لسة اجمل يوم مجاش - الفصل 16 | نور إسماعيل

قراءة رواية (لسة أجمل يوم مجاش) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (لسة أجمل يوم مجاش)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: (نور إسماعيل ) | الفصل: (16 )



تجمّدت مى مكانها، وعيناها متعلقة بوش وسام كأنه بقى الشيء الوحيد الموجود في الدنيا. كانت أنفاسها طالعة متلخبطة، وقلبها بيدق بعنف لدرجة إنها حست إن صوت دقاته مسموع. وسام، اللي كان لسه ماسك إيدها بحذر، بلع ريقه بتوتر وهو شايف الدم نازل من صباعها.

قال بسرعة وهو بيقرب منها: ـ استنى متتطنطيش والله ما أقصد… ثواني أجيبلك قطن وشاش من جوه.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

جرى ناحية الشقة، وساب الباب مفتوح، وبعد أقل من دقيقة رجع وهو شايل علبة إسعافات صغيرة. قعد قدامها على ركبته، ومسح الدم بهدوء شديد، كأن الجرح ده أهم حاجة عنده في اللحظة دي. مى كانت ساكتة تمامًا، مبرقة فيه، لا حاسة بالوجع ولا حاسة بالسلم اللي واقفة عليه.

وسام لفّ الشاش حوالين صباعها بإحكام، وبعدها رفع إيدها ناحية شفايفه… وباس الجرح.

اللحظة وقفت.

حرفيًا وقفت.

مى شهقت بخفة، وحست جسمها كله سخن فجأة. عقلها اتشال من مكانه، وأعصابها هربت، وكأن قلبها انفجر جوّاها بمشاعر ماعرفتش تسيطر عليها. أما وسام فبصلها بنظرة هادية وقال بصوت منخفض: ـ ألف سلامة يا مى… أنا آسف.

ومن غير تفكير، ومن غير أي محاولة للهروب أو التمثيل، قالت وهي تايهة فيه: ـ أنا بحبك.

وسام اتجمد.

بصلها كأنه مش مستوعب اللي سمعه. عشر ثواني كاملة عدّوا وهو ساكت، مجرد متنح فيها، قبل ما يغمض عينيه ثانية ويرجع يفتحهم: ـ ادخلي… الباب اتفتح.

مى قربت منه خطوة، وعينيها كلها وله: ـ بقولك بحبك يا وسام.

قال بسرعة وهو بيشيح وشه عنها: ـ وأنا بقولك ادخلي يا مى.

ـ لا… أنا مش عاوزة أدخل.

قال باستنكار وهو رافع حاجبه: ـ إيه؟ هتباتي عالسلم زي القطط؟

ابتسمت بخفة، وهي أصلًا مش مركزة غير معاه: ـ آه.

ضحك غصب عنه، ضحكة صغيرة دافية خرجت من قلبه: ـ طب ادخلي الله يهديكي.

مد إيده ودخلها بنفسه، بينما هى واقفة متخشبة، كأن رجليها نسيت تمشي. أول ما قفل الباب، راحت فتحاه تاني فورًا.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

وسام بص لها بعدم تصديق: ـ ما تدخلي يا بنت الحلال!

ـ لا.

كان ماسك نفسه بالعافية من الضحك، ووشه كله ابتسامة: ـ ارزعي الباب يا مى.

هزت راسها بعناد طفولي: ـ لا.

سند راسه على الباب وقال بيأس تمثيلي: ـ ياااااهوووي عليكي!

وبحركة سريعة زقها لجوه وقفله، وبعدها نزل السلم وهو بيضحك لوحده.

دخل شقته بعدها بدقائق، لكن ضحكته اختفت تدريجيًا وهو بيفكر في جملتها.

"أنا بحبك."

الكلمة كانت بتتردد جوه دماغه بشكل غريب. حس إنها خبطت قلبه خضة. تنهد وهو بيغير هدومه، وحاول يقنع نفسه إنه لازم يهدى، لكن أول ما مسك موبايله لقى رسالة منها.

