قراءة رواية (أحفاد إلياس) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (أحفاد إلياس)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( زيب سعيد القاضي)|الفصل: (27)
قد لا ندرك الشيء إلا عندما نفقده، رب ضارةً نافعة فعندما يصيبنا الشر قد نظن أنها النهاية ولا ندرك بواطن الأمور وأن لكل شيء سبب .
فكم من محنة تحولت بقدرة الله إلى منحة، وكم من باب أغلق في وجوهنا لفتح الله لنا أبوابًا خيرًا مما فقدنا.
فربما نحزن على فرصة ضاعت، لنجد بعدها ما هو أثمن وأفضل، أو نتألّم لغلق باب، لنتفاجأ بأنّ الأقدار كانت تخبئ لنا باباً أعظم انفتاحاً ونورًا.
الحياة لا تعطينا دائمًا ما نحب فورًا ، لكنها تمنحنا في النهاية ما نحتاج إليه حقاً لننضج ونتعلم. وما يبدو في ظاهر الأمر قسوة أو حرمان، غالبًا ما يكون في حقيقته لطفًا خفيًا وجهدًا إلهيًا يرسم لنا طريقًا أجمل ممّا كنا نتخيل، لنتأكد دائماً أن الخيرة دائمًا فيما اختاره الله.
لذا، عش قلبك مطمئنًا، وثق تمامًا أن العتمة التي تسبق الفجر ليست سوى تمهيد لنور ساطع يمحو كل أثر للحزن. فكل تعثر هو خطوة أعمق نحو قوتك، وكل دمعة سقطت كانت تغسل تراب الروح لتنبت فيها أملًا جديدًا يزهر من جديد.
فاصبر لِحكم ربك، واعلم أن الأقدار لا تأتي أبداً عبثًا، بل تأتي بحكمة بالغة قد تعجز عقولنا عن إدراكها في حينها، ولكن الأيام كفيلة بأن تزيح الستار، لننظر إلى الوراء ذات يوم فنبتسم، ونحمد الله على كل منع كان في طياته أعظم عطاء.
❈-❈-❈
ظل الصمت السائد هو من يعلوا لا يقطعه سوا أصوات أنفاسهم الثائرة.
تبادل نوح وأيهم النظرات وبعدها تحدث بنبرة جادة:
– الوضع صعب الرصاصة كانت على بعد ١سم من القلب غير إن كان عنده نزيف داخلي ونزف كتير جدًا..
قاطعه إلياس بحدة:
– أيهم أوس عايش صح؟!
أومأ نوح بايجاب:
– أيوه عايش.
تنهد الجميع براحة فاسترسل أيهم حديثه شارحًا:
– إحنا عملنا إللي علينا هو الوقتِ بين إيد ربنا حاليًا هو في الرعاية المركزة لو مر ٢٤ ساعة على خير يبقى عدا مرحلة الخطر والوضع أستقر.
تحدث نوح بهدوء:
– وجودكم هنا ملوش داعي الأفضل ترجعوا البيت لأن مفيش زيارة.
هتفت مرام بلهفة:
– عايزة أشوفه يا نوح عايزة أطمن عليه.
رمقتها سيرين بحدة:
– نعم وأشمعنى إنتِ إللي تدخلي تشوفي أنا القديمة وأنا مرات ابنه.
صقف نوح بيده وصاح بانفعال:
– لا مينفعش كده ما تمسكوا في خناق بعض أحسن؟! إنتوا في مستشفى وقلت الزيارة ممنوعة محدش هيدخل مهما كان مين والأفضل كلكم تروحوا البيت أنا وأيهم هنا معاه وإلياس وآصف وعمر كمان الباقي بقى يروح لو سمحتم وأول لما يفوق بإذن الله هنبلغكم.
ردت مرام برفض قاطع:
– أنا مش همشي من هنا.
حاولت هالة التحدث لكن قاطعها إلياس:
– ماما حضرتك تعبانة ولازم ترجعي البيت ترتاحي وأنا موجود هنا يلا لو سمحتم عشان تروحوا.
التفتت إلياس إلى عمر وقال:
– عمر هتروح غنى نوران وسيرين ووتين هتصولها في طريقكم.
توجه بنظراته إلي عمه وقال:
– عمي حضرتك هتاخد ماما وجدي وطنط وتورحوا بعربيتي.
أومأ بايجاب:
– تمام يا ابني.
تخصرت سيرين وغمغت بنفاذ صبر:
– لو هي هتفضل هنا أنا كمان هفضل مش هسيبها تاخد اللقطة دي عشان لما أوس يفوق تقولوا أنها هي إللي فضلت جنبه وأنا لا.
مسح إلياس على وجهه عدة مرات وتحدث بنبرة حادة:
– وإنتِ فاكرة إن لما أوس هيفوق هسمح لجنابك تدخلي ليه لابسة أسود في أسود؟! أتقي شري وأمشي.
دبت على الأرض بغيظ وقالت:
– طيب بس هاخد ابني معايا.
ردت مرام برفض قاطع:
– لا زين هيفضل معايا.
اتسعت عين الأخرى وصاحت بحدة:
– فوقي لنفسك بقى زين ابني أنا وبس واستحالة أسمح ليكي تاخديه مني عشان تعوضي النقص إللي عندك.
بهت وجه مرام وهتفت بانفعال:
– أخرسي لو حد عنده نقص فعلًا فهو إنتِ زين هيفضل معايا عشان ده طلب أوس مني.
ضرب إلياس قبضته على الحائط وصاح بصوت أرعبهم:
– بس أخرسي إنتِ وهي إلا وقسمًا بربي هرميكي إنتِ وهي في الشارع.
تدخل عمر وهتف بانفعال:
– يلا عشان نمشي اتفضلي يا سيرين يلا.
تحرك الجميع على مضض، اقتربت وتين من إلياس وتساءلت باهتمام:
– إنتَ كويس؟!
أومأ بايجاب:
– الحمد لله روحي معاهم يلا ولما توصلي كلميني.
ردت بايجاب:
– حاضر.
❈-❈-❈
في الأسفل وتحديدًا في سيارة عمر توجهت غنى كي تصعد في المقعد الأمامي جوار شقيقها، لكن أوقفتها سيرين بحدة:
– أنا إللي هركب قدام.
رفعت غنى حاجبها باستنكار:
– نعم؟!
رددت ببرود:
– إللي سمعتيه أنا مش هقعد جنب الأتنين دول.
قالتها وهي تشير إلى نوران ووتين باستحقار، بهت وجه كل منهم فهبط عمر من السيارة ونظر إليها بحدة:
– إنتِ بتقولي إيه يا سيرين؟!
صاحت بعصبية:
– إللي سمعته أنا مش هركب جنب خدامة وجنب واحدة من الشارع.
اتسعت عين عمر وهتف بانفعال:
– أخرسي ولا كلمة بلاش تخليني أوريكي وش عمرك ما شوفتيه.
تنحت وتين جانبًا تحفظ ماء وجهها:
– بعد اذنكم أنا هشوف تاكسي.
أيدتها نوران بلهفة:
– وأنا هروح معاها.
أوقفهم عمر بأمر:
– أقفي عندك إنتِ وهي هتروحي فين الوقتِ يا آنسة وتين؟! من كل عقلك فاكرة هسيبك تركبي تاكسي في وقت متأخر زي ده؟!
نظر إلى عمر إلى نوران وغمغم بضيق:
– وإنتِ رايحة فين إنتِ كمان؟!
أجابت بهدوء:
– راجعة الفيوم.
مسح على وجهه عدة مرات وتحدث بنفاذ صبر:
– غنى خليكِ إنتِ وراء جنب آنسة وتين وسيرين وإنتِ يا نوران تعالي قدام يلا.
حاولا الثلاثة الاعتراض سيرين، وتين، ونوران ولكن لم يعطيهم عمر فرصة، بعد أن ذغر لهم بعينهم:
– سمعتها أنا قلت إيه؟! ولا هنفضل طول الليل واقفين في الشارع؟!
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
هتفت نوران معترضة:
– وليه أنا إللي أركب قدام؟!
رمقها بضيق:
– عشان أنا عايز كده انجزي يلا.
صعدوا السيارة على مضض، وبدأ عمر في قيادة السيارة علم من وتين مكان إقامتها الذي أملته له بتوتر، فقام بايصالها أولًا وأصر أن يوصلها أمام العقار الذي تقطن به بعد أن طلبت منه أن تهبط في الشارع الرئيسي.
شكرته بلطف وسلمت على نوران وغنى وبعدها هبطت من السيارة انتظرت حتى ولجت إلى داخل العقار وبعدها قاد السيارة وتوجه مرة أخرى إلى قصر إلياس.
بعد ما يقارب الساعة كانوا وصلوا إلى القصر هبط البنات من السيارة وتحدث عمر بجدية:
– خدوا بالكم من نفسكم.
تساءلت غنى باهتمام:
– إنتَ راجع تاني؟!
أومأ بايجاب:
– أيوه.
هتفت غنى بتفهم:
– تمام وإحنا هنيجي ليكم الصبح بإذن الله.
انتظر حتى دلفوا ثلاثتهم إلى داخل القصر واطمئن عليه، وعاد إلى قيادة السيارة مرة أخرى من جديد عائدًا إلى المستشفى.
❈-❈-❈
بعد مغادرة الجميع والمشادة الكلامية التي حدثت بينها وبين سيرين انزوت على أحد المقاعد حاملة زين الغافي بين أحضانها.
أما عن أيهم فقد ذهب لتبديل ملابسه برفقة نوح. بينما ظل آصف واقفًا برفقة إلياس.
توجه إلياس بنظراته تجاه مرام، والتفت إلى شقيقه وقال:
– أنزل الكافتيريا هات لينا قهوة وهات عصير وأي حاجة تتاكل لمرام.
أومأ بايجاب:
– حاضر.
تحرك آصف ينفذ أوامر شقيقه، وخطى هو خطوات رزينة تجاه مرام وجلس على المقعد المقابل لها، وضيق عينيه وتساءل بفضول:
– بتحبيه؟!
بهت وجهها لم تتوقع سؤال كهذا فأطرقت رأسها بخجل وهتفت بصوت خافت:
– هتصدقني لو قلت ليك مش عارفة؟! بس كل إللي أعرفه إني مقدرش أعيش من غيره.
ارتخى في جلسته، وتحدث بنبرة هادئة:
– إنتِ جاوبتي على نفسك يا مرام أوس بقى بالنسبة ليكي كل حاجة زي ما إنتِ ليه كل حاجة يمكن عرفتي ده متأخر بس المهم إنك فوقتي قبل فوات الأوان.
أغمضت عينيها بحزن وقالت:
– بس ليه مكتشفتش غير الوقتِ؟! وهو في الوضع ده؟!
تحدث بتأكيد:
– كل حاجة ليها وقتها المهم إنها هتيجي مش يمكن الحادثة دي خير؟! ليه بتقولي إنها شر؟!
قطبت جبينها بحيرة وتساءلت:
– خير؟! خير إزاي بس؟! أنا مش فاهمة حاجة؟ إزاي خير بعد إللي حصل لأوس ووضعه ده؟!
ابتسم بغموض وقال:
– هو لو مكنش حصل لأوس إللي حصل كان هيفرق معاكي؟! كنتِ هتحسي إنك متقدريش تعيشي من غيره؟!
صمت لثوانٍ واستطردت قائلة:
– مش عارفة.
