تاريخ النشر: 17-5-2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل السابع والثلاثون
تم النشر الأحد
17/5/2026
شعر يوسف فجأة بثقل الكلمات التي قد تُقال، وبخوف من مواجهة الحقيقة التي قد تزيد من شعوره بالذنب أو الوجع. وفي لحظة دفاع عن النفس، وقبل أن ينطق أحد منهم بحرف، قرر الهرب من المواجهة.
يوسف بنبرة حاول جعلها تبدو طبيعية ومجهدة:
ـ حمد لله على السلامة.. جيتوا؟ طيب كويس.. أنا مهدود من جلسة النهاردة ومش شايف قدامي، داخل أنام مش عايز حد يصحيني لأي سبب.. تصبحوا على خير.
تحرك يوسف بسرعة نحو غرفته، متفادياً التقاء عينيه بعيني تامر أو ندى، وكأنه يغلق الباب خلفه ليس على غرفته فحسب، بل على كل الأخبار التي لا يقوى على سماعها الآن. وقف تامر ينظر في أثره بأسى، بينما تبادلت سميرة وندى نظرات الحيرة.
هتفت سميرة بهمس:
ـ شوفت يا تامر؟ يوسف هرب.. هو عارف إن الكلام هيوجعه فقرر يقفل على نفسه.
تامر بهدوء وهو يخلع سترته:
ـ سيبيه يا سميرة.. يوسف مش هربان مننا، هو هربان من نفسه. خليه دلوقتي يرتاح، والصبح لما الدنيا تنور والنفوس تهدى، هقعد معاه ونشوف هنرمم اللي انكسر ده إزاي. المهم دلوقتي محدش يدخل عليه ولا يفتح معاه سيرة لحد ما هو اللي يطلب.
في الزاوية الأخرى، كانت نور تراقب المشهد بذكاء، لاحظت هروب يوسف ولاحظت وجوم تامر وسميرة، وبدأت ملامحها تشي بأنها تفكر في استغلال هذا الهدوء لصالحها.
جلس تامر بجوار والده الحاج عدنان، وكان الصمت هو سيد الموقف للحظات. كانت نور تجلس في مكانها، تتابع كل شاردة وواردة بعينين لا تغفلان عن شيء، وكأنها تسجل كل رد فعل لتستخدمه لاحقاً.
قالت ندى بصوت منخفض:
ـ أنا هطلع أوضتي يا جماعة.. تصبحوا على خير.
وانسحبت بهدوء. في الوقت نفسه، استأذنت سميرة هي الأخرى وصعدت لترى أولادها وتطمئن عليهم بعد غيابها طوال اليوم في المستشفى.
خلت الصالة إلا من تامر ووالده، مع وجود نور التي ظلت تراقبهم في صمت حذر. بدأ تامر يقص على والده ما حدث في الزيارة؛ تكلم عن مقابلة جيهان الطيبة لهم، وعن اعتذارها لسميرة وعنه هو، ووصف الحالة الهادئة التي كانت عليها الغرفة.
لكن تامر تعمد تماماً ألا يذكر أي حرف مما قالته جيهان بخصوص يوسف، ولم يخبر يخبر والده أنها قالت "كل واحد في طريق". أراد أن يحافظ على بصيص الأمل عند والده.
رغم محاولات تامر لتجميل الصورة، إلا أن والده كان ينظر للفراغ أمامه بضيق وكأنه يرى الحقيقة بقلبه لا بأذنه. تنهد بعمق وقال بصوت يحمل مرارة:
ـ كلامك يطمن يا تامر.. بس يوسف النهاردة مش هو يوسف اللي أعرفه. من ساعة ما رجع من الجلسة وهو متبدل، كأنه شخص تاني خالص، كأنه انكسر أو استسلم لشيء ما. الهروب اللي هربه في أوضته ده بيقول إن اللي بينه وبين جيهان المرة دي مش سحابة صيف وهتعدي.. العلاقة دي شكلها مش هترجع بسهولة يا ابني.
ظل تامر واجماً للحظات، يفكر في وصف والده ليوسف بأنه أصبح شخصاً آخر. كان يدرك أن انكسار أخيه أمام نفسه هو أصعب مراحل الأزمة. أما نور، فكانت في عالم آخر؛ فكرة تغير شخصية يوسف وخضوعه أو انكساره لمعت في عقلها كفرصة ذهبية. ظنت أن هذا يوسف الجديد الضعيف قد يكون أسهل في السيطرة عليه، لكنها في الوقت نفسه نبهت نفسها لضرورة الحذر، فيوسف المكسور قد يكون متقلب الأطوار.
قطع تامر حبل الأفكار بصوته الهادئ وهو يقف:
ـ طيب يا بابا.. أنا هستأذنك أطلع أنام، ورانا بكره شغل كتير في الشركة ولازم أكون فايق. تصبح على خير.
وقف عدنان معه، وكأن ثقل الكلام أتعبه هو الآخر، وقال:
ـ وإنت من أهله يا ابني.. وأنا كمان هحصلك، مبقاش فيا حيل للقعدة.
صعد تامر ووالده الدرج، لتخلو الصالة تماماً لـ نور. جلست بمفردها، تسند رأسها للوراء، وعقلها يشرد في كيفية ترتيب أوراقها للفترة القادمة، وكيف ستتعامل مع يوسف وجيهان في هذا الوضع الجديد.
بينما كانت غارقة في تدبيرها، سمعت صوت وقع أقدام خفيفة على السلم. رفعت عينيها لتجد سميرة تهبط الدرجات مرة أخرى بعد أن صعدت منذ قليل.
تلاقت أعينهم، فنظرت لها نور بتعجب ملحوظ، ورفعت حاجبها وكأنها تسألها:
ـ إيه اللي منزلك تاني في وقت زي ده؟
كانت الصالة ساحة لتبادل النظرات الحادة قبل أن ينطق لسان سميرة، التي لم تعد تحتمل نظرات التحقيق من نور.
ردت سميرة بنبرة يملؤها الاستفزاز والثقة، وهي تواصل سيرها:
ًـ نظراتك دي وفريها لنفسك يا نور.. أنا حرة أطلع وأنزل في بيت حمايا وقت ما أحب، مانيش مقيدة الحركة علشان تتحكمي فيا أو تسألي بـ عينك أنا رايحة فين وجاية منين!
لم تنتظر سميرة رداً من نور، بل تجاهلت وجودها تماماً واتجهت مباشرةً نحو غرفة يوسف.
في تلك اللحظة، كان يوسف غارقاً في صمته، يجلس في الظلام وعقله يدور في حلقة مفرغة. كان قلبه ينزعج شوقاً وخوفاً على جيهان؛ يريد أن يطمئن عليها، أن يسمع صوتها، أو حتى يعرف أنها تجاوزت مرحلة الخطر.
لكن كبرياءه كان يقف كحائط سد. كلمات جيهان له بالأمس أمام الجميع، وصدها القاسي له، جرحت رجولته بشدة وجعلته يشعر بالهوان. ومع ذلك، لم يستطع لوم أحد سواه؛ فبينه وبين نفسه، كان يدرك أن هذا الضيق الشديد الذي يعتصره هو نتاج يده.
كان يعلم أن الشرارة الأولى لكل هذا الانهيار بدأت منذ اللحظة التي قرر فيها إدخال امرأة ثالثة إلى حياتهم، ظناً منه أنه يستطيع موازنة الأمور، لكنه وجد نفسه يغرق ويغرقهم معه، حتى خسر مأمنه وسنده الأول جيهان.
بينما هو غارق في تأنيب الضمير هذا، سمع دقة خفيفة على باب غرفته.. دقة عرف أنها ليست دقة تامر ولا والده.
فتحت سميرة الباب ببطء، ودخلت الغرفة وهي تحمل في عينيها مزيجاً من الشفقة والحذر. كان يوسف لا يزال جالساً في وضعيته تلك، والظلام يلف أركان المكان.
اقتربت منه بهدوء وقالت بصوت ناعم:
ـ يوسف.. أنا قُلت أسألك قبل ما البيت كله ينام، تحب أحضر لك لقمة تاكلها؟ إنت مأكلتش حاجة من ساعة ما جيت، وجلستك النهاردة كانت شديدة ومحتاج تتغذى علشان تقدر تقف على رجلك.
نظر لها يوسف نظرة سريعة ثم أشاح بوجهه بعيداً وقال باقتضاب:
ـ ماليش نفس يا سميرة.. سيبيوني في حالي دلوقتي.
لم تستسلم سميرة، بل جلست على طرف الكرسي المقابل له، وقررت أن تلمس الوتر الحساس بطريقة ذكية، فقالت وكأنها تتحدث مع نفسها:
ـ حقك.. النفس هي اللي بتأكل، والواحد لما بيبقى باله مشغول مبيعرفش يبلع لقمة. أنا حتى كنت لسه بقول لندى، البيت ده من غير جيهان مالوش طعم ولا ريحة، وحتى الأكل مالوش نِفس يتطبخ. البيت ناقصه عموده يا يوسف.
صمتت قليلاً تراقب رد فعله، فرأت يده ترتجف قليلاً فوق ركبته، فتابعت بحذر:
ـ أنا لسه راجعة من عندها.. وصراحة يا يوسف، رغم تعبها، بس كان شكلها يطمن النهاردة. وشها كان فيه نور، وكانت هادية قوي وهي بتسلم علينا وتوصينا على البيت والبنات.. هي غالية عند الكل يا يوسف، والكل شايل همها، وإنت أولهم أكيد، بس العتاب أوقات بيبقى سحابة وتعدي.
كان يوسف يستمع لكل كلمة بلهفة مكتومة، عيناه كانت تلمع في الظلام وكأنه يريد أن يسألها
ـ قالت إيه تاني؟ سألت عليا؟
لكن كبرياءه الذي جُرح بالأمس كان يمنعه من النطق، فظل صامتاً، لكن أنفاسه بدأت تتسارع، مما أكد لسميرة أنها أصابت الهدف.
كانت نور تقف خلف الباب، تحبس أنفاسها وتلصق أذنها بالخشب، تبتسم بخبث كلما شعرت بتردد يوسف. كانت تخشى أن تلين سميرة قلبه، لكنها شعرت بانتصار ساحق حين سمعت صوته المكسور وهو ينهي الحوار.
داخل الغرفة، كان الصراع ينهش في يوسف. أراد أن يمسك يد سميرة ويترجاها أن تحكي له كل تفصيلة، كل نظرة عين من جيهان، لكن صورة جيهان وهي تصده بالأمس كانت تمر أمام عينيه كالسياط. تراجع في اللحظة الأخيرة وقال بنبرة جافة:
ـ خلاص يا سميرة.. كتر خيرك. أنا فعلاً محتاج أنام، مش قادر أتكلم في أي حاجة دلوقتي.
نظرت إليه سميرة بيأس وحزن، فقد كانت تحاول جاهدة أن تفتح له باباً للعودة، لكنها وجدت أمامها رجلاً كبله كبرياؤه. تحركت بقلب ثقيل، وساعدته بهدوء حتى استلقى على سريره، ثم دثرته وغادرت الغرفة وهي مطأطأة الرأس. صعدت سميرة إلى غرفتها وهي تشعر أن البيت يتفكك من بين أيديهم.
بمجرد أن أُغلق الباب وساد الصمت، لم يعد يوسف قادراً على الصمود أكثر. الظلام من حوله ضاعف من شعوره بالوحدة والذنب. مد يده المرتجفة نحو هاتفه، وضغط على اسم كاميليا، وبدأ يكتب رسالة بكلمات متعثرة:
ـ كاميليا.. طمنيني عليها بالله عليكي. جيهان عاملة إيه دلوقتي؟ أنا عارف إنها مش عايزة تسمع اسمي، بس أنا مش عارف أغمض عيني ولا أرتاح وإنتوا بعيد.. قوليلي أي حاجة تبرد ناري.
أرسل الرسالة وظل يشاهد علامة "تم الإرسال"، وقلبه يخفق بشدة بانتظار رد قد يأتي وقد لا يأتي.
في سكون المستشفى، كانت كاميليا تجلس بجانب سرير جيهان، تراقب أنفاسها المنتظمة وهدوء ملامحها وهي نائمة، وتدعو لها بقلبها. فجأة، أضاءت شاشة هاتفها برسالة يوسف.
قرأت كاميليا كلمات يوسف المليئة بالانكسار والندم، ولمست فيها صدقاً لم تعهده منه مؤخراً. ابتسمت بمرارة وهي تنظر إلى شقيقتها، ثم إلى الهاتف، وقررت أن تعطيه خيط أمل لكن بحذر، فكتبت له ردها الذي يحمل في طياته شروط العودة:
ـ بخير يا يوسف، نايمة دلوقتي لو فعلاً عايز ترجعها وتستعيد مكانتك في قلبها، لازم تصبر وتتحمل. جيهان جرحها غويط ومش هيدبل في يوم وليلة. نصيحتي ليك كمل اللي بدأته.. ركز في علاجك وأقف على رجلك، علشان لما يجي وقت المواجهة تقدر تقف قدامها وتثبت لها إنك لسه الراجل اللي هي اتسندت عليه سنين. كمل علاجك يا يوسف، ده أول طريقك لرجوعها.
استلم يوسف الرسالة وقرأها أكثر من مرة. كلمات كاميليا كانت بمثابة طوق نجاة وقرصة أذن في نفس الوقت.
كانت تلك الكلمات من كاميليا هي الوقود الذي يحتاجه يوسف بشدة. لأول مرة منذ أيام، شعر أن هناك هدفاً حقيقياً وراء كل ألم يشعر به في جلسات العلاج الطبيعي. لم يعد الأمر مجرد محاولة للمشي، بل أصبح تذكرة عودة لقلب جيهان.
أطبق يوسف جفنيه بقوة وهو يحتضن الهاتف، وكأنه يخبئ فيه الوعد الذي قطعته له كاميليا. وفي تلك اللحظة، تحولت المرارة التي في حلقه إلى إصرار. قال لنفسه بيقين:
ـ هقوم يا جيهان.. وهقف على رجلي، وهرجعك لبيتك وليّا حتى لو كان الثمن إيه.
في هذه الأثناء، كان السكون قد خيّم على المنزل تماماً، لكن خلف الأبواب المغلقة، كانت النفوس لا تزال مستيقظة.
❈-❈-❈
أشرقت شمس يوم جديد يحمل في طياته روحاً مختلفة، وكأن رسالة كاميليا كانت كلمة السر التي أعادت ليوسف توازنه المفقود.
كان الجو العام هادئاً بشكل غير معتاد. جلس عدنان يراقب يوسف الذي كان يتناول إفطاره بصمت وسرعة، وبدا عليه تركيز شديد لم يره فيه منذ بدء الأزمة. تامر كان يراجع بعض الأوراق على الهاتف، وندى تستعد للذهاب لعملها وهي تودع والدها.
قبل أن ينهي الجميع إفطارهم، وقف يوسف وقال بصوت واضح وقوي:
ـ أنا جاهز يا تامر.. يلا بينا على الشركة، كفاية مشاريع معطلة لحد كدة، لازم نلحق اللي فاتنا.
نظر إليه تامر بدهشة ممزوجة بارتياح، فقد كان يتوقع أن يظل يوسف في غرفته منكسراً. هز تامر رأسه بالموافقة ووقف هو الآخر.
وقبل أن يخرج من الباب، التفت يوسف لوالده ولزوجاته كرسالة مباشرة لهم وقال:
ـ أنا هخلص شغل الشركة مع تامر، ومن هناك هطلع مباشرة على مركز العلاج الطبيعي.. الجلسة النهاردة مهمة ومش هفوتها.
ودّع الحاج عدنان أولاده بدعوات صادقة، بينما كانت نور تتابع هذا التغير المفاجئ من بعيد، تشعر بالقلق من استفاقة يوسف التي لم تكن تتوقعها بهذه السرعة.
انغمس يوسف في العمل مع تامر لساعات. كانت الملفات متراكمة، والمشاريع تحتاج لقرارات حاسمة. أظهر يوسف كفاءة لافتة، وكأنه يحاول إثبات لنفسه قبل الجميع أنه لا يزال يوسف القادر على الإدارة والتحكم، وأن مرضه وإصابة رجله لن يوقفاه.
كان تامر يراقبه من حين لآخر، ويشعر بالفخر لأن أخاه بدأ يستعيد نفسه، لكنه كان يخشى أن يكون هذا حملاً زائداً على طاقة يوسف الجسدية.
بعد ساعات من العمل المتواصل، نظر يوسف في ساعته وقال لتامر:
ـ أنا كدة خلصت المهم عندي يا تامر.. هتحرك دلوقتي على جلسة العلاج الطبيعي. ادعيلي.
وافق تامر على الفور، لكنه أصرّ على أن يقوم بتوصيله بنفسه إلى مركز العلاج الطبيعي قبل أن يعود هو لاستكمال بعض الأعمال العالقة، وقال ليوسف بلهجة أخوية حريصة:
ـ مش هسيبك تروح لوحدك وأنت لسه مجهد من شغل الشركة.. أنا هوصلك للمركز، وهخلص كام مشوار وارجعلك هناك بالليل علشان نرجع البيت مع بعض.
وافق يوسف بامتنان، وشعر أن وجود تامر بجانبه في هذا اليوم تحديداً يعطيه دعماً نفسياً كبيراً.
وصل يوسف إلى المركز، وكان التحدي الحقيقي قد بدأ. كانت الجلسة اليوم تتضمن تمارين مكثفة لتقوية العضلات ومحاولة التحميل على الرجل المصابة بشكل أكبر.
بدأ أخصائي العلاج الطبيعي الجلسة، وكان الألم ينهش في رجل يوسف مع كل حركة، والعرق يتصبب من جبينه. في لحظات الألم الشديد، كان يوسف يغمض عينيه، فتمتزج صورة جيهان وهي في المستشفى بكلمات كاميليا في الرسالة:
ـ لو فعلاً عايز تستعيد مكانتك.. لازم تصبر.
كان يضغط على أسنانه ويتحمل ما لا يطيقه بشر، مما جعل الطبيب يلاحظ إصراره الغريب اليوم ويسأله:
ـ إيه العزيمة دي يا يوسف؟ إنت النهاردة بتعمل مجهود مضاعف!
رد يوسف وهو ينهج بصعوبة:
ـ لازم أقف على رجلي يا دكتور.. مبقاش فيه وقت للضعف.
أكمل يوسف التمرين بعزيمة قوية، لكي يثبت لنفسه قبل أي شخص أخر أنه يستطيع العودة من جديد..
كما وعده، وصل تامر إلى المركز في الموعد المحدد، ووجد يوسف قد أنهى جلسته وجلس يرتاح قليلاً، والجهد بادٍ على وجهه لكن عيناه كانت تلمع بانتصار صغير.
ساعده تامر على النهوض والتوجه للسيارة، وطوال طريق العودة كان الصمت يلف المكان، حتى قطعه تامر قائلاً:
ـ أنا فخور بيك يا يوسف.. اللي عملته النهاردة في الشركة وفي المركز يثبت إنك لسه قوي. تفتكر بابا واللي في البيت هيصدقوا التغيير ده؟
نظر يوسف من نافذة السيارة وقال بشرود:
ـ المهم جيهان تصدق يا تامر.. هي دي اللي يهمني رأيها دلوقتي.
دخل يوسف وتامر إلى المنزل، وكان الإرهاق قد نال من جسد يوسف تماماً، لكن روحه كانت في حالة غريبة من الهدوء. اجتمعت العائلة حول مائدة العشاء، وكان والدهم يتصدر الجلسة وعيناه تتنقل بين ولديه، يشعر بفخر صامت بتلك الوقفة التي وقفها يوسف اليوم.
❈-❈-❈
مرت عدة أيام ويوسف يشعر بتحسن تدريجي في حالته؛ ففي كل صباح كان يتوجه إلى الشركة لينهي أعماله المتراكمة ويشرف على المشاريع التي تعطلت في الفترة الماضية. بعد انتهاء العمل، كان يذهب لإكمال جلسات العلاج الطبيعي بكل إصرار. وفي جلسته الأخيرة، فحصه الطبيب بعناية ثم قال له:
ـ النهاردة دي آخر جلسة لينا، والتحسن ممتاز.. بس أهم حاجة أسبوع كمان متتحاملش على رجلك خالص، ولو حسيت بأي وجع تيجي فوراً.
بعد عودته للمنزل، تناول يوسف العشاء مع العائلة في هدوء، ثم جلس يقضي بعض الوقت مع بناته. كانت الفتيات يشعرن بحزن شديد بسبب غياب والدتهن، ورغم محاولات الجميع للتخفيف عنهن، إلا أن مكانهن بجانب أمهن جيهان كان لا يعوضه أحد. كان يوسف يراقب ملامحهن الحزينة ويشعر بغصة في قلبه، مدركاً مدى الفراغ الذي تركه غيابها.
وقبل أن يخلد إلى النوم، أخرج هاتفه كعادته وأرسل رسالة إلى كاميليا ليطمئن على وضع جيهان.
كانت كاميليا تحرص على طمأنته كل ليلة، فكانت ترسل له رسائل تخبره فيها بآخر التطورات:
ـ اطمن يا يوسف، جيهان بدأت فعلاً في مرحلة العلاج الفيزيائي، والدكاتره مهتمين بحالتها جداً ومتابعينها لحظة بلحظة.
بينما في المستشفى، كانت جيهان في عالم آخر؛ فبرغم صمتها ورفضها للحديث عن يوسف، كانت تبذل مجهوداً شاقاً وفوق طاقتها في جلسات العلاج. لم يكن دافعها سوى رغبتها المشتعلة في العودة لبناتها مجدداً، فصورة بناتها وهن ينتظرنها كانت هي المحرك الوحيد الذي يجعلها تتحمل آلام العلاج الطبيعي وتضغط على نفسها لتقف على قدميها من جديد.
ظلت جيهان طوال هذه الفترة حبيسة أفكارها المُرّة؛ كانت تظن في قرارة نفسها أن يوسف قد قرر إقصاءها تماماً من حياته، خاصة بعد غيابه الطويل وعدم مجيئه لرؤيتها. ورغم أن عدنان وندى وسميرة وحتى تامر كانوا يتناوبون على زيارتها يوماً بعد الآخر ويدعمونها بكل قوتهم، إلا أن غصة غياب يوسف كانت تزيد من إصرارها على الاعتماد على نفسها فقط.
في صباح ذلك اليوم، كانت غرفة العلاج الطبيعي هادئة بشكل غريب، ولم يكن معها سوى الممرضة المتابعة لها. وقفت جيهان أمام القضبان الحديدية المتوازية، لكنها هذه المرة لم تمد يدها لتمسك بها كما اعتادت.
نظرت إلى المسافة القصيرة التي تفصلها عن نهاية الغرفة، وكأنها تنظر إلى حريتها المسلوبة. أخذت نفساً عميقاً، وشعرت بقلبها يدق بعنف خلف أضلعها. وضعت قدمها اليمنى ببطء، ثم أتبعتها باليسرى، وهي تشد جسدها بكل ما أوتيت من عزم.
في البداية، اهتزت ركبتها قليلاً وشعرت بوخز الألم ينهش عضلاتها، لكنها أغمضت عينيها واستحضرت صورة بناتها وهن يبكين شوقاً إليها، وصورتها وهي تعود لتدخل بيتها قوية كما كانت. تلك الصورة منحتها توازناً مفاجئاً؛ فرفعت رأسها بشموخ، وفردت ظهرها، وبدأت تخطو الخطوة الثانية ثم الثالثة دون أن تستند على حائط أو كتف أو عكاز.
كانت تسير وحدها، بجسد منهك ولكن بروح صلبة. كل خطوة كانت تمثل صرخة انتصار على الضعف، وعلى الخذلان الذي شعرت به من يوسف. نظرت إليها الممرضة بذهول وهمست:
ـ ما شاء الله يا مدام جيهان.. إنتِ بتتحركي لوحدك تماماً!
لم ترد جيهان، بل اكتفت بابتسامة باهتة يملؤها الكبرياء، وقد قررت في تلك اللحظة أنها لن تعود إلا وهي تقف على أرض صلبة، لا تدين فيها بفضل لأحد سوى إرادتها.
كانت كاميليا تقف خلف النافذة الزجاجية، تراقب المشهد بقلب يرتجف. حين رأت شقيقتها تخطو خطواتها الأولى بمفردها، دون سند أو عكاز، لم تتمالك دموعها التي انهمرت فرحاً وفخراً. كانت ترى في مشية جيهان ليس فقط تعافياً جسدياً، بل استرداداً لكرامة امرأة ظنت أن الدنيا خذلتها.
بسرعة، أخرجت كاميليا هاتفها وسجلت تلك اللحظة التاريخية؛ فيديو قصير تظهر فيه جيهان وهي تمشي بشموخ وإصرار في ردهة المستشفى. وبمجرد انتهاء التصوير، ضغطت على زر الإرسال ووجهته إلى يوسف.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

💖💖💖💖
لا بجد أنا مستفزه جدا هى جوازة سميره عليها مكسرات و جوزاة نور هى اللى وحشه ؟!!! و بعدين يعني خلاص سميره حلوه وعاوزه ترجع ضرتها ؟! الرواية قلبت فيلم كرتون