"بقولك إيه… أنا قلبي هو اللي هيكسب، لو يحصل إيه هياخدك، لو تعمل إيه بيحبك… بيموت أوي فيك."

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ابتسم تلقائيًا، وفضل باصص للشاشة شوية قبل ما يرد: "مش بحب المسجات… لكن هقولك نامي يا طقة."

أما مى… فكانت في عالم تاني تمامًا.

قاعدة على سريرها، تايهة، كل شوية ترفع إيدها تبوس مكان البوسة، وتحضن نفسها بخجل وهي تضحك لوحدها. لا عارفة تنام، ولا عارفة تقوم، ولا حتى تستوعب اللي حصل. فضلت أكتر من ساعتين على نفس الحالة، وشها محمر وقلبها طاير منها.

وفي اليوم التالي…

كانت قاعدة في مكتبها بشكل غريب جدًا على شخصيتها المعتادة. لأول مرة تبقى هادية، سارحة، مبتبتسمش بسخرية ولا عاملة نفسها قوية زيادة عن اللزوم.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أمنية بصتلها بشك وهي داخلة: ـ مالك يا ميوش؟ شكلك وقعتي.

مى رفعت عينيها ببطء: ـ عايزاكي تكلمي شريف وتعرفيلي كل حاجة عن ويسو… بيحب إيه، بيكره إيه، كل حاااجة.

أمنية ضحكت وهي قاعدة قدامها: ـ والله قلت شكلها قصة جديدة… بس الغريب إنها مع ميوش يعني.

ـ أيوة مع زفتوش، اخلصي… هتعملي اللي بقولك عليه ولا لأ؟

ـ حاضر حاضر… بس في حاجة عايزة أقولها.

ـ إيه؟

أمنية سكتت ثانية وقالت: ـ منة كمان بتحبه… تعرفي ده ولا لأ؟

نزلت مى بعينيها للأرض، ووشها اتغير: ـ أيوة عارفة… ما احنا اتخانقنا زمان عشانه.

ـ يعني هي عارفة إنك…

قاطعتها بسرعة: ـ لا، متعرفش. وبعدين والله مش قصدي آخده منها. أنا خلاص يا مونى مبقتش بفكر بالطريقة اللي كانت بتضايقكو زمان.

أمنية بصتلها بحنان: ـ انتي عارفة دي بتموت فيه. تخيلي أول امبارح كانت بتعيط وبتقولي مش هكلم ويسو تاني، عشان سألته أنا شايفني إزاي… قالها: زي أختي تقريبًا.

رفعت مى وشها بسرعة، وعينيها لمعت: ـ والله؟!

ـ أيوة… وانتي جاية دلوقتي تقولي بتحبيه. بس بصراحة؟ أنا حاسة إنه مشدودلك انتي.

اتسعت ابتسامة مى فجأة: ـ والنبي؟ عرفتي منين؟

أمنية قربت منها وهي بتضحك: ـ شريف قالّي شوية حاجات كده… إحنا أصلًا كل يوم بناخد ساعة نم عليكم.

ضحكت مى بخفة، وبعدها اتنهدت وهي مسنودة على الكرسي: ـ طيب ياستي اديها نصاية دلوقتي وارجعيلي بالأخبار… اشطا؟

أمنية قامت وهي بتسلم عليها: ـ اشطا يا موزتي.

بمجرد ما خرجت، رجعت مى تسند ضهرها وتبص للسقف بشرود، وهمست لنفسها بابتسامة صغيرة: ـ استعنا على الشقا بالله…

❈-❈-❈


كان النهار ثقيلًا على وسام منذ بدايته، والعمل متراكم فوق رأسه بشكل جعله بالكاد يرفع عينيه عن شاشة الحاسوب. المكتب هادئ إلا من أصوات الطباعة ورنين الهواتف المتقطع، بينما هو غارق وسط الملفات، يحاول إقناع نفسه أن الانشغال كفيل بإخماد أي فوضى داخله.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لكن اسمًا واحدًا كان قادرًا دائمًا على هدم كل محاولاته.

"دنيا".

ظهرت المكالمة فجأة على شاشة هاتفه، فتجمدت يده فوق لوحة المفاتيح. ظل يحدق في الاسم لثوانٍ طويلة قبل أن يزفر بضيق ويرد.

جاءه صوتها مترددًا، باهتًا وكأنه يحمل تعب سنين: ـ ألو… وسام؟

أغمض عينيه لحظة، ثم قال ببرود متوتر: ـ نعم.

سكتت قليلًا قبل أن تتمتم: ـ أنا لسه شايفة المسج النهارده… والله غصب عني، إنت عارف ضغطي والشغل.

ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي دفء: ـ آه طبعًا… الشغل.

شعرت دنيا بوخزة في قلبها من نبرته، وقالت بسرعة: ـ متتكلمش كده يا وسام.

لكن شيئًا داخله انفجر أخيرًا.

رفع رأسه بعصبية وقال: ـ أنا كلامي جرحك؟ وانتي اللي عملتيه ميجرحش؟! أقسم بالله استنيتك كتير… كل يوم أقول هترجع، هتيجيلي، أصلها بتحبني… وانتي ولا الهوا!

بدأ صوتها يرتجف بالبكاء: ـ يا وسام متخلنيش أحس إني وحشة أوي كده… والله ربنا وحده عالم أنا عملت كده ليه.

هز رأسه ساخرًا، رغم أنها لا تراه: ـ أيوة، ربنا عالم إني زوج سيئ ميستحقش شرف إنه يقاسمك حياتك… مش كده؟

ـ يا وسام… من إمتى القسوة دي؟

اتسعت عيناه بغضب دفين: ـ من ساعة كل يوم قلبي فيهم كان بيتحرق عشانك! حتى لما سألتي فيا بعد سنة انفصال، جاية تقوليلي: "خد بالك من نفسك وشوف حياتك"… مش ده كلامك؟

شهقت دنيا وهي تبكي: ـ عشان كل ما أسأل عليك ألاقيك لسه مرتبطش.

ضرب المكتب بيده بعصبية: ـ نفسي أعرف إنتِ بتطلعيلي كل شوية زي القضا تكركبيلي حياتي وتمشي ليه! إيه يا دنيا؟ مستكتِرة إني أفرح؟ متابعاني وعارفة أخباري أوي كده؟

ارتفع صوته بشكل لفت أنظار المكتب كله نحوه. شريف خرج من مكتبه بسرعة، وبعض الموظفين التفتوا باستغراب. حتى المشرف مر بجواره وقال بتحذير هادئ: ـ يا أستاذ وسام… وطي صوتك شوية عشان الشغل.

تنفس وسام بعنف، بينما جاءه صوت دنيا متقطعًا من البكاء: ـ أنا عمري ما نسيتك ولا لحظة… كنت هتجنن من غيرتي عليك. حسيت إنك قدرت تعيش… وأنا كنت عايزة أعيش زيك برضه.

ضحك بمرارة وقال: ـ بقولك إيه يا دنيا… أنا مش مستحمل المكان كله يتفرج عليا. متستنيش مني حاجة… لأن مبقاش عندي حاجة أديهالك خلاص.

ـ طب ليه الجرح يا وسام؟ أنا مش عايزة منك حاجة يا سيدي… وآسفة لو كنت بعتت المسج اللي ضايقتك أوي دي.

تنهد بتعب، وكأن الكلام استنزفه: ـ العفو يا ستي… ممكن أقفل عشان شغلي كمان ميروحش مني زي حاجات كتير؟

سكتت لحظة قبل أن تهمس: ـ اتفضل… مع السلامة.

أغلق الهاتف بعنف، ثم ألقاه فوق المكتب وهو ينفخ بضيق، بينما ملامحه كلها متشنجة.

اقترب شريف منه بحذر، ووضع كوب ليمون بارد أمامه: ـ صلّي عالنبي طيب، وخد اشرب اللمون واهدَى.

مرر وسام يده في شعره وقال باختناق: ـ يعني مستكتِرة إن عندي اتنين وتلاتين سنة، وشعري شاب، وحياتي ضايعة… إني أحب وأتجوز؟ ما أنا كنت معاها وبحبها!

جلس شريف أمامه وهو يهز رأسه: ـ خلاص اهدى… سيبك يا عم، بلا دنيا بلا فونيا.

رمقه وسام بضيق: ـ يا شريف إنت بتهزر وأنا مخنوق.

ابتسم شريف بخفة: ـ أيوة عشان تفك. أومال أقعد أعدد جمبك؟ وبعدين ما فِ ستين سلامة، المركب اللي تودّي مش هي اللي اختارت، مالها بتعيط ليه ونكدتنا عالمسا؟

رغم ضيقه، خرجت من وسام ضحكة صغيرة وهو يشرب الليمون: ـ أنا كان صوتي عالي أوي كده؟

شهق شريف بتمثيل: ـ تقريبًا لو ممسكتش الفون كانت هتسمعك هي لوحدها! ده صوتك كان جايب الصين يا عم، لدرجة محدش صدق إن إنت اللي بتتكلم!

ضحك وسام أخيرًا: ـ طلعتني عن شعوري والله… عمري ما تخيلت أكلم دنيا كده.

لوّح شريف بيده: ـ يا عم فكك… طب والله بتنطق اسمها بطني بتمغصني وبحس بترجيع.

انفجر وسام ضاحكًا: ـ الله يقرفك!

مال شريف نحوه بخبث: ـ اسمع بقى… سيبك من سيرة الناس اللي بتعمل نعنشة في الجو.

رفع وسام حاجبه: ـ زي مين يعني؟

وضع شريف يده على خده وقال بدلال ساخر: ـ هييييييح… مكناش بنحب يا ناس.

تغيرت ملامح وسام فورًا، وظهرت ابتسامة صغيرة رغماً عنه: ـ مى؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ـ أيوة الوتكة. المهم مش هقولك عشان لو محضرالك حاجة محرقهاش… بس هسألك، إنت تمام كده؟ مظبط مسالك ولا لأ؟

صمت وسام قليلًا، ثم أخذ نفسًا طويلًا، ولمعت عيناه دون قصد: ـ بص… أنا بفرح معاها أوي. رجعتني أعيش تاني بدل ما كنت بتنفس وخلاص واسمي محسوب عالدنيا. بتهتم بيا بطريقة فظيعة… بس مش عايز أحكم على مشاعري ناحيتها دلوقتي… خوفًا تكون غلط.

فتح شريف فمه بصدمة تمثيلية وقلده بسخرية: ـ "مش عايز أحكم على مشاعري ناحيتها دلوقتي خوفًا تكون غلط!" يا عم أومال إمتى؟ لما نموت؟ إيه الشلل ده؟

ضحك وسام أخيرًا من قلبه: ـ الحاجات دي عايزة تأنّي يا بني آدم.

شهق شريف: ـ تأنّي إيه؟ هو أنا بقولك ولدها؟

ضربه وسام في كتفه وهو يضحك: ـ يخربيت ألفاظك!

وفجأة، رن هاتف شريف.

نظر للشاشة، ثم اتسعت ابتسامته بخبث: ـ أوبااااا… أمنية.

رفع إصبعه لوسام وهو يرد: ـ دقيقة وراجعلك يا نجم.


ابتسم وسام وهو ينظر إلى شريف بعد مكالمته مع أمنية، بينما الأخير يحاول إخفاء توتره الواضح خلف ضحكاته المعتادة.

قال وسام وهو يرفع حاجبه: ـ براحتك يا عم، خلصت أسرارك؟

أخذ شريف نفسًا عميقًا ثم اقترب منه بحماس طفولي: ـ يلا بينا.

قطب وسام حاجبيه: ـ على فين؟

فرك شريف يديه ببعضهما وهو يبتسم بخبث: ـ بص… أنا اقترحت على مونى بعد الشغل بتاعنا وبتاعهم نعمل حفلة صغيرة عندهم في المكتب للبت منى، بما إنها هتتجوز وتغور من وشنا بقى.

ضحك وسام: ـ طب وبالمرة يعني إيه؟

خفض شريف صوته قليلًا: ـ أنا هفاتح أمنية إني هتقدملها النهارده بصراحة… واتلككت بحوار منى ده عشان أفرحها وسطكو.

اتسعت عينا وسام فجأة، ثم قام من مكانه بسرعة واحتضنه بقوة: ـ ألف ألف مبروك يا حبيبي! يارب يتمملك على خير.

ضحك شريف وهو يربت على ظهره: ـ عقبالك إنت ومى يا رب.

ابتسم وسام دون أن يشعر، مجرد ذكر اسمها صار كافيًا ليضيء ملامحه: ـ يلا بينا نجيب البت منى.

رفع شريف إصبعه بتحذير: ـ بس سكتم بكتم… أوك؟

ـ أوك.

تحركا نحو مكتب منى، التي كانت منهمكة في ترتيب ملفاتها قبل الانصراف. ألقى شريف بعض الأوراق على مكتبها وأغلق الأقلام بعشوائية وهو يقول: ـ يلا يا بت يا سلعوة إنتِ.

رفعت رأسها باستغراب: ـ يلا إيه؟ هنمشي؟

قال وسام بابتسامة هادئة: ـ آه… وعايزينك في مشوار.

ضيقت عينيها بشك: ـ مشوار إيه؟

قال شريف وهو يمثل الجدية: ـ هنخطفك من عريس الغفلة يا أختي… يلا.

ضحكت منى وهي تجمع حقيبتها: ـ بس مش فاهمة حاجة.

ـ هتفهمي في السكة.

ركبت معهم سيارة وسام، والفضول يكاد يقتلها، بينما شريف يرفض الرد على أي سؤال. وبعد دقائق، وصلوا إلى المكتب الآخر.

بمجرد أن دخلت، اتسعت عيناها بدهشة.

المكان كله مزين بالشرائط والألوان، والأغاني الشعبية تصدح بصوت مرتفع، بينما يقف الجميع منتظرينها بابتسامات واسعة.

شهقت منى: ـ إيه ده؟!

أشار وسام إلى شريف: ـ شريف عاملك حفلة عشان زفافك… شوفتِ كان بيحبك قد إيه؟

امتلأت عيناها بالدموع فورًا: ـ ربنا يخليك يا شريف.

لوّح شريف بيده ساخرًا: ـ يكش يتمر… هههههه.

ثم بدأ يعرّفها بالجميع وسط الضحكات: ـ منة، وغادة، ومى، وأمنية، وممدوح، وسامح…

ابتسمت منى وهي تمسح دموعها: ـ أيوة عارفاهم… تسلموا بجد، بس ليه التعب ده؟

قال وسام بحنان أخوي: ـ وإحنا عندنا كام مونمون يعني؟

قفز شريف فوق أحد المكاتب فجأة، وأطفأ الأغاني وهو يطرق بيده على سطح المكتب كأنه طبّال محترف: ـ وانشالله تعمريهاااا… وعيالك يجروا فيهااا!

انفجرت البنات بالضحك والتصفيق وبدأن يرددن وراءه، بينما جذبت مى منى لترقص معها في المنتصف.

ـ وانشالله تعمريهااا!

ـ وعيالك يجروا فيهااا!

تعالت الضحكات أكثر، وشريف يزغرد بصوت مرتفع: ـ لولولولولولولولولولولييي!

شهقت أمنية من الضحك: ـ إيه المواهب دي يا أخي؟!

أشار إليها شريف بتحذير مضحك: ـ طب عشان طولتي لسانك… اسمعوا بقى هووووس!

ثم رفع يده بفخر: ـ أنا النهارده هروح أتقدم للبنت أمنية!

تجمدت أمنية مكانها، ثم احمر وجهها بعنف وسط صرخات البنات وزغاريطهن، بينما احتضنتها مى بقوة وهي تصرخ: ـ سمع هووووووس! وعشان مهيصناش لغادة كمان تبقى هيصة ثلاثية!

ضحك الجميع بجنون، وبدأوا يرقصون ويصفقون في كل اتجاه. حتى وسام، المعروف بهدوئه الدائم، جلس يضحك معهم ويصفق، بينما جذب شريف يده فجأة: ـ تعالى يا ويسو أوريهم التشكيل!

تراجع وسام بسرعة: ـ بس يا عم، بلا تشكيل.

قهقه سامح: ـ جدع يا ويسو، متسمعش كلامه.

أشار شريف إليه بغيظ: ـ يعني مش هترقص لأخوك؟

غمز وسام لسامح بخبث: ـ لما ييجي فرحك هرقصلك حاضر.

صرخت منة فجأة: ـ خلاص رقصنا شعبي وطبلنا كتير… تعالوا سلو بقى!

ثم شغلت أغنية "أنا قلبي دليلي"، فتحول الجو تدريجيًا إلى هدوء رومانسي دافئ.

دفعت أمنية منى نحو شريف: ـ خد ارقص معاها… عريسها مش هنا يلا.

تأفف شريف بمبالغة: ـ هو مفيش غيري يقع في نصيبها؟

ضحكت منى: ـ غصب عنك.

في تلك الأثناء، اقتربت منة من وسام ومدت يدها: ـ ترقص معايا يا ويسو؟

ابتسم بلطف: ـ أوك.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

بدأ الجميع يرقصون ببطء على أنغام الأغنية، بينما سامح يقف في الخلف يحتسي البيبسي ويضحك على المنظر كله.

رقص وسام مع منة لدقائق، لكنه كان شاردًا في اتجاه واحد فقط.

مى.

كانت تراقبه من بعيد بعينيها اللامعتين، حتى لم تعد قادرة على الاحتمال. اقتربت أخيرًا وهي تنظر إلى منة: ـ ممكن أنا شوية؟

ابتسمت منة رغم الغصة التي ضربت قلبها: ـ طبعًا… اتفضلي.

وضعت مى يدها في يد وسام، وفي اللحظة التي اقتربا فيها، بدا وكأن العالم كله اختفى.

راحا يرقصان ببطء، يبتسمان بلا وعي، وكأنهما وحدهما في المكان. كانت عيناه معلقتين بها بطريقة جعلت قلبها يكاد يذوب، بينما هي تضحك بخجل طفولي وتقترب منه أكثر.

أما منة… فكانت تراقبهما بصمت قاتل.

شعرت أن الغيرة تنهش قلبها ببطء، لكنها لم تتكلم.

وبدون أن ينتبه أحد، خرج وسام ومى إلى الكوريدور الهادئ، بينما الأغنية ما زالت تُسمع من الداخل.

تبعتهم منة بخطوات بطيئة، مختبئة خلف الجدار، تراقبهما والدموع تلمع في عينيها.

في الخارج، لفّ وسام مى نحوه برفق وهو يهمس مع الأغنية: ـ أنا قلبي دليلي… قالّي هيحبك.

ضحكت مى بخفة: ـ مش كده الأغنية.

ابتسم وهو ينظر داخل عينيها: ـ طب مانا عارف.

توقفت عن الرقص فجأة: ـ يعني… إنت بتقولي أنا؟

هز رأسه ببساطة: ـ أها.

فتحت فمها بذهول: ـ ورحمة أبوك وأمك؟!

ضحك رغمًا عنه: ـ أبويا وأمي عايشين يا هبلة.

صرخت فجأة وهي تتنطط حوله كطفلة مجنونة: ـ ويسووو بيحبني! ويسووو بيحبني!

ثم قفزت عليه تعانقه بكل قوتها: ـ بموت فيك يا وييييسووو!

وفي اللحظة نفسها، خرج صوت مكسور من خلفهما:

ـ إنت بتحبها؟

التفتا معًا.

كانت منة تقف هناك، الدموع تملأ عينيها، ووجهها شاحب كأن الحياة انسحبت منه.

أشارت إلى مى بيد مرتعشة: ـ بتحب… مى؟

ارتبكت مى فورًا: ـ منة… ماهو أنا…

لكن منة أطلقت صرخة موجوعة هزت المكان كله.

وفي الداخل، توقف الضحك والموسيقى دفعة واحدة.

هرع الجميع إلى الخارج… ليجدوها تسقط فاقدة الوعي أمامهم.


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (نور إسماعيل)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل