قراءة رواية ندوب مضيئة
كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ندوب مضيئة
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة يارا علاء الدين
الفصل الحادي عشر
تم النشر يوم الأربعاء
11/2/2026
كان المدرج شبه خاوٍ بعد انتهاء المحاضرة، والطلاب يتسلّلون واحدًا تلو الآخر، بينما بقي يحيى جالسًا في الصف الأخير، يراجع بعض الأوراق بعناية. وعيناه تلمحان طيف فرح وهي تقترب قبل أن يصل وقع خطواتها إلى مسمعه.
جاء صوتها يحمل جرأةً مبطنة بالفضول:
– ها أنت هنا من جديد وحدك، تختبئ عن العالم كعادتك؟
رفع يحيى عينيه ببطء، نظرة نافذة اخترقت محاولتها للتخفي وراء قناع المرح، وقال بصوتٍ رخيم هادئ:
نعم, هل تريدين شيئًا؟
ابتسمت فرح بخفة، وجلست إلى جواره دون استئذان متحديةً ذلك الحاجز غير المرئي الذي يضعه حوله:
–أعلم أنك تحمل أسرارًا كثيرة، وأنا… لا أجيد كبح فضولي.
أعاد يحيى الأوراق إلى حقيبته، ثم نظر إليها نظرة مقتضبة، وقال ببرود:
– الفضول يا فرح… ليس دائمًا صفة محببة، خاصة حين يصبح اقتحامًا لخصوصية الآخرين مثل ماتفعلين معي!
ارتبكت قليلًا، لكنها تمسكت بابتسامتها:
– ربما، لأنني أجدك مختلفًا عن الآخرين… وهذا يدفعني للحديث معك، ولو قليلاً.
لم يعلّق يحيى، بل اكتفى بالنظر إليها نظرة سريعة قبل أن يعود إلى هاتفه متظاهرًا بالانشغال به، لكنه في الحقيقة كان يراقب حركتها في مرآة شاشته. حين مدت يدها فجأة لتخطف الهاتف، لم يبدِ أي رد فعل دفاعي، بل أرخى قبضته تمامًا، تاركًا لها حرية الاستيلاء عليه بمحض إرادته، وكأنه يسمح لها بالمرور في طريقٍ رسمه هو.
قالت وهي تضغط على الأرقام بخفة:
– لِمَ لا نتبادل الأرقام؟
حدّق بها يحيى ببرود، لكن قبل أن يمد يده، كانت قد ضغطت على زر الاتصال لتتصل برقمها هي.
رنّ هاتفها في جيبها، فابتسمت بانتصارٍ ظنت أنها أحرزته وقالت:
– هكذا لن تستطيع تجاهل مكالماتي القادمة.
اقترب يحيى منها بجسده قليلًا، ومد يده ليستعيد الهاتف ببطءٍ مهيب. نظر في عينيها مباشرة، وقال بنبرة غامضة جعلت قلبها يخفق:
كان بإمكاني منعكِ، لكنني أردتُ أن أرى إلى أين سيصل فضولك.. عمومًا، الرقم معكِ الآن، لنرى ماذا ستفعلين به.
ثم نهض بهدوء، وتركها جالسة، بين حيرةٍ وفضولٍ أكبر مما دخلت به.
ظلت فرح مكانها، تراقب ظهره وهو يبتعد، حتى اختفى عن ناظرها. تلاشت حيرتها وحلت محلها ابتسامة باردة غامضة، ثم أخرجت هاتفها، وكتبت رسالة نصية قصيرة لشخصٍ ما:
لقد تمت الخطوة الأولى, يبدو أنه يقرأ ما يدور في رأسي، لكنني حصلت على ما أريد. وهذا يكفي الآن!
❈-❈-❈
2-
في ردهة فيلا الهاشمي الفسيحة، ساد جو من الحركة الدؤوبة التي يغلفها الحذر والمرح..
كان حمزة هو شعلة النشاط في المكان، يتحرك بخفة بين الطاولات، وهو الذي أصر على أن يتولوا بأنفسهم اللمسات الأخيرة رغم وجود طاقم الخدمة. التفت إلى آسر ويحيى وقال بحماس:
–هيا، أريد لهذا المساء أن يكون استثنائيًا. ديما مرت بالكثير، وهذا الاحتفال البسيط هو أول رسالة حب حقيقية منا جميعًا لها.
أما يحيى، فكان يضفي على المكان جوًا من البهجة بمرحه المعتاد، حيث كان يحاول تعليق صورة مجمعة لديما وهو يتمايل بخفة على أنغام موسيقى هادئة تنبعث من هاتفه، وقال ضاحكًا:
–انظر يا آسر، حمزة يتحدث وكأنه ينظم مؤتمرًا للقمة! يا صديقي، ديما ستحب الأمر لأننا معها، ليس لأنك وضعت البالونات بزاوية 45 درجة.
ثم سكت قليلًا قبل أن يقول : وهذا مؤخرًا فقط, فقد كانت تحسبها مثلك تمامًا بالورقة والقلم! هكذا المهندسون في كل مكان يظنون أن الدنيا نوعان لا ثالث لهما:
إمّا مهندس، أو شخص يحتاج إلى مهندس.
ضحك حمزة وهو يقذف يحيى بقطعة من شريط الزينة:
–على الأقل أنا أحاول، أما أنت فمنذ ساعة تحاول تعليق صورة واحدة وتكاد تسقط من فوق المقعد من كثرة الرقص!
رد يحيى بقهقهة وهو يقفز للأرض بخفة:
–تعلم مني ياحمزة وكفاك هندسة !
في هذه اللحظة، ظهرت سناء من ممر الغرف، تضع يدها على قلبها وتهمس بحذر شديد:
–على مهلكما! صوت ضحككما سيصل لغرفتها في الطابق العلوي. إذا شعرت ديما بأي حركة غريبة سيفسد عنصر المفاجأة الذي خطط له حمزة من البداية.
اقترب حمزة من سناء وقبّل يدها بهدوء، وقال بصوت منخفض:
–لا تقلقي يا أمي، يحيى سيكتم أنفاسه الآن، وآسر كالعادة هو العاقل. المهم أن تكوني أنتِ جاهزة لمرافقتها للأسفل.
ابتسمت سناء بحنان وهي تنظر إلى الثلاثة، فخورة بهذا الترابط، وقالت:
–كل شيء جاهز.. سأصعد إليها الآن، تأكدوا من إطفاء الأنوار فور إعطائي الإشارة.
وما إن استدارت سناء، حتى رنّ جرس الفيلا، ودخلت لميس وهي تقول بعتاب مصطنع:
-أهكذا؟ أكنتم ستبدأون من دوني؟ حقًا؟
لوى يحيى ثغره بملل وهمس بتهكم مسموع:
-ياللمفاجأة! لقد نسينا وجودكِ أصلًا!
لكن حمزة تدارك الموقف بسرعة وضربه بخفة في كتفه، ثم التفت للميس بابتسامة مجاملة:
—لا طبعًا يا لميس، نحن ننتظركِ, لا يمكننا البدء من دونكِ.
في تلك الأثناء، تنحنح آسر برزانة وانسحب وهو يخرج هاتفه قائلًا:
—سأتصل بالمتجر لأرى لِمَ تأخر الطلب هكذا.
ما إن ابتعد آسر قليلًا حتى مال يحيى على حمزة وهمس بخفة:
—أأنت متأكد أنك شقيقها حقًا؟ لا أعلم كيف تطيق تحملها!
ضحك حمزة وهز رأسه قائلًا:
إنها شقيقتي يا يحيى.. ماذا أفعل؟ هذا قدري.
فجأة، اقتربت لميس منهما وسألت بريبة:
-عما تتحدثان؟
جفل يحيى بخوف مصطنع وصاح:
—يا الله! ألا تنبهينا بقدومك؟ لقد أفزعتِني!
هز حمزة رأسه ضاحكًا ودفع يحيى في كتفه، ثم التفت للميس قائلًا:
—لا شيء، كنتُ أسأله عن آسر، سأذهب لأرى لِمَ تأخر هو أيضًا؟
وفي تلك اللحظة عاد آسر بخطوات سريعة وقال وهو يوجه كلامه للجميع بجدية:
-الطلب وصل وهو الآن عند البوابة.. هيا، ليتخذ كل منكم مكانه. سأستلم الأغراض وأدخل، وفور دخولي أعطوا الإشارة لأمي لتنزل مع ديما.
وبعد دقائق, بينما كان الشباب في الأسفل يترقبون في صمتٍ مطبق بعد إطفاء الأنوار، كانت سناء تسير ببطء في الرواق العلوي، تمسك بيد ديما التي كانت تتحرك بحذر.
قالت ديما بنبرة يغلفها الضيق:
-يا أمي، ما الداعي لكل هذا؟ كان بإمكاننا الجلوس في غرفتي وتناول العشاء هناك بهدوء.. لا أشعر برغبة في النزول اليوم.
ردت سناء وهي تضغط على يدها بحنان لتطمئنها:
-يا ابنتي، إلى متى ستظلين حبيسة غرفتكِ؟ لا بأس ببعض التغيير.. أرجوكِ، افعلي هذا من أجلي.
تنهدت ديما باستسلام وقالت: كما تشائين يا أمي، لكنني لا أعدكِ أنني سأحتمل الجلوس طويلًا.
بدأتا في نزول درجات السلم بخطوات وئيدة. كانت ديما تعتمد على حواسها الأخرى؛ تشم عطر الزهور الفواح الذي ملأ الردهة بشكل غير معتاد، وتشعر بهواء التكييف يداعب وجهها، لكن السكون كان مريبًا، وكأن الفيلا خالية من سكانها.
وما إن وطئت قدماها الدرجة الأخيرة، حتى انطلقت فجأة موسيقى احتفالية صاخبة، وانفجرت أصوات في وقت واحد لتهز أركان المكان ببهجة:
-"كل عام وأنتِ بخير يا ديما!"
تجمدت ديما في مكانها، واتسعت عيناها الشاحبتان بصدمة ذهلت حواسها. لم ترى الأضواء الملونة التي تتراقص من حولها، ولا البالونات التي تملأ السقف، لكنها شعرت بكل ذلك في نبرات أصواتهم المحبة. ارتجفت شفتاها، ورفعت يدها المرتعشة لتغطي فمها، بينما بدأت دموع الفرح تترقرق في عينيها.
همست بصوت متهدج:
أهذا.. أهذا من أجلي؟ آسر؟ يحيى؟ هل أنتم جميعًا هنا؟
ضحكت سناء وهي تحتضن كتفها: "نعم يا حبيبتي، الجميع هنا من أجلكِ."
في تلك اللحظة، عمّ الصمت قليلًا ليفسحوا المجال لخطوات تقترب منها بثبات وهدوء. شعرت ديما بهالة من الدفء تقترب، ورائحة عطر مألوفة كانت كفيلة بأن تجعل قلبها يخفق بشدة.
توقف الشخص أمامها تمامًا، وساد صمت مشحون بالمشاعر، قبل أن يأتي صوت حمزة الهادئ ليكون أول من يقطع المسافة نحوها:
-كل عام وأنتِ النور الذي يضيء أيامنا يا ديما.. هل أعجبتكِ المفاجأة؟
ابتسمت ديما من بين دموعها حين ميزت نبرة حمزة، ثم مالت برأسها قليلًا كأنها تستشعر قربه، وقالت بصوت هامس:
—أنت خلف كل هذا يا حمزة؟ شكرًا لك, لا أعلم كيف أصف شعوري الآن!
أجابها حمزة بنبرة حنونة لم يهتم بمداراتها أمام الجميع:
—لو كان الأمر بيدي، لجعلت كل أيامكِ أعيادًا، ولأهديتكِ بصري لترى به هذا الجمال من حولك.
لم يترك يحيى اللحظة تزداد شجنًا، فاقترب بخطواته المرحة والحنونة في آن واحد، وجذب ديما برفق ليحتضنها احتضانًا أخويًا دافئًا، ثم طبع قبلة حانية على رأسها قائلًا:
—كفاكِ ثرثرة مع هذا المهندس! دعي لي نصيبًا من التدليل، كل عام وأنتِ أميرتنا المضيئة يا ديما.
ثم تقدم آسر بهيبته المعتادة، أمسك يدها برفق شديد وطبع عليها قبلة وقورة، وقال:
—كل عام وأنتِ بخير ياحبيبتي.. دامت ضحكتكِ تنير بيتنا.
وسط هذا الدفء، اقتربت لميس بخطوات متعالية، وصوت كعب حذائها يقرع الأرض بحدة، وقالت ببرود جاف لم تستطع إخفاءه:
—عيد ميلاد سعيد يا ديما..
لاحظ حمزة تلك النبرة التي خلت من أي مودة، فتدخل بذكاء ليصرف انتباه ديما عن برود لميس قائلًا:
—ديما، هل تحبين أن أصف لكِ الهدايا؟ لقد تكدست الطاولة بأشياء كثيرة.
أجابت بلهفة طفولية: أرجوك يا حمزة.. فأنا أشعر بفضول كبير.
قال حمزة وهو يوجهها برفق:
إذًا، تعالي لنجلس على أريكتكِ المفضلة، وسأصفها لكِ واحدًا تلو الآخر.
بعد أن جلست، بدأ حمزة يستعرض الهدايا:
أولاً، هدية يحيى.. وهي الأغرب والأكثر ذكاءً؛ لقد اختار لكِ مجموعة أدوات هندسية تعمل بخاصية اللمس الدقيق والبروز، لتمكنكِ من رسم المخططات الهندسية وتخيل الأبعاد كما كنتِ تفعلين تماماً.
تعالت ضحكة يحيى المبهجة وهو يقول:
-لا تظني أنكِ ستفلتين من العمل يا هندسة.كفاكِ راحة.
ابتسمت ديما بصدمة مختلطة بالأمل، وتحسست العلبة بلهفة، ليكمل حمزة:
—أما آسر، فقد اختار لكِ قطعة فريدة؛ ساعة مكتبية من الكريستال الخام، صُممت بحيث تُفتح واجهتها لتتحسسي العقارب المصنوعة من الذهب الأبيض البارز، لكي لا تحتاجي لسؤال أحد عن الوقت بعد الآن.
هزت ديما رأسها بامتنان، ليكمل حمزة بنبرة دافئة وصادقة:
وهديتي أنا.. هي وشاح من الحرير الناعم، اخترته بلونكِ المفضل الأبيض، وقد وضعتُ فيه من عطري لكي يذكركِ بي دائماً كلما ارتديتِه.
صمتت ديما لحظة، واغرورقت عيناها بدموع التأثر من رقة اختياره وبساطته، ثم أكمل حمزة وهو يشير لعلبة لميس:
—أما هدية لميس.. فهي حقيبة يدٍ صُنعت من الجلد الطبيعي الأسود الفاخر، بتصميمٍ رقيق يناسب ذوقكِ.
شكرت ديما الجميع برقة، لتقترب سناء في النهاية، وتضع في يدها علبة مخملية، وتقول بحنان:
—أما أنا يا حبيبتي، فهديتي هي خاتم جدتكِ العتيق.. أعدته لكِ اليوم بعد أن أصلحته وطعّمته بفص من الألماس، ليكون في يدكِ فيذكركِ بأنكِ جوهرة بيتنا التي لا تقدر بثمن.
احتضنت ديما الخاتم بقوة، والابتسامة لا تفارق وجهها، بينما كان الجميع يراقبها بحب، إلا لميس التي وقفت تراقب المشهد بغيرة، فاقترب منها حمزة وهمس لها في أذنها بلهجة حادة لم يسمعها غيرها:
-حاولي أن تبتسمي يا لميس.. ولو كذباً، فاليوم ليس يومكِ لتظهري فيه كبرياءكِ الزائف.
اشتعلت عينا لميس غضباً، وفي تلك اللحظة قال آسر بجدية:
-لقد وصلت كافة طلبات الاحتفال، وقد حرصتُ على أن يكون قالب الحلوى وجميع المخبوزات من ذلك المتجر الشهير الذي ذاع صيته مؤخراً، فالجميع يثني على ذوقهم الرفيع وجودة صنعهم التي لا تُضاهى.
ابتسمت سناء بإعجاب وقالت:
—أحسنت الاختيار يا بني، سمعتُ الكثير عن هذا المكان، ويقولون إن لمساتهم في الحلويات تكاد تكون سحراً.
رد آسر مؤكدًا :
—بالفعل يا أمي، المحل يمتلك سمعة ممتازة، ولم أرغب في أن يشاركنا في احتفال ديما إلا الأفضل.
تحرك يحيى بخفته المعهودة ليساعد في تنظيم الطاولة، وهو يقول بمرح:
—ما دامت من اختيار آسر، ومن هذا المحل تحديداً، فأنا أضمن لكم أننا سنأكل أصابعنا خلفها! هيا يا رفاق، رائحة المخبوزات بدأت تغزوني.
ضحك حمزة وهو يوجه ديما لتقف معهم حول الطاولة، بينما ظلت لميس تقف بعيداً وهي تشعر بأنها غريبة عن هذا التآلف، وزاد من ضيقها اهتمام آسر المبالغ فيه بديما، وحرصه على أدق تفاصيل راحتها وسعادتها، في حين أنه لم يلتفت إليها بكلمة واحدة منذ وصولها، وكأنها لم تكن حاضرة في المكان. كان تجاهله لها أمام الجميع طعنة لكبريائها، خاصة وهي تراه يحيط شقيقته بكل ذلك الدفء والرعاية التي تفتقدها هي معه.
اشتعلت نيران الغيرة في صدرها وهي تتابع هذا الفيض من المشاعر الذي يحيط بديما؛ فالحب الذي يغدقه الجميع عليها، والتدليل الذي تحصل عليه دون عناء، جعل لميس تشعر بضآلة مكانتها رغم كل ما تبذله من جهد لتكون محور الاهتمام.
لم تكن ترى في ديما شقيقة آسر التي فقدت بصرها، بل رأت فيها منافسةً تسلبها الأضواء ،وتنتزع منها اهتمام آسر الذي طالما تمنته. وبينما كانت الضحكات تعلو والردهة تضج بالبهجة، انقبض قلب لميس بحقدٍ أسود، ونظرت إلى ديما نظرةً حادة ومسمومة، هامسةً في سرها بكرهٍ دفين:
—كل هذا من أجلكِ أنتِ؟ حتى عجزكِ أصبح وسيلةً لجذب القلوب وتهميش وجودي.. لن يدوم هذا الدلال طويلاً يا ديما."
ثم انزوت في ركنٍ بعيد، ترسم على وجهها ابتسامةً باهتة، بينما كان عقلها ينسج خيوطاً من التآمر تجاه تلك الفتاة التي لم تكن ترى عدوانيتها، لكنها بالتأكيد كانت تشعر ببرودة أنفاسها التي لوثت صفو الاحتفال.
❈-❈-❈
3-
بعد ساعات لم تتوقف فيها ريم عن التفكير، وفي يدها بطاقة العنوان التي تحمل اسمه. قلبها ينبض بخفقاتٍ متلاحقة، كأن القدر يهمس لها بخطوة جديدة نحو ماضٍ لم تتوقع أن يعبر طريقها من جديد.
اقتربت من كريم، وقد بدا التردد على وجهها، ثم قالت بصوت خافت لكنه واثق:
- أستاذ كريم، هل يمكن أن أستأذن اليوم قبل موعد الانصراف بساعة؟
رفع عينيه إليها، متسائلاً:
خيريا ريم؟ هل أنتِ بخير ؟ليس من عادتكِ طلب الانصراف مبكراً، هل حدث شيء؟
أومأت بابتسامة باهتة تحاول بها طمأنته:
-أنا بخير تماماً، صدقني.. فقط أريد شراء بعض الأشياء الضرورية، لكنني أرجوك ألا تخبر عمي بالأمر، فهو لن يسمح لي بالخروج وحدي.
تنهد كريم بضيق، وهو يعلم جيداً مدى تزمت عمها وسيطرته، وقال متسائلاً:
—ولماذا لا تخبرينه يا ريم؟ أليس من الأفضل أن يكون على علم بتحركاتكِ بدلاً من أن يغضب إذا عرف بالصدفة؟
أطرقت ريم برأسها، وقالت بنبرة تحمل مزيجاً من التعب والرضا بالواقع:
—لقد اعتدتُ على طباعه يا أستاذ كريم، وتوقفتُ عن الدخول معه في جدالاتٍ لا تنتهي. هو يرى أن خروجي عبث لا داعي له، وأنا لم يعد لدي طاقة لإقناعه بشيء لا يريد فهمه، لذا أفضل الصمت.
تأمل كريم وجهها قليلًا وشعر بالشفقة على تلك الروح التي تحاول استراد جزء من حريتها بعيداً عن قيود عمها الصارمة، ثم قال وهو يومئ برأسه:
—حسنًا يا ريم، اذهبي.. سأعتبر أنكِ غادرتِ في موعدكِ المعتاد, لكن لا تنسي أن تعودي غدًا مبكرًا، فلدينا الكثير من العمل.
لمعت عيناها بامتنان حقيقي وقالت:
—شكرًا لك يا أستاذ كريم.. لن أتأخر غداً، أعدك.
❈-❈-❈
4-
خرجت ريم من المحل، تضم العنوان إلى صدرها كما لو كان مفتاحًا لبوابة الزمن. كانت خطواتها مترددة أول الأمر، لكنها سرعان ما صارت أكثر ثباتًا مع كل لحظة. حتى وصلت إلى وجهتها، حيث يقف السور العالي كأنه يحرس المكان.
دلفَت من البوابة وسارت بخطىً متسارعة، وما إن استقرت أمام المدخل الرئيسي حتى مدّت يدها تضغط على الجرس، وقلبها يخفق بقوة.
لم تمر سوى لحظات حتى فُتح الباب، وظهرت أمامها امرأة أنيقة، شامخة الحضور، لكن ما إن وقعت عيناها على ريم حتى اتسعت دهشةً وصاحت بارتباك:
– منال!.. يا إلهي، منال؟!
ارتجفت ريم، وعادت بها الذاكرة إلى صورة والدتها، فقالت بخجل ممزوج بالدهشة:
– لا، ياحبيبتي… أنا ريم، ابنة منال.
لم تمهلها سناء لحظة، بل ارتمت عليها في عناق طويل كأنها تعانق صديقتها الراحلة من جديد، وعيناها تذرفان الدموع بلا توقف:
– ريم!.. يا وجع قلبي… كبرتِ وصرتِ نسخة من أمك… كأن منال عادت للحياة الآن!
احتضنتها ريم بقوة، كأنها وجدت أخيرًا صدرًا آمنًا فقدته منذ سنوات. قالت بصوت يرتجف:
– كنت أسمع اسمك من أمي، كانت دائمًا تقول إنكِ الأخت التي لم تلدها جدتي.
أمسكت سناء بيدها، وسحبتها إلى الداخل قائلة:
– تعالي يا ابنتي، اجلسي بجانبي فما زلت لا أصدق أنكِ هنا. أخبريني… ماذا جرى لكِ منذ رحيلك عن القاهرة؟
جلست ريم على الأريكة, وبدأت تحكي !
وبينما كانت ريم تسرد معاناتها، كانت سناء تعود بذاكرتها إلى تلك السنوات البعيدة؛ فتذكرت صديقتها منال وأيام زمالتهما في المستشفى، حين كانت هي تعمل في قسم النساء ومنال في قسم الطوارئ. ورغم أن سناء تنحدر من أسرة ميسورة وزوجها عادل كان ميسور الحال أيضاً، إلا أنها كانت تصر على العمل كرسالة إنسانية، وكان بيت منال البسيط، الذي لا يبعد عن منزلها سوى دقائق قليلة، هو المكان الذي تجد فيه الراحة والدفء الصادق.
ومع استمرار ريم في حديثها، استرجعت سناء بمرارة محاولاتها المستمرة للوصول إليها بعد رحيلها؛ فتذكرت كيف كانت تتصل بالرقم الذي تركه لها عمها لتجده دائماً خارج الخدمة، وكيف استعان زوجها عادل بمعارفه للبحث عن العنوان الذي كتبه الرجل في مطروح، ليكتشفوا أنه لا وجود لشارع بهذا الاسم أصلاً، فأيقنت وقتها أن الرجل خطط بدقة لإخفاء الطفلة وقطع كل خيط يربطها بالماضي.
تذكرت أيضاً كيف انقلبت حياتها رأساً على عقب بعد تلك الأحداث بفترة قصيرة، حين ورث عادل والده وأبرم صفقة تجارية كبرى نقلت العائلة نقلة مادية ضخمة، ليرحلوا عن بيتهم القديم إلى هذه الفيلا في حيٍّ أرقى. وفي خضم تلك التحولات، قررت سناء ترك العمل والتفرغ لشؤون بيتها، لكن رغم كل الرغد الذي عاشت فيه، ظل هناك فراغ في قلبها لم يملأه شيء، فراغ يحمل اسم ريم.
نظرت سناء إلى ريم الجالسة أمامها، ثم سألتها بأسى :
—وكيف استطعتِ الصمود كل هذه السنوات يا ريم؟ وحدكِ مع رجل بقسوة عمكِ؟
تنهدت ريم وأجابت:
—كانت ذكراكِ وذكرى أمي وأبي هي ما يمنحني القوة. كنت أقول لنفسي إن الدنيا لا بد أن تجمعني بكِ يومًا ما، لأشعر بالأمان الذي افتقدته.
ربتت سناء على يدها بحنان وقالت:
—والآن وقد جمعنا القدر، لن أسمح لأي شيء أن يفرقنا ثانية.
ابتسمت ريم بامتنان، لكنها سرعان ما وقفت بحذر وهي تنظر إلى ساعتها، ثم قالت بنبرة قلقة:
—أعتذر منكِ يا حبيبتي، لكن عليّ المغادرة الآن.. يجب أن أصل إلى البيت قبل موعد عودتي المعتاد من العمل، فعمي يعتقد أنني هناك، وإذا تأخرتُ أو عرف أنني ذهبتُ إلى مكانٍ آخر بمفردي فلن تمر الليلة على خير.
أمسكت سناء بيديها قائلة بحنانٍ:
– لا تذهبي قبل أن تعودي إليّ غدًا. ستأتين لتتناولي الغداء معنا، سأعرفك على أولادي، وسأقول لهم إن القدر ردّ لي ابنتي الثانية… لقد وجدتك يا ريم، ولا أريد أن أفقدك مرة أخرى.
ابتسمت ريم، وعيناها تلمعان بالدموع:
– سأعود يا حبيبتي… أعدك.
يتبع..
ولنا عودة بعد رمضان بإذن الله....
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة يارا علاء الدين، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

تم