لسة اجمل يوم مجاش - الفصل 10 | نور إسماعيل

قراءة رواية (لسة أجمل يوم مجاش) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


لسة اجمل يوم مجاش - الفصل 10 - نور إسماعيل

رواية: (لسة أجمل يوم مجاش)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: (نور إسماعيل ) | الفصل: (10)


لم تكن الغرفة تلك الليلة مجرد مساحة ضيقة تجمع صديقتين، بل كانت ساحة مكشوفة تتصارع فيها المشاعر، وتتكشف فيها خبايا النفوس التي طالما تخفّت خلف الضحكات العابرة والمجاملات الرقيقة. جلست مى على طرف السرير، تراقب منة بعينين يختلط فيهما الفضول بشيء آخر أكثر قتامة، بينما كانت منة تقف أمامها، ملامحها مضيئة بفرحة خجولة، وكأنها تحمل سرًا يثقل قلبها ويبهجه في آنٍ واحد.

ابتسمت مى ابتسامة واسعة، لكنها لم تصل إلى عينيها، وقالت بنبرة مازحة تخفي خلفها ترقبًا حادًا:

"اومال مين ياقردة؟"

ترددت منة لحظة، ثم أطلقت الاسم كمن يلقي بحجر في ماء راكد:

"ويسو... وسام."

تجمدت ملامح مى فجأة، وكأن الزمن تعثر عند تلك اللحظة، واتسعت عيناها بدهشة لم تستطع إخفاءها:

"نعم؟!"

رفعت منة حاجبيها باستغراب:

"في ايه يامى؟"

لكن مى لم تكن تسمعها بقدر ما كانت تسمع دقات قلبها المتسارعة، وشعورًا لاذعًا بالغيرة بدأ يتسلل إلى صدرها. تغير لون وجهها في لحظات، واحمرت وجنتاها، ثم تماسكت بصعوبة وقالت بنبرة متوترة:

"ده امتى وفين وحصل ازاى إن شاء الله؟"

أغمضت منة عينيها قليلًا، وكأنها تستعيد ذكرى دافئة، وبدأ صوتها يلين وهي تحكي:

"بصى... مش من كتير. فاكرة الكريسماس؟ لما رقص معايا... بعدها قعدنا نتكلم شوية. بصراحة أنا ارتحتله أوى، وهو كمان كان بيتكلم معايا بطريقة حلوة جدًا... مهذب ومحترم."

كانت الكلمات تتدفق من فمها بصدقٍ واضح، بينما كانت مى تستمع وداخلها يغلي كمرجل مغلق، تحاول جاهدة أن تحافظ على هدوء ملامحها.

قالت ببرود مصطنع:

"آها..."

تابعت منة بحماس طفولي:

"وبعدين بقى بعتله ادد، ولما عمل عملية الزايدة رحتله المستشفى."

شهقت مى دون وعي:

"والله؟! انتى رحتى المستشفى؟! وعرفتى منين؟"

ابتسمت منة ببراءة:

"من أمنية... أصل هى مرتبطة بشريف صاحبه، فرحنا نزوره. وبعدها بقينا نتكلم على الفيس، هو يطمن عليا وأنا أطمن عليه في شغله."

كانت مى تفرك يديها بقوة، محاولة السيطرة على انفعالها، ثم سألت فجأة:

"هو قالك إنه بيحبك؟"

هزت منة رأسها بالنفي، لكنها قالت بثقة حالمة:

"لا... بس أفعاله بتقول."

رفعت مى حاجبيها، وارتسمت على وجهها نظرة قاسية:

"يبقى مبيحبكيش."

تراجعت منة خطوة، وكأن الكلمات صدمتها:

"إيه؟! وانتى حكمتى إزاى؟ هو انتى شوفتيه بيعاملنى إزاى؟"

أجابت مى بلامبالاة متعمدة:

"أيوة عادى... صداقة عادية. فيها إيه؟ هو انتى ماشية تحبى على نفسك كده يا منة؟ مرة زياد ومرة وسام؟"

اشتعلت عينا منة بالاعتراض:

"لا طبعًا مش كده! زياد هو اللى قالك إنه معجب بيا، وأنا مكانش فى دماغى أصلاً... وسام بقى كلامه واهتمامه واضح جدًا إنه معجب بيا."

انفجرت مى ضاحكة ضحكة طويلة، لكنها كانت ساخرة وقاسية، تخترق قلب منة كالسكاكين.

قالت منة بحدة:

"بتضحكى على إيه؟"

مسحت مى دموع الضحك المصطنع، وقالت ببرود:

"عشان زياد مكانش بيحبك يا مغفلة... دى كانت لعبة."

تجمدت منة في مكانها، وارتسمت على وجهها صدمة جارحة:

"إيه؟"

أكملت مى دون رحمة:

"أيوة... هو كان بيحبنى أنا من الأول، وأنا اللى لزقتك فيه عشان يبعد عنى ويتجوزك انتى. بس طلع انتى مش فى دماغه خالص."

شعرت منة وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها، وقالت بصوت مهتز:

"والكلام اللى كنتى بتوصليهولى؟"

ابتسمت مى ابتسامة باردة:

"عادي... من وحى الخيال. عشان كنتى حبتيه ومش عايزة أصدمك."

لمعت الدموع في عيني منة، لكنها حاولت التماسك وقالت بصوت مخنوق:

"مش مهم... طظ. زياد ميهمنيش أصلاً. المهم وسام... أنا بجد بحبه... وبتمنى أكون له زوجة."

قهقهت مى مرة أخرى بسخرية لاذعة:

"زوجة مرة واحدة؟! على فكرة وسام واحد معقد ومبيحبش حد. وتلاقيه شايفك أخته النونو... غير كده مفيش. وبالمناسبة... انتى محدش هيحبك بالطريقة دى."

ارتجف صوت منة وهي تقول بغضب:

"مالها طريقتى؟!"

اقتربت مى قليلًا، وقالت بنبرة حادة:

"مسهوكة على آخرك كده... ومنحنحة. الرجالة مش عايزة كده. بصى على أمنية وغادة... ناشفين، محدش بياخد معاهم حق ولا باطل. شبهى كده."

لم تعد منة قادرة على كتم دموعها، فانهمرت على خديها وهي تقول:

"يا سلام! انتوا الكويسين وأنا الوحشة؟! أنا البنت اللى بتتنحنح للرجالة عشان تعجبهم؟!"

تقدمت خطوة للأمام، وصوتها بدأ يستعيد قوته:

"أنا لما افتكرت إن زياد بيحبنى كنت مبسوطة... عشان أقرب من عيلتك وأبقى منها! ومتنحنحتش زى ما بتقولى. بالعكس، كنت بقعد ساكتة. وانتى اللى غيرتى لبسى وطريقتى... لبستينى زيك عشان أبقى نسخة منك!"

صمتت لحظة، ثم أكملت بمرارة:

"أنا كنت بهبلى بمشى وراكى... لأنك بتحبى تتحكمى فى الناس. عايزة الكل يسمع كلامك، تبقى انتى الكوماندا."

تراجعت مى قليلًا، وكأن كلمات منة أصابتها في مقتل، لكنها تماسكت وقالت:

"طب قوليلى بقى... ليه وسام هيحبك؟"

سكتت لحظة، وكأنها تبحث عن إجابة، لكنها لم تجد.

رفعت منة رأسها بثبات، وقالت:

"عشان أنا شفت منه حاجة حلوة... شفت احترام وذوق. مش الدم التقيل اللى بتقولى عليه."

نظرت إليها مى بتحدٍ:

"والله؟"

أجابت منة بثقة:

"أيوة... وأنا مش هشيله من دماغى."

توقفت لحظة، ثم أضافت بصوت هادئ لكنه حاسم:

"والليلة دى... عرفتنى انك قد إيه أنانية. وبينتلى فيكى حاجات كتير مكنتش شايفاها... والحمد لله إنى شوفتها."

ساد الصمت بينهما، لكنه لم يكن صمت راحة، بل صمت ثقيل، يحمل في طياته نهاية شيءٍ ما... ربما صداقة، وربما وهمٍ طال أمده أكثر مما ينبغي.

لم تكن خطوات منة نحو غرفتها مجرد انتقالٍ عابر، بل كانت هروبًا ثقيلًا من واقعٍ انكشفت فيه الوجوه، وسقطت فيه الأقنعة دفعة واحدة. توقفت عند الباب لحظة، ثم التفتت إلى مى بنظرة متعبة وقالت بصوتٍ مرتجف يحمل ما تبقى من كرامةٍ مجروحة:

"لولا إننا فالفجر كنت نزلت دلوقتى وروحت... بس والله أول ما يطلع الصبح هنزل من هنا فورًا. عن إذنك."

لم تنتظر ردًا، بل دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها برفق، وكأنها تخشى أن يفضح صوت الإغلاق ما يعتمل بداخلها من ألم.

جلست مى على الكرسي، ملامحها متجهمة، وعيناها شاردتان. لم تعتد أن تُهزم في مواجهة، ولم تعتد أن تُسكتها كلمات أحد، لكنها هذه المرة وجدت نفسها عاجزة، محاصرة بكلمات منة التي تراصّت كصفعاتٍ متتالية على وجهها. حاولت أن تبرر لنفسها، أن تُقنع عقلها بأن ما حدث مجرد سوء فهم، لكن شيئًا في داخلها كان يعلم أن الأمر أعمق من ذلك بكثير.

في الداخل، جلست منة على طرف السرير، وما إن أمنت وحدتها حتى انهارت باكية. لم يكن بكاؤها فقط من أجل وسام، ولا من أجل زياد، بل من أجل صداقةٍ ظنتها صادقة، فاكتشفت أنها كانت لعبة أخرى في يد مى. شعرت وكأنها كانت تُدار بخيوط خفية، تُحرّكها أوهام صديقتها، فتضحك حين تريد، وتحب حين تسمح.

"إزاى عملت فيا كده يا مى..." تمتمت بها بين دموعها، وهي تضم نفسها وكأنها تحاول حماية ما تبقى من قلبها.

مرّت الساعات ببطءٍ ثقيل، وكل واحدةٍ منهما في عالمها الخاص، حتى تسلل ضوء الصباح إلى المكان. نهضت منة بصمت، ارتدت ملابسها، وجمعت أغراضها دون تردد. لم تنظر خلفها وهي تغادر، وكأنها تخشى أن يضعف قرارها إن فعلت.

فى الخارج، وقفت مى للحظة، وكأن قدميها قد تجمدتا. أرادت أن تلحق بها، أن تناديها، أن تقول شيئًا يُصلح ما انكسر، لكنها لم تتحرك. اكتفت بالصمت، ثم تمتمت لنفسها:

"فى الشغل... هبقى أفهمها."

لكن الساعات التي تلت كانت كأنها سنوات. لم يهدأ عقلها، ولم يتوقف قلبها عن استرجاع كل كلمة، كل نظرة، كل لحظة.

حين وصلت إلى العمل، كانت تحاول أن تبدو طبيعية، لكنها لم تنجح. دخلت لتجد أمنية وحدها.

قالت مى بتوتر:

"إيه ده... ده أنا حتى جيت متأخرة. فين الشباب؟"

ردت أمنية بابتسامة واسعة:

"ممدوح راح يقرا فاتحة غادة النهارده، وسامح راح معاه يجيبوا الشبكة. والعروسة بتتحضر طبعًا... عشان كده مجاتش. أما منة... فمش عارفة بصراحة مجاتش ليه."

تجمدت مى مكانها، ثم قالت بصدمة:

"إيه؟! بتقولى مين هيتخطب لمين؟"

ضحكت أمنية:

"أنا نفسى مكنتش مصدقة! بس حصل... ويلا بقى نقفل بدرى عشان نلحق نروح الخطوبة."

لم تسمع مى بقية الكلام. تركت المكان فجأة، بينما كانت أمنية تناديها:

"يا مى! رايحة فين؟!"

لكنها لم تلتفت. نزلت مسرعة، ركبت سيارتها، وانطلقت كأنها تهرب من شيءٍ يلاحقها.

وصلت إلى بيت غادة، وكانت الزغاريد تملأ المكان. صعدت بسرعة، وملامحها خالية تمامًا من أي تهنئة. دخلت إلى غرفة العروس، حيث كانت غادة تجلس تستعد.

شهقت غادة:

"مى!"

قالت مى ببرود:

"إزيك يا عروسة."

ثم التفتت غادة للفتيات:

"لو سمحتوا يا بنات... ثانية برة."

خرجن جميعًا، وبقيت المواجهة.

اقتربت مى وقالت بحدة:

"ممدوح؟! هتتجوزى ممدوح وأنا آخر واحدة أعرف؟!"

رفعت غادة حاجبها:

"وماله ممدوح؟ فى حاجة غلط؟"

قالت مى بسخرية:

"مش هو ده اللى كنا بنتريق عليه؟ ونضحك عليه؟"

تنهدت غادة وقالت بهدوء:

"فاكرة... بس ربنا عاوز كده. حبنى وحبيته. لازم آخد إذنك يعنى؟"

اشتعلت مى:

"أنا أقرب واحدة ليكى!"

ردت غادة ببرود مؤلم:

"كنتى... كنتى زمان. دلوقتى لأ. بقيتى مشغولة بنفسك وبمقالبك وبمنة... ونسيتينى."

صمتت لحظة، ثم أكملت:

"كنت محتاجالك... وانتى كنتى بتقولى مش وقته. هو بقى اللى سمعنى وفهمنى."

ارتبكت مى، وقالت بصوتٍ خافت:

"هو أنا للدرجة دى وحشة؟"

نظرت لها غادة بثبات:

"أيوة... أنانية. بتحبى نفسك وبس."

حاولت مى أن تستعيد قوتها، فقالت باستفزاز:

"طب على فكرة... ممدوح كان بيـ—"

قاطعتها غادة بسرعة:

"بيحبك؟ عارفة. وقالى. وكمان ندمان... وكل ما يفتكر بيضرب نفسه."

توقفت مى، وكأن الأرض اهتزت تحتها. لأول مرة، لم تجد ردًا. لأول مرة، شعرت بأنها تُرى على حقيقتها.

انهمرت دموعها وهي تقول:

"يعنى أنا بقيت مصدر قرف ليكم؟ كلكم مبسوطين من غيرى؟"

قالت غادة بهدوء قاسٍ:

"أيوة."

تراجعت مى خطوة، وكأنها تلقت ضربة أخيرة، ثم قالت:

"طب أنا ماشية... ومحدش هيشوفنى تانى."

ردت غادة ببساطة:

"براحتك."

همست مى بمرارة، وكأنها تذوق الكلمة لأول مرة:

"براحتى..."

لم تكن مى تتوقع أن ينتهي الموقف بتلك القسوة الباردة. ظنت، ولو لوهلة، أن غادة ستتمسك بها، أن تستدعي بينهما تاريخًا طويلًا من الصداقة، أو تحاول احتواء ما تفكك فجأة. لكنها فوجئت بنبرة حاسمة، تقطع كل خيطٍ باقٍ، حين أوضحت لها غادة، في معنى كلامها، أن من لا يحزن على فقدان الآخرين، ولا يشعر بقيمتهم، لا ينبغي له أن ينتظر أن يكون ذا قيمةٍ في قلوبهم. كانت كلمات بسيطة، لكنها أصابت موضعًا غائرًا في نفس مى.

اندفعت مى تصرخ، لا تميز بين غضبها وألمها، وكأنها تفرغ كل ما تراكم بداخلها دفعة واحدة. أعلنت رفضها لهم جميعًا، وأكدت أنها لا تريد أحدًا في حياتها، وأنها تمقتهم جميعًا. ثم اندفعت خارج الغرفة، فتحت الباب بعنف، وغادرت دون أن تلتفت.

في الخارج، تبادل الحاضرون نظرات الدهشة، وقد استغربوا حدة الصوت والانفعال، لكن مى لم تكن ترى أحدًا، ولا تسمع شيئًا. نزلت مسرعة، ركبت سيارتها، وما إن أغلقت الباب حتى انهارت. انطلق بكاؤها عنيفًا، كأنما انفتح سدٌّ ظل مغلقًا طويلًا. أخذت تقود بلا هدف، تجوب الشوارع، تدور في دوائر لا نهاية لها، بينما الدموع لا تتوقف، وصدرها يعلو ويهبط بعنف. لم تكن تبكي موقفًا واحدًا، بل كانت تبكي نفسها، صورتها التي انكسرت فجأة أمام عينيها.

وحين أثقلها التعب، وعلا رأسها صداعٌ حاد، عادت إلى بيتها أخيرًا. أوقفت السيارة بصعوبة، ثم ترجلت مترنحة، واتجهت إلى المصعد. وقفت داخله، وضغطت زر الطابق، لكن دموعها لم تهدأ، بل ارتفعت شهقاتها، حتى لم تعد تعي ما يحدث حولها.

وصل المصعد، وانفتح الباب، لكنها لم تتحرك. أُغلق الباب مرة أخرى، ونزل المصعد، وصعد، وتبدلت الوجوه داخله، بينما هى جالسة على الأرض، غارقة في بكائها، لا تشعر بشيء. نظر إليها بعض الركاب بدهشة، تبادلوا نظرات حائرة، لكن أحدًا لم يتدخل. كانت تبدو كمن انفصل عن العالم تمامًا.

وبعد برهة، توقف المصعد مرة أخرى، ودخل شاب، لم يكن سوى وسام. كان يوم الجمعة، وقد اعتاد أن يقضيه بين الصلاة والأسرة، وكان قد عاد لتوه، يحمل إفطاره البسيط. لم ينتبه في البداية، لكنه سرعان ما لمحها، فاستغرب وجودها على تلك الحال.

حاول أن يستفهم منها إن كانت ستنزل، لكنها لم تجب، ولم ترفع رأسها حتى. كرر النداء، فلم يجد ردًا، فازداد استغرابه. صعد معها إلى طابقه، ثم أوقف المصعد، وأعاد سؤالها بنبرة أكثر وضوحًا، لكنها ظلت على حالها، غارقة في البكاء، وجهها مبلل بالدموع، وقد امتدت آثار الكحل على خديها، فبدت مختلفة تمامًا عن تلك الفتاة التي يعرفها.

اقترب منها، وناداها باسمها، كأنه يحاول إعادتها إلى الواقع. رفعت رأسها أخيرًا، بعينين زائغتين، فطلب منها أن تنهض. لكنها لم تستجب، فاضطر أن يعينها، أمسك بها برفق، وساعدها على الوقوف. كانت خفيفة، مستسلمة، كأنها فقدت إرادتها بالكامل.

أرشدها إلى باب شقتها، وطلب منها أن تفتح. احتاجت لحظة حتى تستوعب، ثم أخرجت مفاتيحها وفتحت الباب. دخلت، وتركت الباب مفتوحًا، دون وعي.

وقف وسام عند العتبة، حائرًا، يتأملها بقلق، ثم سألها إن كانت بخير. عادت نحوه، وأمسكت الباب، وأجابت بأنها ليست بخير، ثم استأذنت بصوتٍ خافت، وأغلقت الباب بهدوء.

ظل واقفًا لحظة، يتساءل في صمت. لم يعتد منها هذا الهدوء، ولا تلك الرقة المفاجئة في التصرف. كانت دائمًا حادة، صاخبة، لكن ما رآه الآن كان مختلفًا تمامًا. هز رأسه، وكأنه يحاول طرد الأسئلة، ثم عاد إلى شقته.


❈-❈-❈

جلس مع أسرته ليتناول الإفطار، لكنه لم يكن حاضر الذهن. كان صامتًا على غير عادته، شاردًا، يستعيد تلك الصورة التي رآها، ويشعر بشيء غريب لم يعتده من قبل. لم يكن معتادًا أن تشغله تفاصيل تخص مى، لكنه هذه المرة لم يستطع تجاهل ما حدث.

بعد الإفطار، حاول أن يشغل نفسه، فدخل ليقرأ بعضًا من القرآن، ثم خرج لقضاء بعض الأمور، لكنه حين عاد في المساء، لم يكن قد تخلص من ذلك الشعور. جلس مع والديه في غرفة المعيشة، يتحدثون كعادتهم في يوم الجمعة، ذلك اليوم الذي يحرصون فيه على الاجتماع، لكنه ظل بين الحين والآخر شاردًا، كأن جزءًا منه ما زال عالقًا أمام بابٍ أُغلق بهدوء، ووراءه قلبٌ لم يفهم بعد ما الذي كسره إلى هذا الحد

❈-❈-❈

كان المساء هادئًا على غير العادة، وكأن البيت كله يتهيأ لخبرٍ ما. جلست الأم تنظر إلى وسام بعينين يملؤهما الرجاء، ثم أعلنت فجأة، بنبرةٍ تحمل حماسًا واضحًا، أنها قد وجدت له عروسًا مناسبة؛ فتاة جميلة، متعلمة، تنتمي إلى عائلةٍ مرموقة، وتتمتع بكل الصفات التي تتمناها أي أم لابنها.

أضاف الأب، مؤيدًا، أن الفتاة تصغره ببضع سنوات، في عمرٍ مناسب، ولا تعمل، وكأنهما يقدمان له عرضًا لا يُرفض. أما وسام، فقد حاول أن يتكلم، أن يعبر عن تردده، لكنه لم يُمهل.

قالت الأم بإلحاحٍ مشوب بالعاطفة:

"وبعدين معاك يا وسام؟ يا ابني، والله ما فاضل في عمري قد اللي راح… عايزة أفرح بيك أنا وأبوك."

نظر إليهما وسام لحظة، ثم هز رأسه في استسلامٍ هادئ:

"طيب… نبقى نشوفها."

تهللت ملامح الأم، واقتربت منه تقبله، داعيةً أن يتم الأمر على خير. أما هو، فنهض بهدوء، متحججًا برغبته في الجلوس قليلًا في الشرفة.

قال الأب، بنبرةٍ مازحة تحمل شيئًا من القلق:

"خد بالك من البرد يا ابني."

ابتسم وسام ابتسامة خفيفة، ورد ببساطة:

"عادي يا بابا… أنا متعود."

دخل غرفته، التقط كتابًا، وأعد لنفسه كوبًا من النسكافيه، ثم خرج إلى الشرفة. جلس هناك، محاولًا أن يهرب من ضغط الحديث، يغوص في سطور الكتاب، ويقنع نفسه أن الأمور تسير كما ينبغي.

لكن سكون اللحظة لم يدم.

تسلل إلى سمعه صوت بكاء… لم يكن خافتًا هذه المرة، بل كان مرتفعًا، ممتدًا، يحمل وجعًا واضحًا. لم يحتج وقتًا طويلًا ليدرك مصدره؛ إنه صوت مى.

توقف عن القراءة، ورفع رأسه، وقد انعقد حاجباه في انزعاجٍ خفيف. لم يكن معتادًا أن يهتم، ولم يكن يعنيه أمرها من قبل، لكن شيئًا في هذا الصوت تحديدًا أزعجه… لا، لم يزعجه فقط، بل حرّك بداخله إحساسًا غير مفسر.

أغلق الكتاب ببطء، ووضعه جانبًا، ثم نهض فجأة، وكأنه اتخذ قرارًا دون تفكير.

خرج من شقته، واتجه نحو بابها، وطرق عليه.

مرّت لحظات قبل أن يُفتح الباب.

ظهرت مى، بعينين متورمتين، ووجهٍ مرهق، وكأنها لم تتوقف عن البكاء منذ ساعات.

نظر إليها وسام مباشرة، وقال بجدية:

"أنا سألتك قبل كده إنك كويسة، وقلتي لا… وأنا حاسس بكده برضو. صوت عياطك جايب آخر الشارع."

نظرت إليه نظرة غريبة، خليط من التعب والرجاء، ثم قالت بصوتٍ منخفض:

"عندك استعداد تسمعني يا وسام؟"

تفاجأ من طلبها، ومن نبرتها الهادئة التي لم يعهدها منها، لكنه لم يتردد طويلًا.

"عندي استعداد أسمعك."

هزت رأسها بخفة:

"أوك… خمس دقايق ألبس، وننزل نتكلم في حتة."

أجاب ببساطة:

"تمام… روحي البسي، وأنا كمان هلبس وأخبط عليكي."

أغلق الباب، وعاد إلى شقته، لكنه لم يكن كما كان قبل دقائق. كان يشعر بشيءٍ جديد، إحساس غريب بأنها لم تعد تلك الفتاة القوية الصاخبة التي اعتادها، بل بدت له الآن كطفلةٍ صغيرة، تحتاج من يمسك بيدها ليعبر بها الطريق.

وربما، دون أن يدرك تمامًا، قرر أن يكون هو ذلك الشخص… ولو لمرة واحدة..


❈-❈-❈


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (نور إسماعيل)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم