قراءة رواية (أندروميدا) "آسر البشر" كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (أندروميدا)
آسر البشر
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( سلوى فاضل ) | الفصل ( 8 )
قاعة الاجتماعات العامة مقرُّها الطَّابق الأرضي، مساحتها شاسعة وهي ضخمة فخمة ذات إضاءة ساطعة متوهجة، بقلب منتصفها منصة عريضة، خُصِّصَت لعرض التَّجارب والأبحاث أو الاختراعات، إن أخفق صاحبها؛ تعرَّض لعقاب عظيم أو سحب أحد أوسمته وإن اجتازه باقتدار علا شأنه وأصبح مِن الصَّفوة، طالما وقف عليها نجم يحصد نجاح أبحاثه وكذلك فعل راسخ.
اقشعر بدن باسيڤي وانقبضت مُضغتها مع خطوتها الأولى، يُتابعها راسخ بعينيه، يحدثها فوبوس داخليَّا يبثها القوة، جالت عينها بالقاعة، المقاعد مرصُوصَة على شكل نصف دائرة مُتقطعة، بين كل قطعة ممر واسع يضمن انسيابية الحركة، يترأس قلب المُقدمة طاولة شديدة الفخامة والرُّقي خُصِّصَت للقائد الأعظم وعلى جانبيه أربعة مِن عِظام القادة، تشبه منصة القُضاة في طبعِها، مِن حيثُ الأداة، الأوراق وباقي التَّفاصيل، كراسيها الأربعة شديدة الفخامة توسطهم عَرْش ملكي فخم ومريح، الممران جانبيها والبراح خلفها ميزوا بفخامة السِّجِّاد والفواصل الذَّهبيَّة والفضِّيِّة السَّاطعة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
الصَّفان التَّاليان خُصِّصا لكبار القادة ورغم فخامتهما إلا أنَّهما يقلا عن سابقتهما قدرًا، قُسما لأربع أقسام، كل يحوي طاولة ضخمة مقاعدها مُشابِهة لفخامتِها؛ عدا واحد بطرفها مناقض لها؛ صلب ضيق ولا تمر الطَّاولة أمامه، باقي الصُّفوف عبارة عن مدرجات مُبهِرة مناسبة للمكان، مقعدها بطولها، مُقسم بخطوط إنذار تضمن عدم حدوث تلامس.
تجمهر الحشد أمام المدخل كل يعلم موضعه، محافظين على مسافة آمنة، ثُمَّ انقسموا لصفين متقابلين، صانعين ممرًا واسعًا بينهما، اعتلى مساعدو نجم المنصة؛ تابعتهم باسيفي وجذب انتباهها الطَّاولة خلفهم ورغم بُعدَها إلا أن شكلها كان مُميَّزًا، رأت خلفها بضع مِنضدات صغيرة متراصة تحوي أدوات عِدَّة بعضها يشبه الأدوات الطِّبيَّة والأَخر غريب، ربط عقلها بينهم وبين ما اخرجته مِن جسد راسخ، لولا دعم فوبوس لانهار ثباتها المزعوم.
صدحت موسيقى عسكرية، فانتصب الجميع ودوى صوت ضرب الأرض بالأقدام، ثُمَّ مر ثمانيَّة مِن كبار القادة بينهم كانسو، احتل كل منهم طاولة، استقروا فوق مقاعِدهم أولًا ثُمَّ استقل الحشد مكانه، القادة المميزين وطاقمهم يليهم صِغار القادة، ثُمَّ باقي المعاونين والعاملين، وجهها فوبوس:
- تحركي خلف السَّيد راسخ، حافظي على مسافة بينكما، احذري الخط الأحمر، بملامسته تدوي صافرة بالمكان ووجب عقابك بلا رحمة.
تلاقت نظرات كانسو مع راسخ وطاقمه ثُمَّ دوت موسيقى عسكرية طويلة؛ فوقف الحشد منتصبًا ضاربين الأرض مِن جديد، تزامنًا مع دلوف القائد الأعظم يرافقه عِظام القادة بهالتهم الوقورة العملية ووجوههم الجامدة كالأصنام، حدثها فوبوس عبر السماعة الداخلية:
- هؤلاء علية القادة، كلماتهم نافذة على الجميع، وما حدث منذ قليل هو تحيتهم الواجبة، افعلي مثلما فعلوا الآن، هيا.
كل ما تعيشه يُلقي الرُّعب داخلها ويثير علامات الاستفهام بعقلها، هدف راسخ بمدَّها بالسَّمَّاعة تشتيت عقلها بكلمات فوبوس الدَّاعمة، زاد حالتها صدوح نفير مُرعب؛ فانتفض قلبها منقبضًا مع كلمات فوبوس:
- القادم صعب، لا تخذلينا بسملة، مِن أجل مستقبل يشعر، لا تخذلي صديقك فوبوس.
دوى بالقاعة صوت صلد:
- على المذنبتين الدُّخول بالحالة اثنان.
دلفت الفتاتان ووقفتا أمام منضدة كِبار القادة مُطرقتا الرَّأس؛ فدوى صوت المكبر مرة أخرى بالمكان:
- فليتقدم السَّيد نجم، مخترع الألم الأوَّل.
تقدم بخطوات خيلاء زاهية، توجهت الأعين صوبه بتشويق وانصات؛ فازداد عنجهية وبدأ تعريفهم باختراعه وكيف استلهمه، ثُمَّ طلب مِن القائد الأعظم السَّماح باستخدام إحدى المذنبتين للتوضيح ومشيرًا بالعصا ذات الشُّحنات الكهربائية، بدأ يشرح ويستفيض غير مراعيًا لانتفاض جسدها، لقيَّ عرضه استحسان الجميع واشمئزاز باسيفي، تابعها راسخ بطرف عينيه مُدركًا سوء حالتها، يشتت فوبوس تركيزها، استرسل نجم موضحًا:
- طبَّقت تجربتي على عينتين وكانت مؤشرات الألم مُرضِيَّة وقد أضفت إليها التَّلاعب بالحرارة، للأسف توفيتا قبل إنجاز مهمتهما؛ لذا للمذنبتين شرف التَّجربة الأولى لعامل الحرارة.
نال قوله استحسان عِظام القادة ودوى التَّصفيق بأرجاء القاعة، ثُمَّ تحدث القائد الأعظم بكلمات نافذة:
- المُذنبتان تستحقان عقاب بلا رحمة، لكن مَن أحرزت صفر بأخِر اختبار هي الأكثر أحقية للبدء، خذها وكن أكثر غلظة معها.
تحركت بجسد يرتجف ذعرًا مغاير لثبات معالمها الشَّاحبة، بينما تتابع الأخرى ولم تقل عن زميلتها رهبة، فُعِل بها كالعينات تمامًا، للعجب رغم ألمها الشَّديد لم تتغير تعابير وجهها ولم تبكِ، فقط توالت اعتذاراتها وارتفعت نبرتها حد الصُّراخ، تُبْدي ندمها تعد بالعِدول عن أخطائها، لم يلقِ أحد لها بالًا، قائدها يتابع باهتمام، يحدث نجم بإطراء بينما باسيفي تشعر بالغثيان وفوبوس يطالبها بالثَّبات.
بعد مدة صرخت الفتاة مقدمة طلب شفهي ترجو العفو، تعد باحترام القوانين، توجه القائد الأعظم لقائدها الذي رفض طلبها مطالبًا بالمزيد مِن مراحل العقاب.
واصل نجم تجربته يتردد بالقاعة صدى رجائها ووعدها بالالتزام، مرَّر راسخ طلبه الذي تمت الموافقة عليه سابقًا إلى قائده؛ ليسمح لهم بالمغادرة، تحرك الطَّلب حتَّى وصل للقائد الأعظم سامحًا، التقطهم نجم بعين صقر وهو يكمل تجربته.
تحركت بخطًى وئيدة، حسب قوانينهم لا يجوز له مخاطبة طاقمه بالممرات، يحثها فوبوس عبر السَّمَّاعة على التَّماسك، لم تكن تسمعه؛ فكلمات الفتاة الصارخة ما زالت تتردد بالأرجاء تصم الآذان، أيقن راسخ أنَّ سقوطها بات وشيكًا؛ فخاطبها دون لفت الانتباه بصوتٍ خافت بالكاد تسمعه:
- أصمدي رجاءً، جميع الطُّرقات خاضعة للمراقبة والتَّسجيل، سنوقف هذا يومًا، تماسكي باسيفي.
جاهدت للتحلي بالصُّمود، كأنَّ بينها وبين الجناح أميالًا، أسرع لغرفته عقب دلوفهم، أمَّا باسيڤي فبالكاد تحمَّلت حتَّى أصبحت بقلب الجناح وانهارت خائرة، جثت أرضا وضاق صدرها مُنقبضًا كمن تصارع الموت، عاد إليها مرتديًا بدلة صنعها للتعامل معها، أكثر انتفاخا وتحيط وجهه خوذة مطاطيَّة سميكة، قفازاتها أكثر غلظة مِن التي استخدمها لحقنها، حاول إخراجها مِن حالتها:
- اهدئي، أعدك سيتغير كل هذا، سأفعل كل ما باستطاعتي بمساعدتكِ، نفِّثي عمَّا داخلك، أبكي كما تشائين، لا عقاب بسملة، لا عقاب.
جثى أمامها، محافظًا على مسافة بينهما وخلع عنها القناع.
- قلبي يتمزق راسخ، أموت ببطء.
- فوبوس فعِّل الحاجز الصَّوتي وكن خارجه، وأبقى على اتصال بصري معي.
سبح فوبوس بعيدًا، مفعلًا الحاجز، ثُمَّ أشار لراسخ؛ فخرجت منها صرخات عِدَّة أعقبتها ببكاءٍ حار، بدأت تهذي بكلمات متقطعة:
- عذبوها واستمتعوا بألمها، رجت العفو ولم أستطع إنقاذها، لستم ببشر، أقسم الغاب أرحم منكم! فهم لا يعذبون فريستهم بأكلها حيَّة، لا تفعل هذا بيّ أرجوك! أقتلني ولا تنكل بي، كشفتم سترتها، أهدرتم كرامتها وشرفها، لمَ لمْ يعفُ عنها؟ ماتت قلوبكم؛ فلن تحيا مِن جديد، لن تحيا راسخ لا تُضِع وقتك، أهرب وأعِدْني لزماني، فهو بكل سوئه أرحم مِن عالمِك.
ازدادت دموعها وتهدجت أنفاسها:
- أعلم أنَّك ستلقيني بالفجوات الزَّمنية لوحوش آخرين جَرَدتْهُم أفعالكم مِن إنسانياتهم.
اخفضت وجهها بانكسار شديد:
- أريد أمي ودفء أحضانها، أريد أبي وأمان ضماته، أريد عناقهما ليداويا بشاعة ما رأيت، أعلم إنك لا تفهمني ولن تفعل، ليتك قتلتني بسكين صدأ عوضًا عمَّا رأيت!
لم يجد مفرًا، هي تحتضر، يسجل جهازه انخفاض نبضها، وجهها بعد احتقانه بالدَّماء حاكى شحوب الأموات وبردت أطرافها، خشى أن يتلاشى نبضها؛ فأشار لفوبوس ليُحكم وضع الأمان، دوى بالأرجاء صوت إحكام إغلاق الأبواب والنَّوافذ وكست الجدران وجميع الفتحات زوجان مِن السَّتائر.
سحبها لأحضانه؛ فتشبثت به وازداد بكاؤها، أمَّنته البدلة حدوث تلامس تلتقطه أجهزتهم الاستشعارية، حاول طمأنتها:
- لن تنفي بالفجوات، سأحفظ جميع وعودي، أعدُكِ.
تكورت بين ذراعيه، وضعت رأسها على صدره، أغلقت عينيها ودموعها تنهمر:
- أنتَ مصدر أماني ورعبي، لم أعهد منك أفعالهم؛ لكنكَ منهم وفوبوس طوعك؛ لن يمنع عني أذاك.
- ماذا أفعل لتطمئني؟
- لا أعلم، أنا تائهة ومتعبة.
- أتعتقدين إني كاذب؟
- لا، كما إنك توقفت عن المراوغة.
تراخى جسدها بين يديه، ثقلت جفونها ولانت قبضتها، فجأة سقطت بالنَّوم كمن أغشى عليها، أشار لفوبوس؛ فأمَّن غرفته وصغر الحاجز وجعله يتحرك مع خطواته، وضعها على الفراش؛ فقسم فوبوس الحاجز بينهما، أزال بأشعته أثار تلاحمهما وأكد بأن أعاد الكَرَّة ثلاثًا، ثُمَّ أزال الحاجز حولها وكذلك فعل لراسخ، لكنه ترك الحاجز العازل ولم يزله؛ فقد سجل اختلاف مؤشرات راسخ.
- أقالت ما يقلق؟
ألتفت إليه بسكون صامتًا، فتساءل فوبوس:
- هل أثرت عليك؟ أخبرني بالتَّفصيل.
- بل يحدثني عقلي بأشياء غريبة، دعك مني، فهي بحالة تخبط وفقدت ثقتها بي.
شعل البروجكتور عارضًا على حائل وهمي ما استنتجه مِن تسجيله لنوبتها مدعومة بالصِّور:
- لم تفعل، مع بداية تفعيل الحاجز بدأت تتحدث وتصرخ، تنظر إليك لتجيبها، لكنك فضَّلت الصَّمت، مع الوقت ساءت حالتها إلى أن احتويتها؛ هدأت بالتَّدريج ومع حديثك سكنت تمامًا وغشاها النَّوم بعد أن كانت بحالة هلع شديدة.
برز جزء من تخبطه وحيرته التي لم يذُقها قبلًا:
- لمَ فوبوس؟! أخبرتني إنها تخافني، فكيف تسكن بين ذراعي مَن يُخيفها؟! أخبرتني بتناقضات عدة، أرى الصِّدق بكلماتها، أهذا بفعل المشاعر؟! أهي صعبة الفهم لهذا الحد؟! فلمَ أتمسك بها وهي مؤلمة أكثر مِن أدوات نجم؟!
- أرى أنك بحاجة إلى الرَّاحة، فقد أنُهكت مِن وقع كلماتها، قبلًا يجب ان تنتبه لأمر شديد الأهمية، وهو سلاح ذو حدين.
- وما هو فوبوس؟
- أنك تأثرت بها بشكل واضح، هذا يعني حُسن اختيارنا وهي من تستطيع تغيير مجتمعنا؛ لكن إن استمر تأثرك قبل الجميع هلِكنا.
طالعه راسخ بصمت، ما حدثه به حقيقة، صارح نفسه بها قبل بداية حديثهما بالفعل، صمت غلف المكان ثم تحدث راسخ:
- ما زال أمامنا ساعة قبل العودة إلى الاجتماع، أحتاج للراحة بالفعل، سأغفو قليلا بالغرفة الأخرى.
تحرك راسخ مباشرةً بعد إلقاء كلماته، نزع بدلته الثانية وأبقى على الأولى التي لم يخلعها من البداية، وخرج من الغرفة. وظل فوبوس يتابع باسيفي التي تتغير ملامح وجهها بين هدوء فزع وتوتر.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
مرَّت نصف ساعة، ثم بدأت تتحرك في الفراش بتوتر وكأنها تواجه وحشًا، فشل فوبوس في إفاقتها؛ فأرسل إلى راسخ الذي استيقظ سريعًا ودلف إليهما مرتديًا قفازاته، مُستدعيًا الحائل الشَّفاف، صوته فقط انتشلها مِن كابوسها الضَّحل:
- باسيفي، ماذا يحدث لكِ؟ استيقظي أنت بأمان، باسيفي.
نهضت جالسة على الفراش تسحب شهيق طويل، تتسابق دقات قلبها، جالت عينها المكان بذعر، ثُمَّ ثَبُتَت على راسخ، سقطت دموعها تؤنبه:
- لمَ عذبتني راسخ؟
- وجب عليك حضور الاجتماع.
- شَددت جسدي حتى كادت ضلوعي تتهشم، أحضرت أدوات غريبة لتعذيبي.
- مجرد كابوس، طالعي جسدك، أنت بغرفتي وبفراشي.
- سامحني راسخ، اشعر بالتخبط الشديد وعقلي الباطن يصور لي أشياء تزيدني هلعًا.
- لنا حديث بعد انتهاء الاجتماع.
نظرت له فزعة، ثم توسلت إليه:
- أرجوك، لن أصمد هذه المرة.
- لن تشاهدي عقاب، بل سيتم مناقشة الاختراع ويجب حضوره، عليك الوثوق بي على الأقل حتى ينتهي الاجتماع.
- أخبرتك سابقًا إنني أثق بك.
- كذبتي إذن، أخبرتني بالعكس منذ قليل.
- لا توقع عليّ عقاب، أقسم أثق بك رغم الخوف الذي يضربني أحيانًا!
- لن أفعل إن كنت صادقة.
أغمضت عينيها بوهن وتمالكت نفسها، حاولت النُّهوض فكادت أن تسقط لولا كفيه، تلاقت العيون وجدت بخاصته جمود كأول مرة فاعتصر قلبها ألمًا، أبعد كفيه وتجلت العملية بنبرته:
- سنعيد الحقن وسأكون سريعا، سيتضاعف الألم إن صدر منك أي صوت ستجلسين على كرسي العقاب الضَّخم.
نكست رأسها:
- أوامرك سيد راسخ.
تحرك نحو المجلس؛ فتبعته بصمت وفوبوس يسبح خلفهما، أمرها بعينيه للجلوس؛ ففعلت وكشفت ذراعها، أخرج إبرته وعبئها، ثم بدأ حقنها وكان سريعًا بالفعل، حاولت التماسك، انكمش وجهها بألم وكتمت أنينها، انكمش وجهها بألم ووضعت كفها الآخر على فمها حتى فاق الأمر تحملها؛ فتهدجت أنفاسها، أغلقت عينيها وشددت إغلاقها، وضح تأوهها رغم إحكام كفها على فمها.
- ارحمني، أرجوك.
يصب تخبطه عليها دون أن يشعر، وضع القناع لها، مطلقًا سؤلًا حيره:
- لمَ تشكِّين بي دومًا؟!
لم تجب، بل تحدث فوبوس:
- هناك دماء أثر الإبرة.
- هي تحركت كثيراً، هناك أزمة ثقة.
سألته تشتر بالذنب:
- أضممتني أثناء نوبتي؟ هذا أقل عقاب أستحقه، أجلسني فوق مقعدك وأغرس جميع إبرك بي، واتركني أنزف حد الموت، اعتبره طلب أخير، ونفذه لي.
لم يتحدث، فقط التف جهتها، بعد أن أخرج قطعة قطنية وسكب عليها القليل من سائل مطهر ووضعه فوق جيدها النازف؛ فصدرت عنها صرخة مكتومة.
- كاذبة، كيف ستتحملين هذا؟ وأنت لا تتحملي موضع إبرة طبية صغيرة!
- تبدلت أثناء نومي، سيد راسخ.
- استعدي للتحرك نحو قاعة الاجتماعات العامة، أمامكِ خمسة دقائق، لا تزيدي أخطاءك؛ فأدوات نجم لازالت منصوبة في الأسفل.
وضعت يدها موضع قلبها وتحركت بوهن تهندم ملابسها، انتظر فوبوس اختفائها ثُمَّ حدثه بخطأ فعله
- هذا ليس حلاً، تعلم أنه يجب عليك إخبار السيد كانسو، لتوقيع العقاب عليك، أم ستخيرها من جديد.
- لن أخيرها، بل سأخبر سيد كانسو.
حينها ظهرت باسيفي باكية بحالة غير مفهومة حتَّى لها:
- لا تفعل راسخ أرجوك، أسامحك، وطلبي أن يبقى ما حدث بيننا، فإن فعلت؛ سأموت قهراً ويضمني قبري حينها؛ فلا تفعل.
سلط راسخ ناظريه تجاهها، وعجز فوبوس عن فهم حالتها، هي نفسها عجزت عن فهم ما تمر به، فتحدثت موضحة:
- أنتما أسرتي، لن أتحمل مكروه لكليكما، أعتبرك مثل أبي راسخ، إن عنفني حتى لو كان مخطئاً؛ فلن أتمني له أذى، كلانا يمر بأوقات عصيبة دعنا نتجاوزها سوياً، ألا تتذكر كلماتك راسخ "أنا معك، وأنتَ معي"؟ ألا تتذكر؟
وزع فوبوس نظراته لكليهما، ثم أنهى ما يحدث:
- هي محقة، ويجب علينا التحرك الآن، وإلا عوقب ثلاثتنا.
زادته حيرة يجتهد لفهم ما يمر به دون نتيجة، معادلة مُعقدة يفشل بحلها، وبدأ عقلها يترجم مشاعرها يُرجعها لوحدتها وبيئتها الجديدة، فوبوس لديه تلال مِن الأسئلة عن ردود الأفعال غير المبررة، يحتاج الى قاعدة بيانات محدثة بكل ما يخص المشاعر؛ لفهم وتحليل ما يرى.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (سلوى فاضل)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