أخذ نفس عميق يعبأ به رئتيه وتحدث بنبرة هادئة:
– الخير يكمن في الشر وبإذن الله أوس هيقوم بالسلامة وهيبقى كويس بإذن الله.
أمنت على دعائه:
– ربنا يسمع منك يارب العالمين.
قاطع حديثهم اقتراب نوح منهم وتحدث باختصار:
– أنا جهزت جناح لأوس عشان لما يقوم بالسلامة تقدري ترتاحي فيه إنتِ وزين يا مرام.
هزت رأسها نافية:
– لا لا مفيش داعي أنا هفضل هنا لغاية لما أوس يقوم بالسلامة واطمن عليه.
هتف إلياس بأمر:
– لا طبعًا مش هتفضلي قاعدة كده وإللي رايح وجاي يتفرج عليكِ قومي يلا يا مرام ولو في جديد هبلغك.
همست بضعف:
– طيب ينفع أشوفه؟!
ابتسم نوح بعبث وقال:
– يا عيني على الحب ماشي يا ستي بس معلش مش الوقتِ يعدي كام ساعة بس على الأقل نطمن عليه تمام؟
تنهدت بقلة حيلة وقالت:
– تمام.
انتبه إلياس إلى فستانها الملوث بدماء شقيقه الطاهرة:
– أنا هكلم غنى تجيب ليكي هدوم وهي جاية الصبح حاولي تغسلي ايدك من الدم وتفوقي مينفعش أوس يشوفك كده.
وصل آصف حاملًا كوبين من القهوة وحقيبة بلاستيكية قدمها إلى مرام:
– اتفضلي يا مرام حاجة بسيطة عشان تأكليها.
هزت رأسها نافية وأجابت:
– لا لا شكرًا مليش نفس.
هتف بإصرار:
– لا مش هينفع كلي حاجة بسيطة عشان تقدري تقفي على رجلك وكمان لما زين يصحى أبقي أكليه.
تحدث إلياس بتنبيه:
– اسمعي الكلام على فكرة المفروض زين كان يرجع البيت المكان هنا مش كويس عشانه بس محبتش أزعلك وعشان عارف إن أول حاجة هيسأل أوس عنها لما يفوق هيبقى إنتِ وزين عشان كده خليتكم هنا يلا بقى اسمعي الكلام وخدي الحاجة وروحي الجناح ارتاحي.
نهضت من مكانها على مضض:
– حاضر.
قادها نوح إلى الجناح الخاص بأوس وبعدها تركها وتحرك برفقة أبناء عمومته إلى مكتبه كي يستريحوا به حتى تتحسن حالة أوس… وبعد مرور الوقت قد وصل عمر ومكث برفقتهم هو الآخر.
❈-❈-❈
ولجت مرام الغرفة بخطى متثاقلة، وضعت زين فوق الفراش بحذر شديد ودثرته بالغطاء ظلت تتأمل ملامحه باهتمام شديد ولأول مرة تلاحظ مدى الشبه القريب بينه وبين والده فزين صورة مصغرة من أوس بالفعل.
أطلقت تنهيدة حارة وتوجهت إلى المرحاض فتحت المياه وظلت تغسل يديها جيدًا من دماء أوس، وعيناها لا تتوقف عن البكاء، أغلقت المياه وخرجت من المرحاض بتثاقل شديد تهاوت على أقرب مقعد تزرف دموعها بحزن شديد، وأثناء ذلك لمحت المصحف الشريف الموضوع في أحد أركان الغرفة، نهضت بلهفة بعد أن وجدت ضالتها قامت بحمله بحذر شديد، وعادت إلى المقعد مرة أخرى من جديد وجلست ترتل آيات الذكر الحكيم…
❈-❈-❈
أشرقت شمس الصباح بنورها الساطع معلنة عن بداية يوم جديد، لتطوي صفحة الأمس وتعلن عن بداية صفحة جديدة في كتاب الحياة… ومع حلول شمس الصباح استيقظ الجميع فهم لم يكونوا نائمين من الأساس واستعدوا من أجل الذهاب إلى المستشفى، ووصل الجميع بالفعل وظلوا بالغرفة التي خصصها نوح لأوس عندما يستعيد صحته.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
مرت ساعات النهار ببطء شديد على الجميع وهم في انتظار سماع أي خبر عن أوس ولكن لا يوجد جديد في حالته سواء تحسن أو تدهور في الحالة وهذا ما أراحهم فهذا يعني أنا الحالة لا تزال مستقرة، وما أراحهم أنه قد مر ٢٤ساعة والحالة بخير وهذا يعني أنه تخطى مرحلة الخطر….
وضع مرام كما هي لا تزال ترتدي ملابسها على الرغم من أن غنى أحضرت لها ملابس لكن لا طاقة لها.
نهضت من مكانها وتحركت بضعف، أوقفتها غنى متسائلة:
– رايحة فين يا مرام؟
أجابت بحزن:
– هتمشى شوية.
عرضت عليها بحسن نية:
– تحبي أجي معاكي؟
هزت رأسها نافية:
– لا يا حبيبتي خليكي مرتاحة.
تركتهم وغادرت الغرفة ظلت تسير في الممر حتى وصلت إلى نهايته وتوقفت أمام النافذة المطلة على الأسفل تتأمل الحديقة بصمت تام.
استمعت إلى صوت خطوات تقترب منها استدارت على الفور وجدت نوح يقف جوارها مرتديًا زي اليونيفورم الخاص بالمستشفى ومن فوقه يرتدي البالطو الأبيض، وقف جوارها واضعًا يديه في جيبه.
تساءلت بلهفة:
– طمني أوس كويس صح؟
حرك رأسه بايجاب:
– الحمد لله كويس إنك خرجتي.
قطبت جبينها بحيرة:
– ليه؟
غمز عينيه اليسرى بمكر:
– عشان هخليكي تشوفي أوس يلا بينا.
تبسمت بفرحة وتحركت برفقته حتى وصلوا إلى غرفة التعقيم، حادث الممرضة بعملية:
– عقميها عشان تدخل.
أومأت بايجاب:
– حاضر يا دكتور.
توجه هو إلى الداخل كي يطمئن عليه ريثما تنتهي هي ساعدتها على أن ترتدي الملابس المخصصة للدخول وبعدها سمحت لها بالدخول.
❈-❈-❈
ولجت إلى داخل الغرفة وقلبها ينبض بين ضلوعها بقوة تكاد تجزم أن من حولها يستمعوا إلى صوت ضربات قلبها من شدتها.
تصنم جسدها ما أن اقتربت منه وجدته راقدًا فوق الفراش جثة هامدة بلا حول له ولا قوة عاري الصدر ومضد صدره بالشاش الأبيض فوق جرحه، كما يوجد العديد من الأسلاك الطبية موضوعة فوق قلبه، نهيك عن جهاز التنفس الصناعي وأكياس المحلول، وأكياس الدم المعلقة بوريده.
دون شعور من هبط الدموع من محجريها وتساقطت فوق وجنتيها بغزارة، رمقها نوح بعتاب وقال:
– مرام مينفعش كده لو فضلتي تعيطي هخرجك بره.
مسحت دموعها على الفور في أكمامها وتحركت بخطوات متثاقلة ووقفت جوار أوس تتأمله عن قرب.
تحدث نوح بصوت هامس:
– أنا خارج خمس دقائق بس وهتخرجي تمام؟
أومأت بايجاب:
– حاضر.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تركها ورحل ووقفت هي جوار أوس تتأمل ملامحه عن قرب، ظلت تتأمل ملامح وجهه الساكنة ولأول مرة تنظر في وجهه تتأمله لهذه الدرجة، رفعت يدها بيد مرتعشة وربتت على خصلات شعره بحنان:
– قوم يا أوس قوم طمني عليك أنا مليش غيرك.
ابتلعت ريقها بمرارة واسترسلت قائلة:
– أنا مقدرش أعيش من غيرك أنا عارفة إني زعلتك وجيت عليك كتير بس غصب عني أنا إللي مريت به مش سهل.
أغمضت عينيها بتحسر:
– مكنتش رافضة اتجوزك عشانك إنتَ يا أوس د، كنت رافضة عشان مش عايزة حد يقولي إني خطافة رجالة.
أخذت نفس عميق واستطردت قائلة بصوت خافت:
– عارف لما إنتَ اضربت بالنار حسيت إن قلبي وقف فوق عشاني وعشان زين أنا هعمل إيه من غيرك؟! يمكن مستغرب إنك بتسمع مني الكلام ده بس أنا فعلًا طلع مليش غيرك حتى لما كان فريد عايش كنت إنتَ دائمًا في ضهري وواقف جنبي إنتَ كتير عليّ أوي يا أوس.
أقتربت منه أكثر، وانحنت قليلًا حتى استنشقت رائحة عطره الممزوجة برائحة المعقمات الطبية، تلك الرائحة التي باتت تكرهها لأنها تذبح قلبها كلما دخلت هذه الغرفة. وضعت كفها المرتجف فوق كفه البارد الممدود بجوار فراشه، تحسست أصابعه التي طالما دافعت عنها وتحملت الكثير من أجلها، ليهتز جسدها بشهقة مكتومة أطلقتها وهي تحاول كتمان بكائها حتى لا يعود نوح ويطردها كما هددها.
همست بصوت مكسور يكاد يختفي بين نبضات الأجهزة:
– تفتكر يا أوس لو مت قبل ما تسامحني، ربنا هيسامحني؟ أنا ظلمتك كتير كنت بشوف حبك في عيونك وكنت بهرب منه، خايفة من كلام الناس، وخايفة من نفسي. بس غبيّة.. مكنتش أعرف إن الوجع الحقيقي هو إني أعيش ثانية واحدة وإنتَ مش معايا.
في تلك اللحظة، وكأنه استجاب لنداء روحها المعذبة، تحركت أصابعه الباردة ومضت نفضة خفيفة سرت في كفه.
اتسعت عيناها بذهول، ووقف الدم في عروقها، فارتدّت للخلف خطوة وهي تعقد حاجبيها غير تصدقة، لتراه يفتح عينيه ببطء شديد، وكأن النور يؤذيه، بينما غطى صوته الواهن، المبحوح بسبب أنبوب التنفس، سكون الغرفة قائلًا بصوت هامس بالكاد يُسمع:
– مفيش…..حد…. يزعل….من…روحه….المهم…. إنتِ….تكوني….مش…زعلانة….مني…
فلتت منها صرخة مختلطة بضحكة باهية، وانكفأت عليه غير مبالية بكل الأجهزة والأسلاك التي تحاصره، فطوقته بذراعيها برفق شديد خوفًا من أن تؤلمه، لتجهش في بكاء حارق هذه المرة بكاء راحة وفرحة وندم يغسل قلبها.
– مش زعلانة.. والله العظيم ما زعلانة يا أوس! بس متسبنيش تاني عيش عشاني وعشان زين!
استندت بجبينها على كتفه، وشعرت بكفه الضعيفة تتحرك ببطء لتربت على رأسها بحنو، وهو يبتسم ابتسامة شاحبة كادت تخفيها آلامه، قبل أن ينفتح باب الغرفة فجأة ويطل نوح بوجهه المتسائل، ليتسمر في مكانه وهو يرى أوس وقد استعاد وعيه، لترتسم على شفتيه ابتسامة واسعة ممزوجة بالدموع.
❈-❈-❈
تسارع نبضات قلب نوح وهو يقف بمنتصف الغرفة، عيناه متسعتان غير مصدقتين لما يراه أمام عينيه؛ فأوس الذي كان جثة هامدة قبل دقائق، يستجيب الآن ويتحرك.
دخل نوح بخطوات سريعة ومضطربة، وابتسامة واسعة تخترق ملامحه المتأثرة، فهتف بصوت متهدج يغلب عليه البكاء:
– أوس! الحمد لله.. الحمد لله يا حبيبي إنك فتحت عينك، والله العظيم كنت حاسس إنك هتقوم عشان خاطرنا!
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
اقترب منه بلهفة وهو يمسح دموعه بطرف يده، وتابع بجدية الطبيب والأخ الحنون:
– أوعى تتحرك جامد يا أوس الجرح لسه عميق، وخلي بالك من الأجهزة.
رفع أوس نظره إليه ببطء، وابتسم ابتسامة شاحبة وواهنة، ثم حرك شفتيه بصوت منخفض ومتقطع:
– زين... ابني… فين يا نوح؟ …عامل إيه؟
أسرعت مرام برفع رأسها عن كتفه، ومسحت دموعها بسرعة لترد عليه بلهفة واطمئنان، وهي تمسك بكفه الدافئة قليلًا الآن:
– زين كويس يا أوس والله كويس، قاعد مع إلياس.
تنفس أوس الصعداء، وأغمض عينيه للحظات وكأن جبلًا ثقيلًا انزاح عن صدره، ثم نظر إلى مرام نظرة طويلة مليئة بالعتاب الحاني الذي يعرفه قلبها وحدها:
– كنتي هتموتيني من الخوف عليكِ إنتِ وزين مش عشان رصاصة في صدري، لأ عشان دموعك دي.
هزت مرام رأسها سريعًا، وابتلعت غصة في حلقها، وقالت بصوت متهدج يملؤه اليقين:
– خلاص، مفيش دموع تاني يا أوس وعظم الله أجر خوفي، أنا بقيت قوية بيك، ومش هسيبك تبعد عني أبدًا.
التفت نوح سريعًا إلى الباب وهو يشير للخارج قائلًا:
– طب أنا هروح أطمن الجماعة وإنتِ يا مرام لازم تخرجي عشان يرتاح.
خرج نوح بخطوات هادئة يملؤها الأمل، بينما ظلت مرام جالسة جوار أوس، متمسكة بيده وكأنها تخشى أن تفتح عينيها فتجده حلماً، لتنحني نحوه بهمسة دافئة:
– حمد لله على سلامتك يا روح قلبي نورت حياتنا من جديد.
اتسعت ابتسامته وغمغم بنبرة هادئة:
– ياه روح قلبك؟! يعني كان لازم اتضرب بالنار عشان أسمع الكلام الحلو ده؟!
ابتسمت بخجل وصمتت، لاحظ ما ترتديه وتبسم بضعف وقال:
– مممممم تصدقي كان المفروض أسيبك تجيبي الفستان الأسود كان هيتحمل لون الدم وأهو كان أسود عشان تبقي مستعدة لو موت….
قاطعته بحدة وهي تضع يدها على فمه بلهفة:
– بعد الشر عنك متقلش كده.
ابتسم بغزل وهمس بصوت خافت:
– خايفة عليّ؟!
هزت رأسها بإيجاب وهتفت بهمس مماثل:
– وأنا هخاف على مين غيرك.
أخذ نفس عميق وأغمض عينيه وتمتم براحة:
– ياه أخيرًا يا مرام يا وجع قلبي منك كنت فاكر هموت قبل ما أسمعها منك. رب ضارة نافعة.
صمتت لثوانٍ بخزي وأكملت:
– أنا آسفة حقك عليّ.
تحدث بوهن:
– هش هش مش عايز أسمع صوت أنسي يا عمري…. أنا جنبك ومش هسيبك…
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (زينب سعيد القاضي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية

روعة تسلم ايدك
روعه يا زوزو تسلم الايادي يا جميل حلوة اوي