رواية جديدة ندوب مضيئة ليارا علاء الدين - الفصل الأخير - الثلاثاء 14/4/2026

تم النشر في: 14 أبريل 2026

 قراءة رواية ندوب مضيئة

 كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية ندوب مضيئة 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة يارا علاء الدين 


الفصل الأخير


تم النشر يوم الثلاثاء 

14/4/2026


الفصل السابق
انتهت ريم من محاضراتها في الكلية، وجمعت كتبها داخل حقيبتها قبل أن تغادر القاعة. كان الجو مشمسًا، والساحة أمام مبنى الكلية مزدحمة بالطلاب. وبينما كانت تمشي بخطوات هادئة نحو البوابة، فوجئت بشخص يقف في طريقها. رفعت رأسها، فإذا به عمها ممدوح، ملامحه جامدة ونظراته تحمل ذلك الكبرياء الذي لم يتخلَّ عنه رغم كل ما حدث.
– قال بصوتٍ أجش يحاول استعادة هيبته:
—ريم.. جئتُ لأقول إنني أقدر أنكِ لم تسلكي طريق المحاكم وأكتفيتِ بما حدث في مكتب المحامي.
أخفضت ريم عينيها قليلاً، ثم رفعت نظرها إليه بثباتٍ أدهشه وقالت:
—لم أفعل ذلك لأجلك يا عمي، بل لأجل والدي.. ثم أني لم أنسَ أنك من تولى أمري منذ طفولتي، وهذا هو الجميل الوحيد الذي منعني من مقاضاتك.
تنفّس ممدوح بضيق، وكأن كلماتها أصابت كبرياءه، ثم قال بلهجة جافة تشبه الأمر:
— على كلٍ، الحقوق المالية قد سُويت وانتهى الأمر.. والآن، حان وقت عودتكِ للبيت. وجودكِ بمفردكِ يسيء لسمعتي، ولا يليق بابنة أخي أن تعيش بعيداً عن كنف عائلتها.
أجابته بابتسامة باهتة تحمل قدراً من التحدي الصامت:
—لم يعد ممكناً أن أعود يا عمي، فقد بنيتُ حياتي في مكانٍ آخر.. وهناك حقيقة لم تخبرك بها عمتي، وهي السبب الحقيقي الذي جعلني أفرُّ من ذلك البيت.

وبعينين ثابتتين، حكت ريم لعمها كيف أن مروان هاجمها وحاول التعدي عليها، وكيف أن عمتها رأت المشهد بعينيها ولم تفعل شيئًا لتدافع عنها، بل فضّلت الصمت والتجاهل.
تغيرت ملامح ممدوح فجأة، واختفت نظرة الكبر لتحل محلها صدمة عنيفة هزت كيانه. اتسعت عيناه بغضبٍ جارف، وساد صمتٌ ثقيل قبل أن يقول بصوتٍ مبحوح:
— مروان؟! مروان فعل هذا ؟! وعمتك رأت ولم تخبرني؟!
قبض على يديه بقوة حتى ابيضت مفاصله، وتابع بلهجة حادة يملؤها الغضب على كرامته الجريحة:
— والله لأجعلنَّ كليهما يدفعان الثمن..
ابتسمت ريم ابتسامة صغيرة، لكنها كانت مليئة بالمرارة، ثم قالت بهدوء:
– شكرًا يا عمي... هذا يكفيني.
أدارت ظهرها وغادرت، تاركة ممدوح واقفًا في مكانه، يتأملها وقلبه يشتعل غضبًا بعدما أدرك أن السوس كان ينخر في بيته وهو لا يشعر!
2-
دخل ممدوح منزله، وجهه متجهم وملامحه مشتعلة بالغضب، وصوته يعلو وهو ينادي:
– مروان! تعال إلى هنا حالًا!
خرج مروان من غرفته متثاقل الخطوات، يحاول إخفاء توتره. ما إن وقف أمام ممدوح حتى انقض عليه الأخير بكلمات حادة:
– ريم حكت لي كل شيء! هل تجرؤ أن تنكر ما فعلت بحق ابنة عمك تحت سقف بيتي؟
ارتبك مروان، وحاول التملص:
– لا أعلم عما تتحدث يا أبي، ريم تبالغ دائمًا... ثم إنها هي من....
لم ينتظر ممدوح نهاية حديثه، فرفع يده وصفعه على وجهه صفعة قوية لأول مرة في حياته، جعلت مروان يتجمد مكانه، بينما دوّى صوت ممدوح:
– كاذب! أنت ..أنت لست رجلاً، أنت مسخٌ يحتاج أن يُربّى من جديد بعدما تجاوزت كل الحدود!
التفت ممدوح بجسده كله نحو صباح التي كانت تقف مرتعدة، وقد تراجع صوتها وتلاشت قوتها أمام ثورته. اقترب منها والشرر يتطاير من عينيه، ووجه إليها كلماتٍ كالسياط:
— أما أنتِ يا صباح.. فخيبتي فيكِ لا تقلُّ عن خيبتي في هذا الفاشل! كيف سمحتِ لنفسكِ أن تكوني شيطاناً أخرس؟ ترين المنكر بعينيكِ وتصمتين؟



حاولت صباح أن تنطق، لكنه قاطعها بحدةٍ أكبر:
—منذ هذه اللحظة، لستِ المسؤولة عن أي شيء في هذا البيت، لقد أفسدتِ الولد بدلالكِ الأعمى حتى ظن أن أعراض الناس لعبةٌ بين يديه، والآن ستحصدين ما زرعتِ.. أنتِ وهو!
صمتت صباح وقد تراجع صوتها من قوة صرخته. كان مروان يقف ساكنًا، كأن كل الكلمات التي قيلت للتو تنغرز فيه كسهام. لم يكن يدرك أن ما وصل إليه لم يكن سوى نتيجة لسنوات من الدلال المفرط؛ عمته التي لم تتزوج قط اعتبرته ابنًا لها، وأغدقت عليه كل شيء بلا حدود، حتى أصبح يرى نفسه فوق كل عقاب، وفوق كل مسؤولية. كانت نظراته المرتبكة تتنقل بين ممدوح وصباح، كأنه يواجه لأول مرة الحقيقة القاسية: أن هذا الدلال لم يكن حبًا يربيه، بل حبًا أفسده وأضاعه.

كانت هدى تقف في ركن الغرفة، تراقب المشهد بصمتٍ مذهول. لطالما حاولت أن تضع حدوداً لمروان، ولطالما حذرت ممدوح من انسياق الولد خلف دلال صباح ، لكن صوتها كان دائماً يُقمع، وصباح كانت تقف كحائط سدٍّ يمنعها من التدخل في أي شيء يخص مروان.

حين نطق ممدوح بالحقيقة، شعرت هدى وكأن جدران المنزل تنهار فوق رأسها. اقتربت بخطوات متثاقلة، ونظرت إلى مروان بنظرةٍ مزيجها القرف والوجع، ثم التفتت إلى صباح وقالت بصوتٍ يرتجفُ قهراً:
—أرأيتِ يا صباح؟ هذا هو البطل الذي كنتِ تدافعين عنه! كنتِ تمنعينني من كلمة توجيه واحدة، ها هو ، ينهش في عرض ابنة عمه اليتيمة تحت سقفنا!
ثم عادت بنظرها إلى مروان، وقالت بنبرةٍ قاطعة كالسيف:
—لطالما كنتُ أخشى عليكَ من نفسك، لكنني اليوم أخشى منك!

انهارت هدى باكية، ولم تكن دموعها شفقةً على مروان وحسب، بل كانت صرخة قهرٍ انفجرت بعد صمتٍ طويل؛ صرخة امرأة ظُلمت في أمومتها وفي بيتها، لتشهد اليوم انهيار كل شيء بسبب جبروت ممدوح وتسلط صباح الذي حوّل الابن إلى وحشٍ كسر هيبة الجميع.
3-

كانت ديما جالسة في غرفتها داخل فيلا الهاشمي، تحاول استيعاب كل ما مرّت به مؤخرًا. طرق آسر الباب ودخل بخطوات مترددة، وقال بنبرة هادئة:
– ديما، حمزة في الأسفل... يريد أن يتحدث معك.
تصلبت ملامحها للحظة، ثم نهضت بعصبية وهي تقول:
– لا أريد رؤيته، لكن... سأضع حدًّا لهذا الآن.
نزلت الدرج بخطوات سريعة، وعيناها تشتعلان غضبًا. ما إن رأت حمزة واقفًا في صالة الفيلا حتى قالت بحدة:
– ماذا تريد؟! لا تحاول الحديث معي، فلن أستطيع مسامحتك ولا العيش مع رجل كاذب!
اقترب حمزة خطوة، وصوته يخرج مرتعشًا:
– فقط أعطني فرصة أخرى، أعدك أن أصلح كل شيء.
ردت بعينين دامعتين وصوت يقطر مرارة:
– المجرمون إذا منحناهم فرصة، ارتكبوا جرائم أكثر. أنت اخترت الكذب، وأخفيت عني الحقيقة، فلا تطلب مني أن أسامحك الآن!
سكت حمزة، وصدره يعلو ويهبط، كأنه يحاول أن يجد كلمة تنقذ الموقف، لكن الصمت كان سيده. التفت ليغادر، ثم توقف فجأة، وعاد بنظره إليها، وقال بصوت حاسم مليء بالحزن:
– أنتِ طالق يا ديما.
ثم غادر بخطوات ثقيلة، تاركًا خلفه صدى كلماته التي انغرست في قلبها كالسهم. جلست ديما على مقعد قريب، ودموعها تتساقط، كأنها لم تتوقع أن تكون النهاية بهذه السرعة.
4-
كان آسر جالسًا في مكتبه بالشركة، ينظر إلى الملفات أمامه دون تركيز، حين فُتح الباب بعنف، ودخل عادل والده وملامح الغضب بادية على وجهه.

قال عادل بصوت مرتفع:
– هل جننت يا آسر؟! أحقًّا تركت لميس؟! أتدرك ما يعنيه هذا؟! لقد اتصل بي والدها الآن وأعلن فض الشراكة بيننا فوراً.. لقد دمرت مشروع العمر برعونتك! فأنت تعلم أن لميس لن تجعل هذا يمر مرور الكرام!
رفع آسر نظره بثبات، وعيناه تشعان بعناد غير مألوف:
– نعم، تركتها. ولماذا لا أسأل أنا: هل تدرك أنت ما فعلته بي حين أجبرتني على الارتباط بها؟! لقد فعلت ذلك فقط من أجل شركتك ومصلحتك، ولم تفكر في حياتي ولا قلبي.
اقترب عادل منه بخطواتٍ غاضبة وهو يضرب بيده على المكتب:
مصلحتي هي مصلحتك! الشركة الآن في مهب الريح، ونحتاج لشريكٍ جديد يضخ مبلغ مالي ضخم لإنقاذ الموقف، وأنت بكل بساطة تضحي بكل شيء من أجل أوهام!
لم يهتز آسر، بل ارتسمت على وجهه ابتسامة ثقة هادئة وهو يقول:
اطمئن يا أبي.. المشروع لن ينهار. لقد قامت ريم بالتواصل مع حازم السيد الذي تعمل معه، وقد أبدى موافقته الكاملة على الدخول معك كشريكٍ بديل وبشروطٍ أفضل مما كنت تحلم بها.
ساد صمتٌ مفاجئ، وتجمدت كلمات العتاب على شفتي عادل. سكنت ملامحه الغاضبة وحلّ مكانها ذهولٌ تام؛ فحازم باشا ثقله في السوق يزن أضعاف والد لميس. ابتلع عادل ريقه بصعوبة، فالمشروع الذي كان يخشى ضياعه بات الآن في أمانٍ أكبر، ولم يعد لديه حجة للرفض.
واصل آسر كلامه بصوت حاسم وهو ينهض من مكانه:
– أنا لم أختر الماضي يا أبي، لكنه انتهى. أمّا ما سيأتي من حياتي... فسأختاره بنفسي.
ثم نهض من مكانه، وأغلق الملفات أمامه دفعة واحدة، وأضاف:
يا أبي.. أنا أحترم حرصك على مصلحة العمل، لكن حياتي الشخصية حقٌّ لي وحدي. لقد قررتُ أن أتزوج ريم، وأردتُ أن أخبرك بنفسي بهذا القرار تقديراً لك، فأنا لا أبحث عن صدام، بل أبحث عن راحتي التي وجدتها معها.

استدار آسر وغادر المكتب بخطواتٍ متزنة، تاركاً والده في حالة من الذهول الصامت. جلس عادل على كرسيه ببطء، يشعر أن ابنه قد كبر حقاً، فلم يكن كلامه تمرداً صبيانياً، بل كان إعلان نضجٍ من رجلٍ يعرف ماذا يريد.

بدأ عادل يستعيد هدوءه، وعقله العملي بدأ يحلل الموقف بعيداً عن الانفعال؛ فوجود ريم الآن -بما قدمته من حلول ذكية وعلاقات قوية مثل حازم باشا- يجعلها إضافة حقيقية للعائلة وليس عبئاً عليها. أدرك عادل بمرور اللحظات أن ذكاء ريم وقدرتها على إنقاذ الموقف المالي قد يجعلها السند الأقوى لآسر وللشركة، وربما تكون هي الشخصية التي ستحافظ على استقرارهم أكثر مما كانت ستفعله لميس. تنهد بعمق، وبدأ يتقبل في داخله أن اختيار ابنه كان مبنياً على رؤية أعمق من مجرد العاطفة.
5-

جلست ريم خلف مكتبها الجديد في فرع الشركة الذي أصبحت مسؤولة عنه بالكامل، تتأمل المكان بفخر وسعادة. كانت أوراق العمل مرتبة أمامها، والابتسامة لا تفارق وجهها وهي تستشعر حجم النجاح الذي وصلت إليه بعد كل ما مرّت به من صعاب.

فُتح الباب بهدوء، ودخل آسر بخطوات واثقة، يحمل في عينيه نظرة إعجاب وارتياح. قال بابتسامة صادقة:
– مبارك يا ريم، تستحقين هذا المكان وكل ما حققتِه. أردت أن أكون أول من يبارك لكِ على المكتب الجديد والفرع بأكمله.
رفعت ريم نظرها إليه، وابتسمت بخجل:
– شكرًا يا آسر... كلماتك تعني لي الكثير.
اقترب أكثر، وصوته أصبح أكثر دفئًا:
– أريدك أن تعلمي أنني انفصلت عن لميس, ولم يعد لها وجود في حياتي!
اتسعت عينا ريم بدهشة، وقالت بصوتٍ خافت:
–أنا السبب!
هز رأسه نافيًا، وقال بحزم ممزوج بالعاطفة:
– لا، أنتِ لستِ السبب. أنا المخطئ... لأنني صدقت يومًا أن بُعدي عنكِ قد يكون في صالحنا. كنت أحمق حين استمعت إليكِ يوم طلبتِ مني أن أبتعد، بينما كان كل شيء داخلي يصرخ باسمك.
صمت لبرهة، ثم أردف بنبرة يملؤها الفخر:
–أتذكرين حين سألتكِ قبل أيام عن شريكٍ موثوق يمكنه الدخول في مشروعنا؟ في تلك اللحظة، كانت لميس قد بدأت بالفعل خطتها للانتقام، وجعلت والدها يفض شراكتنا ظنًا منها أنها ستكسرني بذلك.لكنني كنتُ أثق أن نظرتكِ للسوق أصبحت أعمق من الجميع.. وبفضلكِ أنتِ، وبترشيحكِ الذكي لحازم باشا، أُنقذتِ عائلتنا من فخٍ كان سيقضي علينا.وهذا ما جعل والدي يدرك أخيراً من هي ريم .
ثم مال نحوها قليلاً، وهمس بصدقٍ زلزل كيانها:
 لم يكن ينبغي أن أضيع لحظة واحدة من حياتي بعيدًا عنكِ...
أنتِ لستِ مجرد امرأة أحببتها، أنتِ الأرض التي أقف عليها، والنور الذي أبصر به طريقي بعد عتمةٍ طالت.
وجدتُ فيكِ ما ضاع مني، ووجدتُ في حُبكِ نفسي التي لم أعرفها قط!
توقف قليلاً، ثم اقترب منها وهو يقول:
—يقولون إن لكل إنسان نصيباً من اسمه، ونصيبي من اسمي أنني أَسرتُ روحي في محراب حبكِ، فما عدتُ أرى لغيركِ وجوداً، ولا لغير صوتكِ صدى.
صمت لبرهة، وعيناه تلمعان بصدق، ثم أكمل بصوتٍ يختلط فيه الرجاء والخوف:
– ريم... هل تمنحينني الفرصة لنبدأ من جديد؟ هل تتزوجينني؟
تجمدت ريم في مقعدها، كأن الزمن توقف عند هذه اللحظة. شعرت بقلبها يخفق بقوة حتى كادت تسمعه، وجف حلقها عن الرد. ارتسمت على شفتيها ابتسامة مرتعشة، ابتسامة تحمل كل الذكريات والآلام التي اجتازاها معًا.
لم تستطع الكلام، فاكتفت بالصمت، لكن عينيها كانتا تلمعان كأنهما تنطقان: "نعم، أريدك."
آسر قرأ الإجابة في نظراتها، وابتسم ابتسامة عميقة امتلأت بالراحة واليقين، كأنه وجد وطنه أخيرًا.

6-

كانت القاعة تتلألأ بأضواء ناعمة تعكس أجواءً مختلفة كليًّا عن أي فرح آخر؛ هدوء رقيق وسعادة خالصة تغمر كل زاوية. جلست ريم في مكانها الخاص بالعروس، ترتدي فستانًا أنيقًا بلون عاجي ناعم، ينسدل بخفة على جسدها، تتخلله تطريزات يدوية من خيوط فضية تعكس الضوء برقة، فيما كان وشاحها الشفاف ينساب على كتفيها كنسمة دافئة، وتزين وجهها ابتسامة صافية كأنها زهرة تفتحت أخيرًا بعد موسم طويل من الألم.
حين عدلت وشاحها، لمعت القلادة على صدرها، تحمل معها كل الحكايات التي قادتها إلى هذا اليوم. شعرت بدفء يملأ قلبها، وكأن الراحلين حاضرون، فابتسمت لأنها أدركت أن كل ما مضى كان الطريق إلى هذه البداية.
وقف آسر أمامها، مرتديًا بدلة رسمية أنيقة بلون أسود فخم، وربطة عنق داكنة تزيده وقارًا. كانت ملامحه مشعة بسعادة لا حدود لها، وكأنه يملك العالم بين يديه. وحين لمحت عيناه القلادة تتلألأ على صدرها، تذكر أنها كانت الخيط الأول الذي جمع قصتهما، والرمز الذي شهد على كل ما مرّ بينهما حتى وصلا إلى هذه اللحظة.

من بعيد، وقفت سناء تتابع المشهد، عيناها تتلألآن بدموع الفرح، وقلبها مطمئن. شعرت وكأن الحمل الذي أثقلها طويلًا قد زال، فقد وجدت ريم مكانها الآمن أخيرًا، ورأت ابنها آسر مبتسمًا كما لم يبتسم من قبل.

وعلى مقربةٍ من العروسين، كان عادل الهاشمي يقف بوقاره المعهود، يتبادل التحايا مع المهنئين بابتسامةٍ تحملُ فخراً لم يعتده منه أحد، وكأنه أدرك أخيراً أن ريم لم تكن مجرد اختيار لقلب ابنه، بل صارت الورقة الرابحة التي أعادت لشركته هيبتها، فاستحقّت أن تتربع اليوم على عرش عائلته بجدارة!
وفي زاوية من القاعة، جلست ديما على كرسي أنيق، ملامحها أكثر إشراقًا بعد أن استعادت بصرها. اقترب منها حمزة بخطوات مترددة، ثم قال بصوت هادئ يحمل رجاءً خفيًا:
– هل تسمحين لي بالجلوس؟
ابتسمت ديما ابتسامة خجولة، وهزت رأسها موافقة:
– تفضّل.
تبادلا نظرات قصيرة صامتة، لكنها حملت ما يكفي من الأمل لعله يمحو المسافات بينهما.
وفي زاوية أخرى، كان يحيى يقف بكامل أناقته، وقد بدت عليه ملامح الارتياح والزهو بفرح أخيه. كانت حلّته السوداء المختارة بعناية تُضفي عليه وقاراً لافتاً، بينما كان يتبادل أطراف الحديث مع صديقه آدم بابتسامةٍ لم تفارق ثغره.
ضحك آدم وهو يعدل من هندام يحيى بمداعبةٍ أخوية قائلًا:
—تبدو اليوم وكأنك العريس المنتظر يا يحيى.. لم أركَ بهذا الانشراح منذ أمد بعيد.
ابتسم يحيى ابتسامةً هادئة، ونظر نحو آسر وريم في سعادتهما، ثم رد بجدية هذه المرة:
—فرحة آسر هي فرحتي يا آدم.. شعوري اليوم لا يوصف، وكأن غمةً انزاحت عن صدورنا جميعاً.
ربت آدم على كتفه قائلاً بمرح:
—إذاً، ما دامت الغمة قد انزاحت، ألم يحن الوقت لنفرح بك أنت أيضاً؟ 
تنهد يحيى بعمق، ونظر بعيداً وكأنه يرى شريطاً من الذكريات التي لم تكتمل، ثم قال بصوتٍ خفيض:
—لا أظن أن ذلك سيكون قريباً يا صديقي.. فالطريق نحو قلبي لا يزال طويلاً.
وقبل أن يسترسل آدم في مزاحه، لمح فتاةً تتقدم نحوهما بخطواتٍ متعثرة يسكنها التردد. كانت فرح، تقف بجمالها المنكسر وعينيها اللتين تحملان في طياتهما اعتذاراً صامتاً.
تنحنح آدم بوقار، وانسحب بهدوء تاركاً لهما تلك المساحة التي يملؤها العتاب.
وقفت فرح أمامه، تفرك يدها بتوترٍ بدد ثقتها المعهودة، ثم رفعت نظرها إليه بابتسامةٍ شاحبة وقالت بصوتٍ مرتعش:
كيف حالك يا يحيى؟
تبادلا نظرةً طالت لثوانٍ، حملت في طياتها عتاباً قديماً وأملاً وليداً، قبل أن يبتلع ضجيج الفرح ما تبقى من كلمات!
وعلى الجانب الآخر من القاعة، وقف ممدوح محاطاً بعائلته، يشكلون حلقةً بدت متماسكة من الخارج، لكنها كانت تغلي بالصراعات من الداخل. كان ممدوح يقف بظهره المفرود ورأسه المرفوع، يوزع الابتسامات الرسمية التي لم تستطع مواراة كبريائه المتأصل؛ فلطالما آمن أن زفاف ريم اليوم هو امتدادٌ لاسم عائلته وليس استحقاقاً شخصياً لها، فكان ينظر إليها بنظراتٍ يمتزج فيها الفخر المتعالي برغبةٍ مكتومة في الاعتذار لم ينطق بها لسانه القاسي قط.
أما مروان، فقد كان يقف بجانبه وعيناه تلاحقان ريم بحقدٍ دفين لم تطفئه الصدمات؛ كان يرى في نجاحها وتألقها إدانةً صريحة لفشله، وصورةً حية لما خسره بغبائه، فكان يبتسم ابتسامةً صفراء تظهر بالكاد، بينما قلبه يحترق غيظاً من تلك الفتاة التي كانت يوماً ضحيته وصارت الآن سيدة أحلامه المستحيلة.
ولم تكن صباح بأفضل حالٍ منه، فقد كانت تراقب ريم من خلف نظراتها الحادة، وتقبض على حقيبتها بقوة وكأنها تقبض على جمر. كانت تبتلع مرارة الهزيمة وهي ترى ريم تتحرر من قيودها, فكلماتها كانت تخرج مقتضبة، مسمومة، لا روح فيها!
وحده وجه هدى كان يشعُّ بنورٍ حقيقي؛ كانت تقف بينهم كزهرةٍ نبتت في أرضٍ صلبة، وعيناها تلمعان بدموع فرحٍ صادقة لا شائبة فيها. كانت تبادل ريم النظرات بحنانٍ أمومي افتقدته ريم طويلاً، وتدعو لها في سرها بصوتٍ لم يقطعه حقد ابنهما ولا جبروت عمتها. كانت هدى تشعر أن نجاح ريم هو ثأرها الشخصي من كل القهر الذي عاشته، وبرهاناً على أن النور لا بد أن يهزم الظلام في النهاية.
وعلى مقربة من صخب الاحتفال، وقف كريم وحيداً في زاويةٍ هادئة، يراقب المشهد بعينين يملؤهما مزيجٌ غريب من الرضا والحسرة. كان يرتدي حُلةً كلاسيكية أنيقة، لكن ملامحه كانت تحمل ثقلاً لا تدركه الأضواء المحيطة به.

نظر نحو ريم وهي تتألق بجانب آسر، وتنهد بصوتٍ خفيض لم يسمعه أحد. دارت في عقله تلك الظنون التي حبسها طويلاً خلف جدران صمته؛ فلو أنه لم يتردد، ولو أنه لم يترك للوقت فرصة ليسرقه، لربما كان هو الواقف هناك الآن يشاركها هذه اللحظة. كانت الفجوة العمرية بينهما هي القيد الذي كبّل خطاه، والخوف من الرفض كان الضباب الذي حجب عنه الرؤية، فجعل التردد يفقدُه أغلى ما كان يتمنى.

ابتسم بمرارة وهو يرى ضحكة ريم الصافية، ثم أغمض عينيه للحظة وكأنه يودع آخر خيوط الأمل التي تعلقت بروحه، وتمتم لنفسه بنبرةٍ صادقة نابعة من عمق نبله:
— "لقد تأخرتُ كثيراً.. والتردد دائماً ما يسرق منّا أجمل الفرص. لكنكِ يا ريم خُلقتِ لتكوني هكذا.. محاطةً بالفرح الذي يليق بكِ، فليسعَد بكِ مَن فاز بقلبكِ.. وداعاً يا حكايتي التي لم تبدأ.

ضجّة القاعة من حولهما تلاشت، تحولت إلى همهماتٍ بعيدة لا تعنيهما، وكأن العالم انكمش فجأة ليصبح بمساحة الخطوتين اللتين تفصلانه عنها.
اقترب آسر منها حتى لم تعد بينهما سوى أنفاسهما المتسارعة، أمسك كفيها برقة وكأنه يمسك أغلى ما ملكت يداه يوماً، ثم انحنى ليهمس في أذنها بصوتٍ خفيض:
—هل تعلمين يا ريم؟ كنتُ في كل ليلةٍ مضت، أغمض عينيّ وأتخيلكِ هكذا.. بفستانك الأبيض، كأنكِ الزهرة الوحيدة في بستان قلبي، لكن الواقع الليلة أجمل من كل خيالاتي، لأنكِ لستِ فقط عروسي، بل أنتِ انتصاري الوحيد في هذه الدنيا.
رفعت ريم عينيها إليه، وكان بريقهما يشي بفيضٍ من المشاعر التي حبستها طويلاً خلف جدران كبريائها، وأجابت بنبرةٍ دافئة :
—لقد كنتَ أنتَ الملاذ يا آسر.. حين كان العالم كله يضيق بي، كنتَ السند الذي لم أكن أظن أنني سأجده يومًا, والضوء الذي يلوح لي من بعيد ليخبرني أن الرحلة تستحق العناء.
تحسست القلادة التي تطوق عنقها بأصابع مرتعشة، وتابعت:
 هذه القلادة لم تعد ذكرى للماضي وحده، بل صارت ميثاقاً بأن آتي إليك بكل انكساراتي، فأجد في صدرك وطناً أستطيع أن أكون فيه كما أنا، بلا أقنعة وبلا خوف.
لم يستطع آسر المقاومة، فرفع يدها وطبع قبلةً طويلة وهادئة على كفها، وعيناه لا تحيدان عن عينيها، وقال بعهدٍ قاطع:
أعدكِ يا ريم.. أن أبني لكِ بين ذراعيّ مأمنًا يحجب عنكِ قسوة الأيام، وأن يكون قلبي مستقركِ الذي لا يتسع لسواكِ. لقد انتهى زمن الوجع، وأنتِ الآن حصادي الأغلى من هذه الدنيا.
صمت لحظة قبل أن يهمس بكل ذرة فيه:
أحبكِ فوق ما تصف الكلمات، أنتِ انتهاءُ السعي، ومستقرُّ الروح الذي لا أرجو بعده شيئًا.
ابتسمت ريم ابتسامةً أضاءت وجهها أكثر من أضواء القاعة، وشعرت في تلك اللحظة أن كل وجعٍ عاشته كان ثمناً بخساً مقابل هذا الأمان الذي يغمرها الآن.
ومع انطفاء آخر أنوار القاعة، لم يتبقَّ من ضجيج الأمس إلا الصمت الذي يتلو الانتصار. لم يكن زفاف آسر وريم مجرد نهاية لقصة حب، بل كان برهاناً أبدياً على أن الحق مهما طال اغترابه، لا بد أن يجد طريق العودة لصاحبه.
 لقد تحولت جروح الأمس إلى ندوب مضيئة، تحمل بين طياتها حكايات عن القوة والصبر. في تلك الليلة، كان وعدًا جديدًا للحياة، صفحة بيضاء يخطّ عليها الجميع بداية مختلفة، مليئة بالأمل والنور.

 *تمت بحمدالله*
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة يارا علاءالدين، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل