موسى الحكمدار - الفصل 5 | سهام محمود

قراءة رواية موسى الحكمدار كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية: موسى الحكمدار 

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: سهام محمود | الفصل الخامس 



بعد مرور عدة ساعات


دفنت رأسها في كتاب القوانين و مظهر موسى المغادر كان مسيطراً على تفكيرها تمام السيطرة. 


شعرت أنها لمست الوتر الحساس دون أن تقصد و جعلته غاضباً منها، ملامح وجهه العابسة الممتزجة بالبرود أثناء مغادرته بارزة في مخيلتها بدقة عالية.


و غير هذا قد مضت أربع ساعات منذ مغادرته دون عودة فتساءلت إلى أين ذهب؟!، رفعت رأسها بتهكم و أغلقت الكتاب بسخط ثم خرجت من غرفة الدراسة بخطوات بطيئة.


دلفت غرفتها إلى أن جلست في منتصف السرير و وضعت في حجرها وسادة ثم استندت بمرفقيها عليها و وضعت كفها على وجنتها تسند رأسها، تنهدت مرة أخرى و بدأت مشاعر الذنب تتسلل إليها ببطء، تارة أخرى تهز رأسها و تقول لنفسها أنها لم تخطئ و تارة أخرى تؤنب نفسها.


أصبحت في فوضى عارمة بسبب رحيله الصامت، اخفضت بصرها و تمتمت بصوت مسموع لأنها بمفردها في الغرفة:


«بس أنا مقولتش حاجة غلط! إييه اللي خلاه يمشي فجأة؟» 


همهمت محاولة التفكير في إجابة لكن صوته الجهور الأجش قطع الصمت بنبرته الباردة:


«مش أنتِ قولتي أنك مش هتساعديني؟»


ظهر أمامها فجأة بعد عبوره من خلال الباب و وقت ظهوره كأنه كان يسترق السمع عليها:


«موسى!!»



رفعت رأسها إليه سريعا تنظر إليه بينما يضع يده اليسرى في جيب بنطاله يقف بنظرة باردة أرسلت القشعريرة في عمودها الفقري أبتلعت ريقها دون أن تدرك هذا و كانت على وشك التحرك من مكانها لكنه اقترب منها يسألها بهدوء:


"مش قولتي كدة يا روح؟"



بنبرة اشبه بـ إلقاء اللوم عليها و شعوره بخيبة أمل منها كان صوته ممتلئ بها فـ أجابت عليه:


  

"أيوة"


هزت رأسها إليه و بررت موقفها بنبرة جادة:


"أنا فعلا مش مضطرة إني أساعدك في أي حاجة تخصك رغم إني قولتلك في الأول مش هتلاقي حد يفيدك غيري، لكن أنا مش هوقع نفسي في مشاكل أنا في غنى عنها يا موسى"

 

اقتربت منه تنظر في عينيه السوداء بشجاعة أستجمعتها بصعوبة و أكملت:


"أنا مش مضطرة أخرب حياتي عشانك أنت و أتورط معاك، أنت إيديك متوسخة بدم ناس كتيرة و شغال في كل حاجة ممنوعة فكرك إني لو بدأت أساعدك مش هلفت نظر أعداءك على الأقل؟"


هذه الحقيقة لا يغفل عنها موسى البتة، أي شخص يصبح على صلة به يُلفت نظر أعدائه، فماذا إن كانت محامية؟ تنهد يخبرها بحقيقة واقعه المرير:

 

"عارف أنه كل حاجة ليها تمن بس مهما حصل مفيش حد هيدفع التمن غالي قد ما دفعت أنا و لسه هدفك كمان"


و ساد الصمت بينهما مع انتهاء كلماته، كانت أبصارهما ما زالت على تواصل يحاول كلا منهما إيصال ما يريده للآخر، لكن موسى تحدث بنبرة يشوبها الغموض إلى حد ما و هو يعلم جيدا ما تريده روح:


"مصنع الـ*** للأدوية" 


اتسعت عينا روح بدهشة عندما ذكر اسم المصنع لتسرع في سؤاله بفضول:

 

"تعرف ايه عن المصنع ده؟"

 

"عندي أدلة على المصنع أنه بيستخدم مواد ضارة على العمال ده غير حاجات تانية، ده مش هيفيدك في حاجة"

 

فهمت روح بخفة تخفي فمها بظهر كفها اليمنى تشعر بالسعادة تسير في جميع أرجاء جسدها من هذا الخبر المذهل، فقد كانت تعمل على هذه القضية مُنذ أشهر مضت لكن في آخر جلسة مرافعة في المحكمة قال القاضي  

بأن القرار سـ يصدر في جلسة تم تحديد موعدها بعد أسبوعين من الآن.  


إن وضعت يديها على هذه الأدلة التي لدى موسى بالتأكيد ستكسب المحاكمة و يكون القرار لصالحها، مع ذلك عندما وصلت فرحتها إلى عنان السماء سرعان ما سقطت لأسفل دون مراعاة ولا شفقة بعد أن قال:


"بس مش هتاخدي حاجة من الأدلة دي غير لما تساعديني"

 

أمتعضت ملامحها بشدة كأنها تناولت ليمونة حامضة و طعمها مرير للغاية، بالطبع لن يكون رئيس مافيا إن لم يسير على القوانين بحذافيرها،سـ يبتزها من أجل مصلحته الخاصة و سـ يحرص على تبادل المصالح بينهما و إلا لن تكون صفقة رابحة.  


قضمت شفتيها تحاول أن تمنع نفسها من سبه لكن نظرتها فضحت أمرها خاصة و أنه قال:

 

"مهما فكرتي إنك تشتميني يبقى أحلمي إنك تشوفي طرف ورقة من الأدلة"  


ابتسمت سريعا بسعادة مزيفة بينما تضحك بتوتر عندما كُشف امرها:

 

"و مين قال كدة بس؟! هو أنا أفكر أشتمك إزاي و أنت واقف قدامي يا باشا لو من ورا ظهرك كنا نقول ماشي معقولة إنما في وشك كدة عيني عينك، لا عيب"  


إن كانت روح تعلم بعض الأمثال بالتأكيد لم يَرد عليها مثل لسانك حصانك إن صُنته صانك، بعد أن قالت كلماتها الطائشة بمنتهى الغباء و رأت تغيير تعابير وجهه كأنه يريد أكلها حية، أبتلعت ريقها بينما تسأله بنبرة جادة كأنها لم تتفوه بأي كلمة مما سبق:

 

"و أنت أكيد محتاج إني أساعدك تعرف جسمك فين مش كدة؟!"  


هز رأسه في إيجاب لها و هو يخبرها:


"أيوة، بس مش هتكوني لوحدك طبعا خلي غيث يبقى معاكي" 

 

"طيب و أنا ده أوصله إزاي؟" 


اومئت له تسأله بتفكير بينما تحك جانب رأسها:


"هخليكي تدخلي القصر، بس لازم تتحركي دلوقتي عشان توصلي بدري يا دوب تلحقي توصلي الساعة 11 ونص كدة"  


أخبرها بينما ينظر إلى ساعة الحائط لتضحك بسخرية على حديثه أثناء جلوسها على طرف السرير مردفة:


"و أنت مفكر أنه سي غيث بتاعك ده هيرضى أنه يساعدني كدة بالساهل؟!"  


تنهد منها و هي تحاول التملص منه عبر العثور على أي ثغرة حتى لا تذهب إلى القصر:


"دي حلها عندي بس اسمعي الكلام و قومي غيري هدومك بتاعة العيال الصغيرة دي"  


اشار ببرود ساخر نحو ثيابها فـ نظرت إلى ملابسها ذات النقوش الإلكترونية بينما هو أشاح وجهه عنها  

كأنه يُحدث طفلة صغيرة بجسد كبير، لم ترد عليه فقط أخرجت لسانها بطفولية إلى ظهره ثم سارعت بأخذ بيجامة قطنية ذات لون رصاصي مناسبة للخروج.  


كانت البيجامة القطنية عبارة عن بنطال فضاض قليلا و مضموم على كاحليها و هودي خفيف واسع بضعف حجم ما ترتديه عادةً.


 أمسكت شعرها و رفعته في شكل ذيل حصان منخفض سُرعان ما ارتدت حذاء رياضي أبيض و أمسكت هاتفها و مفاتيحها الخاصة تخرج من الشقة بعد أن أخبرها موسى  

بالعنوان.  


و كان بالفعل موقع قصره بعيداً جداً لدرجة أنها أستغرقت في القيادة لساعات دون توقف و كانت تتذمر بين الحين و الآخر بينما هو يراقبها بصمت غير آبه بتذمرها.  



بعد وصولها أخيراً إلى مكان معين أخبرها أن تتوقف فيه، خرجت روح من السيارة و بدأت في السير بشكل مستقيم وسط الأشجار الجافة و بناءاً على توجيهاته الدقيقة وجدت باب الممر السري، نظرت إلى المدخل بظلامه الدامس فتبتلع ريقها بتوتر و تشعر بالخوف بعض الشيء مما جعل نبضات  

قلبها تتسارع و تتشكل طبقة رقيقة من العرق البارد على جبينها. 


رفعت هاتفها المضيء مسبقا نحو المدخل و أردفت تنظر إليه:


"يعني مش لاقي غير المكان ده عشان يبقى ممر سري في القصر بتاعك يا موسى بيه؟!"

  

سخرت منه و نبرة الخوف ظاهرة في صوتها ليرد عليها و يسبقها للداخل:

 

"والله ده موروث من أجداد الأجداد لو عايزة تعترضي روحي التُرب أنا مش مكتب شكاوى"  


رفعت يدها في شكل قبضة و نفخت وجنتيها متأفأفة بإنزعاج منه، همست في خفوت قبل أن تخطو خلفه؛

  

"يا ساترعلى دمك"

  

"سامعك لسه مطرشتش" 

 

"و ايه يعني سمعتني هتضربني بجسمك اللا مادي ده؟!"  


سخرت منه دون اهتمام مجدداً و هو تجاهلها تماماً، بعد السير للداخل لمدة لا بأس بها نظرت إلى الوقت الذي تجاوز منتصف الليل بنصف ساعة بالفعل، فـ تنهدت و هي مستمرة بالسير حتى بدأت بالصعود باستخدام الأدراج لأعلى و كانت البيئة تصبح أفضل و انظف بالتدريج.  


حتى وصلت إلى باب أبيض موصد بإحكام، أشار موسى برأسه نحوه لتتنهد روح منه و بدأت تحاول فتحه و تدفعه بقوتها الخفيفة، سخر موسى منها مُتمتماً:

  

"عاملة زي الفار المبلول"  


"ممكن تسكت لو سمحت؟!"  


نظرت له بحدة ليكتفي بالنظر إليها مبتسماً بجانبية عليه و هو يكتف ساعديه على صدره، دفعت مجدداً و مجدداً حتى بدأ الباب يتزحزح من مكانه.


و عندما فتحته بـ اتساع يكفي لمرور جسدها اتخذت خطوة كبيرة للأمام قبل أن تشعر بفوهة مسدس على رأسها.  


أصابتها القشعريرة في كامل جسدها و كانت على وشك التحدث بكلمة السر لكن تم القبض على كتفها بقوة جعلتها تود الصراخ لكنها تحملت الألم.

  

صدح صوت بارد من أعلى رأسها يهددها:


"أثبت مكانك و الا هفضي المسدس ده في راسك"  


رائع يَعتقد أنها رجل، لكن ليس هذا المهم بل المهم هو أنه كان مع كل كلمة يتلفظ بها تزداد قوته على كتفها المسكين لدرجة أنها شعرت كأنه سـ ينكسر بين أنامله في أي لحظة.  


تأوهت رغماً عنها من الألم و في لحظة شعرت بارتجاف جسده لتستغل الفرصة لصالحها حتى تقوم بحركة دفاعية و تستولي على المسدس منه ثم جذبته من ياقة قميصه نحو الإضاءة في الردهة حتى تتمكن من رؤية وجهه جيداً.  


كان شاب في مثل عمرها تقريباً شعره الأسود مشعث و تشكلت هالات سوداء أسفل عينيه العسلية الشبيهة بخاصيتها، ملامح وجهه كانت رجولية لكنها تتسم ببعض اللين و اللطف، وجنتيه و فكه ملتحية بشكل خفيف مع ذلك  

كان التعب و الإجهاد متجلياً تماماً على وجهه الوسيم.  


رغم أن ألم كتفها ما زال ينبض إلا أنها تحدثت دون تردد بنبرة جافة و باردة مُتعمدة إظهارها:

 

"أثبت مكانك يا هاشم، مفيش حاجة بتخبيها عني، عارف إنك لسه بتدور عليها"  


رأت ردة فعله بوضوح، لقد أرتجفت ملامحه بشدة عندما ذكرت كلمة السر التي أخبرها بها موسى أثناء سيرهما في الممر، كانت على وشك أن تخفض المسدس لكنها تعرضت للهجوم منه مجدداً، قبض على عنقها بقوة يدفعها نحو الحائط فسقط السلاح منها لثقله، ليس وكأنها معتادة على حمل سلاح!!.


فقط دعمت ساعده بذراعيها تحاول التملص منه لكن قوته كانت أكبر بكثير من خاصتها، وأثناء نضالها سألها بنبرة حادة:


"أنِت تعرفي اسمي منين؟! والكلام الباقي ده؟!"  


"سيبني بسرعة .... موسى ... موسى بعتني"  


ضربته دفاعاً عن نفسها لعل و عسى أن يخفف هذا من قبضته المُحكمة حول عنقها، تمتم غيث غير مصدقاً إياها:

  

"موسى بعتك؟!" 

 

"منك لله يا بعيد ... سيبني همووت"  


نظرت بطرف عينها نحو موسى الواقف بالقرب منها بلا حول له ولا قوة و هو هز كتفيه بلا مبالاة لمعافرتها في الإفلات من قبضة غيث، و كانت تقصده بالنصف الأول من حديثها بينما النصف الثاني بالتأكيد كان المعني هو غيث.



 ركلته بقوة في ساقه حتى أبتعد عنها متأوهاً بألم يمسد  

ساقه المتألمة، بينما هي سقطت أرضاً تضع يديها حول عنقها و آثار الخنق طُبعت عليه سريعاً.  


نظرت للجانب نحو موسى و صرخت تهز سبابتها بينما تلهث تحاول إلتقاط أنفاسها الهاربة:

  

"منك لله يا بعيد كله منك"  


نظر إليها غيث في شك مريب من أمرها و سأل:


"أنِت مجنونة بتكلمي الحيطة؟"  


أستعادت شتات نفسها بعد برهة من تنظيم انفاسها و وقفت تهندم ثيابها ببطئ بسبب كتفها و عنقها الذي يؤلمانها بسببه، ثم ضحكت بـ سخرية مجيبة:


"الحمد لله إنك عارف صاحبك"  


نظر إليها غيث بمعنى، ما هذا الهراء الذي تتحدثين به


لكنها لم تهتم و أتبعت خطوات موسى الذي سار نحو غرفته الخاصة، تدارك غيث الموقف و سارع بالوقوف أمامها يمنعها من استكمال مسيرتها مردفا:


"رايحة على فين كدة بس؟! أنتِ عارفة نفسك رايحة فين؟" 

 

"ماشية صح على فكرة، وسع كدة لو سمحت، أنا عارفة من الأول أن كل ده هيبقى آخره هباب على نافوخ اللي جابوني"  


تذمرت روح تمضي من جانبه دون اهتمام له، ضم غيث شفتيه بقوة و سار خلفها حتى يعرف هويتها و ما هي تنوي فعله في الوقت الحالي. 


و إن لم تذكر اسم موسى و اسمه الحقيقي لكانت جثة هامدة منذ أن وطئت قدمها داخل القصر.


❈-❈-❈



دلفت الغرفة الفسيحة الخاصة به و قلبت شفتيها تصدر همهمة خافتة تدل على إعجابها بمظهره الغرفة الجميل و الجذاب.


 تنهد موسى منزعجاً من إنغماسها في تفحص غرفته و أشار إلى الحمام:

  

"مش وقت بحلقة دلوقتي، أدخلي الحمام هتلاقي لوحة نزليها و في بلاطة في النص شليها و هتلاقي ورق الأدلة بتاع المصنع"  


أتخذت خطواتها نحو الحمام و غيث كان يراقبها بصبر شديد، إلى أن توقفت بجانب باب الحمام تنظر إلى الفراغ من جديد متحدثة:

 

"مش ببحلق، يكون في علمك لو لقيت حاجة محتاجها تاني زيادة هاخدها"  


هزت سبابتها في الهواء تجاه موسى أثناء دخولها للحمام، تنهد غيث ممسداً وجهه لعله يزيد من نسبة تركيزه لأنه بدأ يشك في ما سمعته أذناه و رأته عيناه:

  

"لا حول ولا قوة إلا بالله!! ايه البت المجنونة دي؟!"  


"عندك حق، مجنونة بتشوف عفاريت"  


رد عليه موسى بنبرة فاترة لكن غيث لم يتمكن من سماعه و هذه الحقيقة جعلت روح تشد قبضتها على إطار اللوحة و دفعتها بقوة لأسفل بينما تنزلها أثناء النظر إلى وجهها.  


طرقت أناملها على سطح الرخام الأبيض المرقط بالأسود متمتمة لنفسها:


" اهدي يا روح و سيبك منهم خالص، طنشيهم … طنشيهم خالص زي ما بيقول المثل طنش الحمير تعيش أمير"


"يعني قصدك إني انا حمار؟"


سألها موسى ببرود و كانت نظراته شديدة الحدة ، لتنظر له روح مُبتسة بتكلف شديد تومئ برأسها:


"أيوة إن كان عاجبك لو مكنش عاجبك قدامك حيطان الدنيا كلها اخبط راسك فيها"


"باين عليا كدة مبقتش اخوف زي الأول "


همس موسى لنفسه يشعر بخيبة أمل و هو يسير مبتعداً لكن روح تجاهلته تماماً منتظرة الوصول إلى الأدلة.

« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة سهام محمود، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم