قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل الثالث والعشرون
تم النشر السبت
29/3/2026
كان تامر يقف في ممر المستشفى الطويل، ينظر إلى الفراغ والدموع تترقرق في عينيه، يفكر في سخرية القدر؛ كيف بدأ اليوم بوعود الزواج والسعادة مع كاميليا، وانتهت بصرخات الإسعاف ورائحة الموت والدم. مسح وجهه بيده محاولاً استجماع شتاته، فهو الآن رجل العائلة الذي يجب أن يدير الأزمة.
أخرج هاتفه واتصل بـ سميرة، وحين أجابت، حاول جعل صوته يبدو طبيعياً قدر الإمكان:
ـ يا سميرة، خدي نور وروحي باتوا الليلة في بيت والدي.. يوسف اضطر يسافر فجأة في شغل ضروري ومش هيرجع غير بكرة، ومش عايز أسيب البيت هناك فاضي وبابا لوحده مع البنات.
دخلت الحيلة على سميرة التي نقلت الخبر لـ نور. ورغم أن نور ترددت في البداية، إلا أن عينيها لمعت ببريق المكر؛ فذهابها لمنزل عدنان القاضي فرصة ذهبية لفرض وجودها في عقر دار جيهان والتقرب من الحما الذي يرفضها.
في منزل عدنان، كان الهدوء يلف المكان، لكنه لم يكن هدوءاً مريحاً. كانت ندى تلاعب بنات أخيها بآلية، بينما كان عدنان يجلس في ركنه المعتاد، يراقبهم بصمت، وقلبه يقبض عليه بشدة؛ ذلك الشعور الأبوي الذي لا يخطئ بأن ابنه يوسف ليس بخير.
ندى ووالدها نظرات مليئة بالتعجب والشك؛ فزيارة نور المفاجئة في غياب يوسف كما ادعى تامر لم تكن مريحة أبداً. رحبوا بهم على مضض، وتناول الجميع العشاء في صمت ثقيل، حيث كانت نظرات نور تتفحص أركان بيت جيهان بانتصار مكتوم.
بمجرد أن صعد الجميع لغرفهم، اختلت ندى بنفسها وأمسكت هاتفها. قلبه كان يخفق بعنف، فاتصلت بتامر لتجده مغلقاً. أعادت الاتصال بيوسف.. جيهان.. كاميليا.. الجميع هواتفهم خارج الخدمة أو لا ترد!
سقط الهاتف من يدها على السرير، وهمست برعب:
ـ يوسف مش في شغل.. وتامر بيخبي حاجة كبيرة. يا رب جيب العواقب سليمة.
في المستشفى، كان تامر جالساً بجوار كاميليا في صمت تام، كلاهما ينظر إلى الأرض والهم يثقل كواهلهم. لم يتحدث أحدهم بكلمة واحدة، فالمصاب أكبر من أي كلام.
قطع هذا الصمت خروج الممرضة التي أخبرت تامر أن يوسف بدأ يستعيد وعيه. نهض تامر ببطء، وكأنه يحمل جبالاً على كتفه، واتجه لغرفة أخيه. دخل ليجد يوسف يفتح عينيه بصعوبة بالغة، وما إن وقعت عيناه على تامر حتى حاول النطق بصوت متهدج:
ـ تـ.. تامر.. جيهان فين؟
نظر تامر إليه والدموع تلمع في عينيه، لكنه حاول الثبات كما خطط، وقال بنبرة هادئة مصطنعة:
ـ حمد لله على سلامتك يا يوسف.. اهدى، إنت لسه طالع من جراحة صعبة.. جيهان بخير، هي في أوضة تانية والدكاترة بيطمنوا عليها.
لكن يوسف لم يقتنع، كان يرى في عيني تامر حزناً لا يمكن إخفاؤه، فحاول التحرك رغم الكسور التي تمزق جسده وهو يضغط على يد تامر:
ـ مبتخبيش عليا حاجة؟ أنا فاكر كل حاجة يا تامر.. العربية اللي كانت ورانا، والفرامل اللي خذلتني.. قولي الحقيقة، جيهان جرالها إيه؟
في هذه اللحظة، كانت كاميليا قد وقفت خلف باب الغرفة، تستمع لحديثهم وهي تضع يدها على فمها لتكتم بكاءها.
في غرفة العناية المركزة، كانت جيهان محاطة بالأجهزة، غائبة تماماً عن الواقع، جسدها الضعيف يصارع للبقاء في عالم لا تعي منه شيئاً. في الممر بالخارج، كانت كاميليا تراقب الطبيب وهو يخرج من الغرفة، فاقتربت منه بلهفة وقلب يرتجف لتسأله عن حالة شقيقتها، فأجابها الطبيب بنبرة هادئة لكنها تحمل الكثير من الحذر:
ـ الوضع لسه حرج يا أنسة.. إحنا عملنا اللي علينا، وهنستنى للصبح عشان نقيم الحالة ونشوف استجابة الجسم للجراحة.
أما في غرفة يوسف، فكان الصراع من نوع آخر. يوسف يحاول النهوض رغم الكسور والآلام، وعيناه تبحثان عن جيهان في كل زاوية، بينما تامر يقف أمامه يحاول تهدئته بكلمات يملؤها الكذب الاضطراري:
ـ يا يوسف اهدى، جيهان بخير.. هي بس نايمة دلوقتي لأن الدكاترة أعطوها مهدئ قوي علشان الألم، مش هتعرف تتكلم معاها دلوقتي.
لم يقتنع يوسف، وحاول دفع الغطاء عنه قائلاً بإصرار:
ـ عايز أشوفها يا تامر.. مش هطمن غير لما أشوفها بعيني، وديني عندها.
في هذه اللحظة، دخلت كاميليا الغرفة، وكانت قد مسحت دموعها وحاولت رسم الثبات على وجهها بصعوبة بالغة لتنقذ الموقف. نظرت ليوسف وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها حازمة ومطمئنة:
ـ يوسف، جيهان بخير صدقني.. بس هي لو شافتك بالحالة دي وبالجبس ده هتتعب أكتر وهتنهار، وإنت عارف جيهان متبحبش تشوفك ضعيف. ارتاح دلوقتي والصبح أول ما تفوق هخليك تشوفها.
تدخل تامر بسرعة ليدعم كلام كاميليا ويقطع شك يوسف:
ـ أهو كاميليا قدامك أهي.. لو وضع جيهان صعب مكانتش كاميليا سابتها وجت تطمن عليك هنا، ارتاح بقى يا أخي.
نظر يوسف إليهما بشك عميق، كانت نظراتهما تحمل شيئاً غامضاً لم يفهمه، لكن مفعول المسكن الذي حقنته به الممرضة بدأ يسري في جسده، فثقلت جفونه واستسلم للنوم تدريجياً وهو يهمس باسمها.
جلست كاميليا بجوار تامر في ممر المستشفى البارد، ودموعها لا تتوقف، سألته بصوت مختنق:
ـ هنعمل إيه يا تامر؟ جيهان لما تفوق وتعرف اللي حصل هتعمل إيه؟ إحنا في كارثة.
قبض تامر على يده بقوة، وعيناه تلمعان بشرر الغضب وهو يحاول تهدئتها:
ـ اهدي يا كاميليا.. أنا مش هسيب حقهم، واللي عمل كدة مش هيمر يومه على خير. هعرف مين السبب في الحادثة دي وهخليه يدفع الثمن غالي أوي.
مرت الليلة ثقيلة، كأنها دهر من الهم. ومع خيوط الصباح الأولى، بدأ الطبيب جولته، واتجه لغرفة يوسف أولاً. فحصه بدقة وطمأنه قائلاً:
ـ النهاردة وضعك أفضل بكتير، والعمليات اللي عملناها بدأت تجيب نتيجة.
لم يهتم يوسف بآلامه، بل سأل بلهفة قتلت هدوء الطبيب:
ـ وجيهان يا دكتور؟ طمني عليها، هي فاقت؟
نظر تامر للطبيب نظرة توسل صامتة، ففهم الطبيب الرسالة وأجاب بهدوء مهني:
ـ المدام بخير، بس لسه نايمة تحت تأثير المخدر.. أول ما تفوق وتسترد وعيها، هخليك تروح لها فوراً.
شعر يوسف بغصة من العجز؛ فهو يريد الركض إليها، لكن جسده المكسور يمنعه، فاستسلم لسريره وهو يراقب الباب بانتظار معجزة.
في تلك الأثناء، انسحبت كاميليا بحذر من أمام غرفة يوسف، واتجهت نحو العناية المركزة. وقفت تراقب الطبيب من خلف الزجاج وهو يفحص جيهان وأجهزتها. حين خرج، اقتربت إليه وسألته بحذر:
ـ طمني يا دكتور.. أختي جرالها إيه؟
ـ لسه تحت تأثير المنوم، جسمها محتاج يرتاح من صدمة الجراحة.. الحالة مستقرة نوعاً ما.
تمسكت كاميليا بطرف ثوبه وترجته:
ـ أرجوك يا دكتور.. خليني أشوفها، مش هعمل صوت ، بس عايزة أملي عيني منها.
أشفق الطبيب على حالتها، وأومأ برأسه موافقاً:
ـ خمس دقائق بس يا أنسة، وممنوع أي انفعال.
دخلت كاميليا برفقة الممرضة، كانت رائحة المعقمات تملأ المكان. اقتربت من السرير بخطوات مرتجفة، لتجد جيهان شاحبة كالموت، مغطاة بالأجهزة، والجزء السفلي من السرير يبدو ناقصاً بشكل يمزق القلب.
وقفت كاميليا أمام جسد شقيقتها الشاحب، وكانت دموعها تنهمر بصمت يحرق وجنتيها. مدت يدها المرتعشة ومسحت على شعر جيهان، ثم انحنت وهمست بجوار أذنها بصوت مخنوق:
ـ خليكي معايا يا جيهان.. متسيبينيش لوحدي، أنا ماليش غيرك في الدنيا دي.
وبدون وعي منها، وبينما كانت غارقة في حزنها، تحركت يدها لتستند على السرير، فلامست ذلك الفراغ المؤلم مكان القدم المبتورة. شعرت برعشة قوية هزت كيانها بالكامل، وكأن تياراً كهربائياً ضرب قلبها؛ فالحقيقة الآن أصبحت ملموسة تحت يدها. لم تتحمل البقاء ثانية واحدة إضافية، فاندفعت خارج الغرفة وهي تلهث من شدة الصدمة.
في تلك الأثناء، في منزل عدنان القاضي، استيقظت ندى والقلق يأكل قلبها. فتحت هاتفها لتجد رسالة مقتضبة من تامر أرسلها فور فتح هاتفه:
ـ ندى، تعالي على مستشفى (...) حالاً، ومتقوليش لحد من اللي في البيت أي حاجة.
حاولت الاتصال به فوراً، لكن هاتفه عاد ليغلق مرة أخرى ربما لنفاد البطارية أو لعدم رغبته في الكلام. هبطت للأسفل محاولة التماسك، وقالت لوالدها بنبرة سريعة:
ـ بابا، أنا ورايا شغل مهم ومستعجل في المستشفى ولازم أنزل دلوقتي.
لم تنتظر رد والدها الذي كان يراقبها بنظرات فاحصة، ورحلت مسرعة. بمجرد وصولها للمستشفى، أرسلت رسالة لتامر تخبره بوصولها، فرد عليها برقم الغرفة.
❈-❈-❈
صعدت ندى الدرج وقلبها يكاد يتوقف، وعندما فتحت الباب، تسمرت مكانها وجف حلقها. رأت يوسف ممدداً على السرير، وجهه شاحب، والجبس يغطي أجزاء من جسده، والأجهزة تحيط به من كل جانب. اقتربت منه بذهول وصدمة، وقالت بصوت يرتجف:
ـ يوسف؟! إيه اللي حصل لك يا حبيبي؟ وإيه الحالة اللي إنت فيها دي؟
نظر إليها يوسف بضعف، وبدلاً من أن يطمئنها، سألها بنفس السؤال الذي لم يغادر لسانه:
ـ ندى.. كويس إنك جيتي. طمنيني، جيهان عاملة إيه؟ البنات كويسين؟
توقفت ندى صامتة تماماً، وجف حلقها؛ فهي لم تكن تتوقع أبداً أن تكون جيهان قد أصيبت بمكروه، بل ظنت في البداية أن الحادث يخص يوسف وحده. نظرت لـ تامر بعيون متسعة من الدهشة والتعجب، وكأنها تسأله بصمت:
ـ أين جيهان؟ وماذا يحدث هنا؟
تدخل تامر بسرعة ليقطع حبل صمتها قبل أن تنطق بما قد يثير شكوك يوسف أكثر، وقال بنبرة تبدو طبيعية أمام أخيه:
ـ يا يوسف، ندى لسه واصلة حالاً ومتعرفش حاجة عن حالة جيهان ولا شافتها.. هي هتيجي معايا دلوقتي تروح تطمن عليها في أوضتها، وهنيجي نبلغك بكل حاجة.
مالت ندى على أذن تامر وهمست بذهول وارتباك:
ـ إيه الحكاية يا تامر؟ فين جيهان؟ وليه مش موجودة مع يوسف هنا؟
لم يجد تامر جواباً في الغرفة، بل أمسك بيد ندى وضغط عليها بقوة كإشارة لتصمت الآن، وقال بصوت مسموع ليوسف:
ـ يلا يا ندى، نروح نشوف جيهان ونرجع ليوسف بسرعة علشان يطمن.
خرج تامر مع ندى من الغرفة، وبمجرد أن انغلق الباب وابتعدوا خطوات عن مسامع يوسف، بدأت ندى بالأسئلة:
ـ فهمّني في إيه! جيهان جرالها إيه؟ يوسف حالته صعبة، بس جيهان فين؟
وقف تامر في وسط الممر، وسند ظهره على الحائط بتعب شديد، ونظر للأرض وقال بصوت مختنق:
ـ جيهان في العناية المركزة يا ندى.. الحادثة كانت بشعة، ويوسف حاول يفاديها بس الخبطة جت عندها.. جيهان عملت عملية بتر لرجليها اليمين!
سقطت الكلمات على ندى كالصاعقة، فوضعت يدها على قلبها وتراجعت للخلف بصدمة، ودموعها انهمرت دون إرادة منها:
ـ يا حبيبتي يا جيهان! بتر؟ إنت بتقول إيه يا تامر؟ ويوسف يعرف؟
أجابها تامر بتعب شديد:
ـ ميعرفش حاجة.. ومحدش في البيت يعرف، حتى بابا.. أنا مش عارف هقولهم إيه، ولا عارف هخبي الحقيقة دي لحد إمتى.
اتجه تامر وندى بخطوات ثقيلة نحو غرفة العناية، وهناك وجدا كاميليا في حالة لا يرثى لها، عيناها متورمتان ووجهها شاحب من أثر الصدمة والدموع. احتضنتها ندى بقوة محاولةً التخفيف عنها رغم أن قلبها هي الأخرى كان يعتصر ألماً، ثم استأذنت لتبديل ملابسها لتدخل لرؤية جيهان. وقفت ندى أمام سرير جيهان تنظر إليها بشفقة وحزن عميق، لم تكن تصدق أن المرأة القوية التي تعرفها أصبحت بهذا الضعف.
أما في غرفة يوسف، فكان القلق قد تملك أعصابه. دخلت الممرضة لتبديل المحاليل، فاستغل الفرصة وألحّ عليها بالسؤال بنبرة آمرة يملؤها القلق:
ـ أرجوكِ قوليلي الحقيقة.. مراتي جيهان حصل لها إيه؟ أخويا مخبي عليا حاجة؟
نظرت إليه الممرضة بحذر وارتباك، ولم تستطع الاستمرار في إخفاء الأمر أمام إصراره ونظراته المكسورة، فأخبرته بحقيقة وضعها وأنها في العناية المركزة بعد جراحة صعبة. وقع الخبر على يوسف كالصاعقة، شعر بصدمة حقيقية وكأن العالم توقف من حوله.
قال يوسف بصوت يرتجف:
ـ لازم أشوفها.. دلوقتي حالاً، خديني عندها!
حاولت الممرضة إقناعه بالانتظار، لكنه ثار ورفض، فاضطرت لإحضار كرسي متحرك وساعدته على الجلوس عليه رغم آلامه المبرحة. تحركت به في الممر الطويل باتجاه العناية المركزة.
وعندما وصلا، وقعت عينا تامر عليه، فانتفض من مكانه بقلق ورعب، لكن يوسف لم ينظر إليه إلا بنظرة غضب نارية وعتاب جارح؛ لأنه كان يظن أن تامر سنده الوحيد، فكيف أخفى عنه كارثة كهذه؟
وقف تامر أمام يوسف برأس منحنٍ، والندم يملأ قلبه، لم يكن القلق وحده هو الدافع، بل الخوف من ضياع شقيقه هو الآخر. سأله يوسف بنبرة ممزوجة بالألم والخذلان:
ـ ليه يا تامر؟ ليه خبيت عني؟ دي مراتي.. أنا أولى واحد أكون جنبها.
أجابه تامر بصوت مختنق:
ـ كنت خايف عليك يا يوسف.. حالتك مكانتش تسمح، والدكاترة حذروني من أي انفعال. اهدى أرجوك، ندى جوه معاها دلوقتي، هشوف لو ينفع تدخل لها.
في تلك اللحظة، انفتح باب العناية وخرجت ندى، لتفاجأ بشقيقها يوسف أمامها على الكرسي المتحرك. نظر إليها بعتاب مرير:
ـ حتى إنتي يا ندى؟ كنتي عارفة ومخبية عليا؟
اقتربت منه ندى والدموع في عينيها، وحاولت تهدئته:
ـ والله يا يوسف لسه عارفة حالا لما جيت، تامر محكاليش غير وأنا داخلة الأوضة.. والله ما كنت أعرف.
لم يطل يوسف الجدال، بل أشار بيده نحو باب الغرفة وقال بلهجة لا تقبل الرفض:
ـ ندى.. دخليني عندها. لازم أشوفها دلوقتي.
ترددت ندى ونظرت لتامر بقلق، فجراحة البتر وتفاصيل جسد جيهان تحت الأغطية قد تكون صدمة لا يتحملها قلب يوسف المنهك، لكنها أمام إصراره وحالته المزرية وافقت بصمت. دفعت الكرسي المتحرك لداخل الغرفة المعقمة، حيث يسود صوت أجهزة القلب المنتظم والبرودة الموحشة.
بمجرد أن اقترب من سريرها، نظر يوسف لوجهها الشاحب، ثم نظر لندى وقال بصوت خافت جداً:
ـ ندى.. اطلعي برة. سيبيني معاها لوحدنا كام دقيقة.. أرجوكي.
أومأت ندى برأسها وخرجت وهي تمسح دموعها، لتترك يوسف يواجه الحقيقة المرة وحده أمام جسد جيهان الساكن.
اقترب يوسف بكرسيه المتحرك حتى صار ملاصقاً لسريرها، مد يده المرتعشة ليمسك يدها الباردة، وبدأ يجهش بالبكاء بصمت يمزق القلوب. انحنى على يدها يقبلها وهو يهمس بصوت مبحوح:
ـ سامحيني يا جيهان.. أنا السبب، كان المفروض الضربة تيجي فيّا أنا مش فيكي. عمري ما هسامح نفسي على الوجع اللي إنتي فيه ده.. بس وحياة غلاوتك عندي، اللي عمل فينا كدة مش هرحمه، هجيبه وهخليه يتمنى الموت وميطولهوش.
كان يظن أن جراحه هي الأصعب، لكن رؤيتها هكذا جعلته يشعر أن روحه هي التي تُبتر.
في الخارج، وصل الطبيب ووجد الممرضة واقفة بارتباك، وتامر وكاميليا في حالة ترقب. جن جنونه وانفعل عليهم بصوت مسموع:
ـ إزاي تسمحوا له يدخل؟ المريض حالته غير مستقرة وممنوع يتحرك من سريره، والزيارة هنا ممنوعة بالشكل ده! إنتوا بتعرضوا حياته وحياتها للخطر!
حاول تامر تهدئته وقال بنبرة مكسورة:
ـ يا دكتور غصب عننا، عرف بطريق الصدفة ومكنش حد هيقدر يمنعه.
دخل الطبيب الغرفة بسرعة لينهي هذه الزيارة، وخلفه ندى التي كانت تخشى على أخيها من الانهيار. بمجرد أن رآهم يوسف، لم يغضب ولم يثُر، بل نظر للطبيب بنظرة توسل طفولية، نظرة إنسان غريق يتمسك بقشة، وكأنه يرجوه أن يمنحه دقيقة واحدة إضافية ليشتمّ رائحتها، أو ربما كان يطلب منه معجزة تعيد لها ما فقدته.
توقف الطبيب مكانه، فجلال المشهد وقوة الانكسار في عين يوسف جعلت الكلمات تتبخر من فمه، وصمت الجميع أمام هذا الوجع.
بعد أن تحدث الطبيب بجدية شديدة مع يوسف، أخبره بضرورة مغادرة الغرفة فوراً لأن جيهان بحاجة ماسة للراحة. وبمساعدة ندى، غادر يوسف العناية وهو في حالة يرثى لها، ليقفوا جميعاً أمام باب غرفة العناية بانتظار أي خبر.
فجأة، شاهدوا عدداً من الأطباء يهرعون ويدخلون الغرفة دفعة واحدة، مما جعل قلب يوسف ينقبض بشدة وشعر بخوف يقتلع روحه من مكانها. في هذه اللحظة، تركتهم ندى ودخلت خلف الأطباء، فهي تعلم أنهم بصدد إيقاظ جيهان الآن، وتدرك جيداً مدى صعوبة اللحظة التي ستكتشف فيها جيهان بتر قدمها.
في الداخل، بدأ الأطباء بنزع الأجهزة عن جيهان، التي بدأت تئن من شدة الألم. فتحت عينيها بضعف شديد، وكان وجهها مليئاً بالكدمات والورم، ويدها مجبسة بالكامل. حاولت جيهان أن تستجمع قواها، فحركت قدمها اليسرى وشعرت بألمها، لكنها عندما حاولت تحريك القدم اليمنى، شعرت بفراغ غريب.. كأنها شُلّت تماماً ولا وجود لها.
توقفت جيهان ونظرت للأطباء المحيطين بها بخوف شديد، وبدأت ملامح الذهول ترتسم على وجهها وهي تحاول أن تستوعب حقيقة ما حدث معها، وسط صمت الأطباء ونظرات ندى المشفقة.
خارج الغرفة، كان يوسف يجلس على كرسيه كالمغيب، يراقب ما يحدث من خلف الزجاج، وكأن نبضه توقف بانتظار رد فعلها.
يتبع...

❤️❤️❤️❤️