بيت الضراير - الفصل 24 | فاطمة الزهراء

 

قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 


الفصل الرابع والعشرون

تم النشر الأربعاء 

1/4/2026



نظرت جيهان للأطباء بذهول، تجمعت الكلمات في حلقها وأبت أن تخرج من فمها، فظلت تنظر إلى وجوههم بعيونها الزائغة عسى أن يجيبها أحد ويطرد هذا الكابوس عن عقلها. تقدم أحد الأطباء نحوها، وحاول أن يتحدث بنبرة هادئة ورصينة ليهيئها للخبر، ثم نطق بالكلمة التي وقعت عليها كالصاعقة: 

لقد اضطروا لبتر قدمها.

في تلك اللحظة، أطلقت جيهان صرخة مدوية هزت أركان الغرفة، صرخة حملت كل وجع العالم ويأسه. حاول الأطباء جاهدين تهدئتها، لكنها كانت في حالة انهيار تام، وفور فشلهم في السيطرة على صدمتها، اضطروا لإعطائها مهدئاً قوياً حتى لا تتعرض لانهيار عصبي قد يودي بحياتها، لتستسلم جيهان لغيبوبة قسرية وهي تئن.

خرج الأطباء من الغرفة بوجوه واجمة، والتف حولهم الجميع. تحدث الطبيب بأسف:

ـ هي محتاجة وقت كبير.. الحادثة كانت قوية جداً، وموضوع بتر القدم صعّب الأمر عليها نفسياً وجسدياً.

تسمّر يوسف في مكانه، وشعر وكأن الأرض تميد به. نظر للطبيب بصدمة حقيقية، وكأنه لم يسمع جيداً، وسأله بصوت مرتعش:

ـ إنت قلت إيه؟ بتر إيه؟! جيهان رجلها مبتوره؟

أومأ الطبيب برأسه وقال بجدية:

ـ للأسف يا أستاذ يوسف، اضطررنا لبتر قدمها لأنها تعرضت لضرر كبير وتفتت في العظام والأنسجة، ومكنش فيه أي حل تاني لإنقاذ حياتها.

في هذه اللحظة، ساد صمت موحش في الممر، لم يقطعه سوى شهقة كاميليا التي انهارت باكية، ونظرة يوسف التي تحولت من الصدمة إلى شعور هائل بالذنب والكسرة، وهو يتذكر أنه كان السبب في خروجهما في هذا اليوم .

نظر يوسف حوله بضياع تام، وكأن الكلمات التي سمعها قد سحبت الهواء من رئتيه؛ كان يشعر أن العالم ينهار فوق رأسه. بضعف شديد، طلب من تامر مساعدته للعودة إلى غرفته، فجسده لم يعد قادراً على حمل صدمة إضافية وهو على هذا الكرسي المتحرك.

في هذه الأثناء، ظلت كاميليا متسمرة في مكانها أمام باب العناية المركزة، جسدها يرتجف وعيناها لا تفارقان الباب الذي خلفه شقيقتها المحطمة. خرجت ندى إليها، وضمتها وهي تحاول تهدئتها، رغم علمها اليقين أن الكلمات في هذه اللحظة لا قيمة لها ولن تعيد ما فُقد. طلبت ندى من كاميليا أن تذهب معها لغرفة يوسف لتستريح قليلاً، لكن كاميليا رفضت بشدة وهي تبكي، وأخبرتها أنها لن تتحرك من هنا ولن تترك شقيقتها وحدها أبداً.

تركتها ندى على مضض واتجهت إلى غرفة شقيقها لتطمئن عليه، وما إن وصلت حتى وجدت حركة غير عادية؛ حيث وصلت قوات الشرطة في ذلك التوقيت الصعب. بدأ الضباط في فتح محضر والتحقيق مع يوسف حول ملابسات الحادث، وسألوه عن تفاصيل المطاردة ومن الذي كان يحاول اعتراض طريقهم.

بدأ يوسف بسرد ما حدث بصوت واهن ومتقطع، فأخبر الضابط عن تلك السيارة الغامضة التي كانت تلاحقهم وترصدهم منذ لحظة مغادرتهم للشركة، وكيف استطاع بمهارته في القيادة أن يتجاوزها ويهرب منها، قبل أن يتوجهوا إلى موقع المشروع. وأضاف أن الأمور بدت هادئة حتى انتهوا من عملهم واستقلوا السيارة للعودة، وهنا انقلبت الأحداث رأساً على عقب ووقعت الكارثة.

قاطعه الضابط بجدية وهو يدون الملاحظات، ليخبره بمعلومة لم تكن في حسبانه:

ـ بناءً على المعاينة الأولية، التلاعب اللي حصل في السيارة تم وأنتوا موجودين في موقع المشروع، مش قبل كدة. وعايز أبلغك إننا قدرنا نقبض على واحد من الأشخاص المشتبه فيهم في مكان الحادث.

ساد صمت ثقيل في الغرفة قبل أن يسأله الضابط مباشرة:

ـ هل بتشك في حد معين يا أستاذ يوسف؟ حد له مصلحة في التخلص منك أو من المدام؟

نظر يوسف إلى الفراغ بمرارة، ورغم النيران المشتعلة في صدره، إلا أنه أجاب بالرفض؛ فهو في هذه اللحظة لا يملك دليلاً قاطعاً ولا يعلم حقاً من هو العقل المدبر وراء هذه المصيبة التي دمرت حياتهم.

أغلق الضابط دفتره واستعد للمغادرة قائلاً:

ـ تمام.. أنا هسيبك ترتاح دلوقتي، وهنرجع في وقت تاني علشان ناخد أقوال المدام جيهان لما حالتها تسمح. وأي تطورات جديدة في التحقيق أو مع الشخص المقبوض عليه هبلغك بيها فوراً.

غادر الضابط الغرفة، ليبقى يوسف وتامر وندى في مواجهة صمت خانق، حيث بدأت الشكوك تنهش عقل يوسف: 

من هو ذلك الشخص الذي تجرأ على تتبعهم وتخريب السيارة في موقع العمل؟ وكيف سيخبر جيهان أن الشرطة ستأتي لاستجوابها وهي في هذه الحالة المحطمة؟

بعد أن غادر رجال الشرطة غرفة يوسف، اتخذ تامر قراره الصعب؛ فلا يمكنه إخفاء الأمر أكثر من ذلك عن العائلة، خاصة وأن الوضع أصبح يفوق قدرته على التكتم. التفت إلى ندى وتحدث معها بهدوء شديد، مراعياً حالة يوسف السيئة الذي كان يرقد في شبه غيبوبة من الصدمة والألم، وأخبرها أنه سيذهب للمنزل ليضع والده وزوجات شقيقه في الصورة.

قبل أن يرحل، توجه تامر نحو غرفة العناية المركزة، فوجد كاميليا مازالت جالسة أمام الباب، جسدها منحنٍ وروحها منكسرة. نظر إليها بحزن وهو يعلم يقيناً أن كلمات المواساة لن تخفف عنها شيئاً في هذه اللحظة، فاقترب منها وأخبرها بصوت منخفض أنه سيذهب للمنزل لبعض الوقت ويعود إليها سريعاً.

ركب تامر سيارته واتجه نحو منزل عدنان القاضي. وبمجرد أن توقفت السيارة أمام الباب، ظل جالساً خلف المقود لفترة، يأبى الدخول. كان الصراع ينهش عقله: 

كيف سأنطق بهذه الحقيقة؟ وهل سيتحمل والدي العجوز خبراً كهذا؟

❈-❈-❈

في النهاية، استجمع شتات نفسه ودخل للمنزل بخطوات ثقيلة. وبمجرد أن خطت قدماه الصالة، رأى الخادمة والمربية، فطلب منهما فوراً وبنبرة حازمة أن تأخذا الأولاد وتصعدا بهم إلى الطابق الأعلى، حرصاً منه على ألا يشعر الصغار بشيء أو يسمعوا ما سيُقال من أخبار قد تفزع قلوبهم الصغيرة.

كان تامر يقف أمام والده وهو يشعر بثقل الجبال في حلقه، الكلمات كانت ترفض الخروج، بينما كان عدنان القاضي يتابعه بنظرات حادة ومترقبة، وكأن قلبه قد أخبره بالفعل أن هناك كارثة وقعت. لم يستطع عدنان الصبر أكثر، فسأله بنبرة يملؤها القلق والخوف:

ـ إيه الحكاية يا تامر؟ وفين أخوك وجيهان وكاميليا؟ وليه موبايلاتكم كلكم مقفولة من امبارح؟

حاول تامر أن يتماسك، واقترب من والده محاولاً تهدئته قبل أن ينطق بالحقيقة المرة، وبدأ يسرد له تفاصيل الحادثة الأليمة وما آلت إليه الأمور. كانت سميرة ونور تقفان وتستمعان لحديث تامر بصدمة شديدة، فالفاجعة كانت أكبر من أي توقع، خاصة خبر بتر قدم جيهان الذي نزل عليهن كالصاعقة.

بعد أن انتهى تامر من سرد الأحداث، خيّم صمت ثقيل وموجع على المكان. وقف عدنان بتعب شديد، وكأن السنين قد تكالبت عليه في لحظة واحدة، ونظر لابنه تامر وطلب منه بلهجة آمرة يغلفها الانكسار أن يأخذه فوراً للمستشفى لرؤية ابنه وابنة أخيه. لم تتردد سميرة ونور في الذهاب معهم، وركب الجميع السيارة وهم يشعرون بخوف شديد مما ينتظرهم هناك.

عند وصولهم للمستشفى، صعدوا إلى الطابق الذي يقبع فيه يوسف. تقدم عدنان بخطوات مثقلة وفتح باب الغرفة، وما إن وقعت عيناه على يوسف حتى التقت نظراتهما؛ فنظر يوسف لوالده بحزن شديد وكسرة لم يعهدها فيه من قبل. اقترب عدنان منه وضمه بقوة إلى صدره وهو يحمد الله على سلامة ابنه، لكنه في الحقيقة كان قلبه يتمزق من الداخل من أجل جيهان التي ضاع مستقبلها في لحظة.

دخلت سميرة ونور خلف عدنان، ووقفتا تنظران إلى يوسف بحزن شديد وتأثر، وهما لا تزالان تحت تأثير صدمة الخبر الذي سمعه تامر في المنزل.

حاول عدنان التماسك قدر الإمكان وهو يرى انكسار ابنه، فأخذ يمسح على رأسه ويهدئ من روعه بكلمات خافتة يحاول فيها التخفيف عن كاهله المثقل بالذنب، لكن عقل عدنان كان معلقاً بتلك التي فقدت قطعة من جسدها.

التفت عدنان لـ تامر وطلب منه بلهجة حزينة أن يأخذه لرؤية جيهان. تحرك معه تامر نحو غرف العناية المركزة، وعندما وصلا، وقعت عينا عدنان على كاميليا الجالسة وحيدة في الخارج، وقد بدت وكأنها كبرت عشر سنوات في ليلة واحدة.

اقترب منها عدنان بخطوات مثقلة، ووضع يده الحانية على رأسها. رفعت كاميليا رأسها ببطء، ونظرت إليه بعيون غارقة في الدموع والأسى، ونظرت إليه بعيون غارقة في الدموع والأسى، وما إن رأت ملامح عمه حتى انفتحت جراحها من جديد. في تلك اللحظة، لم يجد عدنان ما يواسيه بها سوى أن يضمها إليه بقوة، محاولاً تهدئة شهقاتها التي كانت تمزق صمت الممر.

همس عدنان في أذنها بصوت يحمل وعداً صادقاً رغم كل الألم:

ـ اهدي يا بنتي.. اهدي يا كاميليا. جيهان بنتي زي ما هي أختك، وحقها مش هضيعة. أوعدك إني هعمل كل اللي في استطاعتي، وهلف بيها الدنيا كلها علشان ترجع أحسن من الأول.. مش هنسيبها يا بنتي.

كانت كلمات عدنان بمثابة القشة التي تتعلق بها كاميليا، بينما كان تامر يراقب المشهد من بعيد بقلب يعتصره الألم على حال عائلته التي تشتت في غمضة عين.

قرر عدنان ألا يترك ابنة أخيه في هذه المحنة، وصمم على البقاء بجانبها حتى لا تشعر للحظة واحدة أنها وحيدة أو أن مصابها قلل من مكانتها لديهم. وفي تلك الأثناء، رأوا الطبيب يقترب نحوهم بملامحه الجادة، فوقف عدنان سريعاً رغم تعبه ليسأله بلهفة عن حالة جيهان وما ينتظرها.

أجابه الطبيب بنبرة هادئة يحاول فيها توضيح حجم الكارثة:

ـ يا حاج عدنان، المدام حالياً تحت تأثير الصدمة النفسية العنيفة، وده طبيعي جداً بعد اللي مرت به. هي محتاجة وقت طويل ومساندة كبيرة منكم علشان تقدر تتقبل الحقيقة اللي واجهتها، الموضوع مش بس جسدي، ده نفسي بالدرجة الأولى.

تركهم الطبيب ودخل إلى غرفة العناية ليطمئن على علاماتها الحيوية، فوجدها قد استيقظت بالفعل. كانت جيهان فاتحة العينين، لكنها كانت تنظر إلى سقف الغرفة بفراغ موحش، ولم تبدِ أي رد فعل تجاه وجوده. حاول الطبيب التحدث معها بلطف، وسألها إن كانت تشعر بألم أو تريد شيئاً، علّها تجيبه أو تخرج من صمتها الجنائزي، لكنها لم تنطق بحرف. كانت تدور في عقلها فكرة واحدة قتلت رغبتها في الحياة: 

لقد انتهى مستقبلها، وكل ما خططت له تحطم تحت إطارات تلك السيارة اللعينة.

نظر إليها الطبيب بأسى، ثم أخبرها بقرار نقله لها:

ـ مدام جيهان، حالتك الجسدية استقرت بما يكفي، وعلشان كدة هنقلك لغرفة عادية في المساء عشان تكوني وسط أهلك، وده هيكون أفضل ليكي.

حتى مع هذا الخبر الذي يعني خروجها من خطر العناية، لم تحرك جيهان ساكناً، ولم ترمش حتى بعينيها؛ فبالنسبة لها، لا فرق بين جدران العناية وبين أي مكان آخر، طالما أنها فقدت جزءاً من جسدها للأبد.

خرج الطبيب من الغرفة، فاستقبله عدنان بلهفة: 

ـ طمنا يا دكتور، جيهان عاملة إيه؟

أجاب الطبيب بهدوء: 

ـ الحمد لله، الحالة استقرت وهنقلها لغرفة عادية حالاً.

تنهد عدنان وكاميليا براحة، وأسرع تامر لغرفة يوسف: 

ـ يوسف، أبشر.. جيهان خرجت من العناية ونقلوها غرفة عادية.

انتفض يوسف على سريره رغم ألمه: 

ـ طب يلا.. ساعدني يا تامر، لازم أكون جنبها، مش هسيبها لوحدها وهي في الحالة دي.

هنا تدخلت نور بلهجة حملت غيرة واضحة لم تستطع مداراتها: 

ـ تروح فين بس يا يوسف؟ إنت مش شايف حالتك؟ إنت محتاج راحة، والزيارة أصلاً هتتعبها وتتعبك.

نظر إليها تامر وندى بغيظ شديد، ورد يوسف بحدة: 

ـ نور، أنا مش هقعد هنا ومراتي محتاجالي!

حاولت نور الدفاع عن نفسها بارتباك: 

ـ أنا.. أنا قصدي مصلحتك مش عايزة جرحك يفتح.

في الزاوية الأخرى، كانت سميرة تراقب نور بنظرات نارية؛ كانت تموت وترى جيهان وكاميليا، لكن فكرة ترك نور مع يوسف بمفردهما كانت تمنعها. قالت ندى بحسم: 

ـ خلاص يا جماعة، أنا هروح مع تامر ونطمن عليها أول ما تستقر في أوضتها هاجي أقولك يا يوسف.

ذهبت ندى وتامر، وبالفعل كانت جيهان تخرج على "الترولي" بوجهها الشاحب، مشوا خلفها بصمت حتى وضعوها على سرير الغرفة. التفتوا حولها، عدنان وكاميليا وندى وتامر، والكل يريد أن يتكلم، لكن جيهان سبقتهم بنظرة غامضة وغريبة، وهمست بصوت ميت:

ـ اخرجوا بره.. سيبوني لوحدي.

هتف عدنان بحنان وهو يقف جوارها: 

ـ يا بنتي إحنا جنبك، مش هنقدر نسيبك وانتي..

جيهان مقاطعةً بحدة وألم: 

ـ قلت مش عايزة أشوف حد! لو سمحتوا اخرجوا!

تدخل الطبيب بسرعة: 

ـ يا جماعة بلاش ضغط، هي محتاجة راحة تامة، وأي انفعال دلوقتي خطر عليها. من فضلكم اخرجوا وسيبوها ترتاح.

خرجوا جميعاً والكسرة تملأ قلوبهم، بينما ظلت جيهان داخل الغرفة، تنظر للفراغ الذي تركه بتر قدمها، وكأن العالم كله انتهى عند تلك النقطة.

خرج الجميع من الغرفة وبداخلهم ألمٌ يعتصر قلوبهم؛ لم يكن وجعهم من كلماتها القاسية أو طردها لهم، بل من تلك الحالة المنكسرة التي وصلت إليها جيهان القوية. توجه تامر بخطوات ثقيلة إلى غرفة يوسف، وقبل أن يسأله الأخير بلهفة، أجابه تامر بهدوء زائف:

ـ يوسف، جيهان نامت دلوقتي.. الدكاترة عطوها مهدئ ومحتاجة ترتاح.

كان تامر يخشى أي مواجهة بينهما في هذه اللحظة، فكلاهما في حالة نفسية هشة، وأي توتر جديد لن يكون في صالح أحد. في هذه الأثناء، قررت سميرة أخيراً الذهاب لرؤية جيهان، فوجدت عدنان وكاميليا يقفان أمام الباب بملامح يكسوها اليأس.

سألتهم سميرة بنبرة حاولوا أن تكون هادئة: 

ـ إيه يا حاج عدنان، جيهان عاملة إيه دلوقتي؟

التفتت إليها كاميليا، وكانت عيناها تشتعلان بقهراً وحزناً، فلم تستطع كتمان وجعها وقالت بكلمات لاذعة:

ـ اطمني يا سميرة.. روحي طمني نفسك إنتي وضرتك، لو كان فيه أمل زمان إن يوسف وجيهان يرجعوا لبعض، فبعد الحادثة دي كل شيء انتهى.. أختي خلاص انكسرت.

صُدمت سميرة من قسوة الكلمات، وقالت بصوت منخفض وحزين: 

ـ يا كاميليا أنا جاية أطمن عليها بس، مكنش قصدي..

انسحبت سميرة وغادرت الممر وهي تشعر بغصة في حلقها؛ فرغم قسوة ما سمعته، إلا أنها تدرك أن كاميليا تنطق بالحقيقة التي أجمع عليها الكل الآن.. جيهان انتهت.

عاد الصمت ليخيم على الممر، ونظرت كاميليا إلى باب الغرفة بإصرار. حاول عدنان منعها برفق قائلاً: 

ـ يا بنتي سبيها ترتاح، الطبيب قال بلاش ضغط، وأنا خايف عليها تتعب أكتر لو شافت حد.

لكن كاميليا حسمت الأمر وهي تضع يدها على مقبض الباب، وقالت بدموع وعناد:

ـ مش هسيبها يا عمي.. حتى لو هي طلبت ده، جيهان محتجاني دلوقتي أكتر من أي وقت فات، وأنا مش هسمح لها تواجه الوجع ده لوحدها.

أومأ لها عدنان برأسه وقال بنبرة هادئة: 

ـ خلاص يا بنتي، خليكي جنبها.. أنا هروح أوضة يوسف أطمن عليه وأرجعلك تاني.

لكن كاميليا لم تكترث لحديثه، ولم تلتفت خلفها؛ فكل ذرة في كيانها كانت معلقة بتلك الجسد الهامد القابع على السرير.

دخلت كاميليا الغرفة بخطوات مترددة، يسبقها خوفها من رد فعل شقيقتها. كانت جيهان مستلقية بهدوء مخيف، عيناها غائرتان وكأنها فقدت جمالها وبريقها وكل شيء في لحظة واحدة. وقبل أن تفتح جيهان فمها لتطردها أو تعترض، استجمعت كاميليا قوتها وقالت بحزم ممزوج بالدموع:

ـ مش هخرج يا جيهان.. حتى لو دي رغبتك، أنا مش هسيبك لوحدك في الغرفة دي مهما حصل، فوفري مجهودك وما تطلبيش مني أمشي.

لم ترد جيهان، بل ظلت تنظر للفراغ بصمت مطبق. جلست كاميليا بجوارها، وبدأت تحاول التخفيف عنها بكلمات خافتة، تمسح على يدها السليمة وتحدثها عن الصبر، علّها تلمح منها أي استجابة. قطع هذا الهدوء صوت طرقات خفيفة على الباب، قامت كاميليا لتفتحه، فوجدت تامر يقف أمامها وبيده كوب قهوة وبعض الساندوتشات.

نظر إليها تامر بعطف وقال بصوت منخفض:

ـ خدي يا كاميليا.. لازم تاكلي حاجة وتسندي طولك، إنتي مأكلتيش صنف من امبارح، ومش هتقدري تقفي جنبها وإنتي ضعيفة كدة.

أخذت منه الطعام بصمت وشكرته بنظرة عين متعبة، ليتركهم تامر ويغادر الممر عائداً لغرفة يوسف، تاركاً الشقيقتين في مواجهة ذلك الصمت الثقيل الذي لا يقطعه إلا صوت أنفاس جيهان المتعبة.


يتبع...

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة  فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة


إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل