أحفاد إلياس - الفصل 23 | زينب سعيد القاضي

قراءة رواية (أحفاد إلياس) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: (أحفاد إلياس)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( زيب سعيد القاضي) |الفصل: (23)



وقد دق الفرح بابنا، فهل حان وقت السعادة أم للقدر رأي آخر وهي بداية مأساة جديدة، تسللت خيوط الفجر الأولى تداعب عتبات الدار، فكأنما غسلت أحزان الأمس بماء النقاء، ليعود البهجة ترفرف في الأرجاء كطائر طال غيابه واستوطن الشوق. جلسنا نتنفس الصعداء، نتبادل نظرات الارتماء في حضن الأمل، ظانين أن العاصفة قد وضعت رحاها وأن السكينة قد حطت رحالها أخيرًا في ديارنا.


لكن الرياح في الغيب تضمر ما لا تشتهيه سفن الحالمين؛ فما إن تجلت ضحكاتنا حتى تهادت في سكون الليل نغمة خفية تشبه رنين الجرس المهيب. أهو طارق يبشر بوصل، أم نذير لفتح أبواب جديدة تفتح بابًا لغزوة كبرى من دروب المقادير؟ وقفنا بحذر بين الخوف واللهفة، نترقب إن كان هذا الباب المفتوح على مصراعيه سيهبنا دفء الحياة أم سيعصف بما تبقى من تماسكنا.


فيا فرحًا أطل بوجنتين من ضياء، إن كنت ربيعًا دائمًا فابقِ ولا تزول، وإن كنت بروقًا خادعة تخفي رعودًا داكنة، فصبرٌ جميل، وعسى أن يكون في طيات القدر يخبيء لطف يمحو مرارة ما مضى ويكتب لنا بدايةً ترتضيها القلوب ولا تنكسر.

❈-❈-❈

انتفضت من مكانها لا تصدق هذا الحديث الذي أخبرها به، وقفت في مواجهته وصاحت بحدة:

– إنتَ إيه الكلام إللي بتقوله ده؟! إزاي تجرأ أصلًا تقول الكلام ده ويخصك في إيه من الأساس؟


وقف في مواجهتها وهتف بحدة مماثلة:

– إنتِ كلك على بعضك تخصوني يا مرام أنا إللي المفروض كنت اتجوزك من البداية مش فريد يا هانم.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

دبت على قدمها بغيظ:

– كفاية بقى كفاية أرحمني أرحموني كلكم أنا تعبت منكم إنتوا عايزين مني إيه بالظبط؟! هو أنا لعبة بين إيديكم؟! مرة يجوزوني فريد وبعد ما يموت وحتى قبل ما عدتي تخلص جدك بردوا مسبش ليّ حرية الإختيار حتى إني أمشي من هنا وعايز يجوزني حد منكم هو أنا إيه بالنسبة ليكم بالظبط؟! كورة؟! كورة بتلعبوا بيها؟! أنا بني آدمة زي زيكم على فكرة مش واحدة شرينها من سوق الجواري الرحمة شوية بقى مش كل حاجة بالغصب، ويخصك في إيه الكلام إللي إنتَ بتقوله ده؟! أولًا دي حاجة بيني وبين زوجي إللي أنا لسه في شهور العدة يعني الأمر لا يعنيك من الأساس حل عني بقى وسيبني في حالي، سيبوني كلكم في حالي وأقسم بالله يا أوس لو تجاوزت في الكلام معايا تاني وقتها بقى متلومش غير نفسك واعتبر الجوازة ملغية وأقولك حاجة كمان أضرب رأسك في أتخن حيط وأشرب من البحر كمان.


أحمر وجهه بشدة، وأصبحت عينيه ككتلة جمر مشتعلة أخذ نفس عميق يعبأ به رئتيه وبدأ بالعد داخله واحد…اثنين…ثلاثة… حتى يهدأ نفسه حتى لا ينفجر بها وقتها لا تلوم غير نفسها.


وضع يده في جيبه وتحدث بنبرة حادة:

– شيلي الهبل ده من دماغك يا شاطرة أنا هتجوزك بمزاجك أو غصب عنك ومش أوس إلياس يا هانم إللي يضرب دماغه في الحيط، ولا أنا إللي أشرب من البحر فاهمة ولا مش فاهمة؟!


ظلت على صمتها تطالعه بعينين تفيض دمعًا، فهتف بنفاذ صبر:

– بتعيطي ليه؟! بتندبي على إيه؟! لمَا أبقى أموت وقتها بقى أبقي عيطي عليّ غير كده مش عايز أشوف دموعك تاني سامعة؟!


ظلت صامتة فكرر حديثه بعصبية:

– ردي عليّ سامعة ولا مش سامعة؟!


ردت بصوت خافت:

– سامعة بعد إذنك.


– أستني.


توقفت مكانها تستمع إلى ما سيقوله تحدث هو بجدية:

– أنا مقصدتش أضايقك بكلامي بس غصب عيني غيرة عليكِ نظراتك لوتين كان فيها كلام كتير أنا مش فاهمه وكنت محتاج تفسير منك.


أجابت دون أن تلتفت إليه:

– ومع الأسف أنا معنديش تفسير أقدر أقوله ليك.


تنهد بقلة حيلة وقال:

– طيب عايزك تنسي كل حاجة عن وتين هي مين أو عرفناها إزاي علاقتك بيها هتكون إنها زوجة إلياس يعني سلفتك ومش هينفع يكون في بينكم مشاكل تمام؟!


قلبت عينيها بملل وردت:

– خلصت كلامك؟! ينفع أمشي بقى؟!


تبسم بخفة وردد:

– ممممم لازم تمشي مينفعش تقعد شوية؟! 


أكملت سيرها دون أن تلتفت إليه حتى لا تنفجر فيه فهو شخص غريب الأطوار مؤكد أنه ليس شخص طبيعي كيف يتحول من حالة الغضب الذي انتابته إلى الحالة العبثية التي يتحدث بها الأن.


تبسم هو وهز رأسه بيأس:

– ربنا يهديكِ يا مرام يا تاعبة قلبي.

❈-❈-❈


أوقف سيارته أمام منزل وتين والتفت إليه بابتسامة:

– وصلنا حمد الله على السلامة.


أومأت بايجاب:

– تمام شكرًا.



تبسم بخفة وردد:

– العفو حمد الله على سلامتك المهم بقى طمنيني إيه رأيك في القصر بتاعنا؟!


هتفت باقتضاب:

– حلو.


اتسعت ابتسامته وغمغم بنبرة هادئة:

– طيب بداية مبشرة وإيه رأيك في ماما؟! وأهلي حبتيهم صح؟


تنهدت بنفاذ صبر:

– عايز الحق؟! 


أومأ بترقب:

– أكيد .


أجابت بهدوء:

– والدتك مش متقبلاني حساها أصلًا بتتعامل بحذر كأن حد قايل ليها تتعامل معايا كويس يعني مش على طبيعتها.


مط شفتيه وتحدث بنبرة هادئة:

– ليه بتقولي كده؟!


رفعت كتفيها باللامبالاة:

– لأن أنا شايفه كده. إنتَ سألت وأنا جاوبت أنا شايفة إنها بتتعامل باصطناع معايا ومش هلومها على فكرة هي من حقها ابنها يتجوز واحدة تليق بيه مش واحدة متلقش به ولا شكل ولا مضمون.


قلب عينيه بملل:

– نفس الأسطوانة إللي مش هنخلص بينها طيب من الآخر أنا عارف والدتي وواثق إنها لما تتعامل معاكِ هتحبك زي ما أنا بحبك.


