قراءة رواية (أحفاد إلياس) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (أحفاد إلياس)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( زيب سعيد القاضي)|الفصل: (34)
دعوت الله أن يجبرني ويرزقني السند والدعم فظهرت أنتَ في حياتي، وقتها أيقنت أن دعواتي قد استجابت.
كنتُ أبحث عن مأوى روحي يقينًا بأن عتمة الليالي الطويلة لابد أن تتبعها شمس دافئة. وفي لحظة انكسار هادئة، حين أرهقني حمل الأيام وثقل التفاصيل، رفعتُ يدي بقلب منكسر أدعو الجبار أن يرسل لي من يشد على عزمي ويقوّم اعوجاج طريقي. وما هي إلا أن هبطت كبركات السماء في يوم ممطر، تزرع الأمان حيث أكل الخوف روحي، وترسم الابتسامة على ثغر أتعبه السكوت وصار حليفًا للدموع.
لم تكن مجرد عابر طريق، بل كنتَ الإجابة الشافية لكل توسل أطلقته في جوف الليل وخلوات الساجدين. بكَ عرفتُ معنى أن يكون للمرء كتف يستند إليه حين تميد الجبال، وعينان تطمئنان رعب قلبه المضطرب بلا خوف أو تردد. معك، تحولت الشدائد إلى قصص عابرة، واختفت مرارة الأيام العالقة في الحلق لتفسح المجال لحلاوة اللقاء. أصبحت خطواتي أكثر ثباتًا، وأصبحت الحياة أرحب، وكأن الأرض التي كانت تضيق بي سعت لتسعنا معاً بنور طمأنينتك.
إنني أشكر الله كل يوم لأنك قطعت المسافة الطويلة بين يأسي وبين أملي، ولأنك كنت النور الذي بدد ظلمات روحي وأعاد ترتيب فوضى أعماقي.
أدعو الله دائمًا أن يديمك سندًا لا يميل، ودفئاً لا ينطفئ، وعونًا يرافقني في رحلة العمر. فبقربك، أدركت أن الله إذا أراد شيئًا هيأ له أسبابه، وأن أجمل العطايا هي التي تأتي على حين غرة لتخيط جراح القلب العتيقة، وتملأ صمت الروح بنغمة الحب والسلام والاطمئنان الأبدي الذي لا ينتهي أبدًا، ويبقى عبيرًا آمنًا يزين أيامنا القادمة بعون الله.
أوس♥️مرام
❈-❈-❈
ظلت واقفة تستمتع إلى حديث رهف وهي تشعر أن الأرض تميد أسفل قدميها، لاحظت الأخرى تغير معالم وجهها فربتت على كتفها بحنو:
– مرام إنتِ كويسة؟!
نظرت إليها بتيه:
– إنتِ عرفتي الكلام ده منين؟!
عضت شفتيها بخجل، ورددت بصوت هامس:
– بصراحة كنت رايحة لجدو المكتب وسمعتهم وهما بيتكلموا ومحدش يعرف حاجة عن الموضوع ده حتى أوس نفسه. بصي هو المفروض مكنتش أقول ليكِ بس حسيت إنك لازم تعرفي عشان تدي نفسك وتدي لأوس فرصة جديدة وتبدأوا من جديد.
شعرت بجفاف حلقها لا تدري بما تجيب عليها، فما استمعت إليه كافيًا أن يجعلها تفكر في زيجتها من أوس جيدًا، على الرغم أنها تزوجته رغمًا عنها لكن مع كل يمر أيقنت أن زواجهم ليس مجرد صدفة عابرة، بل أراد الله أن يجمعهم في خير ليكون كل منهم سندًا وعونًا إلى الآخر وعوضًا طال انتظاره.
أطرقت برأسها قليلًا، وابتسامة خفيفة باهتة ترتسم على شفتيها وسط زحمة الأفكار التي تتضارب في رأسها؛ تذكرت كيف كانت تظن أن الأبواب قد أُغلقت في وجهها، لكنها الآن تدرك بحق حكمة الله وكل نظرة دعم واحتواء وجدتها منه في أوقات ضعفها، لم تكن سوى خيوط خفية تُحاك لتبني بينهما جسرًا من المودة لم تكن تخطط له قط.
لفاقت من شرودها على صوت رهف، وهي تهزها برفق:
– إنتِ كويسة يا حبيبتي؟!
نظرت إليها لثوانٍ وهزت رأسها هزة خفيفة:
– أنا بخير الحمد لله.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أطلقت تنهيدة حارة، واسترسلت قائلة:
– أنا رايحة أوضتي أجهز حاجتي.
تحركت بخفة مغادرة الغرفة، لكن أوقفتها رهف بلهفة وهي تجذبها من ذراعها برفق:
– مرام مش هتقولي لحد إني قُلت ليكِ حاجة صح؟!
اكتفت بابتسامة خفيفة:
– أطمني بعد إذنك.
غادرت الغرفة سريعًا دون أن تنتظر سماع ردها فكل ما تحتاجه الآن هو أن تجلس في غرفتها وتلوذ بنفسها بعيدًا عن الجميع…
❈-❈-❈
مل من الأصوات العالية وقرر أن يقف في الشرفة كي يبتعد عن الصخب، ظل يحدق حوله بشرود حتى وجدها تقف في الشرفة المجاورة ظل يتأملها بصمت تام، لكن لم يدوم كثيرًا فقد حانت منها التفاته سريعة حولها وجدته يقف في الشرفة المجاورة وعينيه منصبة فوقها، رمقته بازدراء ودلفت إلى الداخل.
عض شفتيه بغيظ وتمتم بنبرة متهكمة:
– شكلك راجعة وناوية على الشر يا رورو بس الأيام ما بينا.
– لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اتجننت يا أيهم وبقيت تكلم نفسك؟!
انتفض على صوت ابن خالته ورفيقه المقرب آصف، التفت إليه بابتسامة:
– تعالى يا عريس تعالى.
وقف آصف جواره وتنهد بضيق شديد، ربت أيهم على ظهره بمؤازرة:
– مالك يا آصف؟! في إيه؟! أنا لغاية الوقتِ معرفش غير إن موچ تبقى خطيبتك السابقة إيه إللي حصل خلاكم تسيبوا بعض؟! وليه رجعتوا سوا تاني؟! أنا فاكر وقت ما إنتَ خطبت أنا كنت في شغلي في المستشفى في الصعيد ومحضرتش الخطوبة ولا حتى شوفت العروسة ولا أعرف عنها حاجة حتى لما فسخت الخطوبة وسألت خالتو قالت محصلش نصيب، فاكر لما كنت متصاب وجيت المستشفى وقتها إنتَ شوفت موچ تاني وأنا كنت مستغرب أوي إنتَ تعرفها منين كان كل إللي في دماغي إنك شوفت واحدة مريضة واشفقت عليه لكن مخطرش في بالي أنا هي خطيبتك السابقة، ويوم ما جيت تشوفها ووقفت على الباب أمنعك تدخل أنا كنت فاكر عايز تتعرف عليها حتى إنتَ اليوم ده صدتني جامد وأنا احترمت ده وسكت ومحبتش أتكلم لكن لما خطبتها تاني عرفت أنها هي خطيبتك السابقة، بص أنا مش فارق معايا إيه إللي حصل، ولا سيبتوا بعض إزاي لكن إللي فارق معايا إنتَ ليه زعلان كده وشايل الهم؟! خلينا متفقين يا صاحبي طالما رجعت ليها وتحديدًا وهي تعبانة وفي الظروف دي ده معناه حاجة واحدة بس.
نظر إليه باهتمام في إنتظار ما سيقوله، فابتسم ببرود وأكمل حديثه بجدية:
– إنك بتحبها صح ولا غلط؟!
أغمض عينيه بحزن، وأردف بمرارة:
– صح.
قلب عينيه بملل، وهتف بحدة:
– طالما صح مالك؟! طالما بتحبها تاعب نفسك وبتهرب من حبك ليه؟!
طالعه من أعلى إلى أسفل وهتف بسخرية:
– لا والله إنتَ أهبل ولا بتستهبل؟! ما تقول لنفسك الكلام ده مين اختار إنه يكمل شغل في الصعيد بعد ما تكليفه خلص إنتَ مرجعتش وفضلت هناك فاكر ليه ولا نسيت؟!
أغمض عينيه بحزن، ونظر إلى الجهة الأخرى يتهرب من النظر إليه، تنهد آصف بضيق:
– أيهم إنتِ إللي اختارت تبعد حتى رفضت تيجي تعيش معانا بعد وفاة خالتو وعمو دايمًا شايف نفسك أقل مننا مش فاهم ليه؟! إنتَ بعدت عن رهف عشان شايف نفسك أقل منها مش عشان فرق السن والكلام الأهبل بتاعك ده كل إللي بينك وبينها ٨ سنين يعني مفيش مشكلة عندك فريد لما أتجوز مرام الفرق بينهم كان ١٥ سنة هي كانت ١٨سنة وهو٣٣سنة، وأهي اتجوزت أوس والفرق بينهم ١٠ سنين السن مش مقياس يا بيه وأهي رجعت حاليًا وإنتَ قاعد حاطط إيديك على خدك مش عارف هترجعها ليك إزاي ده لو وافقت أصلًا ده هي سافرت وسابت البلد وراحت تقعد مع نوح عشان تهرب منك ومن كلامك الدبش عمال تنصح فيّ وإنتَ شخصيًا حمار ومحتاج إللي ينصحك؟!
بهت وجهه وأشار إلى نفسه بصدمة:
– أنا حمار؟!
حرك رأسه بايجاب:
– أيوه وكبير كمان.
❈-❈-❈
ترك الشباب وقرر أن يذهب إلى غرفته كي يتنعم ببعض الراحة، فهو يشعر بخدر بثائر جسده، وضع يده على مقبض الجناح وفتح الباب ودلف إلى الداخل وجد مرام تجلس فوق الفراش وتدفن وجهها بين كفيها ويبدوا من انتفاضة جسدها أنها تبكِ، أغلق الباب خلفه وتحرك تجاهها وهو يتحامل على نفسه، سحب مقعد طاولة الزينة وجلس فوقه في مواجهتها،ورفع يديها وقام بابعاد كف يدها عن وجهها، وصدم من أن رأى عينيها حمراوتين ككتلة من الجمر، وأهدابها ووجنتيها ملطخين بدموعها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
رفع يده ومسح دموعها بابهامه برفق شديد، دون أن يتحدث أو ينطق بحرف واحد، ظل على هذا الوضع حتى شعر أنا هدأت واستكانت، ابتسم بهدوء وقال:
– أحسن الوقتِ؟!
ابتلعت رمقها وأجابت:
– الحمد لله.
ضيق عينيه وتساءل باهتمام:
– حد زعلك؟!
أكتفت بهز رأسها برفض.
مط شفتيه بحيرة، واستطرد قائلًا:
– طيب في إيه؟!
رفعت رأسها وحدقت في عينيه بنظرة لم يستطع تفسيرها، وتبسمت بنبرة هادئة:
– مفيش حاجة يا حبيبي متشغلش بالك.
فتح عينيه على وسعهما، وردد بعدم تصديق:
– حبيبي؟!
وضع كف يده على جبينها يتحسس حرارتها، وهتف بحيرة:
– جسمك مش دافي يعني مش بتهلوسي؟!
قطبت جبينها بعدم فهم:
– أهلوس؟!
أومأ بايجاب:
– أيوه أصلك قُلتِ يا حبيبي؟!
اتسعت مقلتيها وانفجرت ضاحكة، وشاطرها هو الضحك حتى تأوه ووضع يده فوق جرحه مما جعلها تنفض من مكانها وتجاوره الجلوس أرضًا وهي تتفحصه بقلق شديد:
– إنتَ كويس؟!
رد بابتسامة بسيطة كي لا يقلقها عليه:
– بخير يا حبيبتي متقلقيش. المهم إنك إنتِ بقيتي كويسة وهديتي والأهم إني شوفت الابتسامة الحلوة دي على وشك.
طالعته بنظرة ممتنة، وأردفت بنبرة صادقة:
– ربنا يخليك ليّ إنتَ عوض ربنا يا أوس مهما قُلت ليك مش هقدر أوفيك حقك ربنا يخليك ليّ يا حبيبي.
ظل يطالعها بابتسامة بلهاء:
– لا بقى كده في حاجة؟! إيه يا روما بالراحة عليّ يا حبيبتي أنا لسه تعبان أستني عليّ أخف بس كده وأقوم بالسلامة أحسن ما نقضي شهر العسل في المستشفى.
لكزته في كتفه وهي تبتسم بخجل:
– بطل وقاحة يا أوس وقوم يلا عشان تجهز.
ابتسم بسخرية وردد:
– وقح؟! آه يا أنا يا مرارتي قومي يا بنتي أقفي يا حبيبتي وسنديني أقف يا آخرة صبري.
ابتسمت رغمًا عنها ونهضت بخفة ومدت يدها إليه تسانده على أن ينهض، فوقف بضعف شديد وهو يئن بضعف.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
رمقته بنظرات متفحصة:
– أوس أنا رأي إنك محتاج تروح المستشفى عشان نطمن عليك.
جلس على طرف الفراش وتحدث بنبرة هادئة:
– أنا بخير الحمد لله وبعدين الوضع ده طبيعي متقلقيش ونوح كل يوم بيفحصني يعني لو في حاجة كان قال.
ارتسم على وجهها ابتسامة ساخرة:
– دكتور نوح؟! أنا ساعات بشك إنه دكتور أصلًا الصراحة؟؟
أيدها بابتسامة:
– عندك حق الصراحة، المهم مش ناوية تقولي مالك وإيه إللي زعلك؟!
تهربت من الرد عليه وهي تتوجه إلى غرفة الملابس:
– أنا هروح أجهز ليك البدلة وحاجتك عشان تستعد.
حرك رأسه بيأس:
– اهربي اهربي يا مرام هعرف يعني هعرف.
❈-❈-❈
حل المساء واستعد الجميع، وبدأ المدعوين في الحضور وكان في استقبالهم الجد إلياس ونجله وزوجته وهالة ووالد موچ وعم وتين ونوح وأيهم وعمر وأوس الذي هبط إلى الزفاف برفقة سيرين وطفله وبعدها تركهم وذهب ليقف برفقة أخويه إلياس وآصف.
قرروا عقد القران أولًا وبعدها يصعد كل عريس لإحضار عروسه حتى يحل له أن يمسك يدها بحرية، تم عقد قران إلياس أولًا وكان وكيل وتين عمها والشهود أوس وعمر، وبعدها تم عقد قرآن آصف وكان وكيلها والدها والشهود نوح وأيهم بعد عقد القران ذهب العرسان ليحضر كل منه عروسه وكذلك صعد أوس لإحضار مرام فكانت لا تزال ترتدي ملابسها.
فتح أوس باب الجناح ليتفاجئ بملاكه تقف أمامه مرتدية فستان من اللون النبيتي يضيق من منطقة الصدر ويسترسل على جسدها باتساع وارتدت حجاب من نفس اللون وقامت بلف الحجاب لفة بسيطة، ووضعت القليل من مستحضرات التجميل التي أبرزت جمال ملامحها.
ظل واقفًا مكانه بضع ثوانٍ مشدوهًا بجمالها، لاحظت هي تحديقه بها ففركت يدها بخجل شديد.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
اقترب منها وهمس بنبرة تفيض عشقًا:
– أميرتي ومالكة قلبي كلما رأيتك، انبهر برؤيتك كما لو كنت أراكِ للمرة الأولى، لم أرى بجمالك أحد، ولم يسكن قلبي سواكِ، منذ أن رأتكِ عيناي وهي تعزف عن رؤية النساء بعدكِ، لأجلك أصبحت عاشق متيم عازف عن جنس حواك سواكِ إنتِ أحبكِ يا من ملكتِ القلب، وسكنتِ الفؤاد…
دمعت عيونها، وهتفت بصوت هامس:
– وأنا كمان.
توسعت عينيه بصدمة، وهو يردد بفرحة:
– وإنتَ كمان؟!
ظل يدور حول نفسه وهو يردد جملتها بسعادة غامرة، حتى توقف أمامها وهتف بلهفة:
– نفسي أشيلك وأفضل أللف بيكِ في الأوضة يا قلبي بس ملحوقة أقوم بالسلامة بس وأعوضك عن كل حاجة.
وقف جوارها وقام بثني ذراعه بلباقة وهتف بالرومانسية:
– تسمحي ليّ يا برنسيس؟!
ابتسمت بدلال ووضعت يدها في يده فقبض على كف يدها بقوة كما لو كان يعلن ملكيته عنها للجميع، خرج بها من الجناح وعلى شفتيه ابتسامة ساحرة.
❈-❈-❈
ولج إلياس إلى الغرفة التي تقف بها وتين وجدها تقف في انتظاره بفستان زفافها وبمظهرها المهلك الذي جعله يتقدم منها مسلوب الإرادة وهو يطالعها بانبهار شديد هو يعلم أنها جميلة ولكن الآن فهي قد تخطت حدود الجمال على الرغم أن الطرحة لا تزال على وجهها لكن لم تخفي جمالها وصفاءها عن عينيه، اقترب منها ووقف أمامها كأن الزمان قد أبطأ دقاته، وتوقف صخب العالم بأسره لكي لا يفسد تلك اللحظة الجميلة…
بين أطراف الطرحة البيضاء التي تشبه غمام الشتاء الرقيق، تراءى وجهها كبدرٍ أشرق فجأة في ليل العمر.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
حين امتدت يده لترفع الغطاء ببطء وتمهل، لم يكن يكشف عن وجه عروسه فحسب، بل كان يفتح بابًا لعالمٍ جديد من السكينة والصفاء. ومع كل سنتيمتر ترتفع عنه الطرحة، كان النور يتدفق وكأنه يولد من جديد، ليغمر المكان ببريق الود والأمان.
وكأنه لم يصدق أن هذا الجمال قد صار له وحده، وقف مذهولاً أمام عظمة ما رأى، ترتجف الكلمات على شفتيه وتتزاحم في صدره، قبل أن تخرج صادقة من صميم الروح:
– بسم الله ما شاء الله. سبحان من صور وأبدع.
نظرت في الأرض بخجل شديد، ابتسم ابتسامة ساحرة وردد:
– زي القمر. مبارك يا زوجتي المصون.
هتفت بصوت هامس:
– الله يبارك فيك.
ثنى ذراعيه بخفة، وشبكت هي يدها في يده وتحرك بها متوجهًا إلى الأسفل بخطوات واثقة تتبعهم زغاريد زوجة عمها..
❈-❈-❈
أما على الطرف الآخر وقف آصف في نهاية الدرج بينما بصره معلق بعروسه وهي تتهادى على الدرج متمسكة بيد والدها الحبيب.
ظل يطالعها مشدوهًا بجمالها على الرغم من نحافة جسدها في الفترة الأخيرة وذبول وجهها، لكن هذا لم يقلل من جمالها الخلاب.
وصلت برفقة والدها إلى آخر درجة فترك والدها يدها، وضم آصف إلى أحضانه مربتًا على ظهره بحنان:
– مبارك يا ابني ربنا يجعلها جوازة الضهر.
ابتعد عنه وهو يردد برجاء:
– مش هوصيك عليها يا حبيبي.
أجابها وعينيه لم تتحرك إنش واحد من فوقها:
– أطمن يا عمي في عيوني.
ابتسم براحة والتفت إليها مقبلًا رأسها بحنان:
– مبارك يا قلب أبوكِ. النهاردة بس ارتاحت وأطمنت عليكِ يا حبيبتي.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
سلمها إلى آصف الذي اقترب منها بابتسامة وفي لحظة تتوقف فيها الأنفاس، وتتحدث فيها العيون بلغة لا يترجمها سوى الحب الخالص، ليتركا خلفهما كل تفاصيل الانتظار، ويُكتبان معًا أجمل حكايات العُمر:
– مبارك يا موچ.
تهادت الكلمات الرقيقة في الهواء، فتركت أثرًا ساحرّا في قلبها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة زادت وجهها إشراقاً، وكأنها قطرة ندى تبسمت لضوء الصباح.
مدت يدها المستقرة في كفه الدافئة، فشعرت بأن الأمان كله قد تجسد في تلك اللمسة التي تنسيها كل تعب الطريق وطول الانتظار. رفعت عينيها نحوه، وبريق الدموع الفرحة يلمع في مقلتيها، لترد بصوت خافت يملؤه الحياء والحب:
– الله يبارك فيك يا آصف…
ومن حولهم، انطلقت الزغاريد الدافئة وتعالت أصوات التهاني والدعوات الصادقة من القلوب، وكأن الكون بأسره يصفق لهذه البداية المباركة. لم يعد يهمهما صخب المكان ولا تفاصيل العالم الخارجي؛ فقد وجد كل منهما وطنه الآمن في عين الآخر، ليبدآ معًا كتابة أجمل فصول العمر بحبر العشق والسكينة.
❈-❈-❈
خرج إلياس وعروسه أولًا يتبعه آصف وعروسه ومن خلفهم باقي أفراد العائلة تسلل الضوء الخارجي ليحتضن خطواتهم الأولى في هذه الليلة المباركة، وكأن الطريق قد فُرش بالورد والياسمين خصيصًا لأجلهم.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
خطا إلياس بثبات وفخر، يمسك بيد عروسه التي أشرقت أنوار السعادة من وجهها، وخلفهما مباشرةً تقدّم آصف بخطوات واثقة، يحتضن كف موج بدفء يروي الكثير من الوعود الصامتة. ومن خلفهم، اصطف أفراد العائلة والأحباء، ترتفع أصوات الزغاريد الدافئة وتتعالى الضحكات الممزوجة بدموع الفرح البريئة، لتشكل سيمفونية حب أسرية متكاملة.
تناثرت عبارات الدعاء الصادق والورود العطرة فوق رؤوسهم، ترسم درباً من النور والأمل. كان الهواء العليل يحمل نسمات البدايات السعيدة، وكأن الدنيا بكل ألوانها قد توقفت لتزف هذين القلبين نحو مستقبلهما المشترك.
جلس كل منهم في المكان المخصص لهم، وكذلك جلس أفراد العائلة والمدعوين في أمكانهم وبدأت أولى فقرات الزفاف والتي كانت عبارة عن رقصة افتتاحية من العروسين..
عمت أجواء من السكون الممزوج بالترقب الجميل أرجاء القاعة، وما إن بدأت نغمات الموسيقى الرومانسية الهادئة تتصاعد ببطء، حتى اتجهت الأنظار نحو منتصف المسرح.
لم تكن مجرد رقصة افتتاحية عادية، بل كانت لوحة فنية نابضة بالحب؛ حيث تقدم إلياس بخطوات واثقة يحتضن كف وتين بحنان، بينما انسابت هي معه في تناغم وكأنهما يسبحان في سماء من السعادة. وعلى الجهة المقابلة، لم يكن آصف أقل رومانسية؛ فقد وقف بشموخ يمد يده إلى موج التي اقتربت منه بابتسامة خجولة تفيض بالدفء، لتبدأ خطواتهما الأولى على أنغام الموسيقى بتناغم ساحر يخطف الأنفاس.
كانت القاعة بأسرها تعج بمشاعر الفرح؛ عيون الأمهات تلمع بدموع الفخر والرضا، وابتسامات الأب والأصدقاء ترتسم على وجوههم وهم يرون أمامهم ثمار سنوات من الانتظار والمحبة تُكلل باللقاء.
امتزجت خطوات العروسين مع إيقاع اللحن الهادئ، وكأن العالم قد اختفى ولم يتبقَ سوى نبضات قلوبهم المتناغمة، لتنطلق معها ليالي الفرح الكبرى وسط تصفيق الحضور الحار ودعواتهم الصادقة بأن يديم الله هذا السهاد والسرور على قلوبهم الطاهرة.
❈-❈-❈
منذ أن بدأ الزفاف شعرت سيرين بالضيق الشديد من الجميع، فنهضت من مكانها وتركت صغيرها برفقة جدته وبعدها توجهت إلى غرفتها فآخر ما تود حضوره الآن هو حضور هذا الزفاف…
وقفت رهف جانبًا وهي تعبث في هاتفها، فقرر أن يغتنم أيهم الفرصة ويتحدث معها، فنهض من مكانه وتوجه إليها بخطى واثقة ووقف جوارها وهتف بنبرة هادئة:
– واقفة لوحدك ليه؟!
أغلقت الهاتف ووضعته في جيبها، وكتفت ذراعيها فوق صدرها وردت باللامبالاة:
– عادي.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
مسح جبهته عدة مرات وتحمحم بحرج:
– ينفع تديني فرصة نتكلم سوا؟! عايزك تفهمي أنا بعدت ليه؟!
ابتسمت ببرود:
– لا.
جعد جبينه بعدم استيعاب:
– لا؟!
ردت ببساطة:
– أيوه لا لو كنت اتكلمت وقتها كنت هسمعك لأن كنت عايزة أعرف أسبابك وجايز كنت أقتنع بيها، لكن كلامك الوقتِ مش هيقدم ولا هيأخر عارف ليه؟!
– ليه؟!
ابتسمت بتشفي:
– لأني خلاص تخطيتك وبقيت صفحة من حياتي وانتهت ومش هفتحها تاني بعد إذنك.
ألقت جملتها وتركته ورحلت وسط صدمته من حديثها لا يصدق أن من أمامه الآن هي رهف صغيرته المدللة كما كان يناديها…..
❈-❈-❈
أرادت أن تبتعد عن الجميع تعلم جيدًا معزتهم لها لكن في النهاية ما هي إلا خادمة لديهم يشفقون عليها لا أكثر، أدركت أن البقاء يعني الاستمرار في العيش على هامش حياة الآخرين، وأن القبول بالشفقة باسم الإحسان هو موت بطيء للروح. رغيف خبز تكسبه بعرق جبينها وكرامتها المصانة، أفضل بكثير من سقف يظللها لكنه يذكرها كل يوم بأنها مجرد عابرة سبيل في قصورهم.
هبطت منها دمعة شاردة مسحتها على الفور بأطراف إصبعها حينما شعرت بأصوات خطوات تقترب منها، التفتت خلفها ظنًا منها أنها غنى لكن تفاجأت بآخر شخص أصبحت تمقط قربه منها بعد أن كان مالك القلب وفارسها المغوار أصبح الآن رمزاً للخيبة الكبرى، والوجه الأوضح للنفاق الاجتماعي الذي طالما غضت الطرف عنه باسم الحب.
وقف أمامها، بملامحه التي كانت يومًا ملاذها وآمانها، تنعكس في عينيه حيرة مصطنعة ونظرة شفقة جديدة تكفي وحدها لإهانة كرامتها المشتعلة.
لكنها لم تنبس ببنت شفة. اكتفت بنظرة واحدة باردة، حاسمة وموجعة، أحرقت كل بقايا الماضي وأخرست الحروف في حلقه. لقد أدركت أخيًا أن من اعتاد العيش في الظل لا يمكنه يوماً أن يكون فارسًا، وأن ذاك الحب الذي طالما عاشته لم يكن سوى قيدٍ إضافي زاد من ثقل قيودها.
استدارت دون أن يهتز لها جفن، ومشت بخطوات أثبت وأقوى، تاركة إياه يقف مذهولًا في منتصف الطريق، يعلك خيبته بين أطلال حبٍ أزهقه العجز والجبن.
صدم من تجاهلها له فهرول تجاهها ووقف أمامها قاطعًا الطريق أمامها عائقًا إياها من المرور.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
رسمت ابتسامة متكلفة على وجهها، وتحدثت بنبرة هادئة:
– خير يا دكتور في حاجة؟!
رفع حاجبه مستنكرًا:
– أنا إللي عايز أفهم في إيه؟! مالك يا نوران حد عملك حاجة؟! حد زعلك؟! إيه إللي غيرك كده؟!
جاهدت ألا تنهار أمامه وتحدثت بثبات:
– مفيش حاجة يا دكتور أنا زي ما أنا متغيرتش تقدر تقول إني فوقت خلاص.
قطب جبينه بعدم فهم، وتدارك مستفهمًا:
– فوقتي خلاص؟! مش فاهم؟
ابتلع ريقها بمرارة، واسترسلت قائلة:
– مش مهم تفهم المهم أنا إللي فهمت بعد إذن حضرتك.
اختفت من أمامه في لمح البصر، وظل هو واقفًا يتابع أثرها بجمود لا يدري ما حدث معها جعلها مثل كتلة الثلج هكذا، أغمض عينيه يعتصر عقله وهو يجاهد في تذكر أي شيء فعله أحزنها منه في آخر لقاء بينهم لكن لم يهديه عقله إلى شيء..
❈-❈-❈
على الرغم من تعبه وألامه إلا أنه كان يجلس برفقة جده واخوته، تارة يرحب بالضيوف وتارة أخرى يطالع صغيرته الجميلة وهي تجلس جوار والدته تداعب صغيره، ابتسم بحب، واستاذن منهم وتوجه إليها بخطى متثاقلة وجلس جوارها، وغمغم بابتسامة عاشقة:
– حبيبتي زي القمر.
وابتسمت بخجل:
– وإنتَ كمان.
غمز عينيه اليسرى بمكر:
– أنا كمان إيه؟!
لكزته في كتفه بخفة:
– أتلم يا أوس.
تأوه بألم مصطنع:
– آه آه إيدك تقيلة.
اقتربت منه وهي تتفحصه بقلق شديد:
– حاجة وجعتك؟! معلش والله مقصدتش.
ابتسم بهدوء، ونظر حوله وتأكد من عدم ملاحظة أحد عليهم، ومال على أذنها وهمس بمكر:
– أطمني يا قلبي جوزك وحش.
حركت رأسها بيأس من وقاحته وتمتمت بنفاذ صبر:
– إنتَ في إيه ولا في إيه؟! أوس شكل الرصاصة دي جت في دماغك مش في قلبك.
تبسم بمرح وهلل:
– بقى كده؟! والله وكبرتي ولسانك طول إللي يشوفك من كام شهر يقول عيلة الصغيرة وأنا عمال أقول طفلتي الجميلة ويوم ما طول عليا ..
كادت أن تجيبه لكن لاحظت صمته مرة واحدة وهو يضع يده مكان الإصابة بهت وجهها وتساءلت بلهفة:
– مالك يا أوس إنتَ كويس؟!
ضغط على يديه بقوة وهتف بوهن:
– حاسس بألم شديد في الجرح.
رمقته بعتاب وقالت:
– المفروض تكون نايم في سريرك الوقتِ بس الباشا مش بيسمع الكلام.
نظر حوله نظرة سريعة لاحظ اندماج مع الحفل، فتوجه بنظرات إليها:
– ساعديني طلع أوضتي أرتاح وبعدين شوفي نوح فين يجي يشوف الجرح.
هزت رأسها عدة مرات متتالية:
– حاضر حاضر.
نهضت على الفور وقامت بمساندته بحذر شديد، رأته والدته فانتفضت من مكانها هي الأخرى ساندته من الطرف الآخر، وساعدوه كي يصعد إلى جناحه وتمدد فوق فراشه بوهن شديد.
رمقته هالة بنظرات ساخطة:
– شوفت أديك نزلت وفي الآخر أخدت عين وتعبت.
تبسم بضعف:
– عين؟! أنا كده كده تعبان أنزلي حضرتك عشان محدش ياخد باله وأبعتي ليّ نوح أو أيهم.
قوست فمها بعدم رضا:
– حاضر.
التفتت بنظراتها إلى مرام:
– خليكِ جنبه يا بنتي.
ردت بابتسامة:
– حاضر.
غادرت هالة الجناح متوجهة إلى الأسفل واقتربت مرام من أوس مربتة على كتفه بحنان:
– ألف سلامة عليك ياريت أقدر أشيل عنك التعب ويجي فيّ أنا.
طالعها بنظرات عاشقة:
– بعد الشر عنك يا روح قلبي أنا كلي فداكِ.
قطع وصلتهم الرومانسية اقتحام أيهم ونوح الجناح برفقة هالة التي أصرت أن تطمئن على نجلها البكر أولًا..
هرول نوح تجاهه بقلق شديد:
– خير يا أوس مالك؟؟
– حاسس بحرقان شديد في الجرح ونفسي تقيل.
اقترب أيهم بعد أن سحب جونتي طبي من العلبة المجاورة لفراش أوس وارتداه سريعًا وقام بفتح أزرار قميصه بخفة وكشف عن جرحه.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
شهقت مرام وأغمضت عينيها بلهفة، تبسم لها زوجها بضعف ومد يده إليها وجذبها برفق كي تجلس جواره، وهمس بوهن:
– أنا كويس.
تفحص أيهم الجرح سريعًا وكذلك ألقى نوح نظرة فاحصة وبعدها قام بتعقيم الجرح بخفة وضمده مرة أخرى.
رفع رأسه وابتسم بهدوء:
– الجرح زي الفل يا حبيبي إنتَ محتاج ترتاح مش أكتر.
أيده نوح:
– بالظبط إنتَ المفروض مش تقوم من على السرير أصلًا.
أعتدل بوهن:
– أنا هنزل أبارك ليهم وأطلع تاني عشان ميحسوش بحاجة.
تنهد نوح بقلة حيلة وقال:
– تمام لما نشوف آخرتها معاك.
اقتربت منه مرام وقامت بإغلاق أزرار قميصه مرة أخرى وساعدته في هندمة ملابسه وبعدها نهض بتثاقل وتحرك برفقتهم إلى الأسفل.
❈-❈-❈
بينما في الأسفل ومع انتهاء فقرة الرقص، استقر كل من العروسان في مقاعدهما المخصصة لهم. وفي تلك اللحظة، هبَّ المدعوون من نخبة المجتمع وكبار الشخصيات؛ من مناصب عليا، ورجال أعمال بارزون، وقادة عسكريون مرموقون، إلى جانب حشد من المستشارين ورجال القانون الذين يمثلون رؤساء آصف وإلياس لتقديم التهاني والمباركات، وكذلك اقترب أوس وهو مستند على زوجته ونوح وقام بالمباركة لأشقائه وضمهم في أحضانه بحب وأخوة وقام المصور بالتقاط الصور لهم وجوار كل منهم زوجته، وبعدها استأذن منهم ورحل برفقة زوجته إلى غرفته كي يستريح، وبعدها توالت باقي فقرات الزفاف ولم يتوانى آصف وإلياس عن الرقص برفقة إخوتهم وأصداقهم وإظهار فرحتهم وسعادتهم رغم تحفظ وتين وموچ ولكن أظهر الشباب فرحتهم بليلة العمر التي لن تقرر ظلوا على هذا الوضع حتى انتهى الزفاف وبدأ المدعوين في المغادرة وتوجه كل عريس إلى جناحه برفقة عروسه.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (زينب سعيد القاضي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية

رووووعه يا زوزو تسلم ايدك حبيبتي
جميل جدا