لسة اجمل يوم مجاش - الفصل 17 | نور إسماعيل

قراءة رواية (لسة أجمل يوم مجاش) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (لسة أجمل يوم مجاش)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: (نور إسماعيل ) | الفصل: (17 )


ارتفعت الموسيقى في المكتب الصغير، واختلطت الضحكات بصوت التصفيق والرقص العشوائي الذي حوّل الليلة إلى حالة من الفوضى السعيدة. كانت الأضواء الخافتة تنعكس على الوجوه المرهقة بعد يوم طويل، لكن الجميع بدا وكأنه نسي التعب تمامًا.

مى كانت تدور حول نفسها وهي تضحك، وشعرها يتحرك مع كل خطوة، بينما وسام يراقبها بنظرة طويلة حاول كثيرًا أن يخفيها خلف سخافته المعتادة.

اقترب منها وهو يمد إيده يقلد حركة مطرب قديم وقال بصوت تمثيلي: — أنا قلبي دليلي قالّي... هيحبك.

ضحكت مى بقوة وهي تهز رأسها: — مش كده الأغنية أصلًا!

وسام رفع كتفه ببرود مصطنع: — طب مانا عارف.

ضيقت عينيها وهي تبطل رقص فجأة: — يعني إنت بتقولّي أنا؟

رد بسرعة وهو يحاول يمنع ابتسامته: — أها.

اتسعت عيناها بذهول طفولي: — ورحمة أبوك وأمك؟!

وسام انفجر ضاحكًا: — أبويا وأمي عايشين يا هبلة!

صرخت فجأة بفرحة، وبدأت تتنطط في مكانها كالأطفال: — ويسو بيحبني!.. ويسو بيحبني!

ثم اندفعت نحوه بلا تفكير، قفزت عليه تقريبًا وهي تحضنه بكل قوتها: — بموت فيك يا وييييسووو!

تجمد للحظة بين ذراعيها، وشعر بحرارة وجهه ترتفع بشكل محرج، لكنه رغم ذلك لف ذراعه حولها بخفة وكأن العالم كله اختفى في تلك الثانية.

لكن صوتًا مرتجفًا خرج من خلفهما فجأة: — إنت بتحبها؟

التفت الاثنان في اللحظة نفسها.

منة كانت واقفة بعيدًا قليلًا، والدموع تلمع داخل عينيها بشكل موجع، تشير ناحية مى بيد مرتعشة.

بتحب مى؟

ارتبكت مى فورًا: — منة... ماهو...

لكن قبل أن تكمل، صرخت منة صرخة حادة مزقت أجواء المكان بالكامل.

في الداخل توقفت الموسيقى فجأة، واندفع الجميع للخارج بفزع، بينما جسد منة ترنح للحظة ثم سقط على الأرض.

صرخت مى بخضة وهي تجري نحوها: — منة!

أمنية شهقت: — مية يا جماعة! هاتوا مية بسرعة!

شريف انحنى فورًا: — اوعوا أشيلها.

رفعها بحذر ووضعها فوق أحد المكاتب القريبة، بينما الجميع متجمع حولها بقلق وتوتر.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

غادة سألت بصدمة: — في إيه؟ ليه أغمى عليها؟

مى كانت واقفة متخشبة، صوتها بالكاد خرج: — والله ما أعرف...

وسام اقترب وهو مكشر بشكل واضح: — ثانية... هحاول أفوقها بطريقة أعرفها.

بدأ يحرك يده بحركات دائرية قرب أذن منة وجبهتها بطريقة غريبة جعلت سامح يحدق فيه باستغراب، ثم أخذ زجاجة برفان ومررها قرب أنفها.

بعد لحظات، تحركت رموش منة ببطء.

فتحت عينيها، وما إن استوعبت الوجوه حولها حتى انفجرت في البكاء فورًا، واندفعت نحو غادة تحضنها وتخفي وجهها داخل كتفها.

كان بكاؤها حقيقيًا لدرجة جعلت المكان كله يصمت.

وسام وقف بعيدًا قليلًا، عاقدًا ذراعيه، والغضب واضح فوق ملامحه، بينما مى كانت تنظر للأرض بخوف وضيق، قلبها يخبط بعنف وهي تتوقع اللوم المعتاد في أي لحظة.

غادة مسحت على شعر منة بحنان: — مالك يا منون؟ قوليلي يا حبيبتي.

ردت منة وسط شهقاتها: — عايزة أمشي...

سامح قرب منها بحيرة: — طيب فهمينا! مش كنا بنرقص وفرحانين من شوية؟

منة ضحكت ضحكة باكية مؤلمة: — أنا نكدية... وعاوزة أمشي. كملوا إنتوا عادي.

قال وسام فورًا: — أنا هوصلك يا منة بالعربية.

رفعت مى رأسها بسرعة: — لا، أنا يا وسام... يلا يا بنات.

لكن منة ردت وهي تنظر للأرض باشمئزاز واضح: — لا إنت ولا هي... وشكرًا على كل حاجة.

ثم التفتت ناحية غادة: — يلا يا غادة روحيني.

غادة رمشت لمى بخبث واستفهام في الوقت نفسه: — في إيه؟

همست مى بتوتر: — معرفش...

نزلت غادة مع منة، بينما ممدوح خرج معهم يوقف تاكسي.

ظل الصمت يملأ المكان للحظات ثقيلة بعد اختفائهم.

أمنية تنهدت وهي تنظر للجميع: — هو في إيه؟ ليه النكد ده كله فجأة؟

منى ردت بتردد: — هي كانت واقفة برا عند وسام ومى...

مى رفعت رأسها بسرعة: — والله ما أعرف! أنا كنت برقص مع ويسو وبعدين هي جت قالت...

لكن وسام قاطعها فجأة بصوت حاد: — خلاص يا مى.

التفتوا جميعًا إليه بدهشة.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أما هو فمرر يده في شعره بعصبية، وكأن الكلام نفسه أصبح عبئًا فوق صدره.

سامح نظر بينهم بحيرة حقيقية: — طب والله إحنا مش فاهمين أي حاجة.

هبط الصمت على الغرفة للحظات، صمت دافئ ومربك في الوقت نفسه، بعدما أنهى وسام كلامه وهو ينظر إلى منة بعينين صادقتين تمامًا.

لم يكن يرفضها، ولم يكن يجرحها… بل كان يحاول أن يشرح لها مكانتها الحقيقية داخله، المكان الذي لم تستطع هي فهمه من شدة احتياجها للحب والاحتواء.

منة ظلت تنظر له باستغراب طفولي، بينما غادة ومى تبادلتا النظرات بصمت. الاثنتان كانتا مستوعبتين جيدًا ما يحاول وسام قوله، بل وأُعجبتا بطريقة شرحه الهادئة التي لا تكسر قلب أحد.


ها قد عدنا إليكم من جديد، نحمل بين أيدينا فصلًا آخر من حكايةٍ لم تُكتب سطورها بالحبر وحده، بل خُطَّت بمزيجٍ من الشغف، والخذلان، والقدر، وتلك المصادفات التي تبدو للوهلة الأولى عابرة، ثم نكتشف لاحقًا أنها كانت المنعطف الحقيقي الذي غيّر كل شيء.


ثلاثة أشهرٍ مضت من الأحداث، وربما عاش أبطال الرواية خلالها أعمارًا كاملة من المشاعر المتناقضة؛ ضحكاتٌ أعقبها بكاء، ولقاءاتٌ حملت بين طياتها وداعًا مؤجلًا، وقلوبٌ ظنت أنها بلغت يقينها، فإذا بها تقف على أعتاب أسئلةٍ جديدة لا تعرف لها جوابًا.

وقبل أن نمضي معًا في هذا الفصل، أخبروني... ما انطباعاتكم حتى هذه اللحظة؟ أي شخصية استطاعت أن تتسلل إلى قلوبكم دون استئذان؟ ومن الذي ما زلتم تعجزون عن فهمه؟ هل غيّر أحدهم نظرتكم إليه بعدما كنتم تظنون أنكم أدركتم حقيقته، أم ما زلتم تنتظرون اللحظة التي يكشف فيها القناع الأخير؟


وأخبروني أيضًا... ماذا تتوقعون لما هو آتٍ؟ هل تظنون أن الحب سينتصر بسهولة كما تمنّت القلوب؟ أم أن القدر يخبئ للأبطال امتحاناتٍ أشد قسوة مما مروا به؟ هل ترون أن بعض النهايات قد اقتربت، أم أن كل ما حدث حتى الآن لم يكن سوى بداية الطريق؟

الأغرب من كل ذلك أن الحكايات التي ستتوالى أمامكم لن تكون مما يخطر على البال. ستتشابك الخيوط بطريقة قد تبدو مستحيلة، وستلتقي الطرق التي أقسم أصحابها يومًا أنها لن تتقاطع أبدًا. ستتبدل القناعات، وتتغير الوجوه، وسنكتشف أن كثيرًا مما حسبناه صدفة، لم يكن إلا تدبيرًا إلهيًّا بالغ الحكمة.

فكم من لقاءٍ ظنه الناس خطأً، فإذا به أعظم أبواب الخير. وكم من فراقٍ بكى له القلب طويلًا، ثم أدرك بعد حين أنه كان النجاة التي لم يكن يراها. وكم من إنسانٍ رفضته العقول أول الأمر، ثم اختاره القلب أخيرًا، بعدما تكشفت الحقائق وسقطت الأقنعة.


إن حكمة الله في هذه الأرض أعظم من أن تدركها أعيننا المحدودة. نحن لا نرى سوى صفحةٍ واحدة من الكتاب، بينما يعلم سبحانه نهاية الحكاية منذ بدايتها. ولذلك، كثيرًا ما نعترض على الطرق التي يسوقنا إليها القدر، ثم نبتسم بعدها بسنوات لأننا سرنا فيها. ونحزن على أشخاصٍ غادروا حياتنا، ثم نحمد الله أنهم رحلوا قبل أن يصبح بقاؤهم وجعًا لا يُحتمل.

ولعل أجمل ما في قصص الحب الحقيقية أنها لا تشبه القواعد التي يضعها البشر. فالحب ليس معادلةً ثابتة، ولا قانونًا يمكن حفظه. إنه ذلك الشعور الذي يولد في أكثر الأماكن غرابة، وبين أكثر الشخصيات اختلافًا، وفي أكثر اللحظات التي يستحيل أن نتوقعها.

ولهذا، لا تتعجبوا إن وجدتم أن أكثر العلاقات غرابة هي التي يُكتب لها الاستمرار. فحين يجتمع شخصان لا يشبه أحدهما الآخر، يكمل كل منهما النقص الذي يحمله الثاني، وتتحول الاختلافات إلى جسورٍ للمودة لا أسبابٍ للنفور. قد يلتقي الهدوء بالعاصفة، والعقل بالاندفاع، والصمت بالكلام، فيصنع ذلك المزيج حياةً لا يستطيع المتشابهان أن يصنعاها.

إن العلاقات التي تبدأ بصورة غير مألوفة، أو تأتي على غير ما خطط لها أصحابها، كثيرًا ما تحمل في داخلها صدقًا لا تصنعه المقدمات المثالية. فالمشاعر الصادقة لا تسأل عن توقيتٍ مناسب، ولا عن ظروفٍ كاملة، ولا عن تشابهٍ مطلق، بل تبحث عن روحٍ تشعر معها بالأمان، وقلبٍ إذا حضر هدأت الفوضى كلها.

وربما لهذا السبب ستجدون أنفسكم خلال الفصول القادمة تعيدون النظر في كثير من أحكامكم السابقة. ستتعاطفون مع من لُمتموه، وتغضبون ممن وثقتم به، وربما تكتشفون أن البطل الحقيقي لم يكن من توقعتموه يومًا.

لا تتعجلوا إصدار الأحكام، فكل شخصية تحمل داخلها قصةً لم تُحكَ بعد، وكل قرارٍ اتُّخذ كان خلفه سببٌ خفي، وكل دمعةٍ سالت كان لها موعدٌ مع ابتسامةٍ مؤجلة.

شدوا أحزمة قلوبكم، واتركوا مساحةً للدهشة، فالقادم لا يشبه ما مضى، والأحداث المقبلة لن تمنح أحدًا فرصةً لالتقاط أنفاسه. وما حسبتموه نهايةً، قد يكون أول الطريق... وما ظننتموه بدايةً، ربما كان الفصل الأخير من حكايةٍ لم تكتمل إلا الآن.

فهيا بنا... لنقلب الصفحة التالية، ونرى ماذا خبأ القدر لأبطالنا، وماذا كتب الله لكل قلبٍ ظن أن رحلته قد انتهت، بينما كانت في الحقيقة على وشك أن تبدأ.

❈-❈-❈

قالت منة وهي تعقد حاجبيها بخفة:

طيب ماهو أنا ينفع أبقى كل حاجة؟ ليه بتقول هتفتقد شريكة حياتك؟

ابتسم وسام بحنان، ذلك الحنان الذي يجعل أي شخص أمامه يشعر بالأمان رغمًا عنه، ثم قال بهدوء:

إنتِ أحسن بنوتة فالدنيا… والله. بس وسام شايفك كده… بنته الصغيرة. أقنع قلبي الغبي إزاي يشوفك غير كده؟ أروح أقوله دي البنت اللي مافيش منها اتنين ولازم ترتبط بيها؟

ضحكت منة تلقائيًا، ضحكة خرجت منها بعفوية طفلة اقتنعت بكلام والدها بعد عناد قصير.

أما مى، فظلت ساكتة تراقب المشهد. كانت تعرف أنها لو كانت مكان منة، لكانت اشتعلت غضبًا وغيرة، لكن وسام… بطريقته العجيبة… استطاع أن يبرمجها فعلًا على امتصاص هدوئه قبل غضبها.

قالت منة فجأة وهي تشير ناحية مى:

يعني مى هي اللي فيها كل حاجة؟

رفعت مى عينيها نحو وسام بسرعة، ثم عادت للصمت. لم ترد التدخل أو سماع مقارنة جديدة قد تُحرجها.

أما وسام فتنهد بخفة، ثم قال وهو يبتسم نصف ابتسامة:

بصراحة؟ للأسف آه.

اتسعت عينا منة بدهشة طفولية، بينما أكمل هو:

لقيت المجنونة دي فيها حاجات أنا أصلًا مكنتش بدور عليها في شريكة حياتي… بس طلعت محتاجها. كملتني… كملت الناقص فيا.

شعرت مى بحرارة خفيفة تسري في وجهها، فخفضت رأسها وهي تحاول إخفاء ابتسامتها، بينما غادة كانت تبتسم بسعادة حقيقية للمرة الأولى منذ بداية الحديث.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لكن منة، رغم فرحتها بكلامه، ظل داخلها خوف صغير جدًا.

سألته بصوت خافت:

طيب… ومش هتتخلى عني؟

هنا تغيّرت ملامح وسام فورًا. اقترب منها أكثر، ثم قال بحزم حنون:

أنا عمري ما أتخلى عنك. أنا وحيد… ماليش إخوات. كان عندي منى أخت، وشريف أخ… دلوقتي عندي منى وشريف وإنتِ وغادة وأمنية.

ثم ابتسم وهو يغمز لها بخفة:

بس أحلاهم منة… وأطعمهم منة. والبنت اللي هتجنني في جهازها وهلف معاها المحلات وأشتريلها فستان فرحها هدية… وأختارلها العريس بنفسي… هي منة!

شهقت منة بفرحة حقيقية، فرحة اخترقت قلبها كله دفعة واحدة.

وفي لحظة، قامت من فوق السرير بسرعة وارتمت في حضنه، تحتضنه بقوة شديدة، كأنها أخيرًا وجدت الحضن الذي كانت تبحث عنه طوال عمرها.

ابتسم وسام وهو يربت على ظهرها بحنان أبوي واضح، بينما أغمضت هي عينيها براحة غريبة.

وقتها فقط فهمت منة سبب تعلقها به من البداية…

لم تكن تحبه كحبيب بقدر ما كانت تحتاج رجلًا يحتوي خوفها، يسمعها، ويمنحها ذلك الشعور المفقود بالأمان.

ضحكت غادة وهي تنظر لمى:

الحمدلله… المشكلة اتحلت كالعادة بعقل ورصانة يسو طبعًا.

ضحكت مى بخفة وهي تهز رأسها:

الراجل ده بيطلع من أي مصيبة بطريقة مستفزة بصراحة.

رفع وسام حاجبه باستنكار مصطنع:

مستفزة؟ ده أنا نعمة والله.

انفجر الجميع ضاحكين، وامتلأت الغرفة أخيرًا بذلك الدفء الخفيف الذي يأتي بعد انتهاء العواصف.

❈-❈-❈


مرّ اليومان التاليان وكأنهما لحظة واحدة، حتى جاء اليوم الذي ذهب فيه شريف لقراءة الفاتحة على أمنية.

كان واقفًا بكامل أناقته، يحاول أن يبدو هادئًا، بينما وسام بجواره لا يتوقف عن الرخامة والغمزات طول الوقت.

همس له وهو يظبط ياقة بدلته: ـ متتوترش يا عريس… دى فاتحة مش لجنة شفوى.

شريف جزّ على سنانه وهو بيضحك: ـ والله لو ما سكت هضربك قدام الناس.

دخلوا البيت وسط ترحيب أهل أمنية، وسوسن أختها كانت حرفيًا طايرة من الفرحة. لم تتخيل يومًا أن زميلها الهادئ المحترم في الجامعة سيصبح زوج أختها.

بعد قراءة الفاتحة والضحك والكلام عن التفاصيل، اتفقوا على الشبكة، ونزلوا جميعًا يشترونها.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

كانت “مى” تمسك هاتفها طوال الوقت، تصور كل شيء بحماس وهي تضحك:

ـ بص يا جماعة… دى لحظة تاريخية… الأستاذ شريف بيتحول لعريس رسمي!

أمنية اختارت له دبلة بسيطة وأنيقة، وما إن ارتداها حتى رفع يده أمام الكاميرا وعمل حركة “الكلابوش” الشهيرة، فصرخت البنات من الضحك، بينما وسام كاد يقع أرضًا وهو يصور.

وجاء يوم الشبكة أخيرًا.

القاعة كانت متزينة بإضاءة ذهبية ناعمة، والورود البيضاء والحمراء تملأ المكان، والأغاني الرومانسية تملأ الأجواء.

أمنية كانت في الكوافير مع منة ومى وغادة ومنى.

وحين خرجت من غرفة التبديل، سكتت البنات لثوانٍ كاملة.

فستان ذهبي مبهر، يلمع حولها كأن الضوء مصنوع خصيصًا لها.

ناعمة… راقية… وخاطفة للأنفاس.

شهقت مى: ـ يا نهار أبيض… انتى طالعة ملكة!

غادة حطت إيدها على قلبها: ـ شريف هيعيط النهاردة والله.

أما البنات، فكنّ متفقات أن يرتدين الأسود جميعًا، نفس الفكرة لكن كل واحدة بتصميم مختلف يناسب شخصيتها، فظهروا وكأنهم فرقة كاملة من الجمال والشياكة.

وصل شريف بعربية وسام، بينما البنات مع مى في العربية الثانية.

ومن اللحظة الأولى، والهيصة بدأت.

لفّوا الشوارع كلها بالأغاني والزغاريد، ووسام طبعًا لم يترك الفرصة تمر بهدوء.

بدأ يعمل حركات مجنونة بالعربية… دوران مفاجئ، وفرامل واستعراضات أمريكاني جعلت البنات يصرخن بين الضحك والخوف.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

مى كانت تضرب الكرسي قدامها: ـ يا وساااااااام هموووووت!

رد وهو يضحك بجنون: ـ عادى يا جماعة… دى تسخينة بس!

شريف من العربية الخلفية فتح الشباك وصرخ: ـ يا ابنى هتموتنا قبل الفرح!

لكن الحقيقة؟

الجميع كان مستمتعًا بشكل هستيري.

وصلوا أخيرًا إلى القاعة التي كانت ممتلئة عن آخرها.

أصحاب شريف في الشغل، وصديقات أمنية في الكلية، والأهل… الكل حاضر.

بدأت الزفة، والبنات يرشون الورود خلف العروسين، بينما وسام يمشي أمامهم يصور بهاتفه ويغمز لشريف كلما التفت إليه.

وفي البداية… بدا وكأن الليلة ستكون هادئة ومحترمة.

لكن هذا لم يدم أكثر من دقيقتين.

فجأة…

انقلبت الموسيقى.

واشتغل مهرجان شعبي صاخب لمحمود الليثي.

التفت الجميع بصدمة ناحية الـDJ، بينما شريف وأمنية نظروا لبعض… ثم انفجروا ضحكًا.

وفجأة، بدل الرقصة الهادئة…

طلعوا على البيست يرقصوا شعبي قصاد بعض!

أمنية ترفع إيديها بدلع وتضحك، وشريف قلع الجاكيت فورًا ورماه لوسام وهو يقول: ـ افتحوا الدايرة يا جدعااااان!

القاعة انفجرت صريخًا وتصفيقًا.

لكن الصدمة الحقيقية…

كانت “مى” ووسام.

مى شدت إيده فجأة: ـ تعالى بقى يا واد يا جن!

وكأن زرًا سريًا انضغط داخله.

اتحول وسام لشخص تاني تمامًا.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

رقص بجنون، لف حوالين نفسه، خبط كتفه بكتفها، قلد حركاتها، وهي ترد عليه بحركات أجرأ وأجنن.

الناس كانت بتهلل حرفيًا.

غادة وممدوح دخلوا هم كمان وسط الدايرة، وغادة بدأت ترقص بطريقة شعبية مضحكة، بينما ممدوح يمثل إنه بينقطها، فالجميع انفجر من الضحك.

أما وسام ومى…

فكانوا عالم لوحدهم.

هى تعمل حركة بإيدها…

فيقوم فاتح الجاكيت وهو يقول: ـ تعالى أخبيكى هنا!

فتضربه فى كتفه وهى تضحك: ـ يا سمج!

ثم يعودان للرقص بجنون أكبر.

حتى شريف نفسه ساب العروسة وسط البنات، وشد وسام من وسط الزحمة.

وقفوا قدام بعض وبدأوا يقلدوا نفس الحركات بحرفية غريبة، يلفوا معًا، يدوا ضهرهم لبعض، ثم يميلوا بنفس اللحظة.

الناس كانت تموت من الضحك والتصفيق.

مامت وسام ومامت شريف كانوا يسقفوا بشكل هستيري، وبين كل دقيقة والثانية يقروا المعوذات خوفًا من الحسد.

ـ يا ساتر يارب… العيال اتلبست!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

الرقص لم يتوقف.

العرق كان يغرق وجه وسام من كتر الحركة.

وفجأة، جريت عليه مى وسط الناس كلها، طلعت منديل صغير، وبدأت تمسح عرقه بحنان تلقائي جدًا.

وسام سكت تمامًا.

بص لها للحظة طويلة…

بينما مامت وسام كانت تراقب المشهد بابتسامة واسعة جدًا.

واضح إن قلبها اختار بالفعل.

ثم اشتغلت أغنية: “أنا أصلًا واد جن…”

فصرخ شريف: ـ دى بتاعت وسام أهوووو!

ورجع يكمل رقص مع أصحابه، بينما ممدوح دخل معاهم.

أما وسام، فكان قد تعب فعلًا.

قعد على الكرسي وأشار لمى بعينه فقط.

تعالي.

ولا كلمة واحدة.

لكنها فهمته فورًا.

راحت قعدت جنبه وهي تبتسم: ـ نعم يا سيادة البيه؟

قال وهو يلتقط أنفاسه: ـ اقعدى بس… كفاية جنان شوية.

انتهى الفرح أخيرًا.

لكن لا شريف ولا أمنية كانا يبدوان متعبين أصلًا.

كانا يضحكان كأن الليلة بدأت للتو.

عاد وسام مع والدته، وخلفهم مباشرة سيارة مى.

وبعدما دخل شقته بدقائق…

رن هاتفه.

ـ اطلع الباب شوية.

فتح الباب فوجدها واقفة أمامه، ما زالت بفستانها الأسود، وشعرها مبعثر قليلًا من الرقص.

ابتسمت: ـ كان يوم جميل صح؟

رد وهو يسند كتفه على الباب: ـ بعد كده مترقصيش كتير كده.

عقدت حاجبيها: ـ ما كله كان بيرقص يا ويسوووو.

وكانت تمسك كرافته وتشدها بدلع.

ابتسم رغمًا عنه: ـ كله يرقص يا قلب ويسو… انتى لا.

فتحت فمها بتمثيل: ـ مش كفاية اختارتلى فستان مقفول… اهئ اهئ اهؤ.

قال بحزم وهو يضحك: ـ لا اهؤ ولا مهؤ… مبحبش أعيد كلامى.

ضحكت بسرعة: ـ حاضر حاضر.

ثم سكتت فجأة وقالت بخبث: ـ طب بص على عتبة بابكم كده.

نظر للأسفل، فوجد ظرفًا أبيض صغيرًا مدسوسًا أسفل الباب.

رفع حاجبه: ـ مممممم… والله؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ضحكت وهى تتراجع للخلف: ـ جواب مووووشى ياستى.

ـ طيب اقراه امتى؟

ـ لما أصلى… وبعدين كلمنى بعد ما تخلصه.

اقترب منها ببطء، ثم أمسك يدها فجأة.

وبدأ يقبّل أصابعها واحدًا تلو الآخر وهو يهمس: ـ أوك يا روح قلبى انتى.

اتسعت عيناها بخجل رهيب، وسحبت يدها بسرعة: ـ بتكسف أنا…

ثم تحركت بسرعة ناحية باب شقتها: ـ تصبح على خير يا حبيبى.

ابتسم تلقائيًا: ـ وانتى من أهلى.

توقفت مكانها لحظة.

الكلمة أعجبتها بشكل لا يوصف.

التفتت ببطء: ـ من أهلك؟

قال وهو يضحك: ـ اه.

ثم دخل بسرعة وأغلق الباب في وجهها.

وقفت للحظة مصدومة…

ثم انفجرت ضحكًا وهي تضرب الباب بخفة: ـ مااااااشى يا وسام… هردهالك!

ودخلت شقتها وهي ترقص وحدها بجنون طفولي.

أما وسام…

فكان يراقبها من العين السحرية ويضحك بهدوء.

ثم عاد إلى الداخل، وأمسك الظرف الأبيض بين أصابعه.

ابتسم وهو يتمتم: ـ ياترى كاتب إيه يا مشمش…؟


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (نور إسماعيل)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل