سم الحروف - الفصل 23 | فاطمة الزهراء

قراءة رواية (سم الحروف) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (سم الحروف)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (23)



مرت الأيام التالية في شرم الشيخ كالحلم؛ فقد حرص ريان على اصطحاب نور كل يوم في رحلة بحرية خاصة على متن يخت هادئ يشق بهم صفحة المياه الكريستالية الصافية بعيدًا عن زحام الشواطئ. وهناك، في قلب البحر الأحمر، كان يكرس وقته لصبرها وتعليمها أصول العوم خطوة بخطوة، حتى انكسر حاجز الخوف تمامًا داخلها، وأصبحت تسبح بجانبه بثقة وسعادة غامرة تملأ قلبها بالبهجة.

ومع حلول اليوم الأخير لهما في هذه الرحلة الساحرة، قضيا الصباح في التنزة وسط الأسواق المحلية لاختيار بعض الهدايا التذكارية الجميلة للأهل والأصدقاء، محملين بذكريات لا تُنسى.

وقبيل غروب الشمس، فاجأها ريان بأخذها إلى مكان مميز ومرتفع يشرف على ساحل البحر ب panoramic view ساحر يجمع بين سحر الجبال وزرقة المياه الواسعة. جلسا معًا على مقعد خشبي يراقبنان الأفق وهو يتلوّن بأطياف الغروب الذهبية والبنفسجية، ولفّ ريان ذراعيه حولها بحنان بينما يهمس لها بامتنان:

ـ كل مكان هنا جميل يا نور، بس أجمل حاجة فيه إنه كان أول فصل في حكايتنا سوا.

أسندت رأسها على كتفه وابتسمت بعمق وهي تنظر إلى الأفق، لتجيبه بصوت يفيض بالعشق:

ـ وأنا معاك حسيت إني بدأت أحس بالحياة بجد.. دي أحلى رحلة في عمري كله.

استمر الاثنان في الجلوس معًا وهما يتأملان تدرجات ألوان الغروب، وكأن الزمن قد توقف عند هذه اللحظة لينقشها في ذاكرتهما للأبد. عاد الاثنان في المساء إلى الجناح لبدء تجهيز حقائبهما استعداداً للرحيل في الصباح الباكر، متبادلين الضحكات والذكريات السعيدة عن كل لحظة قضياها معًا في شرم الشيخ.

وفي صباح اليوم التالي، توجها إلى المطار لتبدأ رحلة عودتهما إلى القاهرة، وهما يحملان في قلوبهما طاقة جديدة وذكريات دافئة تفتح الباب لفصل جديد ومشرق من حياتهما معًا.

أثناء عودتهما من المطار، ساد الهدوء الطريق، فالتفتت نور إلى ريان وسألته بصوت هادئ يحمله الفضول:

ـ ريان.. مش إحنا المفروض نكون قربنا من المكان اللي لقيتني فيه أول مرة؟

شعر ريان بالتردد والقلق، فهو يخشى أن تفتح هذه الذكرى أبواب التعب والألم على نور، فحاول أن يخفي قلقه وقال بكذب هادئ ليطمئنها:

ـ لا يا حبيبتي، إحنا خلاص عديناه من بدري.

لكن نور التقطت بعض المعالم المحيطة وأدركت أنه يكذب عليها، فصممت وقالت ببرود واهتمام:

ـ كدبت عليا يا ريان.. أنا متأكدة إننا لسه معدناهوش، من فضلك أنا عايزة أشوف المكان ده.

نظر إليها بقلق وهو يحاول ثنيها عن رأيها:

ـ يا نور بلاش، المكان هيتعبك ويفتح عليكي ذكريات وحشة، خلينا راجعين البيت أحسن.

لكنها أصرت أكثر وتمسكت برأيها وقالت بنبرة حازمة:

ـ لأ، أنا مصرة أشوفه وأنا معاك.. وقف العربية من فضلك.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لم يجد ريان سبيلًا أمام إصرارها وتصميمها القاطع، فتنهد بعمق وأبطأ سرعة السيارة، ثم انحرف جانبًا وأوقفها في نفس المكان الذي شهد بداية حكايتهما.

أرخت نور زجاج السيارة وتطلعت إلى المكان الخارجي بتوتر شديد، إذ عادت تداهمها ذكريات تلك الأيام القاسية ورعب البدايات. فتحت باب السيارة بخطوات مترددة ونزلت على الأسفلت، فوقفت تتابع تفاصيل الطريق بعينين زائغتين يملؤهما الخوف.

وما إن رآها تنزل حتى بادر بالخروج من جانبها، فأغلق الباب واقترب منها بخطوات سريعة وثابتة. وقفت في مكانها ساكنة فأغمضت عينيها بقوة لتطرد تلك الصور المزعجة من مخيلتها. شعر بما تمر به، فاقترب منها أكثر حتى أصبح قريبًا منها، ثم مدّ ذراعيه وأحاط بها في عناق دافئ ومحتوٍ، وهمس بصوت هادئ يقطر حناناً ليطمئن قلبها الخافق:

ـ افتحي عيونك يا نور.. أنا جنبك، ومش هخلي أي حاجة توجعك تاني أبدًا اطمني.

فتحت عينيها ببطء على صوته الهادئ، فرسمت ابتسامة هادئة على شفتيها وقد تسرب الأمان إلى قلبها. نظر إليها بملامح يغمرها العشق والراحة، ثم أشار بعينه إلى المكان حولهما وقال بنبرة دافئة:

ـ هنا.. في نفس النقطة دي بالضبط، بدأت حكايتنا.. ومن هنا بقى لكل حاجة طعم تاني أحلى بكتير.

مسح بحنان على خصلات شعرها وتابع بنبرة كلها ثقة واحتواء:

ـ اللي فات كله كان كابوس وخلص، وأنا هنا عشان أعوضك عن كل لحظة خوف حسيتيها، وعشان أخلّي الجاي كله أمان وسعادة ليكي.. صدقيني، طول ما إحنا سوا مافيش أي حاجة ممكن تكسرنا.

بعد أن انتهيا من تلك اللحظة المؤثرة، استقلا السيارة مجددًا وأكملا طريقهما بهدوء حتى وصلا إلى الشقة.

وما إن فتح ريان الباب ودخلا معًا حتى شعرا بدفء المكان وراحة العودة. كانت نور تشعر بإرهاق السفر وتراكم المشاعر طوال اليوم، فلاحظ ريان تعبها الواضح وعيونها التي بدت ثقيلة. وقبل أن تتحرك خطوة أخرى، حملها بين ذراعيه بخفة وحنان، فابتسمت بخجل ووضعت يديها حول رقبته وهي تسند رأسها على كتفه.

خطا بها خطوات بطيئة وثابتة حتى وصل إلى غرفة النوم، ثم أنزلها برفق على الفراش، ليبقى بجانبها يهتم براحتها ويطرد عنها أي بقايا لألم الماضي، ليبدأ معًا مرحلة جديدة من الأمان والاستقرار.

في الصباح التالي، استيقظ الاثنان بنشاط بعد نوم هادئ أعاد إليهما طاقتهما. ارتديا ملابسهما وتوجها أولًا لزيارة أهل نور، وما إن فتحت والدتها الباب حتى استقبلتهما بالدموع والزغاريد، محتضنة ابنتها بشوق جارف وفرحة لا تُسعها الدنيا بعودتها سليمة معافاة، واجتمعت العائلة حولهما في أجواء مفعمة بالدفء والحمد لله على سلامتها.

وبعد أن قضيا وقتًا جميلًا مع العائلة، انتقلا لزيارة ياسين وكاميليا في الفيلا الخاصة بهما. وما إن وصلا ودخلا من بوابة الفيلا وحتى استقبلتهما أجواء الاستقبال الدافئة، حتى تفاجآ بوجود حمزة ويارا هناك أيضًا يشاركونهم الجلسة.

ابتسم ريان بخبث لطيف وهو يرى الجميع منشغلين بالحديث، فتحرك بهدوء وخفة من خلف كاميليا التي كانت جالسة تتحدث مع نور، ومدّ يده برفق ليغطي عينيها، ليتبعه صوته الساخر بخفة:

ـ مين؟

توسعت عينا كاميليا بدهشة للحظات قبل أن تلمس يده وتعرفه، فهتفت بصدمة سعيدة وهي تزيل يده وتلتفت إليه بسرعة:

ـ ريان! مش معقول!

وما إن التفتت حتى انطلقت صيحات الترحيب والبهجة من الجميع، فهبت يارا وكاميليا نحو نور بمعانقة حارة تفيض بالدموع والاشتياق، بينما تقدم ياسين وحمزة واحتضنا ريان بحرارة بالغة، متبادلين الضحكات والترحيب الحار. عمت أرجاء الفيلا حالة عارمة من الفرح والزغاريد والدموع السعيدة، وامتزجت أصوات ترحيبهم باطمئنانهم على نور، لتجلس العائلة معاً في أجواء مفعمة بالبهجة والدفء.

تأمل حمزة تجمعهم بمكر، ثم اعتدل في جلسته وقال بصوت غلب عليه المداعبة:

ـ البيت كان هادي ورايق في غيابك.. أظن كده رجعنا للقلق والازعاج الصراحة!

تطلع إليه ريان بنظرة غيظ مصطنعة وهو يشير برأسه نحو الفتيات، ثم هتف بخفض صوته:

ـ بلاش جنان قدام البنات يا حضرة الضابط.. مش عايزين نتجنن من أول يوم كده!

ارتفعت ضحكات نور الهادئة على ردهما، وقبل أن يعقب أحدهم، التفتت كارما نحو ريان بمشاكسة ونبرة يحاربها المرح، فقالت:

ـ حقيقي يا ريان، البيت كان فاضي وهادي في غيابك!

ثم التفتت إلى والدها بغيرة مصطنعة وملامح متأففة بلطف، وقالت وهي تشير إلى نفسها:

ـ شايف يا بابا؟ وأنا هوا هنا ولا إيه.. طبعًا علشان الغالي حضر فالكل نسيني!

علت ضحكات الجميع على تعليقاتها العفوية، لتمتلئ أرجاء الفيلا بأجواء من المرح والبهجة التي أسدلت الستار على أي تعب قديم.

تأمل ريان نظرات الجميع حوله، ثم ابتسم بخفة وقال وهو يوجه كلامه لهم:

ـ أنا طالع أوضتي فوق شوية.. رايح أشوفها عشان وحشتني قوي.

وما إن انتبهت كارما لكلماته حتى لمعت عيناها بالمكر، فالتفتت بسرعة إلى نور وغمزت لها وهي تقول بمشاكسة:

ـ الحقي يا نور.. شكلك من أول يوم كده هيكون فيه حد بيشاركك في حبه!

ابتسم الجميع على مزاح كارما الخفيف ومشاكساتها المعتادة، بينما التفتت نور إلى ريان بعيون تلمع بالحب والضحكة تزين شفتيها، وقالت بإصرار لطيف:

ـ خلاص.. أنا كمان طالعة معاك أشوفها.

صعد الاثنان معًا إلى الأعلى بعيدًا ىعن ضوضاء الجميع وضحكاتهم، وما إن أغلقت باب الغرفة خلفهما حتى انساب سكون دافئ ومريح على المكان.

التفت إليها ريان فورًا، ومدّ يده ليجذبها بحنان إلى صدره، محاطاً إياها بذراعيه وكأنه يريد أن يخبئها عن العالم كله. أسندت نور رأسها على كتفه، مغمضة عينيها وهي تتنفس أنفاسه المحملة بالأمان، ليهمس بصوت دافئ يلامس قلبها:

ـ وحشتيني قوي يا نور.. حتى وإ واحنا مع بعض، بحس إن الشوق ليكي ما بيخلصش.

ابتسمت بخجل وهي ترفع عينيها لتلتقي بعينيه الغارقتين في حبها، وقالت بصوت هادئ يفيض بالعشق:

ـ وأنا كمان يا ريان.. كأن كل دقيقة بعيد عن حضنك كنت تايهة فيها، دلوقتي بس حسيت إني وصلت.

نظر إلى شفتيها المرتجفتين بابتسامة حانية، ثم انحرف برأسه ليطبع قبلة رقيقة على جبهتها طالباً أن تطمئن روحه بقربها، قبل أن تذوب المسافات بينهما في عناق طويل يختزل كل معاني الدفء والسكينة بعد طوفان الخوف والتعب.

تأمل نور وهي تقف بين ذراعيه، وعيناها تنطقان بكل معاني الأمان والسكينة بعد كل ما مرت به، بينما يغمرها بحنانه لترتاح روحها تمامًا في حضنه. بعد لحظات من الصمت العذب، تراجعت نور قليلاً ونظرت في عينيه، ثم قالت بصوت رقيق:

ـ ريان.. إيه رأيك نبات الليلة دي هنا في أوضتك؟

نظر إليها ريان بابتسامة دافئة ووافق فورًا وهو يمسح على وجهها بحنان:

ـ طلباتك أوامر يا قلب ريان، أكيد نبات هنا.

نزلا معًا بعد ذلك إلى الأسفل حيث يجلس الجميع، فتوجهت نور نحو ياسين وكاميليا وبصوت يحمله الاحترام والود قالت:

ـ بقول لحضرتك يا ماما.. ويا بابا، إحنا فكرنا نبات الليلة دي هنا معاكم في الفيلا، إيه رأيكم؟

تهللت أسارير كاميليا فرحاً وقامت بلهفة لتضم نور، وهتفت بسعادة غامرة:

ـ يا حبيبتي ده أحلى خبر سمعته، طبعًا تنورونا، الفيلا بوجودكم ليها طعم تاني!

سرعان ما جهزوا عشاءً مميزًا وسط أجواء من الفرح، وبينما كانوا يستعدون للجلوس، نظر حمزة إليهم بمكر وغمزة ليارا، ثم قال:

ـ بما إن السهرة بدأت تحلو والكل موجود، أنا ويارا قررنا نبات معاكم إحنا كمان.. مش هنسيبكم تستمتعوا لوحدكم!

ضحك الجميع على تعليق حمزة العفوي، وانغمسوا في أجواء العشاء العائلية المليئة بالدفء والضحكات، وسط سعادة غامرة بلم شملهم جميعاً تحت سقف واحد في الفيلا.

وانتهت سهرتهم الدافئة على أضحوكات حمزة ومشاكسات الجميع التي أضفت على الفيلا حياة وبهجة، ومع ساعات الليل المتأخرة وهدوء المكان، انسحب الجميع تدريجيًا متوجهين إلى غرفهم ليخلدوا إلى النوم، لينعم الجميع بسكينة الليل وراحة البال بعد يوم طويل مليء بالمشاعر.

❈-❈-❈

أشرقت شمس اليوم الجديد على الفيلا، ليستيقظ الجميع ويجتمعوا على مائدة الإفطار في جو أسري مرح ودافئ. وما إن انتهوا، حتى استعد حمزة وياسين للتوجه إلى عملهما، بينما جلست كاميليا برفقة الفتيات ومعهم ريان.

تطلعت كارما نحو نور بنظرة فضولية، ثم هتفت بمشاكسة:

ـ يا ترى يا نور.. هترجعي الجريدة امتى؟

نظرت إليها نور بجدية، وقالت بحسم:

ـ خلاص يا كارما.. أنا مش هرجع للصحافة تاني.

قطب ريان جبينه بدهشة، والتفت إليها ليهتف بنبرة معترضة:

ـ ليه يا نور؟ إزاي تقرري تبعدي عن حاجة كنتِ بتحبيها وتشتغلي فيها كده؟

أجابت بحزن وهي تسترجع ذكريات تلك الأيام المرعبة:

ـ المرة اللي فاتت بابا اتسجن بسببي.. وأنا كنت هموت لولا إنقاذك ليا. مش هقدر أجازف تاني يا ريان.. مش ضامنة لو رجعت مين هيكون خصمي الجديد، أو الأذى هيكون نصيب مين المرة دي؟

مرت الساعات بهدوء حتى حل المساء، ليودع ريان ونور عائلتهما ويعودا معًا إلى شقتهما الخاصة، حيث استنشقا معًا نسيم الاستقرار والهدوء بعيدًا عن صخب الأحداث الماضية.

وتوالت الأيام حاملة معها سيلًا من السكينة والدفء، وعاد ريان تدريجيًا لمهامه ورحلات عمله المعتادة. وفي الأيام التي كانت تطول فيها رحلاته وغيابه، لم تكن نور تقضيها وحدها، بل كانت تحرص على قضاء أغلب أوقاتها برفقة ياسين وكاميليا في الفيلا، تجلس معهم وتنسيهم الوحدة، لتظل رابطة العائلة متماسكة ودافئة في كل الظروف.

بعد مرور شهر على استقرار الأجواء وهدوء العاصفة، كانت نور تقضي اليوم في منزل والديها للاطمئنان عليهما، وبينما كانت تجلس برفقة والدها يتسامران، دق جرس الباب. أسرع شاكر لفتحه ليجد صديقه حسن المصري واقفًا على الأبواب بابتسامته المعتادة.

تهللت أسارير شاكر، وهتف بترحيب حار وهو يصافحه:

ـ أهلًا يا حسن.. نورت البيت، اتفضل يا راجل يا طيب.

دخل حسن بخطوات واثقة ومريحة، وما إن وقعت عيناه على نور حتى ظهرت المفاجأة على وجهيهما معاً. وقفت نور متصلبة لبرهة وهي تنظر إليه بتوجس، ليهتف حسن بابتسامة هادئة وهو يوجه حديثه لشاكر:

ـ أهلًا يا شاكر.. واضح إن مكتوب لي أضرب عصفورين بحجر واحد، إني أزورك، وأقابل نور بالمرة في موضوع مهم.

خرجت سوسن على صوت الحديث، فترحب بحسن بابتسامة دافئة، بينما عقد شاكر حاجبيه بقلق خفيف وهو يسأل صديقه:

ـ خير يا حسن؟

أشار حسن بيده ليطمئنهما، وجلس بأريحية قائلًا:

ـ اطمنوا يا جماعة.. أنا جاي في مصلحة تخص نور، وأظن الوقت جه عشان تسمعوني كويس.

عقدت نور حاجبيها، وسألت بوجوم:

ـ إيه الحكاية؟

ابتسم حسن بوقار، ثم بدأ يشرح بهدوء:

ـ الموضوع وما فيه إني عارف ظروفك كويس، وعارف إنك اضطريتي تسيبي الجريدة بعد الحادثة والدوشة اللي حصلت.. بس أنا حافظ كفاءتك وعارف دماغك الشغالة كويس من سنين شغلنا مع بعض. أنا النهاردة جاي ومعايا عرض ليكي عشان تقدمي برنامج تلفزيوني كبير على واحدة من أهم القنوات.. برنامج استقصائي حواري، هيكون صوتك فيه مسموع، بس وأنتِ قاعدة في الاستوديو بكل أمان، بعيد عن مخاطر الشارع وملاحقاته اللي شفتيها. رشحتك بنفسي لأني عارف إن محدش غيرك هيقدر يدي البرنامج ده قيمته.

ساد صمت عميق بالمكان، وأطرقت نور بذهن مشتت تستوعب ثقل المفاجأة، حتى قطعت سوسن ذلك السكوت بحنان أموي قائلة:

ـ فكري في الموضوع يا نور يا بنتي، ده عرض كويس.. وشوفي برضه ريان إيه رأيه.

لم تببس نور بكلمة، بل ظلت واجمة لبرهة تزن العواقب، ثم نهضت في سكوت مطبق وودعتهم بصوت خافت:

ـ عن إذنكم.. هقوم أمشي وأرجع شقتي، محتاجة أفكر.

غادرت منزل والديها وخطواتها تثاقلت بينما صدى كلمات حسن المصري يدور في رأسها بلا انقطاع. وصلت إلى شقتها، فتحت الباب ودخلت وهي منغمسة في تفكيرها العميق، وبعد لحظات قليلة دخل ريان الشقة خلفها دون أن تلحظ وجوده من شدة تفكيرها. اقترب منها في خطى هادئة، وطبع قبلة دافئة على وجهها، ثم همس بنبرة حنون تفيض بالدلال:

ـ حبيبي سرحان في إيه؟ غيري..

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ابتسمت نور له بخفة، وبدأت تسرد عليه تفاصيل زيارة حسن المصري وعرضه للبرنامج التلفزيوني. استمع ريان بتركيز، سكت قليلاً ثم قال بجدية:

ـ بصراحة يا نور، دي فرصة كويسة جدًا ومش هتتكرر، وأنا شايف إنها خطوة مناسبة ليكي.

نظرت إليه نور بتفكير وقالت:

ـ مش عارفة يا ريان.. الأول هعرف رأي ماما كاميليا وبابا ياسين، وبعدها أقرر.

اتفقا على أن يتناولا الغداء أولًا، ثم توجها معًا إلى منزل ياسين وكاميليا. وما إن دخلا حتى وجدا حمزة ويارا بانتظارهما. نظر ريان إلى حمزة بابتسامة مرحة وقال:

ـ هو كل مرة حمزة يسبقني هنا؟ هو احتل الفيلا ولا إيه؟

تعالى الجو بضحكات خفيفة من الجميع على دعابة ريان، فهتف حمزة بابتسامة واسعة وهو يغمز له بمرح:

ـ لا يا كابتن، جيت أعرف بابا وماما إن يارا حامل.

توهج وجه ريان بسعادة عارمة لأجل شقيقه، فأسرع ليعانقه بحرارة ويهنئه هو وزوجته يارا بتهاني ملؤها الفرح، بينما شاركتهم نور التبركة والبهجة بابتسامة دافئة. وفي غمرة تلك الأجواء السعيدة، التفت ريان إلى والديه، وقرر أن يشاركهم الخبر الذي سمعه من نور، فقال بنبرة مهتمة:

ـ بما إننا متجمعين بقى.. حابب أخد رأيكم في حاجة، حسن المصري صاحب الجريدة قابل نور النهارده في بيت والدها، وعرض عليها عرض شغل كبير.

عقد ياسين حاجبيه باهتمام وسأل بصوته الهادئ:

ـ شغل إيه ده يا ريان؟

أجاب ريان بابتسامة وهو يلتفت إليه:

ـ حسن المصري زارها النهاردة عند عمي شاكر، وعرض عليها تقدم برنامج استقصائي حواري كبير على واحدة من أهم القنوات، وبيقول إنها هتبقى قاعدة في الاستوديو بكل أمان بعيد عن دوشة الشارع.

صمت ياسين للحظات، ونظر إلى كاميليا نظرةً بدت وكأنها تساؤل صامت، قبل أن تقطع كارما هذا السكون فجأة، وقالت بجدية:

ـ على فكرة يا نور، الأستاذ حسن كلمني أنا كمان، وبصراحة لو مكنتش ناويه أستقر في أمريكا الفترة الجاية، كنت وافقت فورًا.

التقطت كاميليا خيط الحديث، وبدأت تشجع نور بحماس قائلة:

ـ بصراحة يا نور، دي فرصة مابتتعوضش، وأنا وياسين بنشوف إنك لازم توافقي، ده مكانك الطبيعي والنجاح ده تستحقيه.

ضحك ريان بخفة وهو ينظر لنور ثم لكاميليا، وقال بمرح:

ـ كده يبقى إنتي يا ماما معاها في توقيع العقد مع القناة، وتتولي انتي الجزء القانوني عشان نضمن حقها بالكامل.

ابتسمت كاميليا بثقة، وطمأنته قائلة:

ـ أكيد طبعًا يا ريان، هكون معاها خطوة بخطوة وهتابع كل تفاصيل العقد بنفسي متقلقش.

أضفى هذا الجو الدافئ مزيدًا من البهجة على التجمع، فقضوا بقية الليلة في سهرة عائلية جميلة مفعمة بالضحك والأحاديث الممتعة. وفي خضم الحديث، التفت ياسين إلى نور وقال بنبرة حنونة تطمئن قلبها:

ـ اطمني خالص يا نور، بكرة الصبح بإذن الله هسأل بنفسي عن مالك القناة وإدارتها، عشان أكون متأكد إنك هتبقي في أمان تامة وبعيدة عن أي قلق أو مشاكل.

❈-❈-❈

وفي اليوم التالي، أمسكت نور هاتفتها واتصلت بحسن المصري، وما إن أجاب حتى أخبرته بهدوء وثقة أنها موافقة على العرض. تهلل وجه حسن بسعادة بالغة، وقال لها بحماس:

ـ عظيم جدًا يا نور.. مكنش عندي شك لحظة إنك هتقولي أه. سيبي الباقي عليا، هكلم صاحب القناة حالاً عشان أجهزه العقد، وأول ما يجهز هكلمك ونحدد ميعاد قريب علشان نتقابل ونمضي.

أنهت نور المكالمة مع حسن المصري، وما إن وضعت الهاتف جانبًا حتى شعرت بدوار مفاجئ ألمّ برأسها. حاولت التماسك، وجلست على أقرب أريكة تلتقط أنفاسها. تذكرت أن ريان لديه رحلة اليوم ولن يعود إلا متأخرًا، فقررت ألا تقلق أحداً من عائلتها.

أخرجت هاتفها واتصلت بكارما، وبصوت خافت حاولت جعله طبيعيًا طلبت منها المجيء. ما إن وصلت كارما ورأت شحوب وجهها حتى قالت بقلق:

ـ مالك يا نور؟ وشك أصفر كده ليه؟ تعالي أوديكي الدكتور فورًا.

هزت نور رأسها بالرفض وقالت بابتسامة خافتة:

ـ لا يا كارما دكتور إيه، دي دوخة بسيطة من التفكير، أنا بقيت كويسة، كل الحكاية إني كنت محتاجة حد معايا.

جلستا معًا بعض الوقت حتى اطمأنت كارما تماماً على حالتها وتأكدت أن الدوخة زالت، فودعتها وانصرفت، بعد أن وعدتها نور بأن ترتاح وتخبر ريان بكل شيء فور عودته.

بعد أن أغلقت الباب وخلت إلى نفسها، ظلت الدوخة الخفيفة تراودها، فربطت بينها وبين حالة الإرهاق المستمرة والأعراض التي انتبهت لها للتو. تحركت بخطوات مترددة نحو الحين وأخرجت اختبار حمل منزلي كانت قد احتفظت به احتياطيًا. أجرت الاختبار وعينيها معلقتان عليه بقلب يوجفه الترقب، وما هي إلا لحظات حتى ظهرت النتيجة الإيجابية الواضحة.

تسارعت أنفاسها ودمعت عيناها من شدة المفاجأة والفرحة العارمة، ووضعت يدها على بطنها بذهول وهي تهمس لنفسها بصوت خجل ومتهدج:

ـ مش معقول! أنا حامل؟!

جلست نور على طرف سريرها في غرفتها، تحتضن نفسها بسعادة غامرة، والنتيجة التي غيرت كل شيء لا تزال في يدها. لم تشعر بمرور الوقت حتى سمعت صوت مفتاح ريان في باب الشقة، ثم خطواته التي تقترب نحو الغرفة.

دخل ريان الغرفة وهو يخلع معطفه بتعب الرحلة، لكنه توقف فجأة عندما وقعت عيناه على نور؛ كانت تجلس بوضع غير معتاد، وعيناها تلمعان بدموع الفرح رغم بقايا شحوب على وجهها. اقترب منها بخطوات سريعة وملامح القلق تعلو وجهه:

ـ نور! في إيه؟ مالك يا حبيبتي؟ كارما قالت لي إنك تعبتي النهاردة.. إيه اللي حصل؟

نظرت إليه نور، وابتسامة رقيقة ارتسمت على شفتيها رغم ارتباكها، ثم مدت يدها ببطء لتعطيه الاختبار. أخذ ريان الاختبار من يدها، ونظر إليه بتركيز، ثم رفع عينيه إليها بذهول لا يصدقه. تجمد في مكانه للحظات، قبل أن تتبدل ملامح القلق عنده إلى صدمة سعيدة، ثم انفـ.ـجرت ضحكته الممزوجة بدموع الفرح.

ألقى بكل ما في يده، واحتضنها بقوة وهو يرفعها عن الأرض ويدور بها في الغرفة، وصوته يتهدج بمشاعر فياضة:

ـ بجد يا نور؟! أنا مش مصدق! يعني بقيت أب؟!

دفنت نور وجهها في عنقه وهي تضحك وتبكي في آن واحد، بينما كان ريان لا يكف عن تقبيل رأسها، ونظراته تفيض بحب وعشق يفوق الوصف، وكأنه يريد أن يخبر العالم كله أن أجمل رحلة في حياته بدأت لتوها.

ضمها ريان إلى صدره وسط فرحته العارمة ونبراته المتهدجة، وهمس قرب أذنها بنبرة تفيض بالحنان والاطمئنان:

ـ بكرة الصبح أول حاجة هنعملها، هنروح للدكتورة عشان تطمني وتتأكد إنك أنتِ والبيبي كويسين، ومش هسكت لحد ما أتأكد إن كل حاجة تمام.

رفعت نور رأسها لتنظر إليه بعيون دامعة من الفرح، فأومأت برأسها موافقة، فابتسم لها بعمق وأكمل بحماس طفولي:

ـ وبعد ما نرجع من عند الدكتورة بالسلامة، هنكلم العيلة كلها ونطلب منهم يجوا عندنا في البيت.. مش هنقولهم في التليفون، عايزين المفاجأة تكون وجه لوجه وهم متجمعين عشان نعرفهم بخبر قدوم الحفيد الجديد في بيتنا.

بعد ليلة مليئة بمشاعر الفرح التي لم تترك لهما مجالاً للنوم، استقبلا صباح اليوم التالي بنشاط غير مسبوق. توجها مباشرة إلى عيادة الطبيبة، وبعد فحص دقيق وشامل، ابتسمت الطبيبة لهما قائلة بلهجة مطمئنة:

ـ مبروك يا مدام نور، الحمل مستقر جدًا، والجنين في حالة ممتازة، والحمل دلوقتي دخل في الشهر التاني، ربنا يتمم لكم على خير.

خرج الاثنان من العيادة والابتسامة لا تفارق وجههما. وبمجرد وصولهما إلى المنزل، التمعت في عين ريان فكرة مشاكسة، فأخرج هاتفه وبدأ في الاتصال بعائلته. اتصل أولاً بوالديه، ثم اتصل ب شاكر وسوسن، وأخيرًا بحمزة ويارا، وفي كل مكالمة كان يغير نبرة صوته لتبدو جدية ومضطربة قليلًا، قائلًا بتمثيل متقن:

ـ يا جماعة محتاجكم تجوا البيت النهاردة ضروري.. حصل سوء تفاهم كبير بيني وبين نور، وأنا مش عارف أتصرف، وهي رافضة تماماً تسمعني أو تفتح معايا أي نقاش، محتاج وجودكم عشان ننهي الموضوع ده.

بمجرد أن أنهى آخر مكالمة وأغلق الهاتف، انفـ.ـجرت نور في الضحك وهي تنظر إليه بإعجاب على قدرته في التمثيل، وقالت له بمرح:

ـ يا ممثل يا خطير! إنت بجد خليتهم يصدقوا إننا متخانقين؟ شكلك هتعمل فيهم مقلب العمر!

عادا إلى الشقة، وبدلًا من أن يستريحا، انشغل ريان بتجهيز كل شيء لاستقبال العائلة بنفسه؛ حيث أعد المشروبات والضيافة، ورفض تماماً أن تلمس نور أي شيء أو تساعده، مؤكداً عليها أن ترتاح حتى يحين وقت المفاجأة.

وفي الموعد المحدد، كان أول الواصلين هما شاكر وزوجته سوسن. ما إن دلفا إلى الداخل حتى استقبلهما ريان بوجه مكفهر وملامح متوترة، وطلب بهدوء من نور أن تظل في غرفتهم الخاصة ولا تخرج منها الآن.

وبعد فترة وجيزة، وصل ياسين برفقة زوجته كاميليا وابنتهما كارما. وما إن استقر الجميع في غرفة الاستقبال حتى لاحظ الجميع الأجواء المشحونة وقلق ريان الواضح. التفتت سوسن إليه بقلق وسألته باهتمام:

ـ خير يا ريان يا ابني؟ مالكم إنت ونور؟ فينها مش طالعة تسلم علينا ليه؟

حاول ريان رسم أقصى درجات الجدية على محياه، وتنهد بأسف خادع قائلًا:

ـ يا طنط زي ما كلمتكم في التليفون.. زعلانة ومش راضية تفتح معايا أي كلام، وقاعدة جوه في الأوضة ومش راضية تخرج.

زاد هذا الكلام من قلق شاكر وسوسن، وبدأت سوسن تعاتب ريان بلطف بضرورة احتواء الموقف، بينما كانت كارما تنظر إليه بذهول وحيرة، فهي لا تفهم شيئًا خاصة وأن نور كانت طبيعية معها البارحة ولا توجد أي مشاكل!

وقبل أن يتحدث أحد آخر، رن جرس الباب معلناً عن وصول آخر الواصلين؛ حمزة برفقة يارا، اللذين دخلا متسائلين بقلق عن سبب هذا الاجتماع الطارئ في هذا الوقت.

اتجه ريان للمطبخ ليحضر العصائر والحلوى ليقدمها لهم، ليزداد تعجب الجميع من هدوئه المريب وسط هذا الجو المشحون. التفتت سوسن إليه بضيق وقالت بنبرة حازمة:

ـ ريان.. إحنا مش فاهمين حاجة، قوم نادي نور تيجي تقعد معانا، قولها إننا كلنا هنا وهنعرف نحل أي مشكلة.

أومأ برأسها بموافقة مزيفة، واتجه بخطوات هادئة نحو الغرفة. ما إن أغلق الباب خلفه ووجد نور تنتظره بابتسامة دافئة، حتى تنفس الصعداء وتمتم وهو يضع يده على رأسه بمرح:

ـ حاسس إني هتقتل قبل ما أشوف ابننا من كتر التمثيل!

اقترب منها ووضع يده برفق على بطنها، فابتسمت له بحنان؛ فلم تنكر أنها منذ معرفته بالخبر البارحة وهي تراه شخصًا آخر تماماً، كطفل صغير وجد لعبته المفضلة ولا يكف عن الاهتمام بهما. أمسك يدها بحماس، وابتسامة واسعة تخترق عينيه، ليخرجا معًا إلى غرفة الاستقبال.

وما إن وقفوا أمام الجميع، حتى اندفعت سوسن نحو نور بقلق وهي تهتف بتعجب:

ـ إيه حكايتكم يا ولاد؟ طمنوني، في إيه بينكم؟

هتفت نور بابتسامة مطمئنة وهي تلمس يد والدتها:

ـ اهدي يا ماما، إحنا كويسين جدًا ومافيش أي خلاف.

في هذه اللحظة، تدخل ريان وأشار لنور بالجلوس بجوار والدته ووالدتها، ثم وقف أمام الجميع بنظرة مليئة بالسعادة وقال:

ـ بصراحة يا جماعة، إحنا جمعناكم هنا عشان عندنا خبر مهم جدًا ليكم، ومكناش نحب نشاركه مع حد قبل ما تكونوا كلكم موجودين معانا.. نور حامل في شهرين!

ساد الصمت لثوانٍ في الغرفة، قبل أن تعلو الوجوه ابتسامات واسعة وتتعالى عبارات التهنئة والمباركات التي ملأت المكان بحرارة وسعادة غامرة.

قطّب حمزة حاجَبيه بذهول مصطنع وهو يستوقب المقلب، ثم نظر إلى ريان بعينين مليئتين بالدهشة المكتومة، ليهتف بصوت يغلب عليه المزاح:

ـ يعني عملت فينا مقلب وخضتنا كلنا عشان شوية تمثيل!

وما إن انتهى من كلماته حتى نهض مفاجئاً الجميع، وتقدم نحوه بخطوات سريعة ملوحًا بيده كأنه سيضربه بغضب مصطنع، ليقابل ريان حركته بضحكة عالية وهو يتراجع للخلف بحماس:

ـ أهدى يا باشا.. إنت كمان هتبقى بابا، هتدخل السجن كده بسببي!

ما إن قالها حتى تحولت الجلسة برمتها إلى موجة من الضحكات الصاخبة والتعليقات المتبادلة بمرح. وبينما كانت الأجواء تفيض بالبهجة، نظرت كاميليا إلى نور بحنان ثم التفتت إلى ريان بجدية وقالت:

ـ بجد كده ما ينفعش يا ريان.. نور ما ينفعش تفضل لوحدها خالص، وخصوصًا إنها في بداية الحمل ومحتاجة رعاية واهتمام مستمر، الأفضل تكون معانا في البيت.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

نظرت سوسن إلى ابنتها بهدوء، وكأنها تؤيد كلام كاميليا بصمت، وقبل أن يحتدم النقاش حول المكان الذي ستستقر فيه، هتف ريان بهدوء وثقة:

ـ أنا عندي اقتراح يرضي الكل.. تقضي أسبوع هنا في شقتنا، وأسبوع مع طنط سوسن وعمي شاكر، وأسبوع مع بابا وماما، وبكده نبقى اطمنا عليها وكلنا قاعدين جنبها.

أيد الجميع الفكرة بحماس واستحسنوا الاقتراح، وقضوا بقية السهرة في أجواء دافئة عامرة بالضحك والحديث عن القادم الجديد.

ومع منتصف الليل، غادر الجميع الشقة مودعين إياهما بابتسامات ووصايا متكررة بالاهتمام، ليُغلق الباب خلف آخر زائر، ويظلا أخيراً بمفردهما في هدوء الليل.

التفت ريان إلى نور، ومد يده ليجذبها بحنان إلى صدره، ووضع قبلة حانية على رأسها وهو يهمس بصوت دافئ:

ـ أخيرًا بقينا لوحدنا.. حاسس إن اللي حصل ده حلم ومش مصدق نفسي إننا هنبقى عيلة بجد.

رفعت نور وجهها إليه وعيناها تلمعان ببريق السعادة، ووضعت يدها على صدره متمسكة به بابتسامة رقيقة:

ـ أنا لسه مش مصدقة أصلًا.. بس بجد شكرًا على كل حاجة عملتها النهاردة، ومقالبك اللي خوفتنا دي.

ضحك ريان بخفة وهو يشدد على احتضانها، وعيناه تفيضان بعشق لا ينتهي، ليقضيا ما تبقى من الليل في الحديث الهادئ عن مستقبلهما وطفلهما المنتظر.

مرت عدة أيام وكان الجميع يحيطون نور ويارا بالرعاية والاهتمام الدائم نظرًا لحملهما معًا. وفي نفس الفترة، حُدد موعد زفاف كارما ومراد، ولكنهما اصطدما بعقبة عدم استطاعة نور السفر نهائيًا؛ إذ حذرتها الطبيبة بشدة من السفر لكون الرحلة طويلة ومرهقة في هذه المرحلة الحساسة من الحمل.

شعرت كارما بحزن شديد لعدم قدرة صديقتها على حضور حفل الزفاف بجانبها، فابتسمت لها نور بحنان وواستها قائلة:

ـ معلش يا حبيبتي، غصب عني، المهم تكوني مبسوطة وفرحتك تكمل، وأول ما أولد وتسمح لي الظروف هجيلكم فورًا.

حاول ريان التخفيف عن شقيقته كارما، ووعدها بأنه سيكون معها في يوم الزفاف مهما كانت الظروف ليعوضها عن غياب نور، وبالفعل، قام بتوصيلهم إلى المطار وودعهم قبل سفرهم، عائدًا بعدها ليبقى بجانب نور ويرعى تفاصيل يومها بنفسه.

عاد ريان من المطار، وما إن دخل الشقة حتى وجد نور بانتظاره، فاقترح عليها بحماس أن يخرجا معًا لتناول العشاء في مطعم هادئ لتغيير الأجواء وكسر ملل الأيام الماضية. ترددت نور قليلًا لكنها وافقت رغبةً في إسعاده، وبالفعل خرجا وقضيا وقتًا لطيفًا.

وفي منتصف السهرة، وبينما كان العزف هادئًا والموسيقى الرومانسية تملأ المكان، ابتسم لها ريان ومد يده يدعوها للرقص معه خفةً وبهجة. مدت نور يدها إليه بابتسامة رقيقة ونهضت لتتحرك معه بخطوات بطيئة على نغمات الموسيقى، وهما يتبادلان نظرات العشق والانسجام.

ولكن، فجأة وفي وسط الأجواء الهادئة، تجمدت ابتسامة نور على شفتيها حين داهمتها موجة حادة ومفاجئة من الألم الشديد في أسفل بطنها، لتعقد حاجبيها بوجع وتضغط بيدها على ذراع ريان بقوة وهي تعجز عن التقاط أنفاسها. لاحظ ريان شحوب وجهها المفاجئ وتوقف عن الحركة بلهفة، وما هي إلا لحظات حتى تملكتها رعشة مخيفة وأحست بوهن شديد يسري في جسدها، لتتسع عيناها بذهول وذعر جمد الدم في عروقها، وتلاشت أصوات الموسيقى من حولها كلياً، لتخترق رأسها فكرة واحدة مرعبة شلت تفكيرها بالكامل:

ـ ابننا.. ابننا راح!

« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل