف الجميلة؛ صمتٌ يقطعه فقط حنينُ سنواتٍ طال انتظارها.
وما إن استقرا داخل السيارة حتى انطلقت بهما في سكون الليل، ليغرق كلاهما في بحرٍ عميق من الذكريات، لم يقطع هذا السكون سوى صوت آسر الذي التفت إليها فجأة حين لمحت عيناه بريق تلك السلسلة المعلقة على عنقها، فقال:
- ما زلتِ تحتفظين بها يا ريم؟ يا الله!
أمسكتها ريم بين أصابعها وقالت بابتسامة هادئة:
– نعم, لم تفارقني يوماً.. كانت هي الخيط الوحيد الذي يربطني بذكرى جميلة لم أرد نسيانها.
ابتسم آسر بامتنان، وشعر أن القدر قد رد إليه قلبه في تلك الليلة. وعند وصولها، ظل يراقبها حتى توارت خلف الباب، غير مدركٍ أن هناك عيناً حاقدة كانت ترصد تلك اللحظة من بعيد، وتستعد لبعثرة هذا الصفو.
3-
ما إن صعدت ريم إلى الشقة، حتى وجدت العائلة مجتمعة حول مائدة العشاء.
رفعت عمتها صباح رأسها، وقالت بلهجة مستفهمة:
– تأخرتِ يا هانم، أين كنتِ؟
ابتسمت ريم ابتسامة خفيفة محاولة إخفاء اضطرابها:
– العمل يا عمتي… اضطررت إلى البقاء قليلًا.
رمقتها هدى بنظرة حنونة وقالت:
– تعالي لتتناولي العشاء معنا، يبدو أنكِ متعبة.
هزت ريم رأسها برقة:
– أشكركِ يا حبيبتي، لكنني لست جائعة… أريد أن أخلد للنوم.
دخلت غرفتها بخطوات سريعة، وأغلقت الباب خلفها.
أسندت ظهرها إلى الباب، وعيناها تتلألآن بفرحة لا توصف.
جلست على سريرها تحتضن القلادة حول عنقها، وعادت ذاكرتها للحظات ما قبل قليل: عيون آسر المندهشة، صوته حين نطق اسمها، ونبض قلبها الذي لم يهدأ بعد.
هل حقًا كان ينظر إلي كما كنت أنظر إليه؟ هل تراه تذكر طفولتنا؟
ابتسمت لنفسها، وغرقت في بحر من الخيالات الحالمة.
لم يمض وقت طويل حتى سُمعت أصوات في الخارج، كان مروان يتحدث مع والده بصوت غاضب:
– لقد رأيتُها يا أبي…
اقترب ممدوح، وجهه متجهم كالعاصفة، فتح باب غرفتها بعنف، وانقض عليها ممسكًا بشعرها بقسوة:
– أهذا ما تفعلينه حين تخرجين؟ تركبين مع غرباء؟! انطقي، من هذا الذي أوصلكِ؟ وأين كنتِ؟!
شهقت ريم، تحاول دفع يده عنها، وصوتها يرتجف:
– هذا… هذا آسر، ابن خالتي سناء، صديقة أمي! كنت عندهم، وقد رفض أن يتركني أعود وحدي في هذا الوقت
صرخ ممدوح باستهزاء:
– ومن سمح لكِ أصلًا بالذهاب إليهم دون إذن؟! من اليوم… لا خروج لكِ من هذا البيت! لا عمل ولا غيره, أتفهمين؟
دخلت هدى فجأة، واحتضنتها لتحميها من بطشه.
حاول ممدوح أن يواصل ضرباته على جسدها، لكن هدى وقفت في مواجهته بشجاعة:
أرجوك يا ممدوح… أرجوك أن تهدأ.
قالتها هدى بصوت مرتجف، وعيناها تمتلئان بالدموع، كأنها تحاول أن تبدو قوية لكنها أضعف من أن تواجه قسوته حقًا.
تراجع ممدوح، وهو يتمتم بغيظ، بينما كانت ريم تقف في مكانها، تتنفس بصعوبة، وقلبها يطرق صدرها كطائر مذعور.
ثم لمحت ريم خيال مروان من خلف الباب المفتوح؛ عيناه تلمعان بتشفٍّ لم يحاول حتى إخفاءه. رسم على شفتيه ابتسامة نصرٍ باهتة، ابتسامة تقول بوضوح: لقد أفسدتُ عليكِ فرحتكِ. كانت نظراته تخترقها بحقدٍ دفين، كأنه يستمتع برؤية بقايا السعادة وهي تتلاشى من وجهها.
4-
كان يحيى يقف في الشرفة، يستنشق هواء الليل البارد ممسكاً بكوب قهوته، حين استمع إلى صوت خطوات آسر الواثقة تقترب. التفت إليه والابتسامة تعلو وجهه، وما إن دخل آسر حتى هتف يحيى بمرحه المعهود:
- أهلاً ياهندسة! يبدو أنا الفتاة الشبحية قد صارت حقيقةً ملموسةً أمامك الآن، يا لكَ من محظوظ!
تنهد آسر تنهيدة عميقة حملت معها ثقل سنين من الانتظار، واتكأ بذراعيه على سور الشرفة وهو ينظر إلى القمر الذي يتوسط السماء، وقال بصوتٍ يملؤه الذهول:
— هل تصدق يا يحيى؟ ريم.. لم تكن مجرد فتاة عابرة على الشاطئ، لقد كانت ريم طفولتي. لا يمكنك أن تتخيل حجم الذكريات التي اندفعت إلى رأسي في لحظة واحدة.. وكأن القدر كان يخبئها لي كل هذه المدة.
رفع يحيى حاجبه بابتسامة خبيثة وهو يرتشف من قهوته:
— قُلت لي إذن! وأنا الذي كنت أظن أنك وقعت في حبها من النظرة الأولى في مطروح.. اتضح أن هناك مشاعر مدفونة انفجرت بمجرد رؤيتها، حتى وأنت لم تعرف هويتها بعد. يبدو أن القلوب لا تخطئ بوصلتها أبداً يا صديقي.
ضحك آسر بخفة، لكن فجأة، قطع صفو اللحظة رنين هاتفه الصاخب. نظر إلى الشاشة، فتبدلت ملامحه إلى الضيق حين رأى اسم "لميس".
ما إن لمح يحيى الاسم حتى تمتم باستعاذة ساخرة:
— أعوذ بالله! الهميس هادمة اللذات.. لا ترد يا بني، أرجوك لا تفسد هذه اللحظة الرائعة.
زفر آسر بضيق، وضغط على زر الصامت بحزم، ثم وضع الهاتف في جيبه قائلاً:
— لستُ في حالة تسمح لي بالحديث معها الآن.. ليس وقتها أبداً.
عاد آسر ليغرق في تأمل السماء، بينما كان يحيى يراقبه بصمت. وفي داخله حديث طويل. كان يرى بوضوح أن استمرار آسر مع لميس هو أكبر خطأ، لكنه قرر ألا يفسد عليه فرحته الآن؛ فآسر يحتاج أن يكتشف بنفسه ذلك، وأن ريم لم تعد مجرد ذكرى، بل هي المستقبل الذي طال انتظاره.
عاد السكون ليخيم على الشرفة، بينما استسلم آسر لابتسامة هادئة وهو يستعيد صورة القلادة التي كانت تلمع حول عنقها؛ شعر حينها وكأن قطع
عمره المبعثرة قد بدأت أخيراً تتجمع في مكانها الصحيح.
5-
كانت ريم جالسة على طرف سريرها، تنظر إلى القلادة الصغيرة بين يديها كما لو كانت تمسك بقلبها. الغرفة ساكنة، لكن داخلها عاصفة من الأفكار.
كيف انتهى كل شيء إلى هذا؟ لم يعد لي حق حتى في العمل!
في الصالة بالخارج، كان ممدوح يذرع الأرض ذهاباً وإياباً. لم يكن نادماً على ضربها، بل كان القلق يأكله من تعطل المصالح؛ فالمحل دون ريم كجسدٍ بلا روح، وكريم لن يصمت طويلاً على غيابها، ضغط على أسنانه بغيظ، ثم اتجه نحو غرفتها؛ فالضرورات تبيح التنازل قليلاً!
طرق خافت على الباب لم يُمهلها لترد، فُتح ودخل ممدوح. لكن وجهه بدا أقل صرامة من المعتاد، وعيناه تبحثان عنها بتردد.
قال بصوتٍ حاول أن يجعله هادئًا:
- ريم... أردت أن أتحدث معكِ.
رفعت رأسها ببطء، لكنها لم تجبه. جلس على الكرسي المقابل وقال:
- فكرت كثيرًا فيما حدث بالأمس، وربما كنتُ قاسيًا أكثر من اللازم. العمل... إن أردتِ، يمكنكِ أن تعودي معي غدًا، لكن بحدود، وبشروطي.
همست دون أن ترفع رأسها:
— لا، شكرًا يا عمي, لا أريد!
تغيّرت ملامحه بسرعة، ارتفع صوته الذي حاول ضبطه منذ لحظات:
— لا؟! أتظنين أن الفرص تُمنح كل يوم؟ أنا أحاول أن أساعدكِ!
رفعت رأسها هذه المرة، وعينيها فيهما دموع مكابرة:
— أنا لم أعد بحاجة للعمل من الأساس!
اشتدّت ملامحه، صرخ بحدة:
— دائمًا عنيدة! ستندمين على هذا القرار!
ثم نهض بسرعة، دفع الكرسي للخلف، وخرج من الغرفة وهو يتمتم بغضب.
بقيت ريم وحدها، تسمع وقع خطواته يبتعد، بينما قلبها يخفق بين الغضب والحزن، لكنها رغم ذلك شعرت بأنها لأول مرة... لم تستسلم.
6-
مرّ الوقت ثقيلاً، ولم يفلح ممدوح في سد الفراغ الذي تركته ريم في المتجر، كما لم يفلح في كسر عنادها الذي واجهته به في غرفتها. وبينما كان يقف في المتجر، يحاول أن يبدو منشغلًا بترتيب بعض الدفاتر، لكن ملامحه الشاردة كانت تقول غير ذلك.
اقترب كريم منه وقال باهتمام:
— ما أخبار ريم اليوم؟ لم أرها منذ يومين.
تنهد ممدوح ببطء، ثم أجاب بصوتٍ متردد:
— في الحقيقة يا أستاذ كريم... حصلت بيني وبينها مشادّة, ضغطت عليها كثيرًا، وربما أخطأت.
جلس كريم على الكرسي الخشبي القريب، وأسند ذراعيه إلى الطاولة، وقال بجدية:
— وما الذي حدث تحديدًا؟
أطرق ممدوح رأسه، وأخذ بضع دقائق ليقص على كريم ما جرى بينه وبين ريم، كيف منعها من العمل وكيف اشتدت الخلافات. لم يقاطعه كريم، بل كان يستمع بصمت، حتى انتهى.
أومأ كريم برأسه وقال:
— حسنًا، دعنا نذهب إليها الآن ونحلّ الأمر.
في ذلك الوقت، كانت ريم تجلس في غرفتها، غارقة في أفكارها، حين سمعت صوت عمتها تناديها:
— ريم! تعالي هنا، أستاذ كريم في الصالون ويريد أن يراكِ!
رفعت ريم رأسها بدهشة، تمتمت لنفسها:
— كريم هنا؟!
نهضت بسرعة، أصلحت حجابها، ثم تحركت بخطوات مترددة حتى دخلت الصالون.
هناك، رأت كريم جالسًا بجوار عمها ممدوح، والجدية بادية على ملامحهما.
ابتسم كريم فور رؤيتها وقال:
— أهلاً يا ريم. أنا جئت اليوم بنفسي، وتحدثت مع عمك. اتفقنا أن تعودي إلى العمل، وهو وعدني ألا يُضايقك مرة أخرى.
تجمّدت ريم في مكانها، ثم رفعت رأسها بثبات وقالت:
— أشكرك يا أستاذ كريم، لكنني قررت ألّا أعود. أنا لست لعبة في يد عمي، يسجني متى يشاء، ويتركني متى يشاء.
أمال كريم رأسه قليلًا، ثم قال بصوت هادئ لكنه حاسم:
— أنا لم آتِ إلى هنا يا ريم إلا لثقتي بكِ، ولأنني أعلم أن مكانكِ الذي تستحقينه هو عملكِ. فهل ستقبلين أن تعودي معي؟
ثم نظر إلى ممدوح بنظرة مباشرة وسأله:
— ما رأيك يا ممدوح؟ هل ستُضايقها مرة أخرى؟
ابتسم ممدوح ابتسامة صغيرة، كمن يعترف بالهزيمة، وقال:
— لا، ليس بعد كلامك، يا أستاذ كريم.
أخذت ريم نفسًا عميقًا، ثم قالت وهي تنظر إلى عمها بثبات:
— عندي طلب آخر يا عمي... أريد أن أذهب إلى خالتي سناء متى أردت. هي من رائحة أمي، ولا أريد أن أبتعد عنها ثانية.
التفت كريم نحو ممدوح، كأنه يطالبه بالإجابة.
قال ممدوح بعد لحظة صمت:
— موافق يا ريم.
ابتسمت ريم، ابتسامة حقيقية وقالت:
— إذن... اتفقنا.
يتبع بعد رمضان بإذن الله.
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة يارا علاء الدين، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