دارت الكلمات في رأسها كدوامة صغيرة، فالتفتت إليه بنظرة حادة حملت مزيجًا من السأم والسخرية المريرة، ثم تابعت بنبرة بطيئة ومدروسة:

– ثقتك العمياء دي هي اللي هتجيبنا ورا. والدتك مش إنسانة شريرة، بس هي عملية وعينها دايمًا على الواجهة الاجتماعية، وأنا مش أكتر من كبش فداء.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لمس بصرها تعبير وجهه الذي بدأ يفقد هدوءه المصطنع، فتحرك بقلق خفيف مقتربًا بكتفيه نحو عجلة القيادة، لتردف هي بحدة متزايدة:

– اسمعني للآخر؛ أنا مش هقعد أتلفت حواليا وأحسب خطواتي في بيت أهلك عشان أعيش على مزاجهم، ولا هقعد أثبت لهم إني أصلح أكون زوجة لابن العيلة المدلل. لو شايف إن ده طبيعي، فأنا بشوفه سجن محترم بأسوار من ذهب.


صمت لبرهة وكأن صاعقة قد أصابته من صراحة حديثها الجارح، ثم نفث زفيرًا حارًا محاولًا تلطيف الأجواء المكهربة بينهما، ومد يده برفق ليلامس طرف أصابعها المرتجفة من شدة الغضب، وهمس بصوت دافئ يغلبه التوسل:

– بطلي تقفشي الأمور بالشكل ده وتدوري على النوايا المستخبية. أنا اخترتك إنتِ بالذات من وسط الكل عشان دماغك دي وعشان تقفي جنبي مش عشان تبقي صورة تانية معلقة على حيطة الصالون. ادي لنفسك فرصة تشوفي الحب الحقيقي بعيد عن حسابات العيلة، وأنا هكون درعك الأول والأخير قدام الكل، اتفقنا؟


تنهدت بقلة حيلة:

– تمام ينفع أنزل؟!


أومأ بتفهم:

– تمام خدي بالك من نفسك.


تبسمت بهدوء:

–حاضر.


هبطت من السيارة أمام نظراته وتأكد من صعودها إلى شقتها وبعد أن اطمئن قلبه، أدار عجلة القيادة وغادر.

❈-❈-❈

أشرقت شمس الصباح بنورها الساطع معلنة عن بداية يوم جديدة، وصفحة بيضاء نكتب أحرفها بايدنا فنمحو بها أخطاء الأمس، ونرسم طموحات الغد بألوان الأمل والعمل. كل دقيقة تمر هي فرصة جديدة لنقترب خطوة أخرى نحو أحلامنا، وكل تحدٍ نواجهه ليس إلا درسًا يقوي عزيمتنا. فلنبدأ هذا اليوم بقلوب مليئة بالامتنان، وعقول مستعدة لاقتناص الفرص، ولنجعل من ساعاتنا إنجازًا يترك أثرًا جميلًا لا يُنسى.


توقفت سيارة أوس عن فيلا كبيرة لا تقل فخامة عن قصرهم، هبط من السيارة، وهبط آصف من الباب الآخر، التفت إليه أوس بحدة وصاح بنفاذ صبر:

– ممكن أعرف إحنا جايين هنا ليه؟


أجاب آصف بنفاذ صبر:

– هنكون جايين ليه؟! جايين عشان أخطب موچ أكيد.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

مسح أوس على جبهته:

– على فكرة أنا مش مقتنع باللي جنابك بتعمله حتى إنتَ مش مقتنع.


وصلت سيارة إلياس للتو وتوقفت خلفهم هبط إلياس من خلف عجلة القيادة وهبط جده من المقعد المجاور ووالدته من المقعد الخلفي.


اقترب آصف من جده:

– ندخل يا جدو؟!


تبسم بسخرية:

– يعني بعد ما جينا هنا مش هندخل؟!


صمت بخزي فتدخل أوس في الحديث ملطفًا:

– خلاص يا جماعة خلونا ندخل مش هنفضل نتكلم هنا.


تحرك الجد في المقدمة وخلفه أوس وآصف بينما توجه إلياس إللي والدته ووضع يده فوق كتفها يحسها على السير:

– يلا يا لولو يلا يا حبيبتي إحنا خلاص جينا وحضرتك عارفة إنه بيحب موچ وسعادته معاها يبقى خلاص نسيبه على راحته.


تبسمت ساخرة:

– على أساس إني عارفة أمشي كلمتي على واحد فيكم؟! ما شاء الله خلفه تعر.


لم يستطع كبح ضحكاته، وانفجر ضاحكًا وهو يقبل رأس والدته بخفة:

– عسل والله يا ست الكل دمك شربات.


لكزته في كتفه بغيظ:

– إتلم يا حيوان.


وضع يده على فمه إشارة على صمته، وأكملوا سيره متوجهين إلى الداخل.

❈-❈-❈


في المستشفى ما أن أشرقت شمس الصبح حتى طلب عمر من شقيقته أن تعود إلى المنزل كي تستريح فقد بلغت من التعب أرذله، وظل هو برفقة نوران.


مكث بالخارج حتى تأكد أنها استقيظت واتجه إلى الغرفة دق الباب بتروٍ وانتظر حتى استمع إلى الإذن منها بالسماح بالدخول وولج إلى داخل الغرفة وترك الباب مفتوح، وجدها تجلس مسترخية على مسند الفراش بإرهاق.


اقترب منها وتساءل باهتمام:

– أخبارك إيه النهاردة؟


تمتمت برضا:

– الحمد لله بخير.


أومأ بتفهم:

– الحمد لله.


نظرت تجاه باب الغرفة وهتفت متسائلة:

– هي غنى فين؟


رد باختصار:

– خلتها تروح ترتاح.


غام الحزن على وجهها وقالت:

– يعني أنا هنا لوحدي؟!


رمقها بعتاب:

– وأنا روحت فين؟! أنا معاكِ أهو.


عضت شفتيها بخجل وقالت:

– أيوه بس أنا محتاجة لغنى معايا.


قلب عينيه بنفاذ صبر وقال:

– متقلقيش ساعتين تلاتة ترتاح وهتيجي ليكِ تاني.


تنهدت بارتياح:

– الحمد لله طمنت قلبي.


رفع حاجبه مستنكرًا:

– هو أنا ليه حاسس إنك مضايقة إني قاعد معاكِ؟!


هزت رأسها نافية وأجابت:

– لا…لا كتر خير حضرتك فعًلا بس كل الحكاية إني عايزاها معايا، وطالما هي جاية تقدر حضرتك تمشي على ما تيجي حضرتك محتاج ترتاح إنتَ كمان.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

سحب مقعد وجلس فوقه وهو ينظر إليّها بترقب:

– ممممممم يعني إنتِ عايزاني أمشي عشان أرتاح ولا حابة تفضلي لوحدك.


قطبت جبينها بحيرة وتساءلت:

– مش فاهمة قصد حضرتك إيه؟


ارتخى بظهره إلى الخلف وكتف ذراعيه فوق صدره، وتحدث بنبرة ذات معنى:

– يعني عايزاني أمشي عشان حد عايز يجي يطمن عليكِ ومش عايزاه يشوفني هنا.


طالعته ببلاهة، وهتفت بعدم فهم:

– هو حد جاي يشوفني؟! وبعدين مين هيجي يشوفني من الأساس ومش عايزاه يشوف حضرتك؟! هو أنا ليّ أصلًا حد غيركم عشان انتظر منه يزورني.


ضيق عينيه وغمغم بنبرة ذات معنى:

– حبيبك مثلًا.


هتفت بغباء:

– حبيبي؟! حبيبي مين؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

صاح بنفاذ صبر:

– إللي كنتِ بتتكلمي عنه إنتِ وغنى إيه نسيتيه ولا إيه؟ الضربة كانت في قلبك مش في دماغك على فكرة عشان تفقدي الذاكرة.


صُدمت من حديثه لا تصدق ما استعمت إليه منه فبعد أن ضحت بنفسها لأجله لا يزال يشك أنها تحب رجلًا غيره؟! مؤكد أنه شخص غير طبيعي.


فاقت من شرودها على صوته الحاد:

– إيه سرحتي في إيه؟! بتفكري في كدبة؟!


بهت وجهها واستنكرت حديثه وهتفت بعملية:

– دكتور عمر لو سمحت حياتي الشخصية خط أحمر ومش مسموح لحد أي كان هو مين يدخل فيها.


انتفض من مكانه وصاح بعصبية:

– يعني أنا صح فعلاً وفي حد في حياتك؟!


أغلقت عيناها ولم تجيب عليه مما أثار استفزازه وجعله يتحرك سريعًا ويغادر الغرفة صافعًا الباب خلفه بعنف.


فتحت عينيها بصعوبة وأطلقت العنان لدموعها كي تخرج من محجريها:

– غبي…غبي مش عارفة إزاي بحب واحد زيه ومع الأسف عمره حتى ما هيفكر ينزل من برجه العالي ويبص ليّ الصبر من عندك يارب.


وقف خارج الغرفة يضرب على الحائط بقبضة يده وهو يصيح بغيظ:

– ماشي يا نوران صبرك عليّ مش هرحمك.

❈-❈-❈

بداخل فيلا والد موچ تجلس العائلة برفقة اللواء نور الدين عم موچ الذي استقبلهم بحفاوة وترحاب مبالغ على الرغم أنه لا يعلم سبب زياراتهم حتى الآن، صمت الجميع احترامٍ لمكانة الجد إلياس كبير العائلة الذي تحدث نيابة عن حفيده.


– طبعًا حضرتك مستغرب من سبب تواجدنا يا سيادة اللواء.


تحدث الرجل على الفور بترحاب:

– يا خبر حضرتك والعائلة الكريمة تنوروا في أي وقت بيتكم ومطرحكم ربنا يعلم مكانة حضرتك عندي إزاي، وغلاوة آصف عندي كمان كبيرة دي ابني إللي مخلفتوش.


رد آصف بامتنان:

– شكرًا لحضرتك يا فندم دي شهادة أعتز بيها.


تحدث إلياس في صُلب الموضوع:

– إحنا جايين النهاردة نطلب منك إيد الأنسة موچ بنت حضرتك لحفيدي آصف.


شحب وجه الرجل وردد بعدم تصديق:

– آصف عايز يطلب موچ؟! أنا طبعًا يسعدني نسبكم بس موچ حاليًا تعبانة عندها كانسر والوضع صعب يعني مش هينفع هتتجوز آصف ولا غيره في ظروفها دي.


أغمض عينيه بحزن واسترسل حديثه:

– خطيبها أول لما عرف بحالتها فسخ الخطوبة، وهي تعبت نفسيًا ورفضت تقعد معانا في البيت وأصرت تفضل في المستشفى لوحدها.


تدخل آصف في الحديث بثقة:

– أنا عارف ده كله يا فندم ومع ذلك مصمم اتجوزها وأكون جنبها لغاية ما تعدي المحنة دي وترجع تقف على رجليها من تاني.


طالعه بعدم استيعاب:

– إنتَ متأكد من قرارك يا ابني؟! الوضع مش سهل زي ما إنتَ متخيل أبسط حقوق موچ مش هتقدر تقدمها ليك ولا هتقدر تكون زوجة طبيعية من الأساس غير إن الكيماوي كمان احتمال يأثر على الإنجاب.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

رفع كتفيه باللامبالاة وردد:

– مش مهم ولا فارق معايا أي حاجة أنا بحب موچ وعايز اتجوزها.


نظر الرجل إليه بامتنان:

– على خيرة الله أنا هتكلم معاها وبإذن الله هبلغك بردها.


قاطعة بلهفة:

– استأذن حضرتك أتكلم معاها أنا.


أومأ بتفهم:

– تمام يا ابني زي ما إنتَ عايز.


بعد فترة نهض الجميع واستأذنوا للمغادرة بعد أن تم الاتفاق على كل شيء وأن يكون الزفاف في القريب العاجل برفقة شقيقيه.


استقل الجميع السيارات متوجهين إلى وجهتهم بينما استأذن آصف منهم واستقل سيارة أجرة متوجهًا إلى المستشفى التي تقطن بها موچ فعليه أن يضع نقطة النهاية.

❈-❈-❈


بعد ما يقارب الساعة كان قد وصل آصف إلى المستشفى هبط من السيارة الأجرة وتوجه إلى الداخل وهو يقدم قدم ويؤخر الأخرى، استقل المصعد الكهربائي ووقف بداخله ينظر لانعكاس صورته بالمرآة يفكر فيما فعله لا يدري أكان خطأ أم صواب كل ما يعلمه أنه يريد موچ يريدها ولن يتنازل عنها فلن يتركها تضيع من يده بعد أن عادت إليه على طبق من ذهب وعليه أن يغتنمها على الرغم إنه لم يسامح موچ حتى الآن لكن وقت الحساب لم يأتي بعد.


توقف المصعد الكهربائي في الطابق المنشود، وخرج منه بعد أن أخذ نفس عميق يعبأ به رئتيه، خطى بخطى واثقة في الممر حتى وصل أمام غرفتها، طرق الباب بخفة وانتظر حتى سماع الإذن بالدخول ودلف إلى داخل الغرفة وترك الباب مفتوح.


كانت جالسة على الفراش بخمول شديد، جاهدت لفتح أهدابها لترى هوية الطارق ولكن ما أن أبصرت آصف أغمضت عينيها مرة أخرى بضعف.


تبسم بخفة ووقف جوارها واضعًا يديه في جيوبه:

– أفهم من إللي عملتيه ده إنك مش عايزة تشوفني؟!


أجابت دون أن تفتح أعينها:

– والله كلك نظر.


ارتسمت ابتسامة ساخرة على زاوية فمه وتحدث بثقة:

– كان نفسي أقولك حلمك اتحقق ومش هتشوفيني تاني بس مع الأسف ليس كل ما يتمناه المرء يدركه خلاص أنا بقيت قدرك وإنتِ قدري خلاص حتى الموت مش هيقدر ينجدك مني.


فتحت عينيها بصعوبة ونظرت إليه بعدم استيعاب:

– إنتَ بتقول إيه أنا مش فاهمة حاجة؟


أجاب بهمس:

– أنا طلبت إيدك من والدك يا موچ وهو وافق.


اتسعت مقلتيها وهتفت بعدم تصديق:

– إنتَ بتقول إيه؟! إنتَ بتهزر صح؟! عايز مني إيه يا آصف أنا خلاص في عداد الموتى يعني لا أنفعك ولا أنفع غيرك سيبني في حالي سيبني أعيش اليومين إللي فاضلين في عمري وأنا بعيد عن الكل وإذا كان على حقك وإللي عملته فيك خلاص ربنا أخدلك حقك مني أنا خلاص كلها أيام وبقضيها في الدنيا سيبوني أعيشها بسلام.


ابتسم بعبث وقال:

– توء توء توء حتى لو أيام بتقضيها وهتموتي يكفي إنك تموتي على أسمي وتكوني مراتي في الآجر يا موچ.


طالعته ببلاهة وتساءلت بصدمة:

– إنتَ مجنون صح؟


هز رأسه بنفي:

– بل بالعكس أول مرة أحس إني عاقل يا موچ يكفي إنك تكوني على أسمي لو ساعة واحدة وهتموتي يكفي عندي إنك هتبقى على أسمي عايشة وميته.


جلست شبه معتدلة على الفراش وأنفاسها تتسارع بصعوبة، ودموع خذلان حارة تجمعت في أهدابها قبل أن تنساب ببطء على وجنتيها الشاحبتين:

– حرام عليك ليه بتعمل فيا كده؟ ليه تظلم نفسك وتربط حياتك بواحدة رايحة ومش راجعة؟ أهلي طاوعوك إزاي؟ إنتَ متعرفش أنا عندي إيه ولا حالتي وصلت لفين.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

اقترب بخطوات هادئة وجلس على حافة الفراش، محتفظًا بابتسامته الواثقة رغم غصة ألم حقيقية لمعت في عينيه:

– أهلي وأهلك عارفين كل حاجة، وال دكتور قال كلمته الأخيرة، وأنا كلمت كلمتي الأولى والأخيرة. مش فارق معي الناس هتقول ايه، ولا فارق معايا غير إنك تكوني بتاعتي، بالاسم وبالرسم، في الفرح وفي المرض... لحد آخر نفس.

حركت رأسها بضعف وهي تفرك كفيها الباردتين ببعضهما:

– إنتَ أناني يا آصف... بتعاقبني بطريقة أصعب من المرض نفسه.


مد يده ليقبض على كفيها المرتجفتين بدفء حازم:

– أناني؟ ماشي، اعتبريني أناني. وأنا اخترت أشيل اسمك واشيل وجعك معايا، لحد ما يفرقنا الموت بجد، مش بالاسم بس خلصت خلاص.

❈-❈-❈


ثلاثة أشهر مروا حدث بهم الكثير تحسنت حالة نوران وخرجت من المستشفى وأصر الجد إلياس أن تبقى معهم في القصر لكنها رفضت رفض قاطع وأصرت على السفر إلى الفيوم مرة أخرى أذعن لطلبها لكن أرسل معها عمر وغنى كي يطمئن قلبه عليها. تحسنت حالتها مع مضي الوقت وعادت إلى الجامعة من جديد تسافر في الصباح برفقة عمر وغنى وتعود معهم في المساء، وما يريح قلبها أن عمر لم يتحدث معها أو يضايقها منذ آخر مشادة بينهم في المستشفى.


استمر الوضع فترة طويلة حتى انتهى العام الدراسي وبدأت امتحانات نهاية العام، كان عمر يقوم بايصالهم إلى الجامعة في الصباح لاجتياز الامتحان، وفي المساء يعيدهم إلى المنزل في الفيوم مرة أخرى حتى انتهت الامتحانات وعاد هو وغنى إلى القاهرة مرة أخرى من أجل الاستعداد لزفاف أبناء عمه.


أما علاقة وتين لا تزال كما هي شد وجذب وتحاول وتين جاهدة إفساد هذه الزيجة دون فائدة فإلياس لا يترك لها المجال أن تفر من هذه الزيجة فهو يحاصرها تكاد تجزم إنه يعد عليها أنفاسها.


أما عن سيرين فهي تحلت بالصمت بعد أن وعدها زياد إنه سيقوم بالتصرف وإيجاد حل لإيقاف تلك الزيجة.


موچ لا تزال بالمستشفى كما هي ترفض مغادرتها والذهاب إلى المنزل فكأن المستشفى أصبحت الملاذ الأمن لها. ورغم رفضها لآصف بصراحة مطلقة إلا إنه لم يرضخ لفرضها بل زاد إصراره على إكمال تلك الزيجة ومع موافقة والدها إزداد الأمر سوءًا فلم يتركوا لها مجال للرفض.


أما عن هالة فبعد أن وضعها أبنائها الثلاثة أمام الأمر الواقع فتحلت بالصمت، وتركت لهم المجال كي يحضروا حفل زفافهم كما يحلوا لهم.


أما عن نوح فقد بدأ العمل فى المستشفى الخاص التي جهزها له جده بناءً على طلبه وإصراره.


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (زينب سعيدالقاضي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل