أندروميدا "آسر البشر" - الفصل 1 | سلوى فاضل

قراءة رواية (أندروميدا) "آسر البشر" كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: (أندروميدا)

آسر البشر

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( سلوى فاضل ) | الفصل ( 1 ) 


*المقدمة* 


خلق الله تعالى الكون ووضع ناموسه، ثُمَّ خلق الإنسان وسخر له كل شيء وكرَّمه بالعقل؛ ليتفكر في صنعه تعالى، وليتمكن مِن الحفاظ على الأرض وثرواتها، والعمل على إنمائها، والأصل لشكر الله على ما وهبه مِن نِعَم، لكن البعض تبع هواه وانجرف خلف شيطانه يُزين له تغيير خلق الله، قال تعالى في سورة النساء:
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا} (119)
صدق الله العظيم
 فسن الإنسان قوانينه متحديًا صنع الخالق تحت مسمى التَّقدم العلمي والتِّكنولوجي، اغترَّ بما ملك مِن قوة؛ يوزع نِعَم الخالق كما يشاء زاعمًا إعادة توزيع الثَّروات وتنميتها؛ فساد الطَّمع وتغلبت الأنا متجاهلًا النَّتيجة الحتمية لفعله وهي فساد الكون واختلال توازنه؛ ثُمَّ اندلعت الحروب متزينة بالدَّمار، رافعة شعار الفسق والسُّفور؛ تلون العالم بلون الدَّماء وجفَّت العَبَرَات؛ فماتت القلوب وفقد الإنسان إنسانيته؛ فأضحى آليٌّ يُضخ بأوردتِه الدَّماء.

❈-❈-❈


 *الفصل الأول 
«شريك خفي»* 

بأنامل مرتعشة وجسد ينتفض، أمسكت هاتفها النقال من فوق الكومود الموضوع جانب فراشها الذي تعتليه.

 ضغطت على عدة أرقام، وانتظرت حتى استمعت لصوت الطرف الآخر، بدأت تتحدث بوجل، رهبة ونبرة منخفضة، وكأن هناك من يتلصص عليها، لتتحدث بخوف:
-أنا خائفة، بل ارتعد خوفًا، أشعر وكأن هناك أناس معي بالغرفة.

تنهدت صديقتها بقلة حيلة، وتحدثت تحاول تهدئتها بكلماتها الرقيقة:
 -اهدئِ قليلاً "بسلمة"، فلا يوجد داعي لخوفك؛ كنت معك منذ قليل ذهبنا إلى مشايخ عدة وجميعهم أقروا بطهارة غرفتك، بل البيت كله ولا يوجد ما يؤرق، هي مجرد خيالات بعقلك وأوهام.

لازالت على حالتها، التوتر رفيقها، تمسح عينها المكان بعشوائية، تبحث عن شيء مفقود تجهل ماهيته:
-لا أعلم "تلا" كيف اثبت لكِ صحة حديثي، ليست تهيؤات بل واقع غير ملموس، وليست تلك المرة الأولى.

- حسناً، انضمي إلى والديك بالمجلس، رافقيهم وشاهدي معهما التلفاز، حتى يداهمك النوم ويهزم جفونك؛ فيغلقها عنوة.


لم تجد فائدة من كثرة المجادلة، فصديقتها لا تملك أكثر من دعمها بالقول؛ فأنهت المحادثة معها تطالع المكان بريبة وتوجس.

 بالفعل قررت العمل بنصيحة صديقتها؛ نهضت من فوق الفراش ببطء تزدرد ريقها بصعوبة، تحركت لتغادر الغرفة وبعد بضع خطوات التصقت قدميها بالأرض، ارتعش جسدها بوضوح.

أغمضت عينيها تحاول السيطرة على ذاتها، ثم فتحتهم بهدوء والتفت بكامل جسدها جهة اليمين، تنظر أمامها بتدقيق، شعرت وكأنها تنظر من خلال صهد نيران مندلعة، تتراقص رؤياها ولكن لا شيء خلفها سوى محتويات غرفتها.

 همت بمد ذراعها تتحسس ما أمامها، ولكنها تراجعت عن تلك الفكرة سريعاً، وفضلت الهروب خارج الغرفة.

ولجت للخارج؛ لم يشعر بها والديها، ظلا يتابعون ما يبث على التلفاز بانتباه، يضحكان أحيانا ويترقبان أحياناً أخرى.

بصمت جلست جوارهما، التفت حولها بهدوء كي لا تثير انتباههما، لا شيء يحدث ببيتهم الصغير، كل شيء طبيعي عدا غرفتها.

 تنهدت بصمت، ودون أن تدري وجهت عينيها صوب صورة جدتها المعلقة على الحائط، تلك الصورة التي التقطت لها بعد حصولها على درجة الدكتوراه أثناء وبحثها العلمي الذي لم تنهه رغم عملها عليه لسنوات وسنوات طويلة.

 ابتسمت بحنين وهي تتذكر جلساتها معها، وحديثها الذي يحرك خيالها بحماس، كم تشعر بافتقادها!

بعد فترة ليست بقليلة، التفتت لها والدتها متسائلة بريبة:
-هل انت بخير بسملة؟

حاولت اخفاء توترها قدر استطاعتها، رسمت بسمة طفيفة على وجهها ليبدو الأمر طبيعي:
-بخير يا أمي، فقط جافاني النوم؛ فقررت مشاهدة التلفاز بصحبتكما حتي يغلبني النعاس.

مر الموقف بسلاسة، وتنفست بسملة الصعداء أخيرًا.


بجانب آخر، وبغرفة شاسعة، يقف بمنتصف الغرفة شاب طويل القامة، ذو بشرة بيضاء مماثلة للبذلة البيضاء التي تشبه ملابس العزل الصحي، أو رواد الفضاء دون غطاء الرأس، يشاهد كل ما حدث عند بسملة بحجم ضخم، يضاهي نصف الحائط الشاهق لأحد جدران الغرفة.

مد ذراعه أمامه، ومسح على الهواء بكف يده؛ فأغلق العرض كما لو كانت شاشة إلكترونية وفصل عنها التيار الكهربائي.

 التف برأسه ناحية اليمين جهة رفيقه الإلكتروني، الطائر ذو الرأس الدائرية، عيناه هي عدستان وأعلى منتصفهما بروچيكتور حديث يعرض على أي سطح ما تم التقاطه بعدستيه، وتحدث متسائلاً:

-هي الهدف بالفعل، ولكن كيف تشعر بوجودك؟ هناك شيء خفي يجب أن نصل إليه على وجه السرعة، ليس لدينا الكثير من الوقت.

-لا أعلم سيد "راسخ"، لم أبدْ أي إشارة، ولكن يبدو أنها تلتقط أدق الذبذبات، وتشعر بالحرارة الطفيفة المنبعثة.

-وهل هذا المعتاد بمثل جنسها؟

-لا سيد راسخ، وهذا دليل على أنها الهدف المنشود.

-لم نتأكد بعد، لا أريد مجازفة؛ فهناك متربص على الجانب الآخر، أريد أن أكون بالمقدمة، وأن أتم ما أبغي، استمر بمراقبتها ريثما أتأكد مما توصلت إليه من معلومات، وأتخذ القرار المناسب.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
بغرفة أخرى يغزوها اللون الأسود ممزوج ببعض الألوان القاتمة، يقف أمام النافذة يطالع الظلام الدامس أمامه، يقبض على كفيه خلف ظهره، لا يحمل وجهه أي انفعال، استمع لخطوات الإنسان الآلي خاصته يخطو إليه، فبادره بالسؤال:
-هل وصل لهدفه؟

-لا أعلم بعد، سيد "نجم" يغلف ما يصل إليه بالكتمان، ولا يعمل معه سوى حاسوبه الخاص، كما أن نظام الحماية لديه فائق الدقة، ولم أستطع اختراقه.

-يبدو أنه وجب عليّ استبدالك بآخر أكثر تقدمًا وقوة.

-سيدي...

قاطعه بلا اكتراث:
-لا عليك، فبكل الأحوال هذا ليس الوقت المناسب، علينا حالياً الاستعداد لما هو قادم؛ والتدخل في الوقت المناسب.

انتهت السهرة؛ وقرر والديها الخلود للنوم، لم ينتبها لكونها غطت بالنوم منذ فترة طويلة، تعجب والدها من فعلها:
-يبدو أنها انغمست في النوم منذ زمن، تتسم تصرفاتها هذه الفترة بالغرابة، أعجز عن فهمها، كما لو أنها عادت طفلة من جديد تخشى من كائن خرافي.

تحدثت بعدم اكتراث، وهي تنظر إلى الصورة المعلقة بضجر خفي:
-لا عليك، فترة وستمضي بإذن الله، والآن هل أوقظها؟ أم إنك ستعيدها لأيام الطفولة وتحملها للفراش؟

بدراما مسرحية أجابها وهو يتصنع الأسى، يضع كفيه خلف ظهره يدعي تدليكه:
-رحم الله ظهري المتألم، حمدًا لله أنها قصيرة ذات جسد نحيل؛ وإلا كنا اضطررنا لحملها معاً.

-جيد، احملها وسأجهز فراشها لاستقبالها.


مر اليوم بسلام، وبصباح اليوم التالي استعدت بعجالة، ولازال الخوف رفيقها، لدرجة جعلتها تبدل ملابسها بدورة المياه بدلًا من غرفتها، التي تشعر بمن يشاركها إياها، وتجهل ماهيته.

انطلقت خارج المنزل كمن تطلب الغوث، ذهبت لعملها بإحدى الشركات الخاصة، وهناك قابلت صديقتها تلا، التي بادرتها بالسؤال عن حالها وعما حدث بالأمس، وأعقبت ذلك بحديثها الجاد:

-انظري بسملة، يجب عليكِ الأخذ بنصيحتي، ضعي حدًا لهواجسك، لا تنساقي خلفها؛ فأنتِ أكبر وأعقل مما تهذين به.

 نظرت لها بانكسار صامت؛ فأدركت "تلا" معنى تلك النظرات، ولكن بجب عليها مصارحة صديقتها وأن تصدقها القول، ابتسمت لها بحنان واسترسلت:

-أنا صديقتك الوحيدة، أقسم أنني أشعر بخوفك؛ لذا وجب عليك مواجهة مخاوفك لا الاستسلام لها، والآن هيا نذهب نبدأ يومنا، وإلا بحثنا معاً عن عمل آخر.

حاولت جعل بعض الفكاهة بحديثها، ولكن لم يكن أياً منهما مهيأ لقبولها.

مر يوم عمل عادي، شردت بسملة معظم أوقاته وبالكاد أنجزت مهامها المكلفة بها، وعند حلول وقت المغادرة إرتجف قلبها، باتت تخشى الخلوة بغرفتها، بعدما كانت تسعى لها.

 ثقلت خطواتها وهي تدخل غرفتها، طالعتها بريبة، أبدلت ملابسها بدورة المياه كما فعلت بالصباح، التصقت بوالدتها تعاونها على غير عادتها.

كانت نظرات والدتها لها مبهمة طوال الوقت، وعندما انتهيتا من إعداد الطعام؛ كادت والدتها تدخل غرفتها تستلقي لحين عودة زوجها، فتحدثت بسملة تقر واقع لم ينل إعجاب والدتها:
-سأرافقك يا أمي حتى موعد عودت أبي.

-لا، لن تفعلي، بسملة اصغي إليّ، لن أدعك تستمري بتلك المهزلة، لست طفلة صغيرة لأتحمل سخافاتك؛ لذا وجب عليك التصرف كالكبار، سامحها الله جدتك؛ هي من زرعت تلك الأفكار برأسك جراء حكاياتها لكِ وقصصها الخرقاء.

-أمي رجاءً.

قاطعتها بحزم غير متقبلة أي أعذار:
-واجهي مخاوفك بدلاً من الهروب منها، لو لدي ذرة شك واحدة لوجود خطر يداهمك؛ لكنت أنا أول من يتصدى له، أفديكِ بعمري وحياتي.

 والآن هيا اذهبِ لغرفتكِ، مارسي يومك كما اعتادتِ بالسابق بين كتبك ومراسلة أصدقائكِ على برامج التواصل الاجتماعي، هيا لن أقبل أي أعذار.

تحركت مرغمة، تنظر لوالدتها مع كل خطوة، عينيها ترجو وتتوسل، تقابلها نظرات ثابتة قوية لا تتراجع، تحثها على المضي والمواجهة.

أغلقت الباب خلفها بتوتر جم، جالت عينيها بالغرفة لتعلم هل هي خالية من شريكها المجهول أم لا؟ بخطى مرتجفة وخفقات قلب كالطبول تقرع تحركت.

تشعر أن الغرفة حاليًا خالية؛ ولكن إلى متى ستظل؟ خاصة وأن لا أحد يصدق إحساسها.

لم تكن بسملة المترقب الوحيد؛ فراسخ أيضًا يتابع كل ما يحدث معها، يثني على الجميع لعدم تصديقها، فكل ما يحدث لصالحه.

لم يرتسم على وجهه أي تعابير، ملامحه ثابتة لا يرتسم عليها أي انفعال، فقط يتابع بهدوء وتركيز.

تابع رفيقه الآلي "فوبوس" باهتمام وتدقيق، انتظر حتى إلتف راسخ عن عرض غرفتها، متجهًا نحو النافذة؛ سبح خلفه بالهواء متسائلًا:
-هل حان وقت محادثتها؟

-نعم، اليوم، وحينها سأحدد الخطوة التالية.

-جيد، يجب عليّ اخبارك بشيء هام.

-اسمعك.

-هناك محاولات عدة لاختراق نظامي الأمني؛ وجميعها باءت بالفشل.

-يجب عليك الانتباه، وتحديث نظام الحماية بانتظام؛ فتلك المحاولات ستتضاعف الفترة المقبلة، "نجم" لن يمرر أي فرصة دون محاولة اقتناصها، إن نجح؛ سيحل الهلاك على الجميع.

-هل ستكشف لها الأوراق جميعًا؟

-بالطبع لا، هيا لنبدأ العمل كفانا ثرثرة.

هدأت دقات قلبها قليلًا، مضى حوالي نصف ساعة ولم يراودها ذلك الشعور المرعب، انتقت إحدى كتبها، واتجهت لفراشها، شرعت في قراءته.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

 وما لبثت أن تنهي الصفحة الأولى؛ حتى ارتجف قلبها، تعالت دقاته، كادت تصم آذانها، قررت أن تلوذ بالهرب، استجمعت قواها الخائرة، تحركت تجر قدمها نحو الباب.

ما إن وضعت كفها على المقبض وهمت بتحريكه، حتى سمعت ما جعلها تبدو كالأموات؛ فانعقد لسانها وتيبس جسدها، كما اتسعت عينيها بذعر.

-انتظري.

ظلت على حالتها تمسك المقبض، تتمنى أن تستطيع فتح الباب والفرار، أو استدعاء صوتها الهارب، استمعت لنفس الصوت آمرًا:

-التفتِ إليّ، دعينا نتحدث.

تتمني أن تكُن جُنت وذهب عقلها، عوضًا عن تصديق وجود آخر معها بذات الغرفة، أغمضت عينيها وببطء شديد استدارت، وبتمهل افرجت عن ناظريها.

رددت بخفوت المعوذتين، تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فقد ظهر من العدم داخل غرفتها شاب طويل، أبيض البشرة، يماثلها بالعمر، يبدو بمنتصف عقده الثالث أو بالكاد أوشك على نهايته.

بالرغم من عدم ظهور أي انفعالات، إلا أنه لم يحتمل الكثير من أفعالها التي غابت عن عالمه منذ قرون، فتحدث بحزم يوقف نزيف الوقت المهدور:

-هيا افيقِ من حالتك تلك أيا كان مسماها، ودعينا نتحدث بشكل جدي وعملي.
[ ]
أخيرًا عثرت على صوتها الضال، تجمع الحروف، تحاول أن تتذكر كيفية النطق، لتتحدث بتلعثم:

-م، من أنت؟ كيف دخلت؟ هل أنت خيال بعقلي؟ أم أنا جننت وذهب عقلي كليًا؟

-لا، لم يذهب عقلك، وأنا لست خيال، أنا حقيقة، من أنا؟ وكيف دخلت؟ ستعلمين أثناء حديثنا، والآن دعينا نجلس ونتحدث.

لازال عقلها غير مستوعب الموقف، حتي أنها لم ترَ بعد جهازه الآلي فوبوس الثابت بالهواء بجانب رأسه.

تسلل إليه شعور بالضجر، لم يتمكن من حفر أي تعابير على وجهه؛ فقرر توضيح ما جاء من أجله، متحدثًا:
-دعينا نتطرق إلى ما جئت من أجله.

نظر إلى كرسي موضوع بأحد زوايا الغرفة، وحسها بعينيه للجلوس فوقه، لم تشعر بنفسها، لازالت الصدمة جلية على كل تفاصيلها؛ فتحركت دون أن تشعر.

وقبل أن تجلس، استمعت لصوت والدتها من الخارج ينطلق باسمها:
-بسملة، لقد عاد والدك، هيا لنتناول الغداء معًا.

بلحظة وجدت هالة حولهم كتلك التي كانت تشعر بها، تبدو مثل صهد النيران تتراقص حولهم، وانتبهت الآن فقط إلى وجود "فوبوس".

سقط ثغرها حتى كاد يلامس الأرض، حين رأت نفسها بوضع آخر مستلقية على الفراش؛ فنظرت إلى نفسها بموضع قدمها.

تنقل بصرها بين وجودها الفعلي، وصورتها الأخرى وهي ممددة على الفراش، ثم اتجهت ببصرها إليه تتسأل بعينيها؛ غير قادرة على كسر حاجز ذهولها.

لم تستطع كسر حاجز الذهول الذي حاصرها ووصل أقصاه حين فتحت والدتها الباب، وحدثت صورتها المستلقية، وبتلقائية اتجه بصرها تتابع دخول والدتها.

كاد قلبها أن يتوقف حين سمعت صورتها تجيب والدتها بنفس نبرتها وطريقتها، وكأنها هي تمامًا تحاورها:
-لقد احتل النعاس جفوني أمي، سوف أتناول طعامي حينما استيقظ، رجاءً اتركيني، واغلقي الباب.

أجابتها ساخرة:
-أرى أن الكائنات الخرافية تركتك وشأنك الآن، حمدًا لله على عودتك، عاشقة الوحدة.

خرجت والدتها وأغلقت الباب خلفها، ظلت بسملة تنظر للباب للحظة قبل أن تلتف ناحية ذلك الشاب، جلست على المقعد خلفها ببطء، بدأت تحدث نفسها بصمت وهي على حالتها:

-لم أكن أتوهم، ذلك الحاجز حال دون رؤياي، ولكن لما لم تشعر والدتي به مثلي؟ هل هو من الجان؟ ولكن هل الجان يسير معه روبوت طائر؟

ازدادت عينيها اتساعًا وهي تسأل نفسها بذات الصمت:
 -ذلك الربوت لا يوجد مثله في بلادنا، فماذا يفعل بغرفتي؟ ومن هذا الشخص؟

والاها ظهره وبدأ حديثه، وقد أدرك تنامي التساؤلات إلى عقلها، وبداية خروجها من صدمتها وذهولها:
-أعتقد يمكننا الآن التحدث بجدية، أغلقي فمك، وإصغي إليّ، أنا أتيت لك من المستقبل، عام مائة من بعد موت المشاعر، أي بعد ألف عام من الآن.

التف إليها يراقب ردود أفعالها، وهي تتلقى صدمة تلو الأخرى، رددت هي بضع كلماته:
-موت المشاعر!!!

-نعم، موت المشاعر، عالمك هذا تغيرت كامل معالمه، بعد خمسمائة عام من حاضرك ستحدث حروب عدة، والتي قام أساسها من ماضيك.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ترتب على أساسها اعتياد البشر على القمع، وشبح الموت المحلق بالأفق، ومع تصاعد الأحداث شيء فشيء؛ أصيب العالم بتبلد الأحاسيس، ماتت جمع المشاعر، لا حب أو كره، لا غضب لا توتر، جميع المشاعر؛ لذا يتحرك الجميع بديناميكية وآلية بحته.

لازالت بأقصى مراحل الذهول وزادها العجب؛ لكنها تداركت حالها وخرجت من صمتها، وبدأت تحاوره وهي تشير إليه، تحاول فهم ما يرمي إليه وكذلك لما هي؟
-تقصد أصبح العالم مثلك.

فهم مقصدها، فوجهه خالٍ من أي تعابير، فقد يتأثر بحركة عضلاته فقط، ليتحدث ببرود:

-نعم، مثلي تمامًا.

-أصبح العالم بارد المشاعر.

أجابها بعملية، ولم يتأثر بكونها سُبة غير مقصودة، ليردف قائلًا:

-بل جمود، تجمدت مشاعرنا، نضاهي الآلات، فأنا وفوبوس سواء.

-هل هو صديقك الآلي؟

-هو شريكي بالعمل، نجاحنا متلازم، فالصداقة تعتمد على المشاعر وبالتالي ماتت هي الأخرى.
-علاقات قائمة على مصلحة إذن.

-لا، فالمصلحة تتعلق برغبة في المنفعة الذاتية لتحقيق رغبة ما، مثل الثراء أو السلطة وما غير ذلك، ولكن العلاقات بعالمنا قائمة على الوقائع والحقائق فقط، ترتيب للأحداث كلٍ يعلم دوره ويقوم به.

-ولما أتيت لي؟

-جيد، أتيت لكِ لأننا بحاجة لاستعادة بعض المشاعر.

نظرت له بتهكم، وضعت يدها بجيب سترتها وأخرجتها خاوية، فأجابته بسخرية لاذعة:
-أوبس، لقد نفذت الآن، عد بالغد؛ ربما أرسلت لي الشركة بعض منها.

ظل يطالعها بصمت، يبحث بداخل عقله عن معني سؤالها، فتحدث فوبوس الذي كان يبحث داخل سجلاته عن معني فعلتها:
-هذه الكلمات من الماضي تستخدم للسخرية، تدل على الاستهانة والتقليل ممن يحدثونه.

ارتسمت على وجهها علامة استفهام ضخمة، وهو تقدم خطوة منها، وتحدث إليها بنبرة لا تحمل مشاعر بالفعل، لا غضب، لا ضيق:

-هل تعلمين نتيجة فعلتك تلك؟ كان من المفترض أن تتوهي عبر الزمن الآن، لن يتحمل جسدك لفترة طويلة؛ ستشعرين بآلام جمة لما يقارب يوم ضوئي كامل، سترين انفجار جزء جزء من جسدك، حتى ينفجر قلبك، يليه رأسك.

شحب وجهها؛ لما يلقيه عليها من كلمات، ابتلعت ريقها بوجس، وتحدثت بنبرة مختنقة:
-أنت تلقي الرعب بقلبي، تطلب مني شيء مستحيل، لديكم تقويم جديد قائم على موت المشاعر، وتطلب مني إحيائها من جديد، صلْ وابتهل إلى الله؛ هو فقط من يستطيع إعادة نبض مشاعركم، فتلك مهمة مستحيلة.

-يبدو أنك لم تفهمي معنى حديثي حتى الآن.

-ماذا تعني؟

-انتهت جميع روحانياتنا، كل ما يتعلق بالشعور.

جحظت عيناها حتى كادت أن تغادر وجهها، تحدثت غاضبة:
-تقصد ضاع منكم الإيمان أيضاً، تغطون بالمعاصي.

-لا معاصي لأنها تهلك الجسد، ونحن نقوم بتلقائية شديدة بما يحفظ النفس، والمال، ونحافظ على مجتمعنا بطريقة تقليدية.

-أريد أن أوضح لك إنني بشر، ولا أملك عصاً سحرية، وأود ان أخبرك أنكم هالكون لا محالة، وإذا أردتم إصلاح حياتكم؛ فاصحلوا ذات بينكم واصحلوا دينكم.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

-لم آتِ إليكِ لسماع خطابكِ هذا، فأنا درست حياتك جيداً، وحسب ما قمت به مع فوبوس من أبحاث؛ فأنت تستطيعين فعل ما أريد، وأن تبثي بعالمي تلك المشاعر بسخاء.

-أنا؟! ليتني أثق بنفسي لو جزء بسيط من ثقتك بي.

-إذن، فلتخبريني كيف استطعتِ الشعور بوجود فوبوس من قبل؟ وأيضًا كيف رأيتِ الهالة التي تحيطه بكل مرة يقوم بمراقبتك؟ لا تنكري، أنا أعلم انك تبدلين ملابسك بعيداً عن الغرفة حالما تشعرين بوجوده.

-من فوبوس؟ وهل أنا مراقبة طوال الوقت؟ هل رأيتني بجميع أوقاتي قبل أن أشعر بكما؟ هل شاهدني آخرين؟

سقطت دموعها وهي تتحدث، صدمتها كانت غير موصوفة، فما نطقه بسهولة ويسر، هو صدمة غير محدودة بالنسبة لها.

اقترب منها وطالع تلك الدمعات التي سالت على وجهها، ود لو يسألها كيف تطلقها للعلن؟ وما فعلت لتكونها داخل مقلتيها؟

كان ينظر لها بتفحص أغضبها؛ رفعت ذراعيها وكادت أن تدفعه بعنف؛ ولكن ارتطم كفيها بحائل خفي استطاع بنائه برمش عينيه مرتين متتاليتين، ليحول دون ملامستها له، وتحدث محذراً:
-لا تلامس، لا تنسي تلك القاعدة، تلك من قواعد وأساسيات عالمي.

-عالم قذر، كيف تسمح لنفسك باقتحام خصوصيتي وحياتي تحت أي مسمي؟ كيف سمحت لنفسك أن تنتهك حُرمتي؟

-أخبرتكِ أنه تغيرت الأسس، اقتحمت حياتكِ لهدف أكبر، ولم أشاهدك بكل اوقاتك، فما ترمين إليه لا يهمني، هي من الممنوعات بعالمي، بالإضافة إنها من المشاعر التي ماتت واندثرت؛ فلا وجود لها.

بالرغم من تولد داخلها العديد والعديد من الأسئلة؛ إلا أنها ركزت حاليًا على ما يخصها، تحدثت برجاء وتوسلت مقلتيها، وضعت يمناها على صدرها تشير لنفسها، تحثه على صدقها:
-أرجوك أخبرني دون كذب، هل كشف ستري؟

-الكذب يندرج من ضمن المشاعر، يُلجأ إليه حال الخوف أو المراوغة، وقد أخبرتك مرات عدة أن لا مشاعر لدينا بكل صورها.

-إذن اصدقني رجاءً.

-حسناً، شاهدتكِ مرتين، الأولى أثناء تبديل ملابسك لأدقق بالوشم أعلى ظهرك قرب كتفك، والثانية لثواني شحيحة أثناء خلع ملابسك للاستحمام، تعطل خلالها الجهاز لقرب نفاذ طاقته.

انهارت أرضاً باكية، شل تفكيرها، ارتفع صوت نحيبها، وتوالت شهقاتها، وهو يطالعها بعينيه يبحث داخل خلايا عقله عن معنى حالتها، اقترب منها خطوة، ودنا منها يتابع بترقب، وعقله يسجل ما تفعل.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

 قطعت هي الصمت بكلماتها المختنقة:
-ويحك، وسحقاً لوقاحتك تلك، كيف رفعت الستر عني! كنت بغرفتي، داخل بيتي، ألا تخاف الله؟ عذرًا، نسيت أنه لا دين لكم، ولا إحساس، وزد عليها لا خُلق.

-ليست وقاحة، إنه ما حدث دون تزييف، لم أطالع جسدك فقط وشمك، وبالثانية نتيجة نفاذ الطاقة، وتذكري أن الرغبة ضمن المشاعر.

-أنت لا تفهم ولن تفعل، أنا لا أقبل ما تعرض عليّ، ارحل عني، ولا تعود، واتركني بخزيي، لا أعلم كيف أنظر لنفسي بعد ما علمت منك، لا سامحك الله، رفعت ستري.

-يؤسفني أخبارك انه لا اختيار أمامك، وجب عليك القبول بالمهمة، وإلا حل عليك عاقبة ظهورنا، ومعرفتك بقدرتنا على التنقل بين الأزمان، وهي الوقوع بفجوة زمنية لن يخرجك منها سوى الموت، ووفقاً للأبحاث والتقارير، فهي تصيب الجسد والعقل بالعديد من الآلام،بالإضافة لكونك ستكونين مجردة من كل شيء.

كانت تنظر إليه بغضب، كره، صدمة تفاقمت مع جملته الأخيرة التي أعقبها النظر إلى ملابسها، فأيقنت ما يرمي إليه من تجريدها من ملابسها.

أعقب حديثه، واختتمه بكلمة أخيرة قتلتها:
-وهناك ستجدي من عالمك آخرون عالقين بتلك الفجوة أيضاً، رجالاً ونساءً بذات الحالة، وهم يحملون مشاعر كاملة مثلك، وحينها ستتحملين عواقب المشاعر وحدك.

كان يتحدث بسلاسة متناقضة لما يخبرها به، وفيضان عبراتها يشق سبيله على وجهها بلل أعلى ملابسها، يتزايد مع صدماتها المتلاحقة.

تحدث بجموده كما يسميه:
-سأترككِ الآن، وأعود لك غداً، لأعلم هل لازالت على قناعتك أم عدلتي عنها؟ لتقرري مصيرك، أخيراً وجب عليّ إعلامكِ بحفظ لسانك فإن لفظتي ما يسيء؛ فهناك عقاب بالمقابل لا تهاون به، تلك إحدى أبرز قواعدنا، لا نتهاون بها؛ ليسود الاحترام المجتمع، ويصبح راقياً.
« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (سلوى فاضل)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل