قراءة رواية بين الرفض والقدر (عريس قيد الرفض) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: بين الرفض والقدر
(عريس قيد الرفض)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( عفاف شريف) | الفصل: (41)
وقفتُ أتساءل لبرهة... كيف للحظةٍ واحدة أن تمحو كل ذلك الألم من قلبي دفعةً واحدة؟
كيف لبسمةٍ صغيرة أن تُشرق كشمسٍ فوق ظلمة أرضي؟
كيف لهمسةٍ خافتة أن تُدثّر أوجاعي، مخبرةً إيّاي بكل حزم:
رضيتِ، فرضي الله عنكِ.
صبرتِ، فكان جبرٌ بعد صبر،
ويُسرٌ بعد عُسر،
وعوضٌ بعد رعب.
التقطي أنفاسكِ، وبكل يقين اصرخي: إن جبر الله آتٍ لا محالة، وإن طال الانتظار.
اسجدي لله باكيةً، خائفةً، متضرعةً؛ فلا ملجأ من الله إلا إليه.
وها أنتِ ذا تضمّين صغيرًا كان جبرًا من الله، وعوضًا يليق بكل ما صبرتِ عليه.
❈-❈-❈
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾
كم سمعتها مرارًا وتكرارًا، ولم أفهم حينها معنى شعور هذا العطاء حتى الرضا، حتى تكاد روحك أن تحلّق بأجنحتها، تطير وتطير حتى لا يسعك العالم من فرط الفرحة.
إذن أهذا هو جبر الله؟ أَتلك هي راحة القلب؟ ضماد الروح والنفس، الراحة بعد الكرب، والعطاء بعد الفقد، شعور الحياة بعد الموت.
هي...
ملك.
ذاقت اليوم معنى الجبر.
ابتسمت لها الطبيبة بتأثر هي الأخرى، من مظهرها المرتجف وعيناها الباكيتين، وهي تتحرك نحوها واضعة الصغير الباكي بين أحضانها.
ارتجفت ملك أكثر، وازداد بكاؤها، وبتلقائية فطرية أحاطته بحماية وحب أمّ، تهمس له بكل حنان العالم أنها هنا.
تقبّل رأسه ويده وقدمه، تشمّ عبقه، تتفحصه بحرص شديد، حتى خفّ بكاء الصغير وسكن بين أحضانها.
تعرّف على صوتها، صوتها الدافئ المرتجف، هذا الذي لازمه لأشهر طويلة يتحدث معه في كل شيء وأي شيء.
رفعت ملك عيناها نحو أنس الواقف بجانبها بعد أن سجد شكرًا لله.
يطالعها بعيون غائمة ووجه محتقن متأثر.
كانت تعلم ويعلم، هذا حلمهما معًا، ألمهما الذي تقاسماه سويًّا.
وأومأت له تحثه على الاقتراب، وعيناها تذرف المزيد من الدموع بغير تصديق.
اقترب منها، ضمهما معًا وضمت هي صغيرها.
وهنا...
صمت كل شيء، وانفجرت هي في بكاء عنيف.
تدفن رأسها في صدره، ولسانهما يردد الحمد لله، الحمد لله.
هذا جبر الله، والحمد لله.
❈-❈-❈
بعد بعض الوقت، تحركت الطبيبة نحوهما بعد أن منحتهما الوقت الكافي للشعور باللحظة، وغمغمت بمشاكسـة:
دلوقتي محتاجين ناخد الأستاذ الصغنن عشان نفحصه ونطمن عليه، وعلى طول هنرجعهولك إن شاء الله.
ترددت ملك وضمت الصغير لصدرها أكثر بوهن، تناظر أنس بقلق.
إلا أن الطبيبة التقطت قلقها وأومأت باطمئنان، ليردد هو وهو يمسح على خصلاتها بحنان:
ابننا بخير يا حبيبتي. ده فحص طبيعي بيحصل لكل الأطفال، هيفحصوه ويجيبوه مرة تاني، متقلقيش.
إجراء طبيعي.
ورغم قلقها ورغبتها في ضمه مدى الحياة دون أن يفارقها، رضخت بإنهاك، شاعرة بانتهاء طاقتها في تلك اللحظة.
وقد كانت الطبيبة الأخرى بدأت بفحصها والاطمئنان على وضعها الصحي.
ليحمل هو الصغير منها، يضمه لأول مرة، مقبلًا رأسه بتأثر، شاعرًا بالارتياح، قبل أن يعطيه للطبيبة بهدوء.
ابتسمت لهم وغمغمت متسائلة:
جبتوا شنطة البيبي وحاجات الأم؟
اتسعت عينا أنس بإدراك، يناظر ملك التي ناظرته هي الأخرى بتيه وعدم استيعاب، ورددت بصدمة:
الشنطة يا أنس، فيها كل حاجة، هدومي وهدوم البيبي، وكل حاجة تخصنا.
زمّ شفتيه بضيق وردد بتذكر:
للأسف مجبتهاش. إحنا جينا هنا على طول وقت ما تعبت. وللأسف من التوتر نسيت أكلم حد يجيب الشنطة من البيت.
ونظر إلى الساعة التي تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، وتابع:
الوقت اتأخر، ومظنش أصلًا حد هيكون صاحي دلوقتي عشان يجيبها.
وتابع بهدوء:
ممكن أنا بسرعة أروح أجيب الشنطة وأجي.
طمأنته قائلة بهدوء:
مفيش مشكلة. حاليًّا هنلبس الصغنن ده من هنا، والممرضات هيلبسوا مدام ملك لبس المستشفى بشكل مؤقت لحد ما حضرتك تجيب الشنط.
أومأت لها.
لتتابع هي:
دلوقتي اتفضل، والممرضات هيساعدوا مدام ملك في كل حاجة. وهنسيبها تحت المراقبة ساعتين، بعدين نقدر ننقلها غرفتها الخاصة هي والبيبي بأمر الله.
هز رأسه نافيًا مرددًا بهدوء:
اسمحيلي يا دكتور، أنا اللي هساعدها في كل حاجة.
قالها وعيناه تنتقل نحو ملك التي بدأت تسقط في نوم منهك ومتعب بعد أن تم حقنها بالمسكن.
ابتسمت له الطبيبة وغادرت، تتبعها الممرضة بعد أن أوضحت له كل شيء وما يجب أن يفعله بالضبط.
وغادرت هي الأخرى وأغلقت الباب خلفها.
وظل هو محله يناظر زوجته الغافية بتعب وإنهاك، قبل أن يتحرك يحملها ويهدهدها بحرص، قبل أن ينقلها نحو الفراش الآخر.
لترخي هي رأسها على صدره بوهن، تاركًا له زمام الأمور.
ورغم كل آلامها، كانت بخير، بألف خير.
❈-❈-❈
بعد بعض الوقت كان انتهى من مساعدتها وأعادها للفراش مرة أخرى.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
دلفت الممرضة بعد أن طرقت الباب، تحمل الصغير في لفافة بيضاء، محدثة ملك بهدوء:
حمد لله على السلامة. أنا عارفة إنك تعبانة ومش قادرة، بس معلش لازم يرضع أول رضعة دي.
أومأت لها ملك بابتسامة متعبة.
ورغم كل ما تشعر به من آلام، إلا أنها ما إن ضمته إلى صدرها بحنان حتى ذرفت عيناها الدموع مجددًا.
لا تصدق، لا تصدق أنها هنا، تضم صغيرها إلى صدرها.
ساعدها أنس في الجلوس في وضع أكثر راحة بعدما غادرت الممرضة.
وما إن استكان الصغير بين يديها حتى ارتجف قلبها بمزيج غريب من المشاعر.
تأملت وجهه الصغير، خصلاته الناعمة الشبيهة بخصلاتها، أصابعه الصغيرة.
كانت تطالعه والدموع تغزو عينيها، عاجزة عن وصف شعورها.
رفعت عينها نحو أنس، حيث يضمها ويساندها والصغير لشدة وهن جسدها.
وبادلها النظر بابتسامته، كان يفهمها، بل كان أكثر من يفهمها، فهو مثلها ذاق ذات الفقد.
همست له بخفوت وقد عادت تطالع صغيرها:
حلو أوي، صح؟ ما شاء الله، الله يحفظه.
اللهم آمين يا رب العالمين.
قالها بتأثر ويداه تلامس وجه الصغير، قبل أن يردد بهدوء وفضول:
لسه مفتحش عينه، تظني واخد لون عين مين فينا؟
وعند تلك الخاطرة قرر الصغير أن يفتح عيناه ويرحم فضولهما.
اتسعت عينا ملك وضحكت بشدة حتى مالت على صدر زوجها.
كان الصغير بعينين رماديتين فاتحتين، ليس شبيهًا لها ولا له، بل أخذ عيني خاله، أخاها تميم.
غمغمت بضحك واهن:
واضح أن تميم متفشي في العيلة.
شاركها الضحك.
ولم يعلم كلاهما أن الصغير لن يشبه أيًّا منهما، بل سيشبه أكثر رجال العائلة وسامة وحنانًا.
فالصغير... سيشبه خاله.
ويا لحظه!
❈-❈-❈
وبعد دقائق، راقبا الصغير وهو يغرق في نوم عميق.
قبلته ملك بحنان، قبل أن يحمله أنس بحرص، واضعًا إياه في فراشه بجانب فراش ملك.
ودثره جيدًا.
ووقف ينظر له قليلًا يملأ عينيه من رؤيته بخير، قبل أن يهمس:
﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾
تنهد براحة، قبل أن يلتفت لزوجته التي كانت بدأت عيناها في التثاقل بإرهاق، قبل أن تغط في نوم متعب ومرهق.
وهي تهمهم بهمس خافت:
ابننا يا أنس، هات ابننا في حضني.
مال على رأسها يقبلها بحنان مرددًا:
حبيبتي، ابننا جنبك أهو. ارتاحي أنتِ بس.
وتابع بهمس خافت في أذنها:
وأنا هروح البيت أجيب الحاجة وأجي بسرعة. مش هتأخر.
قالها ودثرها جيدًا.
أخفض الإضاءة، وأمسك هاتفها، ولم يمر سوى ثوانٍ وكان ينبعث منه آيات القرآن الكريم بصوت خافت هادئ.
وضعه بجانبها بحرص، حتى إذا استيقظت في قلق وودت الاتصال به.
وخرج سريعًا لتقابله الممرضة التي ابتسمت له، ليقول بهدوء:
أنا مضطر أروح البيت سريعًا أجيب شنطتها وشنطة البيبي، ممكن لو سمحتي تخلي بالك منهم وتبصي عليهم كل شوية؟
قالها وقد أخرج مبلغًا ماليًّا كبيرًا ينقده إياه كهدية بسيطة لولاده الصغير.
لتبتسم له بحرج وتشكره، قبل أن تطمئنه أن يذهب ولا يقلق.
وغادر المشفى سريعًا.
غادر في حال غير حال.
كان راضيًا، كل الرضا.
❈-❈-❈
تحرك سريعًا مستقلًّا سيارته وقد صفها صديقه في مَرآب المشفى، متوجهًا نحو منزله.
صعد للشقة وجلب الحقيبة الكبيرة، وقد جهزتها ملك على مدار الأشهر السابقة قطعة قطعة.
وغادر المنزل مرة أخرى سريعًا.
استقل سيارته، وقبل أن يذهب للمشفى أخذ طريقًا آخر، باحثًا عن أحد محلات الورد، متأملًا أن يجد أحدهم هذا الوقت.
لكن بكل أسف لم يجد.
لكنه لم يستسلم، وتوجه إلى أحد محلات الحلوى المشهورة بالعاصمة.
ودلف باحثًا بعينه عن قطعة معينة.
أتى له العامل سريعًا قائلًا:
اتفضل يا فندم.
ردد أنس بهدوء:
عايز بوكيه شوكولاتة. بس أهم حاجة عايزه الشوكولاتة نوع........
وأخبره النوع المفضل لملك.
أملى العامل طلباته والشكل الذي يريده.
وخلال نصف ساعة كان قد استلم الباقة.
وقبل أن يصعد للسيارة، لفت انتباهه متجر ألعاب وهدايا ما زالت أبوابه مفتوحة رغم تأخر الوقت.
لذا وضع الباقة في السيارة وسارع بدخوله، عازمًا على شراء شيء آخر، سيسعدها بلا شك.
وكم يتوق لإسعادها، وإدخال البهجة على قلبها كما أبهجت قلبه.
❈-❈-❈
رغم تعبها لم تغفُ سوى قليلًا، واستيقظت في قلق تنظر حولها، حتى استقرت عيناها على صغيرها.
قطعة من القمر تزين الفراش بجانبها.
وهنا اطمأن قلبها، وهدأت نبضاتها المضطربة.
وظلت تراقبه، لم تمل أبدًا.
كانت كل دقيقة وأخرى تمرر يدها على وجنته الناعمة، تتأكد أنه حقيقة، أنها وضعت صغيرها بألف خير.
تنهدت براحة وتمتمت برضا:
الحمد لله.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وظلت محلها، حتى دلف أنس.
اتسعت عيناها، قبل أن تتسع ابتسامتها، وهي تراه يدلف الغرفة، ويحمل بين يديه باقةً فاخرةً من قطع الشوكولاتة التي تعشقها، تناثرت بينها لمساتٌ رقيقة من التل الأبيض والفراشات، وزُيّنت بأشرطة من الساتان الأزرق السماوي واللآلئ، كأنها صُنعت خصيصًا لتليق بفرحتها.
وإلى جوارها استقرّ دب أبيض كبير ضخم، تتدلّى حول عنقه رابطةٌ أنيقة باللون الأزرق ذاته.
والمفاجأة يحتضن أخر صغير يشبهه.
وفي اليد الأخرى حقيبة الملابس.
وماذا هذا؟
صندوق صغير بلون أزرق فوق الحقيبة.
ماذا به يا ترى؟
قالتها متسائلة وهي ترى أنس يقترب منها مرددًا بخفوت كي لا يوقظ الصغير:
أنتِ منمتيش ولا إيه؟
إلا أنها لم ترد عليه ورفعت يدها تمس وجنته مرددة بحب:
أنا بحبك أوي يا أنس.
أمسك يدها يقبلها مغمغمًا بعشق يزداد يومًا بعد يوم وعيناه تطالعان عيناها:
ملاكي… يا مَن ملكتِ قلبي وعقلي وروحي، اليوم أهدتني الحياة منكِ أجمل هداياها.
لم تستطع منع دموعها من الانهمار، ومالت على صدره تحتضنه بقوة.
ضمها إليه أكثر وأكثر حتى هدأت تمامًا.
ومال يلتقط باقة الشوكولاتة، لتتسع عيناها وهي تدقق في تفاصيلها وألوانها الرائعة، قبل أن تمسك البطاقة المندسّة بداخلها وقد كُتب عليها:
ملاكي… يا مَن ملكتِ قلبي وعقلي وروحي، اليوم أهدتني الحياة منكِ أجمل هداياها.
اتسعت ابتسامتها الواهنة أكثر.
وهو يلتقط الدب الكبير مرددًا:
إيه رأيك؟
حلو أوي يا أنس.
قالتها وهي تتلمس فراء الدب الناعمة.
ابتسم لها وهو يلتقط الآخر الصغير مرددًا:
مجبتش ليكي لوحدك، للأستاذ الصغير كمان.
قالها مشيرًا للصغير، وقد وضع الدب جوار قدمه.
مدت يدها تلامس صغيرها البديع، قبل أن تغمغم بفضول مشيرة إلى العلبة:
طيب ودي فيها إيه؟
اتسعت ابتسامته أكثر ومال يلتقط العلبة مرددًا بحماس:
بصي لاقيت إيه؟ أنا شفته صدفة في المحل وعجبني.
قالها وهو يفتح الغطاء، لينكشف لها...
دمية.
لكن ما هذا؟ حوت!
كانت دمية على شكل حوت، بجوارها دثار أزرق اللون مطرز به حيتان صغيرة، وعدة ألعاب تتمثل في جمالها.
ردت بإعجاب:
جميل أوي، بس اشمعنى حوت؟
قال بشرود:
مش عارف، أكثر شكل شدني، وفضل ييجي في بالي.
قوله تعالى:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾
أومأت به بصمت وشرود.
فقبّل رأسها قبل أن يردد:
أنا جبت اللبس، تعالي بقى أساعدك.
وبالفعل تحركت معه بوهن ليساعدها.
وكم كانت مرتاحة لمبادرته.
كان نعم الزوج، وبكل تأكيد سيكون نعم الأب.
❈-❈-❈
أعادها للفراش مرة أخرى، وقد بدّلت ثياب المشفى بثوب منزلي باللون العاجي المائل للكريمي، بتطريزات هادئة، وله غطاء رأس ملتصق بنفس اللون.
نظر لفراش الصغير الفارغ، وقد أخذته للممرضة لتبدل له ملابسه هو أيضًا.
ودقائق وكانت الطبيبة تدلف الغرفة، وخلفها الممرضة تحمل الصغير، قائلة بابتسامة:
ما شاء الله، بقينا أحسن كثير. البيبي كمان حالته تبارك الله كويسة ومفيش أي مشاكل.
قالتها وقد أشارت للممرضة أن تعطيها الصغير الرائع في تلك الملابس المشابهة لملابس الأم تمامًا، باختلاف أن الصغير يرتدي أفرولًا للرضّع، ومحاوطًا إياه بدثار يماثله في اللون.
ضمت الصغير تلقائيًّا بين أحضانها، مقبلةً رأسه بحنان.
وأنس بجانبها يراقبهم بقلب مفعم بالسعادة.
ابتسمت الطبيبة لهم وقالت بهدوء:
ها، قررتوا اسم البيبي؟ لازم أبلغهم بالاسم عشان التسجيل قبل ما أمشي.
نظرت ملك لأنس بحيرة وقالت:
الحقيقة حضرتك عارفة إني مكنتش حابة أعرف جنس البيبي طول فترة الحمل، عشان كده مخططناش لاسم معين. إيه رأيك يا أنس؟
قالتها وعيناها تنتقل لزوجها الذي شاركها حيرتها، مرددًا:
أيوة فعلًا إحنا محددناش اسم.
وصمت لثوانٍ يقرر أمرًا، قبل أن يردد وقد مد يده يمسك بيد ملك يشدد عليها بحنو:
اختاري أنتِ يا ملك. أنا حابب إنك أنتِ اللي تختاري اسمه.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
دمعت عيناها وهزت رأسها نافية، تريد أن يختار معها.
إلا أنه رد قائلًا بإصرار:
أنا حابب ده. عايزك أنتِ اللي تختاري اسمه. أنتِ الأحق مننا بده.
قالها بصدق وقد مال ليقبل رأسها.
طفرت دمعة هاربة من عينيها، شاعرة أنها باتت لا تستطيع التحكم بدموعها.
تحركت الطبيبة تربت على وجنة الصغير مرددة بابتسامة:
طالما أستاذ أنس اداكي حرية الاختيار، قوليلي بقى شايفة إيه الاسم اللي يليق على الجميل ده؟ يعني إيه أكثر اسم حاسة مناسب ليه؟ اسم تقولي هو ده.
نقلت ملك عينيها للصغير تطالعه بحب، بل الكثير منه.
لا تعرف أي اسم مناسب.
اصطدمت عيناها بالحوت بجانبها، وقد فتح الصغير عيناه يطالعها بتركيز.
وحديث أنس منذ قليل بخصوص الآية:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾
نعم، لقد نجاها الله وحفظ صغيرها.
مدت إصبعها نحو الصغير ليطبق عليه بيده الصغيرة متمسكًا به ومتمسكة به.
قبل أن تردد براحة وحسم:
يونس.
ورفعت عيناها نحو أنس متسائلة:
إيه رأيك في يونس؟
اتسعت ابتسامة أنس ولمعت عيناه مرددًا:
سبحان الله.
ناظرته باستغراب ليتابع:
جه في بالي نفس الاسم وأنا بشتري الحوت، بس حبيت أسيب ليكي الاختيار.
ابتسمت الطبيبة وقالت وهي تستعد للخروج:
مبروك عليكم يونس. مبروك يا أم يونس.
قالتها، وغادرت الغرفة تتبعها الممرضة.
أما هو فمال يحمل الصغير، يضمه بين أحضانه بحماية وحذر كأنه يحمل العالم بين يديه، قائلًا بقلب ارتاح أخيرًا:
نورت حياتنا يا أستاذ يونس.
ومال ليكبر في أذنه وعيناه تحبس الدموع.
لقد جبر الله قلوبهم وأنجاهم من الغم.
لقد رزقهم الله يونس.
❈-❈-❈
عودة لوقت سابق
في فيلا شوكت زهران
ماما، أنا حامل.
ارتجفت صفية، شاعرة بتشوش عيناها، وقد بدأت بالعودة للخلف بعين متسعة مصدومة، وهي تهز رأسها بعدم تصديق، حتى كادت بالسقوط، لتسارع آسيا في مساندتها، تشاركها صدمتها هي الأخرى.
ظلت صفية تطالع ابنتها التي تناظرها بصمت جامد، تشاهد رد فعلها بعينين مثقلتين بالخذلان.
رفعت صفية يدها تمس قلبها، مرددة بجنون: حامل... حامل... يا نهار أسود، يا نهار أسود!
قالتها وهي تضرب صدرها بعنف.
وفي ثوانٍ، كانت قد أزاحت آسيا بعنف، قبل أن تتجه لفريدة، تجبرها على الوقوف، وتهزها بعنف وهي تصيح بانفعال: أنتِ أكيد اتجننتي! رحتي ربطتي نفسك بطفل منه! بقي أنا فاكرة إنك فترة وهتفوقي لنفسك وتعرفي إنك غلطتي غلطة عمرك بجوازك من الجربوع ده!
وصمتت تلتقط أنفاسها اللاهثة، قبل أن تتابع بصراخ ورأسها على وشك الانفجار: تقومي تربطي نفسك وتحْمَلي منه! بطفل يربطك بيه مدى الحياة، حتى لو اتطلّقتِ!
أنتِ عايزة حفيدي أنا يبقى من الجربوع ده؟!
كانت فريدة قد وقفت مكانها دون حراك أو رد فعل، فقد كانت تناظرها بعين منطفئة، قبل أن ترفع يدها سريعًا تمس صغيرها، كأنها تحميه من سماع تلك الكلمات السامة.
قبل أن تهمس بقوة ورفض: ماما، عمر مش جرب...
لم تمهلها صفية أن تكمل حديثها، إذ قاطعتها بصفعة قوية سقطت على وجهها.
صفعة دوّى صوتها في الغرفة وأوقعتها أرضًا.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
اتسعت عينا فريدة بعدم تصديق، تمس وجنتها بيد، وبالأخرى تتلمس صغيرها، والذي ازدادت ركلاته بقوة.
وصفية تصرخ بأعلى صوت: أنتِ تخرسي خالص! بتدافعي عنه كمان! أنتِ جايبة منين الجرأة دي؟! بسببك! بسببك أنتِ اسمنا بقى في الأرض!
حاولت آسيا تهدئتها وهي تشاهد احتقان وجهها بشدة، شاعرة أنها تكاد تسقط أرضًا منهم، ورددت بخفوت: عمتو...
اخرسي! مش عايزة أسمع صوت حد فيكم!
وهنا انفجر الفتيل، وصاحت بأعلى صوت ودون وعي: يا ريتك كنتِ موتي زي اللي ماتوا، يا ريتك كنتِ زيهم! ما خدتش منك غير الوجع والقهر والذل!
جحظت عينا فريدة بشدة، وزرفت عيناها مزيدًا من دموع القهر والخذلان.
قاومت ألمها ونهضت تستند على المقعد بغصة مقهورة، والتفتت تحاول التقاط أنفاسها، شاعرة بألم شديد في صدرها.
إلا أن أمها تابعت دون اهتمام وهي تصرخ، طاعنة إياها طعنة أشد قسوة، وهي تصيح بها دون وعي فعلي: الطفل ده لازم ينزل! لازم تجهضيه! وفورًا!
التفتت لها فريدة بسرعة، غير مصدقة ما تفوهت به أمها حقًّا.
ولم تمهلها ثانية واحدة، حتى تحولت فريدة إلى أخرى.
نفضت ضعفها ووهنها، وردت بقوة وعزم: يبقى موتي هيبقى قبله!
وتابعت بقهر: ده ابني، إزاي تطلبي مني أتخلى عنه وأموته؟!
وصمتت قبل أن تنطق بانكسار، وعيناها لا تكفان عن ذرف الدموع: إزاي أصلًا ييجي من قلبك تطلبي مني أقتل حتة مني ومنك؟! مين في الدنيا دي كلها ليه الحق في حياة أو موت ابني أنا؟! عايزاني أموت روح كل ذنبها إن أبوها مش عاجبك؟!
وصمتت، وهي تتراجع للخلف، مرددة برفض حاسم وشرس، أمٌّ تدافع عن أغلى ما لديها: ابني أنا، محدش هيقرب منه! واللي هيفكر مجرد تفكير يأذيه، يبقى لازم يموتني الأول!
وتابعت بمبررة: وبمناسبة إن يا ريتني موت مع اللي ماتوا، فاعتبريني مت معاهم فعلًا. فريدة بنتك ماتت يا صفية هانم!
والتفتت لتغادر سريعًا، تاركة خلفها كل شيء.
فلْيحترق العالم، ولا يمسوا صغيرها بسوء.
واتضح أنها عادت خالية الوفاض وفائزة بدرجة خاسرة.
لكن إلى متى... ستظل تخسر إلى متى؟
❈-❈-❈
ساندت آسيا عمتها لتجلس حينما شعرت بارتجافها، قبل أن تسرع لتحضر لها كوب ماء، تعطيه إياه مرددة بخفوت: براحة يا صافي، وشك أحمر أوي.
أما الأخيرة، فقد كانت في عالم آخر.
ارتبطت ابنتها بذاك الذي لا تصنفه زوجًا، تزوجها مستغلًّا مكانتها ومكانتهم، طامعًا فيها وأموالها.
أخذها من بين أيديهم رغم رفضهم.
والآن... الآن تحمل في رحمها طفلًا.
ما السبيل الآن؟ ماذا تفعل؟
تحركت تضع الكوب دون أن تمسه، لتترك المقعد، قبل أن تشعر بدوار عنيف يجتاحها، حتى سقطت مغشيًّا عليها.
وآخر ما سمعته كان صوت صراخ آسيا المرتعب، تنادي اسمها.
بعد نصف ساعة، كانت آسيا تجلس بجانبها بعيون دامعة مرتعبة، لا تصدق أن تلك الدقائق مرت وأفاقت صفية أخيرًا.
بعد عدة محاولات انتهت بها تكاد تنقلها للمشفى.
صفية بوهن وضعف: بس يا آسيا، أنا كويسة.
ألقت آسيا نفسها بين أحضانها، مرددة برعب: عشان خاطري يا صافي، متعمليش كده في نفسك، أنا مليش غيرك.
ربتت صفية على ذراعها بصمت، قبل أن تردد: سبيني لوحدي دلوقتي يا آسيا. محتاج أنام شوية، وإنتِ كمان روحي نامي.
طيب، هنام معاكي النهارده عشان أكون مطمنة عليكي.
قالتها آسيا سريعًا بقلق، إلا أن صفية ردت بحزم: أنا كويسة. روحي إنتِ نامي وسبيني أرتاح.
ورغم قلق آسيا، رضخت تحت إصرار عمتها وغادرت بحزن.
إلا أنها توقفت قبل أن تخرج على صوت نداء عمتها الواهن:
آسيا...
التفتت لها بتساؤل، لتتابع صفية: محدش يعرف خالص موضوع حمل فريدة. إياكي شوكت يعرف، فاهمة؟
ظلت آسيا تناظرها لدقيقة، قبل أن تؤمي برأسها وتغادر.
وظلت صفية محلها تنظر للسقف، قبل أن تنفجر في بكاء عنيف.
وفي رأسها ألف سيناريو دون إجابة.
لن يفهمها أحد. لن تفهمها أبدًا.
وكيف لها أن تفهمها، وهي التي لم تفهم نفسها وروحها المعطوبة أبدًا؟
❈-❈-❈
كانت تسير حيث لا تدري، بصمت خانق.
عيناها تذرف المزيد من الدموع، كأنها لا تكتفي.
لا تعرف حتى الآن كيف خرجت من هناك، كيف لم تصرخ بهم وتحطم المنزل؟
فقد غادرت بسرعة وقهر، من منزل أرادوا فيه منها أن تجهض طفلها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
نصف روحها. وقطعة من قلبها.
بأي حق تجرؤوا؟
أمها هي!
ألا يقولون: «أعزُّ من الولدِ ولدُ الولدِ»؟
ألم يستحق طفلها أن يكون عزيزًا؟ ألا يستحق الحب والحنان والاهتمام الذي لم تأخذهم هي؟
ظنت لوهلة أن ربما أمها ستسعد بخبر كهذا.
هي من فقدت الكثير من الأطفال حتى اكتوت. هي من فهمت معنى الحرمان والقهر.
تريد منها أن تزهق روح طفلها!
كيف لها؟ كيف لها أن تحطمها وتكسر قلبها بتلك الطريقة؟
مسحت دموعها بخشونة وهي تنظر حولها بضعف.
لا تعرف حتى أين هي.
امرأة حامل وحيدة ضعيفة، بكل أسف. لا مأوى لها.
فرت هاربة من بيت كان يجب أن يكون لها بيت الأمان، وبه أشخاص يسمون أهلها وسندها، واليوم أيقنت أنها بلا سند.
عاشت وستحيا اليتم ما حييت.
وآخر كانت تظنه بيتها، مسكنها الدافئ، انتقت ما به قطعة قطعة، رسمت لنفسها ألف حكاية بداخله، ليأتي الواقع داعسًا أحلامها، محطمًا آمالها، مخبرًا إياها بكل قسوة:
أفيقي، لا أحلام هنا!
إلى أين تذهب، وإلى من؟
وبعد الكثير من التفكير، وللمرة الثانية، استقلت سيارة أجرة، عائدة إلى حيث لا يجب أن تعود.
ولأجل طفلها عادت، ودعست على كرامتها المجروحة، وقد تفتت روحها ألف قطعة، وعقلها يخبرها بكل قسوة أنه قد كُتب عليها أن تحيا غريبة في كل البيوت.
❈-❈-❈
في منزل مدحت العسلي
كان تميم يهبط الدرج، يحرك رأسه يمينًا ويسارًا، شاعرًا بصداع غريب يضرب رأسه.
وخلفه أتت آلاء مهرولة، حتى كادت أن تنكفئ على وجهها وتسقط على ظهره.
ليلتفت لها، يمسكها سريعًا مرددًا باستغراب: إنتِ بتجري على السلم كده ليه؟! حابة تاخدي السلم بالحضن ولا إيه؟ وبتتريقي على عيالك وإنتِ أعيل منهم! عليه العوض.
إلا أنها تجاهلت مزاحه، وأمسكته من ملابسه قائلة بصوت خافت، لكن حازم: إيه موضوع البتاعة دي اللي كانت عندك في المكتب؟ قُر واعترف.
نظر لها تميم بقرف، قبل أن ينقل عينيه ليدها التي تمسك ملابسه، ورفع حاجبه حتى اضطرت إلى تركه على مضض، قائلة بغضب: أعمل إيه وإنت من ساعة ما جيت بتتهرب مني؟ سبتلي تميم، ومن وقتها مشفتش وشك.
إلا صحيح، هو فين؟
قالها وهو يكمل هبوط الدرج.
لترد بهدوء: واضح إن اليوم أرهقه وفرهد. خد شاور وراح في النوم.
من غير ما ياكل.
قالها بضيق.
لتقول بتأكيد، مطمئنة إياه: محبتش أفوقه، لما يصحى إن شاء الله هجهزله أكل وأكله، متقلقش.
أومأ لها بصمت.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
لتتابع بضيق: قولي بقى يا تميم. مش هسيبك غير لما تفهمني.
قالت الأخيرة بصوت عالٍ، جعله يلتفت حوله ويزفر بغيظ، قبل أن يقبض عليها من ملابسها كالفأر، ويجرها لغرفة المكتب، مرددًا بسخرية: علي صوتك أكتر عشان بابا لسه مسمعش.
الله، سبني يا جدع! إنت ماسك حرامي؟! هيبتي قدام العيال هتضيع!
تركها بلا مبالاة، وجلس لتسرع بالجلوس أمامه.
زفر بضيق قبل أن يقول بهدوء: مفيش حاجة تتقال يا آلاء. مفيش أكتر من اللي قلتهولك الصبح.
صمتت تطالعه بألم، قبل أن تقول: وفريدة؟
حدجها بغضب تعلم سببه، قبل أن يتحدث بصوت مثقل بالألم: بصي يا آلاء، عشان ننهي كلام في الموضوع ده، ويكون آخر مرة، عشان أنا مش هسمح بكلام فيه كل شوية.
فريدة... وصمت.
ليتابع بمرارة واضحة، وهو يكبت ما يعتمل في صدره: مدام فريدة... ست متجوزة. على ذمة راجل تاني. مفيش كلام يتقال أكتر من كده.
وقلبك؟
قالتها بألم.
قلبي ده الحاجة الوحيدة اللي مش قادر أتحكم فيه. ليس على القلب سلطان.
قالها بألم، وتابع: وده أكتر حاجة محسساني بالذنب. وبحاول بكل قوتي أبطل تفكير. لكن يا ريت بإيدي حل. حاسس إني بعمل ذنب كبير وعظيم في تفكيري في ست متجوزة.
بعدت عن الشركة. بعدت عن كل حاجة ممكن تخليني أشوفها أو حتى ألمحها. بس ده...
قالها مشيرًا لقلبه.
أبعدها إزاي عنه؟ قوليلي، في طريقة أخرج حبها من قلبي؟ أخرج صوتها من عقلي؟
ولإمتى يا تميم؟ لإمتى؟
قالتها آلاء وقد غامت عيناها بالدموع.
يا ريت كان عندي إجابة.
كانت تطالعه بألم. أخاها تميم... سندهم. كيف لها أن تساعده؟ كيف لها أن تخرج قلبه من قلبه؟!
غمغمت بتساؤل: لو رجع بيك الزمن تاني، كنت هتتمنى تمحي اليوم اللي قابلتها فيه؟ كنت هتتمنى متدخلش حياتك؟ ولا تشوفها؟
غامت عيناه عائدًا حيث البداية. حيث يوم كان لا يريد. حيث يوم يا ليته أراد.
ليخرج صوته متشحشرجًا خشنًا، يخالطه ألم دفين، قائلًا بكل تأكيد: أبدًا. لو رجعت ألف مرة، أبدًا.
حتى لو عشت عمري كله موجوع بيها. كنت هتمنى إني أرجع أشوفها وأحبها.
وهز كتفه بتأكيد: فريدة تتحب.
وتابع بداخله: قطعة السكر تستحق كل الحب.
وأخيرًا صمت طويلًا، قبل أن يغمغم: اللي في قلبي هيفضل في قلبي، لحد ما يشاء الله بغير هذا. من جهتي أنا هبعد وهبعد. فريدة صفحة واتقفلت غصب عني. وكل واحد راح لحاله. فمتقلقيش على أخوكي. فترة وهتعدي إن شاء الله.
كاذب. كان يعرف وتعرف. فقطعة السكر وشمت نفسها بقلبه، ولن يقتلعها سوى موته. أحمق إن ظن غير هذا.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وقفت تلقي بنفسها بين أحضانه، وبكت. بكت حزنًا على قلب أخيها المنكسر.
ربت على ظهرها بحنان وصمت.
دلف مدحت المكتب، يناظرهما بذهول. الآء بين أحضان أخيها تبكي بقوة.
مدحت بقلق، متوجهًا نحوهما: مالك يا حبيبتي؟ إنتِ كويسة؟ والولاد؟
قاطعه تميم سريعًا قائلًا بهدوء، مشاكسًا شقيقته: متخافش يا حبيبي، كلنا بخير. بس إنت عارفة، الآء تموت في الدراما والنكد. وتقول للنكد قوم وأنا أقعد مكانك.
انتفضت آلاء تناظر أخاها بعين متسعة، قبل أن تصيح به بصدمة: أنا نكد يا تميم؟!
لا، حبيبتي، إنتِ المادة الخام للنكد.
قالها بضحك.
لتنقض هي على ذراعه، تعضه بقوة، وهو يصيح بألم، محاولا تخليص ذراعه من بين أسنانها.
حتى تركته أخيرًا، لتقف تناظره بتشفٍّ.
نظر لذراعه بصدمة، ووقف يناظرها بشرّ قرأته ببساطة، لتطلق ساقيها للريح راكضة، وهو يركض خلفها، تصرخ بأبيها أن ينقذها.
وظل مدحت محله، يستمع إلى صوت ضحكاتهما بقلب مهموم.
لقد سمع كل شيء. ولقد أيقن في تلك اللحظة أن ما يفكر فيه منذ مدة، بكل تأكيد، في محله.
يجب أن يتزوج تميم. لن ينسيه عشق فريدة سوى الوقوع في حب أخرى.
❈-❈-❈
جلست آلاء تناظر تميم بشرّ بعد أن عضّها عضّة أقوى، وجلس بابتسامة كبيرة صبيانية.
قال مدحت بهدوء، وهو يجلس على رأس طاولة الطعام، ملاحظًا غياب الصغير:
أومال فين تميم يا آلاء؟
نام يا بابا، لما يصحى هاكله.
أومأت لها بصمت.
ليتحرك عز مغادرًا مقعده، متوجهًا نحو خاله.
قالت آلاء بحزم:
عز، على كرسيك فورًا!
ناظرها الصغير بغضب، وتابع طريقه، يتسلق ساق خاله ليجلس عليها، مرددًا بحروف مبتورة، أغلبها:
از هياكل مم مع تيمو.
كادت أن توبخه، ليهمس لها مدحت بخفوت:
سيبيه يا آلاء، هو عايز يقعد على رجل خاله زي تميم.
أومأت له بصمت متألم، وهي ترى عز يعبث في طبق خاله، يطعمه بسعادة.
ليقول تميم، وهو يضع له ملعقة في فمه:
كل أنت يا زيزو.
ابتسم له الصغير، ورفع رأسه يقبّل وجنة خاله، وقد فاض الحنين في عيني تميم، مقبّلًا رأسه، متابعًا إطعامه بصمت.
وطال الصمت بينهم حتى تنحنح مدحت مسترعيًا انتباه أبنائه.
ناظر تميم آلاء بتساؤل، لتهز كتفها بعدم معرفة، وهي تتطلع في هاتفها، ترى من أرسل لها في هذا الوقت.
ولم يُطل مدحت حيرتهم كثيرًا، قبل أن يقول بهدوء، موجهًا حديثه لتميم:
تميم، في عروسة مناسبة، بنت صديق ليا، عايزك تقعد معاها وتشوفها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وتابع بحزم :تميم، أنت لازم تتجوز.
إيه؟!
قالها تميم وآلاء في نفس الوقت بصدمة، ولكلٍّ منهما أسبابه.
الحق يا بابا!
صاحت بها آلاء، وهي تدير هاتفها لأبيها، وتعيد تشغيل المقطع الصوتي لأنس، قبل أن تتسع عينا مدحت وتميم.
وقد ردّد مدحت برعب، قائلًا لابنه:
ملك... ملك بتولد يا تميم!
خدني ليها.
خدني ليها يا ابني.
قالها بصوت مرتعب قلق.
أومأ له تميم بتوتر، هو الآخر، وذكرى ولادتها السابقة قد اقتحمت ذاكرتهم جميعًا.
وتحرك ليساند والده الذي شحب وجهه، قائلًا بهدوء، محاولًا طمأنته:
استهدي بالله يا حبيبي، إن شاء الله هتبقى هي والطفل في أحسن حال. ربنا كريم، ادعيلها.
ادعيلها، ربنا كريم.
وتابع، وهو يتوجه به نحو الدرج: تعالَ أطلعك تغيّر هدومك، وأنا هحجز تذاكر الطيران لينا فورًا.
أنا هاجي معاكم!
قالتها آلاء برعب، وقد بدأت في البكاء.
التفت لها مدحت قائلًا بهدوء:
إزاي يا آلاء؟ وولادك يا بنتي؟ مش هنلحق كده.
سارعت نحو والدها، تردد برجاء وقلق:
عشان خاطري يا بابا، بالله عليك، لازم اكون جنبها. وأوعدك نجهز بسرعة، أنا والولاد. بالله عليك.
أشار مدحت لتميم بحيرة، ليرد الآخر بتوتر:
اطلعي أنتِ مع بابا، جهزي نفسك والولاد، عقبال ما أحجز التذاكر.
أومأت له، وسارعت بمساعدة أبيها.
وكلٌّ منهم مرتعب، يخشى الفقدان رغم كل شيء؛ فقلوبهم لم تعد تتحمل خسارة جديدة.
❈-❈-❈
كانت تراقب السماء بذهن شارد وقلب متألم، وكل ما يحدث يتكرر أمامها كسيناريو باهت الألوان.
فلم تفق إلا على صوت السائق يخبرها بوصولهم.
نظرت حولها بتيه.
متى وصلوا؟ هل مر الوقت بتلك السرعة؟
انقدته الأجرة كما طلب .
وترجّلت من السيارة، تنظر للبناية بضيق شديد.
عادت إلى حيث أقسمت بداخلها أنها لن تعود حتى تهدأ على الأقل، حتى يعتذر.
فعادت هي له تجر أذيال خيبتها بكل قهر.
ابتلعت تلك الغصة بقلبها، وبداخلها لا تريد أن تصعد، لا تريد أن ترى أيًّا منهم في تلك اللحظة، لا تريد أن تُعايَر بلا ذنب مجددًا.
لكن إلى أين تذهب؟
لا ديار لها، ولصغيرها.
قالتها لنفسها وهي تمس صغيرها.
لأجله هو قبلت بما لا يجب أن تقبل، لعله يسامحها يومًا ما.
تحركت بانكسار تصعد الدرج، حتى وقفت أمام الباب.
وما إن وضعت المفتاح حتى انتفضت وهي ترى الباب يُفتح على مصراعيه، وعمر أمامها يردد بصدمة ووجه شاحب:
فريدة!
إنتِ جيتي؟
إنتِ كنتِ فين لحد دلوقتي؟
قالها بعصبية، وهو يسحبها للداخل، إلا أنها سحبت معصمها من بين يديه، قبل أن تتوجه نحو غرفتها بصمت قاتل.
حتى إنها تجاهلت محاولة كرات الفرو في اللعب معها، وتسطحت على الفراش بملابسها، تعطيه ظهرها.
وما إن كاد يصيح مرة أخرى، حتى همست له بوهن:
عايزة أنام.
ونامت.
نامت بكل قهر، ودمعة يتيمة فرت من عينيها.
نامت تحتضن صغيرها، لعلها تهرب به من هذا العالم.
❈-❈-❈
في منزل مدحت العسلي
خلال ساعة، كان تميم يتحرك، يغلق ساعته ويضع الهاتف على أذنه، يحادث أحمد ليحل محله في العمل غدًا، وإلى أن يعود من سفره المفاجئ.
أغلق الهاتف، وانتقلت عيناه لوالده شاحب الوجه، ينظر حوله بتيه، بعد أن ساعده في ارتداء ملابسه. مال ليجلس أمامه، يساعده في ارتداء حذائه أيضًا، مرددًا بثقة:
هتكون بخير وبصحة هي والطفل.
وتابع بتأكيد:
حتى لو إحنا مش جنبها، ربنا معاها، رحمته هتشملها، صدقني.
اللي حصل قبل كده كان ابتلاء، وكان لازم نصبر، لكن مش معنى كده إن التجربة هتتكرر. ربنا رحيم بقلوبنا.
ثق في الله.
ربت مدحت على رأسه بصمت.
ليتابع تميم:
أنا حجزت تذاكر طيراننا، قدامنا ساعتين ونص إن شاء الله.
هطلع أساعد آلاء عشان منتأخرش.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أومأ له مدحت بذهن شارد.
وغمغم بتساؤل قلق:
مفيش أخبار من أنس؟
هز تميم رأسه نفيًا، وسارع بالصعود نحو غرفة أخته، التي قابلته مرددة بقلق، وهي تُلبس عز حذاءه:
تميم، لو سمحت، قفّل شنطة الولاد عقبال ما ألبسهم الشوزات.
تحرك ليغلق الحقيبة الخاصة بالصغار، تبعتها حقيبتها الصغيرة.
وأسرع ليساعدها في إلباس الصغار، قبل أن يناظر تميم النائم قائلًا بهدوء:
وتميم؟
ردت بذهن منشغل:
هسافر بيه كده، يدوب هلبسه الشوز، وهحطه في السالوبيت فوق الهدوم، مش مهم.
هز رأسه، قبل أن يتوجه نحو الصغير يحمله بصمت، ويمد يده للصغيرة آيلا، مرددًا بحزم:
أنا هنزل الولاد وأرجع أخد الشنط، متنزليش حاجة، أنا هرجع أخدهم.
ابتسمت له ابتسامة ضعيفة، وشاهدت خروجه.
ضمت الصغير عز تقبّله بقوة، متسائلة: ألم تذق هي أيضًا فقدان الابن؟!
ألم تكتوِ بتلك النيران؟
أفاقت من شرودها على يد صغيرها عز تمسح دمعة سقطت رغمًا عنها.
واقتراب أية تقول بهدوء:
إحنا هنروح نشوف نونو خالتو يا ماما.
جذبتها تقبلها هي الأخرى، قائلة بابتسامة:
– أيوة، إن شاء الله.
ادعي لها أنتِ يا يويو.
ادعي لها، ربنا يحفظها ويقومها بالسلامة.
رددت الصغيرة وراءها، ورفعت عينيها لتجد تميم يقف أمامها قائلًا بهدوء:
– انزلي يلا يا يويو لجدو تحت.
أسرعت الصغيرة تنفذ ما قاله خالها.
ليقترب هو من الاء مرددًا بهدوء:
– إنتِ كويسة يا حبيبتي؟
– بخير يا حبيبي.
قالتها وهي تمسح وجنته، قبل أن تتابع:
– يلا خلينا ننزل عشان منتأخرش.
قالتها وهي تتخطاه لتسرع للاسفل هي وصغيرها.
لينظر هو في أثرها بألم، قبل أن يحمل الحقائب ويسرع خلفها، ولسانه يلهج بالدعاء أن يطمئن قلوبهم.
❈-❈-❈
بعد ساعة تقريبًا،
كانوا قد قاربوا على الوصول إلى المطار، قبل أن يقول مدحت لتميم بتساؤل:
بلغت إخواتك يا تميم؟
رد تميم بهدوء:
حسام مبيردش، بعتله رسالة وبلغته، في الأغلب هيكون نايم.
وأمير نفس الكلام، رنيت عليه من شوية وبعتله رسالة أهو.
وفي نفس اللحظة،
علا رنين الهاتف، ولم يكن المتصل سوى أمير.
❈-❈-❈
كان أمير في فراشه يحاول النوم،
لكن هيهات!
وكيف له أن ينام وزوجته المصون تتحرك هنا وهناك، تفتح وتغلق وتبعثر كل ما تطاله يدها بلا أي تقدير لمحاولاته المستميتة للاستغراق في النوم؟
والأسوأ صوت بكائها الغاضب المكتوم.
صاح بها بعصبية ورأسه على وشك الانفجار:
إنتِ يا مدام، الصوت في إيه؟ عايز أتزفت أنام!
اتزفت نام!
قالتها بعصبية وهي تضرب ضلفة الخزانة تغلقها بغضب.
اتسعت عيناه بذهول، وقبل أن ينهض من محله ليصيح بها،
أتاه رنين مميز خاص برقم أخيه تميم.
عقد حاجبيه بتعجب، تحديدًا من تأخر الوقت،
وصاح بها:
هاتِ الزفت ده!
أنا مش عارف في إيه!
هو أنا مش مكتوب لي أنام النهارده؟
ردت بضيق وهي تعطيه الهاتف بعد أن نظرت فيه:
تميم بيقولك إن ملك بتولد.
جزَّ على أسنانه ليأخذه منها قبل أن يناظرها بوعيد، وقد رفع الهاتف يهاتف أخيه سريعًا:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أيوة يا تميم، حصل إمتى؟
لا، كنت بحاول أنام، لسه واخد بالي من الرسالة.
هاجي؟!
أممم.
لا، مش هقدر للأسف، ورايا اجتماعات كتير بكرة، غصب عني مش هقدر أكون موجود.
تمام.
أول ما توصل وتطمن، طمني عليها وعلى البيبي.
وأنا هكلمها أول ما تقوم بالسلامة.
تمام يا حبيبي.
خلي بالكم من نفسكم، في حفظ الله.
وأغلق الخط،
قبل أن يلقي الهاتف بجانبه بضيق وقلق وتصطدم عيناه بعيني زوجته التي تناظره بسخرية.
ناظرها بغضب،
قبل أن يصرخ بها:
ياااارا!
اخرجي بره عشان أتزفت أتخمد في أم الليلة دي!
ظلت محلها لثوانٍ قبل أن تتحرك مرددة بتمرد، قبل أن تغلق الباب خلفها:
اتزفت أتخمد!
نام نامت عليك حيطة يا بعيد!
وفرت سريعًا وهي تسمع صراخه باسمها.
أما هو فألقى برأسه على الوسادة،
مرددًا بإرهاق:
أنا كان مالي ومال الجواز وهمّه؟ كان زماني عايش ملك!
منك لله يا يارا.
ظل يتمتم بها والقلقُ يأكلُ قلبَه رغمًا عنه،
في محاولات ان يستدعي النوم مرة أخرى،
لكن هيهات!
طار يا حبيبي طار.
❈-❈-❈
غمغم تميم بهدوء وتبرير بعد أن أغلق مع أخيه:
بيقول مش هيقدر يجي، مشغول، الله يعينه.
لوى مدحت شفتيه،
وصمت وهو يلاحظ وصولهم إلى المطار.
وقد ترجل تميم ليساعده،
والاء تخرج الفتاتين،
وقد عاد تميم يخرج العربة الكبيرة الخاصة بالصغيرين تميم وعز.
فتحها ووضع تميم الصغير، تبعه عز،
وقد كان كلاهما يغُطُّ في نوم عميق.
حمل آية التي كانت تتساقط أجفانها،
ودلف يساعد والده، تتبعه الاء تدفع عربة الصغار وبجانبها آيلا، وخلفهم السائق يجر الحقائب.
وخلال ساعتين،
كانت الطائرة تقلع مغادرة أرض الوطن،
بقلوب خائفة، لكنها واثقة.
ومدحت يجلس يدعو بقلب خائف،
وصوت زوجته الراحلة يتردد صداه في عقله،
مرددة بثقة وإيمان:
«إنَّ مَن وضعك في المحنة، هو القادر على أن يمنحك الصبر، ومَن قدَّر عليك البلاء، لم يُعجزه أن يكتب لك الفرج؛ فاطمئن، فإنَّ الله لا يترك قلبًا لجأ إليه».
❈-❈-❈
عودة للوقت الحالي
في المستشفى،
كانت تريح رأسها على صدر أنس، يغط كلاهما في نوم عميق، مرهق متعب، بعد أن تم نقلها للغرفة الأخرى.
أفاقت من نومها المتقطع، تبعها أنس وهو يشعر بتحركها.
إنتِ كويسة؟
قالها متسائلًا وهو يراها تتحرك مغادرة الفراش.
هدخل الحمام.
ساعدها في الوصول للمرحاض، وعاد يلاعب الصغير الذي بدأ يتململ في نومته.
خرجت لتقابلها صورتهم التي تشرح قلبها،
ورددت بمشاكسة:
هو جي ياخد مكاني ولا إيه؟
سار نحوها حاملًا الصغير، وما إن وصل إليها حتى همست متراجعة:
بس مش هقدر هنكر، ابني يخطف القلب.
سامع يا عم؟
قالها أنس مداعبًا صغيره، وهو يساندها للعودة للفراش،
ويضع الصغير بين أحضانها.
ابتسم لها وهو يعود ليجلس بجانبها.
ولم يمر سوى ثوانٍ،
وانتفض كلاهما وهما يريان الباب يُفتح بسرعة،
تبعها دخول مدحت بلهفة،
يكاد يركض نحوها، يساعده تميم.
بابا!
ملك حبيبتي!
قالها وهو يضمها بقوة وصغيرها.
صافح تميم أنس وعانقه، وردد بسعادة:
مبروك يا حبيبي، ألف ألف مبروك.
ما شاء الله، ما شاء الله.
وحيّته الاء مرددة بسعادة:
ما شاء الله، ما شاء الله، مبروك عليكم.
واندفعت تقول لوالدها بغيرة:
يا بابا، اوعى شوية! عايزة أسلم عليها وأشوف البيبي.
وأنا كمان.
قالتها آية بفضول.
حملها أنس يقبلها، مغمغمًا بسعادة:
وحشاني يا يويا.
ابتسمت له الصغيرة، وسارع بالسلام عليهم واحدًا تلو الآخر،
حتى الصغير تميم الممتعض،وقد كان يناظرهم بقرف فعلي.
ضحك تميم وهو يحمله من أنس، مشيرًا للصغير قائلًا:
شوف يا تيمو، حلو إزاي!
تشبث به تميم، يناظر الصغير بغضب وضيق،
قبل أن يقترب من أخته قائلًا بسعادة، مقبلًا رأسها:
ألف مبروك يا ملوكة، ألف مبروك يا حبيبتي.
ربنا يحفظه ويبارك فيه يا رب.
وتابع وعيناه تطالع الصغير:
ما شاء الله، ما شاء الله.
زي القمر، ما شاء الله.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ولد ولا بنت؟ محدش قال.
قالها مدحت وقد استقر على مقعد جوار فراش ابنته.
دمعت عينا ملك وردت بحنان:
يونس يا بابا، ربنا رزقنا يونس.
ما شاء الله، ما شاء الله.
قالها مدحت بسعادة، وأنس يضع الصغير بين يديه بعد أن أخذه من ملك.
ما شاء الله، ما شاء الله.
انتقل الصغير من يد مدحت ل الاء،
وعلى يدها قبّلته آية وآيلا وحتى عز،
إلا تميم المُمْتَعِض على يد خاله.
غمزت الآء لملك همسًا بخفوت:
شكله غيران.
وتوجهت بالصغير نحو أخيها مرددة بهدوء:
بص يا تيمو، حلو أوي.
صغنن أوي، مش عايز تعرف اسمه؟
ناظرها الصغير بتردد وفضول،
حتى مد تميم يده يمسك إصبع تميم الصغير،
يقربها من يونس،
حتى قبض الصغير على إصبع تميم.
اتسعت عينا الأخير بصدمة،
ولم تمر الدقائق حتى اعتاد عليه، وانطلقت ضحكاته بسعادة.
حمل أنس تميم الصغير،
لتضع الاء الصغير بين يدي أخيها تميم،
ليقول بحنان:
ما شاء الله، ما شاء الله.
«بُورِكَ لكما في الموهوب، وشكرتما الواهب، وبلغ أشدَّه، ورُزِقتما بِرَّه، وجعله الله من الصالحين البارّين، وأنبته نباتًا حسنًا، وجعله قُرَّة عينٍ لكما، وحفظه من كل سوء».
آمن الجميع على دعائه،
قبل أن تقول ملك:
واضح أن أطفال العيلة كلهم لازم ياخدوا منك حاجة يا تميم.
نظر لها بعدم فهم،
لتتابع هي: واخد لون عينك بالظبط.
نظر لها بصدمة،
ليفتح الصغير عيناه في تلك اللحظة، يناظر خاله.
كانت عيناه طبق الأصل منه وهو صغير، في الأغلب ستصبح أدكن مع مرور السنوات.
اتسعت ابتسامة تميم ليردد ببهجة:ما شاء الله ما شاء الله
نورت العيلة يا شبيه خالك!
وبالفعل، فالصغير سيشبهه،
ليكون نصيبه أن يشبه تميم ويصادق الآخر،
ليحصل يونس على صديق العمر من النسخة التميمية الأخرى،
ابن خالته.
ويا للحظ!
ويا للهول!
ابتسمت الوجوه وهمست القلوب
جاء يُونسُ، فآنَسَ القلوبَ، وجَبَرَ ما أوجعته الأيام.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (عفاف شريف)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية

رائعة جدا لكن مازال وضع فريدة صعب