لسة اجمل يوم مجاش - الفصل 15 | نور إسماعيل

قراءة رواية (لسة أجمل يوم مجاش) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


لسة اجمل يوم مجاش - الفصل 10 - نور إسماعيل

رواية: (لسة أجمل يوم مجاش)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: (نور إسماعيل ) | الفصل: (15)


انتهى وسام من صلاة العشاء، ثم عاد إلى غرفته بهدوءٍ يحمل شيئًا من الراحة التي يتركها الدعاء في القلب. جلس أمام الحاسوب المحمول، وفتح حسابه على موقع التواصل الاجتماعي، وقد بدت على ملامحه حالة نادرة من الصفاء والرضا. كان يشعر بخفةٍ حقيقية، وكأن يومه أخيرًا قرر أن يمنحه هدنة صغيرة من التعب.

راح يكتب منشورًا بسيطًا، أراد به أن يشارك الناس مزاجه الجيد، لا أكثر. كان يبتسم أثناء الكتابة، حتى إنه تمتم لنفسه ساخرًا بأن الحياة ربما قررت أخيرًا أن تتركه وشأنه لبعض الوقت.

لكن، وكعادتها، لم تمنحه الدنيا فرصةً كاملة للفرح.

ظهرت أمامه فجأة نافذتان للمحادثة، كأنهما خرجتا من قلب الماضي دفعةً واحدة.

كانت الأولى من دنيا.

رسالتها جاءت مقتضبة، لكنها مثقلة بما يكفي ليفتح بابًا حاول طويلًا إغلاقه. أخبرته بأنها لا تطرق باب الذكريات لتعود، بل لتفهم فقط كيف استطاع أن ينساها، لعلها تتعلم منه طريقة النسيان وتنجو هي الأخرى.

أما الثانية فكانت من منة، وقد سألته سؤالًا بدا بسيطًا في ظاهره، لكنه أربكه بطريقة مختلفة. كانت تريد أن تعرف كيف يراها.

حدّق وسام في الشاشتين طويلًا، ثم أطلق زفرة عميقة وهو يفكر بسخرية مريرة أن الإنسان لا يُسمح له أبدًا بأن يفرح كاملًا، فلا بد أن تأتي الحياة بشيء يعكر صفوه، حتى ولو للحظات.

بدأ بدنيا.

تصلبت ملامحه وهو يكتب. الكلمات خرجت منه محملةً بكل ما دفنه منذ سنوات. أخبرها ألا تسأله هو عن النسيان، بل لتسأل الشقة التي جُهزت يومًا من أجل زواجهما، ولم ينقصها سوى أن يدخلاها معًا سعداء. لتسأل أموال قاعة الزفاف التي دفعت ثم استُردت بعدما انهار كل شيء، ولتسأل بطاقات الدعوة المطبوعة التي لم يذهب بها أحد إلى فرحٍ لم يُقم أصلًا.

كتب لها أيضًا أن تعود إلى خطاباته القديمة إن كانت ما تزال تحتفظ بها، لترى كم كان يحتاجها فعلًا، وكم تركته وحيدًا وسط كل ذلك. ثم ختم حديثه بمرارة أشد، حين أخبرها أن السبب الوحيد الذي فهمه متأخرًا، أنها رأت فيه رجلًا لا يستحق أن يشاركها حياتها ويصبح زوجها.

أغلق المحادثة بعدها بعصبية واضحة.

شعر للحظة بأن جرحًا قديمًا انفتح من جديد. تذكر سنواته الثقيلة بعد رحيلها، وكيف صار عاجزًا عن الاقتراب من أي علاقة، كأن قلبه توقف عند تلك اللحظة ولم يتحرك بعدها.

ظل صامتًا قليلًا، ثم مال برأسه للخلف وهمس باستغفارٍ خافت، يردد دعاء سيدنا يونس، وكأنه يحاول أن يطفئ نار الذكريات قبل أن تتمكن منه بالكامل.

بعد دقائق، فتح محادثة منة.

لكن ملامحه هذه المرة ارتخت، بل ضحك فعلًا وهو يكتب لها. أخبرها بأنها، رغم عمرها، ما تزال تبدو في عينيه طفلة صغيرة للغاية. شبهها بطفلة تقف في حديقة وقد ضاعت منها بالونتها، فجلست تبكي بحزنٍ بريء.

أكد لها أن الأمر ليس تقليلًا منها، بل إن صورتها داخله مرتبطة بالدلال والبراءة فقط، وكأنها خُلقت لتُعامل بحنان دائم. ثم أضاف مازحًا أن الله عوضه فيها بأخت صغيرة يستطيع تدليلها طوال الوقت.

أرسل الرسالة وهو يبتسم، ثم عاد إلى صفحته الشخصية وكتب منشورًا جديدًا:

أحيانًا نظل نبحث عن شيء معين، ثم نفاجأ بشيء آخر تمامًا ينادينا من بعيد... وكأن القدر يختار لنا طريقه بنفسه.

كان سعيدًا فعلًا تلك الليلة.

شغّل قائمة طويلة من الأغاني الهادئة؛ تنقل بين صوت عمرو دياب، وفيروز، وشيرين، وإليسا، تاركًا الموسيقى تملأ الغرفة بسكينة خفيفة. أخذ يتحدث مع أصدقائه بين حين وآخر، حتى ظهرت له رسالة من شريف يسخر فيها بأنه، رغم انشغاله، سيعرف غدًا ما المقصود بكل هذا الحديث عن القدر.

قرأ وسام الرسالة وانفجر ضاحكًا، ثم أرسل إليه رمزًا ساخرًا وردّ عليه بجملة قصيرة تحمل نفس روحه المستفزة المعتادة.

وبعد وقت، أغلق الحاسوب أخيرًا. أحضر المصحف، وقرأ بعض الآيات بصوت منخفض، حتى شعر أن روحه هدأت تمامًا، ثم استلقى لينام.

أما مي…

فكانت تعيش حالة مختلفة تمامًا.

كانت سعيدة بصورة تكاد تجعلها تطير من شدة الفرح. تركت شعرها منسدلًا بعشوائيته المعتادة، وشغلت الموسيقى في غرفتها، ثم أخذت ترقص وحدها بحماس طفولي، غير قادرة على التوقف عن استرجاع تلك الرقصة التي جمعتهما.

التفاصيل الصغيرة كانت تعني لها الكثير.

طريقة إمساكه ليدها، وكيف أسندها برفق، وأسلوبه المبالغ في الذوق والاهتمام… كل تلك الأشياء ظلت تدور داخل رأسها بلا توقف. صحيح أنه لم يقل شيئًا واضحًا عن الحب، لكنه منحها شعورًا جعل قلبها يزهر رغمًا عنها.

والغريب في الأمر أن مي نفسها لم تكن يومًا من الفتيات اللواتي يبحثن عن الارتباط. كانت تهرب دائمًا من أي شخص يحاول الاقتراب منها عاطفيًا، وكأن العلاقات عبء لا تريده.

لكن وسام…

كان استثناءً لم تفهمه بعد.

وربما الأيام وحدها كانت تملك الإجابة.

مرت الأيام التالية سريعًا، وتحولت المكالمات بينهما إلى عادة يومية. صار كلٌ منهما يحكي للآخر عن تفاصيله، عن أشياء لم يكن يتحدث عنها عادةً، حتى بدأت المناطق الغامضة بينهما تنكشف شيئًا فشيئًا.

وفي أحد الأيام، كان وسام في عمله يتحدث مع منى بشأن الشخص الذي تقدم لها.

أخبرته بأنها نفذت كل نصائحه، وأن إخوتها سألوا عن الرجل جيدًا، كما أنها تحدثت معه بصراحة عن كل شيء تقريبًا، حتى عن تجربتها القديمة وهروبها من كتب كتابها السابق، موضحة له أسباب ذلك.

أشاد وسام بصراحتها، مؤكدًا أن الوضوح أساس أي علاقة ناجحة، خاصةً في أمور الزواج.

سألته بعدها بقلق إن كانت الأمور تبدو مطمئنة، فأخبرها أن الوضع جيد جدًا، ثم سألها إن كانت قد صلت صلاة الاستخارة.

أجابته بأنها ظلت تصليها لأسبوع كامل.

ضحك بخفة، وأخبرها أن ثلاثة أيام كانت كافية، لكنه سألها بعدها عما شعرت به. وحين بدأت تتحدث عن الأحلام التي رأتها، قاطعها موضحًا أن الاستخارة لا تُبنى على الأحلام، بل على شعور القبول وتيسير الأمور.

اعترفت بعدها بأنها تشعر بالراحة فعلًا، لكنها طلبت منه طلبًا خاصًا.

أرادته أن يقابل الرجل بنفسه ويحكم عليه. قالت له إنها تثق برأيه أكثر من أي أحد، وأن إخوتها، رغم اهتمامهن، قد لا يستطعن تقييم الرجال جيدًا، أما هو فتعتبره أخاها الحقيقي، وكلمته ستكون الفيصل بالنسبة لها.

وافق وسام بهدوء، وطلب منها أن تحدد موعدًا مناسبًا في منزلهم.

وقبل أن يكمل حديثه معها، رنّ هاتف وسام بينما كان منهمكًا في بعض الأوراق داخل مكتبه، فالتقطه سريعًا بعدما لمح اسم مي يضيء على الشاشة. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة دون إرادة منه، ثم ردّ عليها بصوته الهادئ المعتاد.

ـ «إنتِ البريك بتاعك فاضل عليه قد إيه؟»

نظر إلى الساعة المعلقة أمامه قبل أن يجيبها:

ـ «يعني ربع ساعة كده.»

جاءه صوتها سريعًا، يحمل تلك الحيوية التي تقتحم يومه دائمًا دون استئذان:

ـ «طب أنا في الطريق لعندك… هتغدى معاك.»

رفع حاجبه وهو يضحك بخفوت:

ـ «أمر واقع يعني؟»

أصدرت صوتًا معترضًا وهي تتمادى بدلالها المعتاد:

ـ «شششش… بالأمر يا محترم.»

فضحك رغمًا عنه وقال بنبرة تمثيلية:

ـ «وهو كذلك يا فندم.»

ـ «أيوه… مبحبش أكرر كلامي أنا.»

هز رأسه وهو يضحك، ثم أغلق الهاتف بعدما أخبرها أنه سينتظرها بالأسفل.

ما إن انتهى وقت الاستراحة حتى نهض وسام من مكانه ونزل إلى الشارع، فوجد مي تقف أمام المبنى بانتظاره. كانت ترتدي نظارتها الشمسية، وشعرها منسدل بعشوائيته المحببة، بينما تقف وكأن المكان كله ملكٌ لها.

اقترب منها وهو يهز رأسه ساخرًا:

ـ «لا بجد… إنتِ بتيجي كده فجأة عادي؟»

ابتسمت وهي تسير بجواره:

ـ «أصل المفاجآت الحلوة مبتتقالش.»

أخذها إلى المطعم الذي اعتاد تناول الطعام فيه مع شريف ومنى. وبعد أن استأذن منهما بأنه سيتناول الغداء مع مي، لم يفوت شريف الفرصة بالطبع، وأطلق عدة تعليقات ساخرة جعلت مي تضحك بينما تجاهله وسام كعادته.

جلسا إلى الطاولة، فأعاد وسام ظهره للخلف وهو ينظر إليها.

ـ «تاكلي إيه؟»

هزت كتفيها بلا اهتمام:

ـ «اختارلي إنت.»

أومأ للجرسون بهدوء:

ـ «اتنين صدور مشوية وسلطات.»

ثم عاد ينظر إليها متعجبًا:

ـ «بس إيه المفاجآت دي؟»

ابتسمت بخبث وهي تضع ذقنها فوق كفها:

ـ «ما هو قلت يا عيني… من يوم الخروجة الوسامية المباركة وإحنا ماكلناش سوا. قولت أتعطف وأتكرم وآكلك معايا تاني.»

ضيّق عينيه وهو يضحك:

ـ «إنتِ هتاخديلنا على كده ولا إيه؟»

قهقهت وهي تشير لنفسها بثقة:

ـ «آه، عندك مانع؟»

اقترب قليلًا منها وهو يهمس ساخرًا:

ـ «طب اوطي صوتك شوية… الراديو ده مش صوت بنت.»

فتحت فمها بصدمة مصطنعة:

ـ «هو إنت مفيش حاجة عجباك فيا؟»

ضحك بقوة هذه المرة:

ـ «لأ.»

عقدت ذراعيها وهي تتمتم بتذمر:

ـ «وقاعد معايا ليه بقى؟»

رد فورًا دون تردد:

ـ «قلت غلبانة… تلاقي معاهاش فلوس تتغدى، واهي حسنة قليلة تمنع بلاوي كتير.»

حدقت فيه ثانيتين قبل أن تدوس الشوكة فوق يده بقوة.

انتفض متألمًا:

ـ «آه! يا ساتر… تاني!»

ضحكت حتى احمرت وجنتاها:

ـ «لا خلاص… تموت موته صغننة بس.»

تنهد باستسلام:

ـ «طيب يا ستي شكرًا.»

لكن ضحكتها هدأت فجأة، ومالت برأسها قليلًا وهي تعبث بطرف المنديل بين أصابعها.

ـ «عارف يا وسام… أنا بخاف من سيرة الموت أوي من بعد المرحومة ماما. بكره الموت حتى لو جه في الكلام.»

تغيرت ملامحه للحظة، ثم قال بهدوء صادق:

ـ «الله يرحمها.»

ساد الصمت بينهما قليلًا قبل أن يضيف بنبرة هادئة:

ـ «بس فكرة إنك تعيشي لوحدك دي غريبة يا مي… إحنا في مصر، وإنتِ بنت. المجتمع هنا مش بيحب الحكاية دي.»

ابتسمت بسخرية خفيفة وهي تهز كتفيها:

ـ «وأهي نفعت… داخلة على سنة كاملة قاعدة في شقة لوحدي ومحافظة على نفسي أهو.»

أومأ برأسه مفكرًا، ثم قال:

ـ «ماقولتش حاجة، بس كنتِ قعدتي مع باباكي. ده راجل زي السكر. ولو على مرات باباكي يعني… مش هتلسعك بالنار زي أفلام العربي. ده إنتِ تاكليها كمان.»

ضحكت رغمًا عنها، ثم تنهدت ببطء.

ـ «الفكرة مش في طنط… أنا من ساعة ما ماما ماتت مش عارفة أقعد مع بابا، رغم إنه صاحبي وحنين عليا.»

ثم صمتت قليلًا، وكأن الكلمات تثقل حلقها.

رفعت عينيها نحوه أخيرًا وقالت بصوت خافت:

ـ «ماما قبل ما تموت كانت اتصابت بانفصام ذهاني… بس هي مكانتش كده خالص، كانت أحسن مني ومنك.»

أنصت لها وسام بصمت كامل، بينما تابعت وهي تستعيد الذكرى المؤلمة:

ـ «كنا راجعين من أسوان… بابا كان سايق سبع ساعات تقريبًا وكان مرهق جدًا. وفجأة عملنا حادثة. رجله اتكسرت، وسهر دراعها اتكسر… وماما اتخبطت جامد في دماغها.»

خفضت عينيها وهي تكمل بصوت مرتجف:

ـ «أنا وقتها كنت في حضنها، عشان كده محصليش حاجة… ومن يومها وهي اتغيرت. بقت مش حاسة بالدنيا خالص.»

لمعت الدموع بعينيها وهي تتابع:

ـ «وبعد حب كبير بينهم… بابا بدأ يخونها. آه، فضل يصرف عليها ومهملهاش، بس كان بيدور على راحته بره. يمكن كان من حقه… بس مش وهي عايشة. حتى لو كانت مريضة، كان لازم يحترم إحساسها.»

اختنق صوتها أخيرًا، فأنزلت نظارتها الشمسية فوق عينيها سريعًا حتى تخفي دموعها.

لكن وسام مد يده فورًا، ونزع النظارة عنها وهو يضحك محاولًا تخفيف الجو:

ـ «إيه ده؟ بتحطي نضارة شمس جوه المحل؟ الناس يقولوا عليكي إيه؟ حمارة؟»

ضحكت وسط دموعها رغماً عنها، بينما اقترب منها يعدل خصلات شعرها المبعثرة فوق وجهها بأصابعه.

ـ «وكمان الأوصة دي متنَكشة ليه؟»

ارتجفت أعصابها تمامًا من قربه وطريقته الهادئة، بينما هو يكمل دون أن ينتبه لما يفعله بها.

مسح دموعها بأطراف أصابعه برفق، ثم قال بنبرة خفيفة:

ـ «الله يرحمها يا مي… ومتعيطيش بقى عشان شكلك بيبوظ، والمسكرة لما تسيح بتبقي شكل العووو…»

وقبل أن يكمل جملته، ضربته في كتفه وهي تضحك باكية في الوقت نفسه، بينما ابتسم هو أخيرًا بعدما نجح في انتشالها، ولو قليلًا، من حزنها الثقيل

ضحكت مي وسط دموعها، ثم أمسكت يد وسام فجأة وطبعت عليها قبلة مرتجفة. تجمد مكانه كأن تيارًا باردًا مرّ في جسده، واتسعت عيناه خلف نظارته في ارتباك واضح.

قال بخجلٍ متوتر: — «يا بنتي… إيه ده؟»

رفعت رأسها إليه، وعيناها لا تزالان تلمعان بالدموع، ثم تمتمت بصوتٍ مكسور: — «أصل… والله العظيم لمستك عامل زي ماما… حسّيت إني ببوس إيدها هي… أنا آسفة.»

ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة. خلع وسام نظارته سريعًا، ومسح عينيه بطرف أصابعه في ارتباك، ثم أعادها إلى مكانها وأخذ يرمش كثيرًا كأنه يحاول إخفاء تأثره.

قال بصوتٍ خافت: — «خلاص… خلاص، حصل خير.»

تأملته مي بحذر وسألته: — «زعلان؟»

هز رأسه وهو يتجنب النظر إليها: — «لا… خلاص. الأكل جه، يلا ناكل عشان ألحق شغلي وإنتِ ترجعي المكتب.»

جلسا أمام الطعام، لكن الصمت كان ثالثهما. وسام يأكل وعيناه معلقتان بطبقه، ومي تحاول التظاهر بأن شيئًا لم يحدث، رغم أن الخجل كان يلتهمها من الداخل.

مرّ يومان كاملان، ثم أخذت منى موعدًا مع العريس المنتظر، أنور. ذهب وسام ليقابله بدلًا من إخوتها، باعتباره الشخص الأقرب إليها والأكثر ثقةً عندها.

جلس الرجلان في المقهى يتبادلان الحديث الرسمي.

قال وسام بهدوء: — «طيب يا أستاذ أنور… منى أختي الصغيرة، والمفروض إخواتها الكبار هما اللي يتكلموا، بس هي فوضتني.»

ابتسم أنور باحترام: — «وده يزيدني شرف يا أستاذ وسام.»

أومأ وسام ثم سأله عن السكن والعمل، وكان أنور يجيب بثقة وهدوء. وفي أثناء الحديث، رن هاتف وسام.

نظر للشاشة فوجد اسم مي، فتنهد بخفة ثم رد: — «أيوة؟»

جاءه صوتها سريعًا: — «طب لما تخلص كلمني.»

— «حاضر… سلام.»

وما إن عاد للحديث حتى رن الهاتف مجددًا بعد دقائق.

— «نعم يا مي؟»

قالت بدلعٍ متصنع وهي تخنف صوتها: — «اخلص بقى، عايزة أحكي معاك شوية، وإنت طولت برة كده.»

ابتسم رغمًا عنه: — «طيب طيب… سلام.»

أنهى المقابلة أخيرًا، وتم الاتفاق على أن يكون كتب الكتاب والفرح في يومٍ واحد مع بداية الشهر الجديد. وما إن أعلن وسام الخبر داخل البيت حتى ارتفعت الزغاريد والضحكات، بينما هاتفه يرن للمرة الثالثة باسم مي، فاضطر لإغلاقه تمامًا.

على الجانب الآخر كانت مي تزم شفتيها بغيظ: — «بتقفل الفون؟ طب لما تيجي هأكلك مقص أخنفك بيه!»

وبعد ساعة عاد وسام إلى البيت. وما إن سمعت مي صوت خطواته حتى ركضت نحو الباب وفتحته بسرعة.

قالت وهي تعقد ذراعيها: — «كل ده؟»

ضحك وهو يدخل: — «والله كنت مع ناس… وإنتِ مش صابرة.»

— «طيب لما خلصت مكلمتنيش ليه؟ كنت هتيجي تنام وتسيبني ملطوعة طبعًا.»

أخرج هاتفه وهو يريها سجل المكالمات: — «بصي… أهو كنت هكلمك، هتلاقي فونك كان هيرن.»

لين قلبها قليلًا، ثم سألته بفضول: — «طيب كنت فين بقى؟»

— «هحكيلك حاضر.»

وفي اللحظة التي كان يبدأ فيها الكلام، هبّت دفعة هواءٍ قوية أغلقت باب شقتها بعنف خلفها.

تجمدت مي للحظة، ثم صرخت بفزع: — «يااااااااااااه! المفتاح جوه! هبات على السلم!»

نظر إليها وسام محاولًا كتم ضحكته: — «هتباتي ليه على السلم؟ استني بس…»

لكنها كانت قد بدأت بالصراخ والهلع: — «أعااااااا

تأفف وسام بضيقٍ مصطنع وهو ينظر إليها تتنقل أمام الباب كالقطة المذعورة، ثم قال ساخرًا:

— «اتسدي شوية جتك نيلة… هجيب سكينة أفتحهولِك.»

اندفع إلى الداخل وعاد بعد لحظات ممسكًا بسكين مطبخ صغيرة، ثم بدأ يحاول العبث بالكالون، بينما كانت مي تدفع الباب بكتفها من الداخل علّه ينفتح.

قال وهو يرمق قدميها العاريتين بنظرةٍ ماكرة: — «أحلى حاجة إنك طالعة حافية… يعني هتباتي حافية وكمان على السلم! مش قولت من الأول تتجوزي عم سليمان؟ مرضتيش… أهو كده إنتوا لايقين على بعض رسمي.»

رمقته بغيظ رغم توترها: — «اخلص يا خفة… يووووه بقى!»

ظل يحرك السكين بعنف داخل الكالون حتى انفتح أخيرًا دفعة واحدة، لكن السكين انزلقت من يده في اللحظة نفسها، وارتطمت بيد مي التي كانت تضغط الباب معه.

شهقت مي بقوة: — «آآآآآه! إيدييييي!»

تجمد وسام مكانه وقد سقطت ملامحه تمامًا.

— «أوباااا… أنا آسف والله!»

لم يكن الجرح عميقًا، لكنه نزف بغزارة، فزاد المشهد فوضى. راحت مي تنظر إلى الدم بعينين متسعتين كطفلةٍ مذعورة، بينما اقترب منها وسام بسرعة.

— «استني متتنطيش… والله ما أقصد، ثانية بس.»

ركض إلى الداخل وعاد بقطن وشاش، ثم أمسك يدها بحذر شديد، يجفف الدم عنها بأنامل مرتعشة. كان مرتبكًا على نحوٍ لم تره فيه من قبل، حتى بعد أن ربط الجرح ظل ممسكًا بكفها للحظة أطول مما ينبغي.

ثم، دون تفكير، رفع يدها ببطء نحو شفتيه… وقبّل موضع الجرح.

تجمدت مي بالكامل.

شعرت كأن قلبها توقف، ثم عاد يخفق بعنفٍ موجع. الحرارة صعدت إلى وجهها، وأنفاسها اختلت تمامًا، بينما كان هو يرفع عينيه إليها ويهمس بندمٍ صادق:

— «ألف سلامة يا مي… أنا آسف.»

نظرت إليه بعينين ضائعتين، كأن العالم كله اختفى فجأة ولم يبقَ سواه. ومن فرط ارتباكها، ومن دون أن تفكر حتى، خرجت الكلمات من شفتيها مرتعشة:

— «أنا… بحبك.»


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (نور إسماعيل)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل