لسه أجمل يوم مجاش - الفصل 8 | نور إسماعيل

قراءة رواية لسة أجمل يوم مجاش كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية: لسة أجمل يوم مجاش 

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: نور إسماعيل | الفصل الثامن



الحب ..ماهو الحب ؟

في قصتنا سنعرف ماهيته حتى وإن كانت قصة غير المتوقع ولكنها حقيقية

كم من قلبٍ رفض في البداية يدًا امتدّت إليه لأنها لم تُشبه اليد التي تمناها، ثم اكتشف لاحقًا أنّها اليد الوحيدة التي كانت ستُمسك به حين يسقط، وتربّت على روحه حين ينهار، وتبقى رغم كل ما فيه من تعبٍ وندوب؟ وكم من روحٍ أغلقت بابها في وجه حبٍّ صادق لأنها ظنّت أن الهدوء الذي جاء به مملّ، وأن الطمأنينة التي منحها لها ناقصة، وأن اللهفة التي كانت تبحث عنها لا تسكن فيه، ثم أدركت بعد فوات الوقت أن الحب ليس صخبًا ولا احتراقًا دائمًا، وأن العشق الحقيقي لا يعني أن ترتجف من الخوف كل يوم، بل أن تأمن، وأن تشعر بأنك مرئيّ، مفهوم، ومحبوب على حقيقتك، لا على الصورة التي تتكلّفها كي تُرضي الآخرين.




الحب الذي ينفع في النهاية ليس ذلك الذي يُبهر العيون من اللحظة الأولى فقط، بل الذي يبقى حين تنطفئ البدايات المبهرة، ويصمد حين تتساقط الأقنعة، ويحتمل النسخة المتعبة منّا قبل النسخة الجميلة. هو ذاك الذي لا يهرب من عيوبنا، ولا يقف عند أخطائنا كقاضٍ قاسٍ، بل يمدّ لنا قلبه كملاذ، ويقول بصمته قبل كلماته: أنا هنا، حتى حين تصبح الحياة ثقيلة عليك. الحب الذي ينفع هو الذي يراك في أسوأ حالاتك، فلا يبتعد، بل يقترب أكثر. الذي يفهم أن خلف حدّتك خوفًا، وخلف صمتك حربًا، وخلف قسوتك وجعًا قديمًا لم يلتئم.



كثيرًا ما نختار بعين الخوف لا بعين القلب، نهرب ممّن يشبهون النجاة لأننا لا نثق أنّ الحياة قد تُهدينا خيرًا دون مقابلٍ موجع، فنركض نحو ما اعتدناه من الفوضى، ونظنّ أن القلق دليل الحب، وأن الغيرة الجارحة علامة العشق، وأن التعب المستمرّ برهان على عمق المشاعر. لكن الحب ليس معركة تُستنزف فيها الروح كل يوم، وليس بابًا للخذلان المتكرر، ولا اختبارًا دائمًا لقدرتك على الاحتمال. الحب رزق، وسكينة، ورحمة، ويدٌ حانية تربّت على قلبك كلما أوشك على الانكسار. والحبيب الحق ليس من يُجيد إرباكك، بل من يُجيد احتواءك، وليس من يجعلك تقف طوال الوقت على أطراف الخوف، بل من يفتح لك صدره كي ترتاح.



ولأننا بشر، فإننا لا نفهم الحكمة من بعض الاختيارات إلا بعد أن نمشي فيها طويلًا. قد نبكي على بابٍ أُغلق، ونلعن صدفةً بدّلت مسارنا، ونحزن لأنّ شخصًا ما رحل بينما بقي آخر لم نخطط لبقائه، ثم نكتشف بعد سنوات أن الذي رحل كان يحمل معه تعبًا طويلًا، وأن الذي بقي كان هدية الله التي جاءت متأخرة قليلًا كي تنضج أرواحنا لاستقبالها. نكتشف أن بعض الخسارات لم تكن إلا حماية، وأن بعض الرفض كان نجاة، وأن بعض العلاقات التي انتهت رغم تمسّكنا بها لم تكن تناسب قلوبنا، بل كانت فقط تُشبه رغباتنا المؤقتة، بينما ما كان صالحًا لنا حقًا جاء مختلفًا، هادئًا، غير متكلّف، وربما غير مفهوم في البداية.



أجمل ما في الحب الصادق أنّه لا يحتاج إلى استعراضٍ كبير كي يثبت نفسه، يكفي أن يمنحك شعورًا نادرًا بأنك لست مضطرًا لأن تتخفّى. أن تكون معه كما أنت، بثقل أيامك، بتناقضاتك، بخوفك، وبنسختك غير المكتملة، ومع ذلك تجد في عينيه قبولًا لا يشبه الشفقة، واهتمامًا لا يشبه الواجب، وحضورًا لا تهزّه العواصف الصغيرة. هذا النوع من الحب لا يُخيفك من الغد، بل يجعلك أكثر قدرة على احتماله. لا يُشعرك بأنك عبء، بل بأنك إنسان يستحق أن يُحب رغم كل شيء.



وفي النهاية، لا يكون الحب الصحيح هو الذي اخترناه بسهولة، بل ذاك الذي اختاره الله لنا برحمته، حتى لو جاء مخالفًا لتوقّعاتنا، وحتى لو حسبناه في البداية خطأً كبيرًا. فبعض الاختيارات لا تبدو جميلة في أول الطريق، لكنها في آخره تُزهر في القلب يقينًا وطمأنينة. وبعض الأشخاص لا نعرف قيمتهم حين يأتون، لأننا نكون مشغولين بمقارنة حضورهم بصورةٍ قديمة في خيالنا، ثم نفيق على حقيقة أن الأمان الذي وجدناه معهم لم نجده في أحد، وأن السكينة التي سكبتها أرواحهم في أرواحنا كانت أعظم من كل الأحلام التي تمنّيناها.



لهذا، لا تحكموا على الحب من بداياته المرتبكة، ولا على الأشخاص من الطريقة التي دخلوا بها حياتكم، فكم من أمرٍ خفنا منه كان باب نجاة، وكم من اختيارٍ ظننّاه خطأ كان الصواب الوحيد، وكم من قلبٍ جاء متأخرًا أصلح ما أفسدته السنوات، وربّت على أرواحنا حتى هدأت، وأقنعنا أن العشق ليس أن تموت من الوجع، بل أن تحيا أخيرًا في حضرة من يحبك كما أنت، ويختارك كل يوم، ويجعل من قلبك بيتًا آمنًا بعد عمرٍ كامل من التِّيه.


كانت المحادثة بين دنيا وهويدا تنساب عبر شاشةٍ باردة، لكنها في داخل دنيا كانت تشتعل كجمرٍ لا يخبو. بدأت هويدا حديثها بنبرةٍ عابرة، تخبرها أنّ وسام قد تغيّر كثيرًا، وأن هيئته لم تعد كما عهدتها، حتى إنّ من يراه قد لا يتعرّف إليه بسهولة. بدا عليه—كما وصفت—مظهرٌ مختلف، وحضورٌ لافت، يكاد يفيض حيويةً وانطلاقًا. توقّفت دنيا عند تلك الكلمة الغريبة التي استخدمتها صديقتها، تستوضح معناها، فمرّت هويدا عليها مرورًا سريعًا، وكأنّ التفاصيل القادمة أهمّ من الشرح.
استرسلت هويدا في الحديث، تذكر أنّ وسام احتفل بعيد ميلاده، لكنها لم تتمكّن من الاقتراب منه لانشغالها بأصدقائها. كان وقع الخبر عاديًا في ظاهره، غير أنّه لم يكن كذلك في قلب دنيا. تساءلت بصوتٍ خافت عمّا جرى بعد ذلك، وكأنّها تخشى الإجابة قبل أن تسمعها. عندها أخبرتها هويدا أنّ وسام أمضى وقته في الرقص، ولم يكن وحده، بل كان برفقة فتاةٍ بدت صغيرة السن، ذات ملامح بريئة، أقرب إلى الطفولة منها إلى النضج.
تجمّدت الكلمات في حلق دنيا، وارتسمت على وجهها علامات دهشةٍ ممزوجة بغيرةٍ حاولت عبثًا أن تخفيها. لم تصدّق بسهولة، فقد كان وسام في ذاكرتها بعيدًا عن هذا العالم الصاخب، عالم الرقص والاختلاط. راودها شكٌّ سريع، وكأنها تتعلّق بأي احتمالٍ ينفي ما سمعته، غير أنّ هويدا أكدت الأمر بثقةٍ لا تحتمل اللبس.
في تلك اللحظة، لم تعد دنيا قادرة على إخفاء ما يعتمل في صدرها، فبان الحزن على ملامحها، حتى وإن أنكرت ذلك بلسانها. حاولت أن تبدو متماسكة، فادّعت أنّها ليست حزينة، وأنّ من حق وسام أن يعيش حياته كما يشاء، بل وأوحت أنّها هي من دفعت الأمور إلى هذا المصير. غير أنّ هويدا، التي تعرفها جيدًا، لم تقتنع بهذا القناع الواهي، وأشارت إلى التغيّر الواضح الذي طرأ عليها.
اعترفت دنيا، بصوتٍ خافتٍ مثقلٍ بالتعب، أنّ ما بينهما لم يكن مجرّد كلماتٍ عابرة، وأنّ حبّها له ما زال قائمًا، متجذّرًا في أعماقها، لا تستطيع اقتلاعه مهما حاولت. أكّدت أنّ هذا الشعور ليس ذنب وسام، بل هو قدرها الذي تحمله وحدها. بدا حديثها أشبه باعترافٍ متأخر، خرج أخيرًا بعد طول كتمان.
استغربت هويدا هذا التناقض الصارخ؛ كيف لامرأةٍ أن تحبّ بهذا العمق، ثم تختار الرحيل؟ سألتها بوضوحٍ عن السبب، وكأنّها تدفعها إلى مواجهة الحقيقة التي تهرب منها. عندها لم تجد دنيا مهربًا من الإجابة، فتدفّق الألم من بين كلماتها. أوضحت أنّها لا تستطيع أن تكون زوجةً كاملة، وأنّ ما فقدته من جسدها لم يكن أمرًا هيّنًا، بل كان يمسّ جوهر أنوثتها في نظرها. تحدّثت عن المرض الذي أصابها، وعن العملية التي غيّرت جزءًا من جسدها، وكيف رأت نفسها بعدها ناقصةً، لا تستحقّ أن ترتبط برجلٍ تحبّه.
انهارت باكية، وكأنّها تعيش اللحظة من جديد، لحظة الفقد والخوف والقرار القاسي. حاولت هويدا أن تعيد الأمور إلى نصابها، مؤكدة أنّ ما حدث ليس إلا قضاءً وقدرًا، وأنّ إخفاءها الحقيقة عن وسام ثم فسخ الخطبة قبل الزفاف بفترةٍ قصيرة كان ظلمًا لنفسها وله. رأت في تصرّفها قسوةً لا مبرّر لها، واعتبرت أنّ الصراحة كانت ستمنحهما فرصةً حقيقية لاتخاذ القرار معًا.
غير أنّ دنيا تمسّكت برأيها، معتبرة أنّ إخبار وسام بالحقيقة كان سيضعه في موقفٍ صعب، وربما يدفعه للبقاء معها بدافع الشفقة لا الحب، وهو ما لم تكن لتحتمله. كما راودها خوفٌ آخر، خفيٌّ لكنه عميق، يتعلّق بالمستقبل، بإمكانية أن يورّث المرض لأطفالهما، أو أن يعيش في قلقٍ دائم بسببها. رأت أنّ الانسحاب بصمتٍ هو الخيار الأقل ألمًا، حتى وإن بدا قاسيًا.
لم تتفق هويدا مع هذا المنطق، بل رأت فيه هروبًا مغلّفًا بالتضحية، مؤكدة أنّ ما فعلته لم يكن سوى تعذيبٍ متبادل، وأنّها دفنت نفسها في عزلةٍ بعيدة، تتذرّع بالعمل والانشغال لتخفي جرحًا لم يلتئم. حاولت أن تهزّها من هذا الجمود، لكن دنيا أغلقت باب النقاش، معلنة أنّ الأمر انتهى منذ زمن، وأنّ وسام قد مضى في حياته، وربما وجد من يملأ الفراغ الذي تركته.
ومع ذلك، لم تستطع أن تمنع دموعها من الانهمار. كان مجرّد تخيّل أنّه قد نسيها كفيلًا بتمزيق ما تبقّى من صمودها. اعتذرت بصوتٍ مرتجف، ثم أنهت الاتصال فجأة، هربًا من مزيدٍ من الانكشاف.
بقيت وحدها، تواجه حقيقةً مرّة: أنّ الألم قد يُحتمل حين يكون مشتركًا، حين يتقاسمه اثنان بصمتٍ متوازٍ، لكنّه يصبح أكثر قسوةً حين يمضي أحدهما قُدمًا، ويترك الآخر عالقًا في الماضي، أسير ذكرى لم تعد تعني للطرف الآخر شيئًا.
❈-❈-❈
كان المكتب في ذلك اليوم يموج بحركةٍ اعتيادية، غير أنّ لكلٍّ من الجالسات فيه عالمها الخاص الذي تنعزل داخله. جلست مي في مكانها شاردة الملامح، يكسوها ضيقٌ غامض لا تعرف له سببًا، فتبدو كأنها على وشك الانفجار من أقل كلمة. إلى جوارها كانت أمنية منشغلة بهاتفها، تتابع حديثها مع شريف عبر مواقع التواصل، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ متواصلة، توحي بمرحٍ لا ينقطع. أمّا منّة، فكانت غارقةً في عالمٍ آخر، تستمع إلى أغاني أصالة عبر حاسوبها، تتأمّل صورة وسام على الشاشة بنظرةٍ حالمة، وكأنها تهرب من الواقع إلى ذكرى أو أمنية.
دخلت غادة المكتب بعد أن أنهت حديثها مع ممدوح وسامح، وجلست في مكانها، ثم التفتت نحو مي تناديها برفق، محاولةً لفت انتباهها. غير أنّ مي ردّت بنفاد صبر، طالبةً منها الصمت، ثم أوضحت بحدةٍ أنّ مزاجها سيئ للغاية، وأنها لا ترغب في الحديث مع أحد. تقبّلت غادة الرد بصمتٍ حزين، وقد بدا عليها الانزعاج، قبل أن تحوّل انتباهها إلى أمنية، تسألها عمّا تفعل. فجاءها الجواب مصحوبًا بضحكةٍ خفيفة، إذ أوضحت أنها تتحدث مع شريف الذي يملأ يومها بالمرح.
لم تُعلّق غادة كثيرًا، بل نهضت لتشرب بعض الماء، وحين عادت، وقع نظرها على منّة، فسألتها عمّا كانت تفعله. ارتبكت منّة للحظة، وأغلقت حاسوبها سريعًا، محاولةً التظاهر بالهدوء، مما أثار ضحك غادة، التي لم تخفِ ملاحظتها لارتباكها المفاجئ. أنكرت منّة وجود ما يثير القلق، فأنهت غادة الموقف بابتسامةٍ خفيفة، ثم أعلنت نيتها مغادرة المكان، مفضّلة الجلوس مع زملائهم في المكتب الآخر، إذ رأت أن الأجواء هنا أصبحت خانقة.
بقيت مي على حالها من الضيق، لا تدري له سببًا، وكأنّ ثقلًا خفيًا يجثم على صدرها. ومع انتهاء ساعات العمل، غادرت المكتب وهي ما تزال تحمل ذلك الشعور المربك. قادت سيارتها في صمتٍ تام، حتى وصلت إلى منزلها، فأوقفتها أمام الباب، ولا تزال حيرتها تلازمها، عاجزةً عن فهم ما يعتمل في داخلها.
ترجّل وسام من سيارته بهدوءٍ ظاهري، ثم اتجه نحو مدخل العمارة بخطواتٍ واثقة. في اللحظة نفسها، لمح مي تسبقه بخفةٍ مفاجئة، تركض كأنها في سباقٍ طفولي، حتى سبقتْه إلى المصعد. وما إن استدارت إليه حتى راحت تشير بيديها بحركاتٍ مستفزّة، تقصد بها إغاظته، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ مشاكسة.
لم يحتمل وسام ذلك التحدي الصغير، فاندفع مسرعًا، ومع اقتراب باب المصعد من الإغلاق، أدخل حقيبته بسرعةٍ ليمنعه من الانطباق، ففتح الباب مجددًا، ودخل وهو يلهث قليلًا. التفت إليها بنظرةٍ منتصرة، ثم قال بنبرةٍ مازحة: "شوفتي؟ لحقت المراجيح... ومسبتكيش تركبي لوحدك برضو."
اقترب قليلًا، مال نحوها، لكن مي تراجعت بحدة، وقالت وهي تحاول الحفاظ على مسافة: "لو سمحت اتكلم من بعيد."
رفع حاجبيه مستنكرًا: "ده ليه إن شاء الله؟"
أجابت بجديةٍ مفتعلة: "عشان مهما كان... الأسنسير مكان مقفول، والشيطان شاطر وكده."
ابتسم بسخريةٍ خفيفة، وردّ: "أيوة الشيطان شاطر... بس ده لما أكون معايا أنثى مثلًا!"
اتسعت عيناها بدهشةٍ ممزوجة بالغضب: "إيه! ليه أنا إيه يا بتاع إنت؟!"
مدّ يده فجأة، أمسك بخصلات شعرها ورفعها قليلًا، موجّهًا نظرها نحو مرآة المصعد، وقال بنبرةٍ ساخرة: "طب أنا هذمّك... ده منظر بنت؟! إيه الليفة دي؟ الليفة دي للاستحمام مش بتتحط على الراس يا ماما!"
لم تحتمل مي سخريته، فدفعت يده بعنف، ثم عضّته في يده بقوة. صرخ متألمًا: "آآآه! سِعرانة وكمان كلبة؟! مش كفاية شبه الشحاتين وساكتين لك!"
اشتعلت غضبًا وردّت بسرعة: "أنا كلبة يا حتة حيوان؟! لا بتفهم في الذوق ولا الإتيكيت!"
توقف المصعد أخيرًا، وما إن فُتح الباب حتى دفعها قليلًا للأمام قائلًا بتهكم: "اطلعي يا أختي... جتك خيبة!"
استدارت وضربته على كتفه وهي تتمتم: "طب غور!"
خرج الاثنان، وكلٌّ منهما يتجه نحو شقته، بينما كانت مي تتمتم غاضبة: "يارب تموت... يارب يا جزمة يا اللي معندكش دم!" ثم أخرجت لسانها في حركةٍ طفولية.
ردّ وهو يضحك ساخرًا: "ما أنا أكيد بعد عضتك دي هتسمم وأموت... إلا بقى لو خدت واحد وعشرين حقنة!"
صرخت من بعيد: "إهو إنت... إهو إنت يا وقح!" ثم أغلقت باب شقتها بعنف.
أما هو، فتمتم ساخرًا: "غوري... وإنتِ شبه أم سيد اللي بتبيع عيش كده بشعرك ده!"
دخلت مي شقتها وهي ما تزال تغلي، لكنها توقفت أمام المرآة خلف الباب، تتأمل نفسها. رفعت شعرها، عدّلته قليلًا، ثم جمعته بإحكام. فجأةً، تسللت ابتسامةٌ خفيفة إلى شفتيها، كأن الغضب تلاشى دون استئذان. ألقت مفاتيحها وحقيبتها بلا اهتمام، ثم قفزت على سريرها، استلقت على ظهرها، تحدّق في السقف، ولا تزال تلك الابتسامة الغامضة تزين وجهها.
❈-❈-❈
مرّ أسبوعٌ كامل منذ تلك الليلة، وتبدّلت فيه أشياء كثيرة، كان أبرزها ذلك التغيّر الواضح في هيئة وسام. لم يعد كما كان؛ فقد استمر على مظهره الجديد منذ حفل الكريسماس، حتى صار محلّ دهشة كلّ من يراه، وكأنّ شخصًا آخر قد حلّ محلّه. وفي إحدى الأمسيات، اجتمع مع شريف في صالة بلياردو، يتنافسان في لعبةٍ اعتاداها، يتبادلان خلالها المزاح والسخرية كعادتهما.
وبينما كان وسام يركّز على ضربته، التفت إلى شريف ضاحكًا، وقال: "شوفت يا عيني البت منى لما كنا بنحكيلها عن حفلة الكريسماس؟ قالت ياريتني كنت معاكو!"
قهقه شريف بسخرية، وهو يهز رأسه: "وإنت كنت عايزها تكون معانا؟! دي كانت قلبتها من كريسماس لهالوين يا راجل!"
ضحك وسام، محاولًا تهدئة سخريته: "يا عم بطل تريقة على الناس."
لكن شريف لم يتوقف، بل استرسل ضاحكًا: "طب بذمتك، شفت مناخيرها؟! مترين! ولا عينيها الحولة... ده جدي كان فيه أنوثة عنها!"
قطّب وسام حاجبيه، وقال بنبرةٍ جادة: "عيب تتكلم على واحدة زي أختنا كده يا زفت الطين."
ابتسم شريف بمكر: "يعني لو مش أختنا كان عادي؟"
انفجر وسام ضاحكًا، وهو يشير إليه: "ههههه... اخلص والعب، ولا عايز ألبسك بيست النهارده كمان؟"
ثم تناول كوب العصير، ارتشف منه قليلًا، قبل أن يعقّب بامتعاض: "البتاع ده طعمه مش حلو... شكل الفاكهة مش طازة."
ردّ شريف ببساطة: "خلاص متشربوش."
ابتسم وسام ساخرًا: "بعد ما خلصته؟! العب يا عم."
استأنفا اللعب، وما هي إلا لحظات حتى صرخ شريف بانتصار: "طب خد يا معلم... إيييييه! كسبتك!"
رفع وسام حاجبيه بثقة: "قفلت الجيم يا ابن الفقرية!"
لكن فجأة، تغيّر وجهه، ووضع يده على بطنه متألمًا. لاحظ شريف ذلك، فسأله بقلق: "مالك؟"
أجاب وسام بصوتٍ متقطّع: "بطني وجعاني... كده فيه ألم خفيف."
اقترب منه شريف أكثر: "طب أجيب لك حاجة من الصيدلية؟"
هزّ وسام رأسه رافضًا: "لا لا... المغص من بدري أصلاً، بس كان خفيف وابتدى يزيد."
اتسعت عينا شريف بقلقٍ مفاجئ: "ليكون العصير مسموم ولا حاجة؟!"
ردّ وسام بسرعة، وهو يضغط على بطنه: "لا... المغص من قبل العصير."
لكن الألم اشتد فجأة، فتجمّد جسده، وبردت أطرافه، وصرخ بصوتٍ عالٍ: "الحقني يا شريف... آااااه!"
ارتبك شريف، وصرخ بأعلى صوته: "وساااااااام! حد يشوف إسعاف يا جدعان!"
❈-❈-❈
غريبٌ كيف تُدبِّر الحياة لقاءاتها، وكيف تجمع بين نقيضين في صورةٍ واحدة، كأنها تُتقن لعبة التوازن بين ما لا يلتقي.
فتضع الهدوء في مواجهة الجنون، والرزانة إلى جوار الاندفاع، والصمت بمحاذاة الضجيج، ثم تتركهما معًا في قلب الحكاية، لا ليُطفئ أحدهما الآخر، بل ليُتمِّمه على نحوٍ لم يكن متوقَّعًا.

فليس كل اختلافٍ نذير فراق، ولا كل تباينٍ بابًا للنفور؛ فثمّة أرواح لا تجد اكتمالها إلا في الطرف الذي لا يشبهها، وقلوب لا تعرف صورتها الحقيقية إلا حين تنعكس في قلبٍ مغاير.
كأن الحياة، في لحظة عبثٍ جميلة، تقرر أن تُجاور بين السكينة والعاصفة، بين الاتزان والتهور، بين عقلٍ يعرف كيف يُمسك نفسه، وقلبٍ لا يعرف سوى أن يركض نحو ما يريد بكل ما أوتي من شغف.

وربما لهذا تحديدًا يبدو بعض اللقاءات عصيًّا على التفسير؛ لأن المنطق وحده لا يكفي لفهمها، ولأن ما يجمع الأرواح أحيانًا لا يُرى بالعين، بل يُحسّ في تلك الرعشة الخفية التي تعبر القلب دون استئذان، وفي ذلك الأثر الغامض الذي يتركه شخصٌ ما، رغم أنه جاء من عالمٍ مختلفٍ تمامًا عن عالمك.

فالهدوء لا يعني البرود، كما أن الجنون لا يعني الفوضى دائمًا؛ قد يكون الهدوء سترًا لعاطفةٍ عميقة لا تُقال، وقد يكون الجنون الوجه الآخر لصدقٍ لا يعرف الحسابات. وحين يجتمع الاثنان، لا تكون الحكاية سهلة كما يظنّ البعض، بل تصبح أكثر اضطرابًا، وأكثر فتنةً، وأكثر قدرةً على بعثرة القلوب وإعادة ترتيبها من جديد.

هناك علاقات لا تقوم على التشابه، بل على ذلك التنافر الآسر الذي يجعل كل طرفٍ يكتشف في الآخر ما ينقصه، أو ما كان يجهله عن نفسه. علاقةٌ يُهذِّب فيها الهدوء شيئًا من طيش الجنون، ويوقظ الجنون شيئًا من خمول الهدوء، حتى يمضي كلٌّ منهما نحو الآخر بخطًى لا يفهمها، لكنه لا يستطيع التراجع عنها أيضًا.

ولعلّ أجمل ما في الأمر أن الحياة لا تمنحنا دائمًا من يُشبهنا، بل من يُربك يقيننا، ويخلخل أفكارنا الثابتة، ويجعلنا نعيد النظر في كل ما أقسمنا يومًا أننا لن نقبله. تمنحنا شخصًا يأتي على غير هوى العقل، لكنه يوافق شيئًا غامضًا في القلب، شيئًا لا يملك تفسيرًا واضحًا، ولا اسمًا محددًا، لكنه يملك أثرًا لا يُمحى.

وهكذا تمضي الحكايات التي تُكتب بيد القدر؛ تبدأ أحيانًا من تناقضٍ واضح، ومن مسافةٍ شاسعة بين روحين، ثم لا تلبث تلك المسافة أن تضيق شيئًا فشيئًا، حتى يغدو الاختلاف نفسه هو الجسر الوحيد بينهما.
فما يبدو مستحيلًا في البدء، قد يكون هو أكثر الأشياء صوابًا في النهاية، وما نظنه صدفةً عابرة، قد يكون الفصل الأهم في العمر كلّه.

ولأن بعض الفصول لا تبدأ من الطمأنينة، بل من ارتباكٍ جميل، ولأن بعض القلوب لا تستيقظ إلا حين يمرّ بها ما يُشبه العاصفة… كان القادم يحمل ما يكفي من الدهشة ليُثبت أن الهدوء، مهما بدا راسخًا، قد يهتزّ أمام جنونٍ واحدٍ صادق… وأن الجنون، مهما بدا منفلتًا، قد يركن أخيرًا إلى قلبٍ يعرف كيف يحتويه.
« السابق جميع الفصول التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (اسم الكاتبة)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم