رواية جديدة ندوب مضيئة ليارا علاء الدين - الفصل 14 - الثلاثاء 31/3/2026

 

 قراءة رواية ندوب مضيئة

 كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية ندوب مضيئة 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة يارا علاء الدين 


الفصل الرابع عشر 


تم النشر يوم الثلاثاء 

31/3/2026



جلست ريم على حافة سريرها، يداها متشابكتان في حضنها، وعيناها تتابعان شاشة الهاتف وكأنها تنتظر خبرًا سيغيّر مجرى حياتها. كانت قد اعتذرت لعمها في الصباح بحجة أنها متعبة وغير قادرة على الذهاب إلى العمل، ووعدته بأنها ستعود غدًا بكامل نشاطها.


لم يمضِ وقت طويل حتى ظهر الإشعار المرتقب: رسالة من آسر، تتضمن موقعًا مُرسلًا على الخريطة. شعرت بقلبها يطرق صدرها بعنف. قامت من مكانها سريعًا، تناولت حقيبتها الصغيرة التي كانت قد أعدتها مسبقًا، وكل حركة تقوم بها كانت ممزوجة بارتباك وخوف خفي.


وقفت أمام المرآة لبرهة، لم تُطِل النظر إلى وجهها، كأنها تخشى أن ترى فيه ملامح التردد، ثم سارت نحو الباب بخطوات هادئة، تتأكد أن البيت خالٍ كما اعتادت في هذا الوقت من اليوم.

قبل أن تفتح الباب الأمامي، رفعت رأسها إلى السماء وهمست بدعاء قصير:

– يا رب، لا تجعل مروان في الأسفل, واكفني شرّه.

فتحت الباب ببطء، أرهفت سمعها للحظات، ثم نزلت الدرج بخفة كمن يهرب من ظلاله. وما إن تجاوزت البوابة حتى أسرعت الخطى نحو أول سيارة أجرة مرت أمامها .

جلست في المقعد الخلفي، وعيناها على الطريق أمامها، بينما قلبها يردد:

– هل أنا أفعل الصواب؟ أترك البيت... والأهل الوحيدين الذين أعرفهم؟

لكن السيارة انطلقت، حاملة معها كل ترددها نحو الموقع الذي أرسله آسر، حيث ينتظرها فصل جديد من حياتها.


وبعد دقائق توقفت السيارة أمام المبنى المشار إليه في رسالة آسر، تنفست ريم بعمق وهي تنظر إلى العنوان على الهاتف لتتأكد أنها وصلت إلى المكان الصحيح. ما إن رفعت رأسها حتى رأته واقفًا هناك، مسندًا ظهره إلى السيارة، وكأنه ينتظرها منذ زمن.

توقفت في مكانها للحظة، كأن المفاجأة شلّت حركتها، ثم تقدمت نحوه بخطوات بطيئة. تبادل معها نظرة سريعة، لكنها حاولت أن تُخفي ارتباكها قائلة ببرودٍ مصطنع:

– لم أكن أعلم أنك ستكون هنا.

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

– أردت أن أكون موجودًا لأرى الشقة معكِ، وأتأكد أن كل شيء سيناسبك.

لم تجبه، واكتفت بالنظر نحو البناية حيث كان البواب بانتظارهم. صعدوا الثلاثة إلى الطابق الخامس، ودخلوا الشقة. كانت الشقة فسيحة ومضاءة جيدًا، ألوان جدرانها فاتحة. توقفت ريم عند الشرفة، وأحست بأن المكان يلامس شيئًا من قلبها.

قال البواب وهو ينظر إلى آسر:

– إذا كانت الشقة مناسبة، يمكننا إنهاء الإجراءات الآن يا هانم.

ابتسمت ريم بخجل، ثم أومأت برأسها:

– نعم، أعجبتني كثيرًا, اتفقنا

تهللت أسارير البواب وارتسمت على وجهه ابتسامه عريضة لم يستطع إخفاءها، وهو يحسب في عقله العمولة المجزية التي سيقبضها من وراء هذه الشقة الفاخرة، انحنى قليلاً بامتنان وهو يتمتم بكلمات الشكر والدعاء لها بالبركة، ثم استأذن وانصرف مسرعاً وكأنه يخشى أن تتراجع في قرارها!


 وبمجرد أن تحرك، التفتت ريم إلى آسر بجدية:

– من فضلك، انزل الآن... لا يصح أن نبقى في مكان واحد وحدنا.

عبس آسر قليلًا وقال:

– لن أنزل قبل أن أفهم ما الذي جرى، وما الذي غيّركِ بهذا الشكل؟

اشتعلت ملامحها غضبًا، لم تستطع أن تُمسك نفسها، فهتفت بحدة:

– أنت هنا لماذا أصلًا؟ أليس من المفترض أن تكون مع خطيبتك الآن؟

تراجع خطوة إلى الوراء، عينيه اتسعتا بصدمة:

– من أخبرك بهذا؟

رفعت يدها مقاطعة:

– ليس مهمًّا كيف عرفت. المهم أن تبتعد عني... وأن تنساني من هذه اللحظة. أنا لا أستطيع أن أكون سببًا في خراب علاقتكما.

قال بحزن لا يخفى عليها:

لكني ارتبطت بها قبل أن تعودي إلي!

قاطعته بصرامة:

– حتى لو حدث ذلك, هي لا ذنب لها. نحن يجب نبتعد يا آسر.

صمت آسر، وكأنه فقد الكلمات. ظل ينظر إليها طويلًا، وعيناه تمتلئان بأسئلة لا يُقال نصفها. وأخيرًا، أطرق رأسه وقال بصوت مبحوح:

– معكِ حق.

ثم خطا نحو الباب ببطء، وكأن كل خطوة يضعها تبتعد به عن حلم ظلّ يطارده منذ سنوات. كان يعلم أنه يترك خلفه قلبه، لكنه في الوقت نفسه كان يتخذ قراره النهائي: لن يقترب منها بعد الآن، ولن يسمح لمشاعره أن تدفعه لظلم لميس أو لجرح ريم من جديد. سيضع بينهما المسافة التي تحميهما معًا، حتى وإن كانت تلك المسافة هي الشيء الوحيد الكفيل بتمزيقه هو.

2-


دخلت صباح إلى البيت وهي تحمل أكياس المشتريات، تتوقع أن تجد ريم كعادتها في غرفة المعيشة. نادتها بصوت عالٍ:

– ريم! أين أنتِ؟ تعالِ لتحملي عني الأكياس فهي ثقيلة جدًا!

لم يأتِها رد. فتقدمت نحو غرفة ريم بغضب, وفتحت الباب لتجد المشهد الذي جعل قلبها ينقبض: الدولاب مفتوح على مصراعيه، والأرفف خالية إلا من بقايا أشياء متناثرة.

أفلتت الأكياس من يدها، ووضعت كفّها على فمها في صدمة، ثم التقطت هاتفها بسرعة واتصلت بممدوح، صوتها يرتجف:

– ممدوح، تعال فورًا! ريم ليست في البيت... والدولاب فارغ!

لم تمضِ دقائق حتى وصل ممدوح، دخل مسرعًا إلى الغرفة، ينظر حوله بقلق، وقال:

– ماذا جرى هنا ياصباح ؟

أجابت وهي تلهث من الخوف:

– لا أدري... تركتها منذ ساعات نائمة في غرفتها، والآن لا أثر لها. كل أغراضها اختفت!

أطرق ممدوح رأسه متفكرًا، ثم رفع نظره إليها بحدة:

– هل تعتقدين أنها تركت البيت حقًا؟

هزت رأسها بعصبية:

– أظن ذلك! وأشك أن الأمر يتعلق بذلك الشاب... آسر ابن سناء. 

شد ممدوح على قبضته وقال بعزم:

- معكِ حق. لن أسكت عن هذا الموضوع. سأعرف أين ذهبت!

❈-❈-❈


3-


دخل آسر إلى مكتب والده عادل بخطوات هادئة، وعيناه تحملان بريق قرارٍ حاسم. كان عادل جالسًا خلف مكتبه، يُقلّب بعض الأوراق بضيق، وحين رأى ملامح ابنه رفع رأسه وقال:

هل حدث جديد يا آسر؟ هل تراجع الشريك الآخر عن قرار الانسحاب أم لا يزال مُصراً؟

هز آسر رأسه بأسف وهو يجلس أمام المكتب:

-للأسف يا أبي، الرجل مصرّ على موقفه والانسحاب نهائي.

في الحقيقة يا أبي، الأمر يخص ديما وحمزة.. لقد تحدثت مع حمزة، وهو يطلب أن يكون كتب كتاب مباشرة الجمعة القادمة، وليس مجرد خطوبة.

ارتسمت الدهشة أولاً على وجه عادل، ثم انفجرت ملامحه في ابتسامة واسعة، ونهض من مكانه وهو يقول بفرحٍ واضح:

–كتب كتاب مباشرة؟ هذا أفضل خبر سمعته اليوم! كنت أخشى من تمطيط الوقت، هذا الارتباط سيقوي موقفنا جدًا مع البدراني.

ثم ربّت على كتف آسر بحماس وأضاف:

سأرّتب كل شيء خلال الأيام القادمة مع فوزي، وسأقيم لك أنت ولميس حفلاً كبيراً معهما في نفس اليوم إذا أردت.

قاطعه آسر بسرعة، وكأن الفكرة أربكته أو ربما أراد الهروب الآن وقال بنبرة اعتراض حاسمة:

— لا يا أبي.. أرجوك، دعنا نفرح بديما وحمزة أولاً، هي تستحق أن يكون يومها ملكاً لها وحدها دون شريك, والآن اسمح لي أن أذهب وأخبرها.

لم ينتظر آسر رداً من والده، بل تحرك بسرعة وكأنه يهرب من احتمال فتح النقاش مرة أخرى أو تراجع عادل عن موافقته. خرج من المكتب بخطوات واسعة اجتازت الردهة في ثوانٍ، واتجه إلى الفيلا متوجهاً مباشرة إلى غرفة ديما, طرق الباب برفق، ثم دخل ليجدها جالسة أمام الطاولة الصغيرة، منهمكة في استخدام جهازها اللوحي. كانت تعمل بطريقتها الخاصة التي علّمها لها حمزة، مستعينة بالمساعد الصوتي. ارتسمت ابتسامة فخر على وجه آسر وهو يقول:

– أحسنتِ يا ديما، أنا سعيد حقًا لأنك عدتِ للعمل بهذا الحماس.

أدارت رأسها باتجاه صوته وابتسمت بخجل قائلة:

–حمزة... هو من شجّعني لذلك.

ابتسم آسر، وحاول أن يخفي اضطرابًا عابرًا في عينيه، ثم قال بنبرةٍ واثقة:

– جئتُ لأخبرك بخبر مهم... خطوبتكِ وكتب كتابكِ سيكونان الجمعة القادمة.

اتسعت عينا ديما، وارتسمت على وجهها فرحة طفولية مباغتة أنارت ملامحها للحظات، لكن سرعان ما خبت تلك اللمعة وحلّ محلها ارتباك واضح. تراجعت بكتفيها قليلاً وأطبقت بيديها على طرف الطاولة وهي تهمس بتردد:

— الجمعة؟ بهذه السرعة يا آسر؟ أنا.. أنا سعيدة، لكنني خائفة. هل سأستطيع؟ هل هذه الخطوة صحيحة الآن؟ أشعر أن كل شيء يحدث بسرعة!

لاحظ آسر ارتجافة صوتها، فجلس بجانبها وأمسك يدها بحنان وقوة ليثبتها، وقال بصوت هادئ ومطمئن:

— اسمعيني يا ديما.. لا أريدكِ أن تخافي من شيء طالما أن الشخص هو حمزة. أنا أعرفه جيداً، حمزة ليس فقط رجلاً يعتمد عليه، بل هو يحبكِ بصدق، وهذا الحب هو ما جعله يُصر على اختصار المسافات.

تابع آسر وهو ينظر في عينيها بصدق:

— حمزة على قدر كبير من المسؤولية، ولن يسمح لأي شيء بأن يؤذيكِ أو يضغط عليكِ. هو يدرك تماماً من هي ديما، وقبِل بكِ شريكةً لعمره بكل حب. كوني واثقة به وبي.

استنشقت ديما نفساً عميقاً، وشعرت بكلمات أخيها تبني جسراً من الثقة فوق خوفها، فأومأت برأسها ببطء بينما عادت الابتسامة لتداعب ثغرها من جديد، وقالت بخفوت:

— طالما أنك بجانبي ,فأنا مستعدة.

❈-❈-❈


4-


اندفع ممدوح داخل الشركة بخطوات غاضبة، لم يلتفت إلى الاستقبال ولا إلى الحراس، بل شق طريقه مباشرة نحو مكتب آسر. فتح الباب دون استئذان، وصوته يعلو قبل أن تطأ قدماه عتبة المكتب:

– أين ريم؟ أين أخفيتها؟


خلفه مباشرة، اندفع الحراس لمحاولة السيطرة عليه وإخراجه، لكن آسر رفع يده بهدوء وأشار إليهم بحركة واثقة أن يتركوه ويتراجعوا للخارج. أغلق الحراس الباب بهدوء، وبقي آسر جالساً خلف مكتبه، ملامحه باردة وهادئة بشكل مستفز، ثم قال بثباتٍ حاد:

– اخفض صوتك، أنت الآن في شركة محترمة.

اقترب ممدوح أكثر، وعيناه تتطاير منهما الشرر:

– أنا أسألك عن ريم! لا أحد يعلم أين ذهبت، وأنت آخر من كان يتواصل معها!

جلس آسر متكئًا على مسند كرسيه، ثم أجاب ببرودٍ متعمّد:

– وهل أنا وليّ أمرها حتى تأتي لتسألني عنها؟ أليست ابنة أخيك وتعيش في بيتك؟ أليس من الطبيعي أن تسأل نفسك أولاً قبل أن توجه أصابع الاتهام إليّ؟

تقدّم ممدوح خطوة أخرى نحو مكتب آسر، ورفع إصبعه في وجهه قائلاً بحدة:

– أنا واثق أنها معك! لا تحاول أن تُنكر.

اعتدل آسر في جلسته، وصوته يزداد صرامة:

– عيب ما تقوله يا أستاذ ممدوح، تفضّل واخرج الآن, قبل أن أغضب!

اشتعل غضب ممدوح أكثر، وارتفع صوته بالصراخ:

– لن أخرج قبل أن أعرف أين هي! لن أتركك حتى تخبرني أين خبأتها.

نهض آسر من خلف مكتبه، اقترب خطوة واحدة لكن بنبرة واثقة وحادة:

– قلت لك اخفض صوتك، لن أسمح لأحد أن يقتحم مكتبي بهذه الطريقة. ريم ليست هنا، وإذا لم تصدّق، فهذه مشكلتك.

ظل ممدوح يحدّق في آسر بعينين مشتعلة غضبًا، ثم زفر بقوة وكأن النار تخرج من صدره، وقال بصوتٍ متهدّج:

– لن أسكت على هذا، ولن أتركك حتى أعرف أين هي، افهم ذلك جيدًا يا آسر.

أشار آسر إلى الباب ببرودٍ تام:

– الباب أمامك يا أستاذ ممدوح. 

التفت ممدوح نحو الباب، خطا خطوات ثقيلة وكأنها تجر غضبه وراءه، وقبل أن يخرج التفت مجددًا وقال بنبرة تهديد واضحة:

– لن يهنأ لي بال حتى أفضح حقيقتك، انتظر وسترى.

ثم غادر المكتب وصفقة الباب خلفه تردد صداها في أرجاء المكان، بينما وقف آسر في صمتٍ ثقيل، يدرك أن العاصفة لم تنتهِ بعد.

❈-❈-❈


خرجت ريم في الصباح الباكر، تحمل حقيبتها الصغيرة وملف أوراقها، تتنقّل بين الشوارع والمكاتب والشركات، تبحث عن أي فرصة عمل. ساعات طويلة قضتها في السؤال والانتظار، لكن الأبواب جميعها كانت موصدة. مع غروب الشمس، شعرت بالتعب يتسلل إلى جسدها وقررت العودة إلى شقتها، وهي تهمس في نفسها:

– سأبحث مجددًا غدًا، لعلّي أجد بابًا يفتح, ولن أستسلم!

كانت قد اعتادت منذ وصولها إلى هذه الشقة أن تخرج كل يوم للبحث عن وظيفة دون كلل، لكن اليوم كان أثقل من غيره.

اقتربت من الشارع المؤدي إلى البناية، وفجأة لفت انتباهها مشهد أربك أنفاسها: طفلة صغيرة، لا يتجاوز عمرها الست سنوات، تعبر الطريق دون أن تنتبه إلى سيارة مسرعة تقترب منها.

صرخت ريم دون وعي:

– انتبهي!

واندفعت بجسدها الصغير نحو الطفلة، دفعتها بعيدًا عن مسار السيارة في اللحظة الأخيرة، وسقطت على الأرض وهي تلتقط أنفاسها. هرع رجل في منتصف العمر من الرصيف المقابل نحو ابنته وهو يصرخ:

– آن! يا حبيبتي، هل أنتِ بخير؟

أمسك الطفلة واحتضنها بقوة، حيث قالت بابتسامة مطمئنة:

– أنا بخير يا أبي... لا تقلق.

نظر الرجل إلى ريم بدهشة وامتنان وقال:

– لقد أنقذتِ حياة ابنتي، لا أعرف كيف أشكرك.


مد يده إلى جيبه وأخرج مبلغًا من المال وقدّمه إليها:

– هذا أقل ما يمكنني فعله.

هزّت ريم رأسها بسرعة وتراجعت خطوة:

– لا، أرجوك... لم أفعل شيئًا أستحق عليه مالًا. فعلت ما كان يجب أن أفعله.

أصرّ الرجل قائلاً بحيرة:

– لا بد أن أرد لكِ الجميل، ما فعلتِه أنقذ حياتي كلها، ليس حياة ابنتي فقط.

فكرت ريم لحظة ثم قالت بتردد:

– إذا كنتَ تريد حقًا أن تشكرني... ساعدني في العثور على عمل. هذا كل ما أتمناه الآن.

ابتسم الرجل وأخرج بطاقة أنيقة من محفظته:

– هذا اسمي وبطاقة شركتي. تعالي غدًا إلى مكتبي، واعتبري الأمر منتهيًا. الوظيفة ستكون جاهزة لكِ.

لمعت عينا ريم بفرحة غير متوقعة، أمسكت البطاقة بيد مرتجفة وقالت بامتنان:

– حقًا؟ شكرًا جزيلًا، لا أعرف كيف أعبر عن امتناني.

ابتسم الرجل وهو يحتضن طفلته:

– الشكر لكِ. لولاكِ لكانت كارثة وقعت لا أقوَعلى تخيلها.

غادرت ريم المكان بخطوات سريعة، وقلبها يرقص من السعادة. دخلت المبنى وصعدت إلى شقتها وهي تشعر لأول مرة منذ أيامٍ طويلة بأن الغد قد يحمل لها بداية جديدة.

❈-❈-❈


كانت قاعة الفرح تتلألأ بأضواء ناعمة وزينة أنيقة، والموسيقى تعزف أنغامًا حالمة تُشعل أجواء السعادة. جلست ديما بين الحضور، ترتدي فستانًا رقيقًا بلونٍ هادئ يُبرز ملامحها الجميلة، وزادها بريقًا ذلك الخجل الذي يكسو وجهها.

أما حمزة، فكان لا يكف عن النظر إليها بابتسامة مدهوشة، وكأنه لا يصدق أن حلمه قد تحقق أخيرًا.

بينما لميس جلست إلى جانب آسر، ملتصقة بذراعه بعناية، وعيناها تترقبان باب القاعة، تنتظر اللحظة التي تدخل فيها ريم، فقط لترى ردّ فعل آسر حين يلمحها.

في زاوية أخرى من القاعة، كان يحيى يقف مع فرح، يبتسم ويتحدث بخفة. وبعد دقائق، اعتذرت فرح بلطف قائلة:

  – سأذهب لأعدّل مكياجي سريعًا، لا تتحرك من مكانك.    

لوّح لها بابتسامة هادئة، لكنه لم ينتبه إلى أن هناك فتاة تراقبه من بعيد، تتردد في التقدم نحوه.

اقتربت الفتاة بخطوات ثابتة، وقالت بصوت منخفض لكنه واضح:

    – مرحبًا... أنا رهف ، صديقة فرح المقربة. ربما لا تعرفني، لكنني لم أعد أحتمل رؤية ما يحدث.. الصمت صار عبئاً لا يُطاق.

نظر إليها بهدوء حذر وقال:

— تحدثي يا رهف.. ما الذي دفعكِ للقدوم إليّ الآن في غيابها؟

تنفست رهف بعمق وكأنها تلقي بحمل ثقيل عن صدرها:

— الأمر بدأ بـ صفقة.. والد فرح كان يعمل محاسباً عند فوزي البدراني واكتشفوا اختلاسه لمبلغ كبير, لميس ابنة البدراني استغلت الفرصة؛ عرضت على فرح تسوية المبلغ وإنقاذ والدها من السجن مقابل خدمة واحدة.. أن تتقرب منك، وتوقعك في شباكها حتى تصبح خاتماً في إصبعها، لتتحكم بكِ لميس من خلالها.

اتسعت عينا يحيى، ليس ذهولاً من الخبر، بل لأن حدسه كان صادقاً طوال الوقت. أكملت رهف بسرعة:

— كنت خائفة على والد فرح، لكن الآن انتهى كل شيء؛ لميس سلمت الأوراق لفرح وانتهى التهديد. طلبت منها لميس أن تنهي اللعبة وتبتعد عنك حتى تحدث الصدمة المتوقعة لك، لكن فرح رفضت.. قالت لها بغرور: أنا التي أقرر متى أبتعد.. يحيى أصبح تحت سيطرتي بالفعل. اسمع هذا..

فتحت رهف هاتفها، وبمجرد أن خرج صوت فرح في التسجيل وهي تقول ببرود:

 لن أتركه الآن حتى لو استرددت الأوراق.. يحيى صار ملكي!

لم يغضب يحيى بصخب، بل ساد وجهه هدوءٌ مخيف، ونظر لرهف بحدة جعلتها ترتجف:

— كنتُ أشعر برائحة الخديعة تفوح من كلماتها، لكنني الآن أملك الدليل. أنتنّ جميعاً تتقنّ فن البيع والشراء.. بعتِ صديقتكِ الآن كما باعت هي نفسها بالأمس.

أومأت رهف بأسى:

— كان يجب أن أحذرك.. هذا كل ما في الأمر.

غادرت رهف مسرعة، وبقي يحيى مكانه, وعيناه تراقبان فرح وهي تعود من بعيد بابتسامتها الملائكية، غير مدركة أن القناع قد سقط تماماً، وأن يحيى الذي ظنت أنها امتلكته، قد انتهى منها للأبد قبل أن تصل إليه.

اقتربت فرح بخفة، وابتسامة عريضة على وجهها:

    – هل اشتقت إليّ؟    

نظر إليها يحيى نظرة باردة، وكأنه يراها لأول مرة على حقيقتها.وقال بسخرية مؤلمة:

    – أحسنتِ يا فرح... نجحتِ في خطتكِ ببراعة !

تجمدت الابتسامة على شفتيها، وشحب لون وجهها فجأة، وتراجعت خطوة إلى الوراء وعيناها تلمعان بصدمة حقيقية:

— يحيى.. عن أي شيء تتحدث؟

ضحك يحيى ضحكة قصيرة جافة، ثم قال بحدة وجليد في صوته:

—أتحدث عن الصفقة.. عن فوزي البدراني وابنته لميس. أتحدث عن الدور الذي لعبتِه بإتقان لأكون خاتماً في إصبعكِ مقابل نجاة والدك من السجن. لقد كان حدسي يخبرني دوماً أن خلف هذا الوجه الرقيق وجهاً آخر.. واليوم فقط رأيته بوضوح.

هزت رأسها بسرعة، والدموع بدأت تتجمع في عينيها، وقالت بصوت مرتجف ومنكسر:

—نعم.. بدأت كصفقة، كنت مجبرة لأنقذ أبي.. لكنني أقسم لك، المشاعر لم تكن تمثيلاً. لقد أحببتك بصدق بعد ذلك، ولم يعد للأوراق قيمة عندي.. أرجوك صدقني!

لكن ملامحه ازدادت قسوة، واقترب منها ليهمس بكلمات حطمت ما تبقى من كبريائها:

انتهى الأمر.. ابحثي عن ضحية أخرى تناسب طموحاتكِ، فلا أريد أن أرى وجهكِ مرة أخرى في عالمي!

ثم تركها واقفة وسط القاعة، وابتسامة الخديعة تموت على شفتيها، بينما عيناه تنطفئان بمرارة وهو يغادر دون أن يلتفت.


بعد دقائق, دخلت ريم بخطوات واثقة، ترتدي فستانًا فضفاضًا بلون جنزاري أنيق، ينسدل بخفة على جسدها، وتضع وشاحًا حريريًّا يليق بلون الفستان، مما أضفى عليها جمالًا بسيطًا لكنه آسر!


عيناه وقعتا عليها في اللحظة نفسها، ولم يستطع أن يُحوّل نظره عنها، وكأن شيئًا في قلبه توقف عن النبض ثم عاد بشدة. لميس، التي كانت تمسك بذراعه، لاحظت النظرات الصامتة بينهما، فشعرت بغصة وضيقت قبضتها على يده.

قالت له بصوت منخفض لكنه مليء بالحدة:

– آسر,ألن ترفع عينيك عنها؟

نظر إليها ببرود، وقال بلهجة حاسمة:

– أنتِ فعلًا أصبحتِ شخصًا لا يُطاق. هذه الغلطة يجب أن تُصحَّح يومًا ما.

ارتبكت لميس من كلماته، أما ريم فتابعت سيرها نحو ديما، تبتسم بخجل وتقول لها:

– مبارك لكِ يا ديما، أتمنى لكِ حياة مليئة بالسعادة.

ثم أخذت تبحث بعينيها عن سناء، وفي تلك اللحظة اقترب آسر منها بخطوة بطيئة، كأنه يقترب من شيء يخشى فقدانه مجددًا.

قال بصوت مبحوح بالكتمان:

– أفتقدتكِ يا ريم.

تجمدت للحظة، وقلبها ارتجف، لكنها أخفت مشاعرها وقالت بحزم:

– آسر... لو سمحت، عد إلى خطيبتكِ!


تأمل وجهها بقلق وقال:

– هل أنتِ بخير؟ ملامحك تقول عكس ذلك.

ابتسمت ابتسامة صغيرة تخفي ارتباكها:

– أنا بخير.

اقترب خطوة أخرى وقال:

– يجب أن تحكي لي، إذا كنتِ تريدينني أن أترككِ.

حكت له ريم باختصار ما حدث مع مروان وسبب تركها لبيت عمها هذا السر الذي صار أسوء كوابيسها!

أحس آسر بغصة، وقال بمرارة:

– كل هذا يحدث من دون أن تخبريني؟ إلى هذا الحد ابتعدتِ عني؟ لن تفلت يا مروان بفعلتك!

وفي تلك اللحظة اقتربت لميس، أمسكت بذراعه بقوة وقالت بصوت مصطنع الدلال:

– افتقدتك يا آسر، غبت عني كثيرًا.

شعرت ريم بالضيق، فابتسمت بخجل واعتذرت بصوت خافت:

– أستأذن... 

وغادرت سريعًا، وقلبها يثقل بالهمّ لأنها تدرك أنها ارتكبت خطأً ,لو كانت مكان لميس لما غفرته.

نظر آسر إلى لميس بغضب,نزع ذراعه من يدها ومشى مبتعدًا عنها دون أن يلتفت، تاركًا لميس واقفة تشتعل غيظًا!


يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة يارا علاء الدين، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة






إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل