رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 12 - الأربعاء 11/2/2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل الثاني عشر
تم النشر الأربعاء
11/2/2026
بعد انتهاء الغداء، وقفت جيهان بهدوء وقالت موجهة حديثها ليوسف وتامر:
ـ يوسف، تامر.. من فضلكم محتاجة أتكلم معاكم في المكتب لدقائق بخصوص ورق المناقصة.
دخل الثلاثة إلى المكتب، وأغلقت جيهان الباب لتبدأ في إطلاعهم على المعلومات الدقيقة واللمسات النهائية التي أعدتها من المنزل. انبهر يوسف بدقتها، بينما هتف تامر بحماس:
ـ إحنا كدة أصبحنا جاهزين تماماً للمنافسة يا جيهان.. مجهودك وفر علينا كتير. بكرة بابا هيشرفنا في الشركة علشان يوقع الأوراق النهائية قبل ما نسلمها لمقر المناقصة.
اطمأن الجميع على خطة العمل، فاستأذن تامر وغادر المنزل. عند خروج يوسف من المكتب، وجد سميرة ونور بانتظارهما في الخارج، فقالت جيهان ليوسف بنبرة جادة:
ـ يوسف، كنت حابة أتكلم معاك في أمر خاص بينا..
هنا قاطعتها سميرة بخبث وهي تحاول فرض وجودها:
ـ وإيه هو الموضوع الخاص ده يا جيهان؟ ما تتكلمي هنا قدامنا كلنا، إحنا عيلة واحدة ومفيش بينا أسرار!
نظرت لها جيهان بابتسامة سخرية باردة، ثم التفتت ليوسف وقالت بثبات:
ـ تمام يا سميرة، مفيش مشكلة.. يوسف، أنا قررت أجيب مربية خاصة للبنات، تتواجد معاهم بصفة دائمة وتهتم بكل شؤونهم طول ما إحنا في الشركة.
صدمت سميرة من الطلب، بينما فكر يوسف للحظات؛ ورغم أنه كان يرفض الفكرة لسنوات، إلا أنه وافق الآن دون تردد. فهو يدرك مدى حاجة العمل لوجود جيهان معه، والأهم من ذلك، أنه لم يعد يأمن على بناته في وجود سميرة وحدهم بعد ما رآه من مكائد.
قال يوسف بحسم:
ـ أنا موافق يا جيهان.. فعلاً ده أنسب قرار عشان نكون مطمنين عليهم وإحنا في الشغل، والبنات محتاجين رعاية متخصصة.
نزلت موافقة يوسف كالصاعقة على سميرة، بينما شعرت جيهان أنها وضعت أول حجر في جدار حماية بناتها وتأمين مستقبلها بعيداً عن ألاعيب البيت.
بعد موافقة يوسف على المربية، استغلت نور الأجواء وقالت بهدوء:
ـ وأنا كمان يا يوسف قررت أرجع لشغلي من بكرة، وعلشان كدة لازم نجيب خادمة تكون مسؤولة عن إعداد الطعام للكل.. مش عاوزة حد فينا يدخل المطبخ تاني علشان نمنع أي مشاكل أو حساسية ممكن تحصل زي ما حصل مع جيهان.
رغم رفض يوسف السابق لتعدد الخدم، إلا أنه وافق الآن ليضمن عدم وقوع صدامات في المطبخ، ولأنه لا يريد أن يضع ضغطاً كبيراً على سميرة وحدها في المنزل أثناء غيابهن.
هنا، قررت سميرة اللعب على وتر العدل لتعيد فرض سيطرتها، فقالت بمكر:
ـ تمام، المربية والخادمة هيجوا.. بس لازم من بكرة نرجع لنظامنا القديم؛ المبيت بالعدل. إنت يا يوسف بقالك أسبوعين مع نور وتجاهلتنا تماماً، ومن حقنا نرجع لنظام الليلة بليلة.
نظرت لها نور بغضب وضيق شديد، لكن يوسف حسم الأمر وقال بصوت جهوري:
ـ سميرة معاها حق، ومن بكرة النظام القديم هيرجع.. وبكرة ليلتي هتكون عند سميرة.
كان يوسف في داخله يريد أن يضع حداً لتمرد سميرة ويراقبها عن قرب في غرفتها، كما كان يعلم أنه لو اختار جيهان لثارت سميرة ونور وأشعلتا البيت غيرة، فاختار الحل الذي يمتص الغضب مؤقتاً.
انتهى الاجتماع وسط نظرات متباينة، وصعد يوسف إلى غرفته مع نور ليقضي ليلته الأخيرة قبل العودة للنظام القديم.
بمجرد أن أغلق يوسف باب الغرفة، لم تستطع نور كتمان غضبها أكثر من ذلك، فالتفتت إليه وقالت بنبرة حادة ممزوجة بالمرارة:
ـ يعني خلاص يا يوسف؟ بالبساطة دي وافقت سميرة ورجعت نظام الليالي؟ أنا مكنتش متخيلة إني هكون مجرد رقم في جدول زيي زيهم!
نظر إليها يوسف بهدوء، وهو ينزع ساعته ويضعها على الطاولة، ثم قال بصوت رزين ومستقر:
ـ نور، أنا من الأول قولتلك إني راجل مش بيحب الظلم، ومقدرش أفتح باب للفتنة في بيتي أكتر من كدة. استقرار الأسرة دي عندي فوق كل شيء، والعدل هو اللي هيخلي المركب تمشي من غير ما تغر.ق بينا كلنا.
حاولت نور أن تجادله وتذكره بالأسبوعين الماضيين، لكنه قاطعها بحزم هادئ:
ـ الموضوع منتهي يا نور، ده قراري علشان مصلحة الكل. ارتاحي دلوقتي عشان ورانا يوم طويل بكرة في الشركة.
استلقى يوسف على الفراش وأغمض عينيه، بينما استلقت نور بجانبه وهي تشعر بضيق شديد يأكل صدرها؛ فإحساسها بأنها لم تعد الاستثناء الوحيد في حياة يوسف، وأن جيهان وسميرة ما زال لهما ثقل وقوانين تحكم وجودها، جعلها تدرك أن معركتها في هذا البيت ستكون أصعب مما خططت له.
❈-❈-❈
بدأ الصباح في غرفة جيهان، كانت تنهي استعداداتها بمنتهى الهدوء والثقة. سمعت طرقات خفيفة على الباب، وعندما سمحت بالدخول، وجدت يوسف أمامها يسألها باهتمام:
ـ خلصتي يا جيهان؟ عشان ننزل نفطر ونلحق نتحرك على الشركة.
أومأت له بموافقة وأخبرته أنها جاهزة، وهبطا معاً إلى الأسفل حيث كانت سميرة ونور بانتظارهما.
تناولوا الإفطار في هدوء تام، ساد الصمت المائدة حتى قطعه يوسف ليخبرهم بالترتيبات الجديدة:
ـ اعملوا حسابكم إن الخادمة هتوصل البيت النهاردة، ومسؤوليتها هتكون الأكل للكل علشان محدش يشيل هم المطبخ وتتفرغوا لشغلكم.
وعندما همّ يوسف وجيهان بالمغادرة، أسرعت نور بالوقوف وقالت ليوسف بتعلل:
ـ يوسف، خدني معاك في طريقك، أنا متأخرة جداً النهاردة على المستشفى.
وبالفعل، تحركت نور لتركب في المقعد الأمامي بجوار يوسف كما كانت تفعل دائماً لتثبت مكانتها، أما جيهان فتجاهلت الأمر تماماً ولم تعترض، بل ركبت في الخلف وفتحت ملف المناقصة تراجعه للمرة الأخيرة بتركيز فولاذي.
قام يوسف بتوصيل نور أولاً، ثم اتجه مباشرة إلى مقر الشركة مع جيهان. وبمجرد دخولهما المكتب، وجدا والده وأخاه بانتظارهما. رحب يوسف بوالده وأخيه، وبدأت ملامح الجدية تكسو الوجوه، فقد حانت لحظة توقيع الأوراق النهائية من قِبل عدنان قبل تسليم المناقصة.
داخل مكتب الشركة، ساد تركيز تام؛ حيث بدأ تامر ويوسف مراجعة الملف للمرة الأخيرة بتركيز شديد، فهذه المناقصة لا تتحمل أي ثغرة أو خطأ بسيط. وبعد أن اطمأنوا تماماً، وجها حديثهما لوالدهما مؤكدين له أن كل شيء يسير وفق الخطة الموضوعة وبدقة عالية.
أمسك عدنان القلم ووقع الأوراق بهيبته المعتادة، ليلتقط تامر الملف بسرعة وينطلق لتسليمه في الموعد المحدد. استأذنت جيهان وتوجهت إلى مكتبها لتباشر مهامها، بينما بقي يوسف مع والده في المكتب.
نظر عدنان ليوسف بجدية وقال:
ـ يوسف، في موضوع عائلي لازم تعرفه. في عريس متقدم لأختك، ووالده كان صديق قديم ليا الله يرحمه. العريس ضابط شرطة وكفء، وحددنا ميعاد بكرة يجي البيت يقابلها.
أكمل عدنان وكأنه يرسخ دور جيهان الجديد في العائلة:
ـ عاوزك بكرة تكون موجود طبعاً، وتخلي جيهان كمان تكون موجودة وتحضر المقابلة دي.
وافق يوسف على الفور، لكنه سأل باهتمام عن هوية الشخص وتفاصيله، ليطمئنه عدنان بأنه من أصل طيب ومن عائلة كريمة. وبعد أن اتفقا على ترتيبات الغد، غادر يوسف المكتب ليلحق بأعماله المتراكمة، لكن عدنان لم يغادر؛ بل طلب من السكرتيرة استدعاء جيهان إلى مكتبه فوراً.
دخلت جيهان المكتب وهي تشعر ببعض القلق من هذا الاستدعاء المفاجئ، ليرحب بها عدنان ويطلب منها الجلوس قائلاً بنبرة تحمل الكثير من المعاني:
ـ تعالي يا جيهان، كنت عاوز أتكلم معاكي في موضوع مهم بعيد عن الشغل والمناقصة..
جلست جيهان أمام عدنان، والفضول يلمع في عينيها، فسألته باهتمام عن سبب استدعائه لها، ليتنهد عدنان بعمق ويقول بنبرة يملؤها الحرص الأبوي:
ـ يا جيهان، أنا عاوز أعقد قران تامر وكاميليا أول ما ترجع من باريس.. أنا كبرت وعاوز أطمن على ولادي، وبالذات كاميليا، إنتي عارفة غلاوتها عندي من يوم ما اهلكم اتوفوا وأنا بعتبرها بنتي اللي مخلفتهاش.
أجابته جيهان بهدوء وثبات، ولم تظهر أي اعتراض:
ـ أنا معنديش أي اعتراض يا عمي، وتامر مفيش أحسن منه يكون عريس ومسؤول عنها.
لكن ملامحها تبدلت فجأة وغلف الحزن نبرة صوتها وهي تكمل:
ـ جايز حظ كاميليا يكون أحسن من حظ أختها الكبيرة..
وقعت كلماتها كالصاعقة على قلب عدنان؛ فقد شعر في تلك اللحظة بفداحة الخطأ الذي ارتكبه حين أجبر يوسف على الزواج من سميرة ثم نور فوق جيهان، وكيف أن ضريبة استقرار البيت دفع ثمنها قلب جيهان وحدها.
حاولت جيهان تجاوز اللحظة سريعاً، فأضافت بجدية وتنظيم:
ـ أنا هتكلم معاها أول ما ترجع يا عمي.. بس فيه نقطة مهمة، كاميليا لازم تيجي تعيش معايا أول ما ترجع، لأنها خلاص كبرت وميصحش تفضل هي وتامر في بيت واحد من غير رابط رسمي لحد ما يتم الجواز.
أعجب عدنان برجاحة عقلها وحفاظها على الأصول، ووافقها الرأي فوراً. استمر الحديث بينهما لبعض الوقت حول تفاصيل الصفقة والمناقصة، قبل أن تستأذن جيهان وتغادر إلى مكتبها، تاركة عدنان يراجع حساباته القديمة تجاهها.
عاد تامر إلى الشركة بخطوات سريعة وملامح يملؤها الارتياح، دخل مكتب والده وأخبره بنبرة واثقة:
ـ خلاص يا بابا، الأوراق اتسلمت وكل شيء انتهى على خير، وإن شاء الله المناقصة تكون من نصيبنا.
ابتسم عدنان براحة، ثم نظر لابنه بجدية وقال:
ـ عفارم عليك يا تامر.. كنت لسه بتكلم مع جيهان هنا في المكتب بخصوصك أنت وكاميليا، وقررت إن كتب الكتاب هيكون أول ما ترجع من باريس بإذن الله.
تهلل وجه تامر بالشكر والامتنان، لكن عدنان أكمل حديثه بحزم:
ـ وعاوزك من النهاردة تبدأ تدور على سكن وتأسس بيت خاص بيك يا تامر.. مش عاوز جوازكم يكون في البيت الكبير معانا، كل واحد لازم يكون ليه حياته المستقلة ومملكته الخاصة.
بعد أن غادر عدنان الشركة، توجه تامر فوراً إلى مكتب جيهان ليتحدث معها؛ فهي ليست فقط زوجة أخيه، بل هي الأخت الكبرى لكاميليا والشخص الذي يثق في رأيه تماماً. دخل المكتب ووجدها غارقة في أوراقها، فقال بصدق:
ـ جيهان.. بابا قالي على اللي دار بينكم من شوية.. أنا مش عارف أشكرك إزاي على ثقتك فيا، وبوعدك إني هشيل كاميليا في عيني.
ابتسمت جيهان بوقار وهي تلمس صدق مشاعر تامر، لكنها وجهت له تحذيراً نابعاً من غريزة الأمومة التي تشعر بها تجاه شقيقتها، وقالت بنبرة حازمة:
ـ أنا واثقة فيك يا تامر، بس لازم تعرف.. كاميليا مش مجرد أختي الصغيره، دي بنتي اللي ربيتها وشيلت مسؤوليتها من يوم وفاة أهلي. لو في يوم زعّلتها أو جيت عليها، هكون أنا أول شخص يقف قدامك، ومش هسمح لأي حد يكسر بخاطرها.
رد تامر بصدق وطمأنينة:
ـ حقك يا جيهان، وده اللي مخليني مطمن، إن كاميليا وراها ضهر وحماية زيك. أوعدك إنها هتكون في عيني ومكرمة في بيتها.
بعدها، خفضت نبرة التوتر، وجلس تامر أمام مكتبها وبدأا في التحدث بتفاصيل التجهيزات. جيهان، ببراعتها في التنظيم، بدأت تناقش معه كيف سيبدأ في اختيار المنزل وتجهيزه ليليق بكاميليا، وما هي الخطوات التي يجب اتخاذها فور عودتها من باريس. كان الحوار يملؤه الود والترتيب لمستقبل شقيقتها التي تعتبرها أغلى ما تملك.
أنهى يوسف عمله وتوجه إلى مكتب جيهان ليصحبها معه إلى المنزل، وبمجرد دخوله وجد تامر لا يزال جالساً يتحدث معها، فنظر إليه بغيظ وقال بنبرة متهكمة:
ـ تامر أنا بقيت بشك إن مكتبك بقى هنا في مكتب جيهان.. مش ناوي تتحرك ولا عجبك القعدة؟
ضحك تامر وأخبره عن حديث والدهما مع جيهان بخصوص زواجه من كاميليا، فتبدلت ملامح يوسف إلى ابتسامة وتقدم منه ليهنئه:
ـ ألف مبروك يا تامر، أخيراً يا بطل.. بس خلي بالك، كاميليا أمانة، وإياك في يوم تسبب لها أي حزن أو ضيق.
هنا لم تتمالك جيهان نفسها، فنظرت ليوسف بصمت وبنظرة ذات مغزى وكأنها تقول بداخلها:
ـ مين اللي بيتكلم عن عدم التسبب في الحزن؟!
وكأنها تذكره بما يفعله بها وبقلبها كل يوم.
شعر يوسف بنظراتها فأراد تغيير الموضوع، والتفت إليها قائلاً:
ـ صحيح يا جيهان، والدي بلغني إن فيه عريس متقدم لـ "ندى" ، وهو ضابط شرطة، وبكرة هنروح نقابله في البيت، وبابا طلب إنك تكوني موجودة معانا ضروري.
سعدت جيهان من أجل ندى فهي تحبها كثيراً، وقالت بصدق:
ـ ألف مبروك لندى، أكيد هكون موجودة، ندى تستاهل كل خير.
عاد يوسف برفقة جيهان إلى المنزل، وبمجرد دخولهما وجدا سميرة ونور في انتظارهما. بادرت سميرة بالحديث وهي تحاول إظهار اهتمامها بالمنزل:
ـ يوسف، الخادمة الجديدة وصلت واستلمت شغلها، وهي دلوقتي في المطبخ بتبدأ تجهيزات العشاء.
أومأ يوسف برأسه بجدية، ثم طلب استدعاء الخادمة فوراً؛ فقد أراد أن يضع النقاط على الحروف أمام الجميع. وحين وقفت الخادمة أمامهم، قال يوسف بصوت جهوري وحازم:
ـ اسمعيني كويس، إنتي هنا علشان تخدمي البيت كله، ومفيش واحدة فيهم تاخدك لحسابها الخاص أو تسيطر عليكي. أي تجاوز من أي نوع أو انحياز لواحدة على حساب التانية، هتكوني برا البيت فوراً.. مفهوم؟
وافقت الخادمة بارتباك وأكدت التزامها، بينما كانت الزوجات يستمعن لهذا التحذير الذي كان موجهاً لهن أكثر مما هو موجه للخادمة.
استأذنت جيهان وصعدت لغرفتها بهدوئها المعهود لتبدل ملابسها وتستريح من عناء يوم طويل، وصعد يوسف هو الآخر لغرفته. لم تضع سميرة الوقت، فأسرعت خلفه بحجة مساعدته في تحضير ملابسه، وهي تشعر بنشوة الانتصار؛ فهذه ليلتها، وقد قررت استغلالها بكل الطرق لاستعادة يوسف لصفها ومحو أثر الأسبوعين اللذين قضاهما مع نور.
في غرفة يوسف، كانت سميرة تتحرك بخفة وهدوء، وضعت له ملابسه المريحة والتفتت إليه بنظرة نادمة وقالت بنبرة منكسرة:
ـ يوسف، أنا عارفة إن الفترة اللي فاتت صدر مني تصرفات ضايقتك.. بس كل ده كان بدافع غيرتي عليك وحبي ليك، أنا مكنتش متخيلة حياتي من غير اهتمامك.
نظر إليها يوسف مطولاً، كان يحاول قراءة ما وراء عينيها، وقرر في داخله أن يعطيها فرصة جديدة ليرى إن كانت قد تعلمت الدرس أم أنها مجرد مناورة؛ فأومأ لها بهدوء مشيراً إلى أنه تجاوز الأمر، ثم هبطا معاً لتناول العشاء.
في تلك الأثناء، كانت جيهان قد انتهت من تبديل ملابسها، وذهبت أولاً لتطمئن على بناتها وتضمهم إليها، فبناتها هن الملاذ الوحيد لقلبها المرهق، ثم هبطت معهن إلى مائدة الطعام.
اجتمع الجميع على العشاء، وكانت سميرة مبالغة في توددها ليوسف؛ تضع له الطعام، تبتسم له، وتتحدث معه بدلال واضح أمام أعين الجميع. راقبت جيهان المشهد بصمت، ودار شريط الذكريات في مخيلتها، تذكرت يوم زواج يوسف من سميرة وكيف كانت سميرة تفعل نفس الحركات لتستميله وتسرق نظراته منها.. الفارق الوحيد أن جيهان اليوم لم تعد تلك الزوجة المكسورة، بل أصبحت امرأة متصالحة مع واقعها.
ابتسمت جيهان بمرارة وهدوء، وكأنها تشاهد فيلماً قديماً يعيد نفسه، ثم وضعت ملعقتها وقالت برقي:
ـ سفرة دايمة.. استأذنكم أنا، محتاجة أرتاح شوية علشان يوم بكرة طويل.
انسحبت جيهان بهدوء إلى غرفتها، تاركة الساحة لسميرة التي ظنت أنها انتصرت، ولنور التي كانت تأكلها الغيرة وهي ترى يوسف يستجيب لمحاولات سميرة.
أغلقت سميرة باب الغرفة خلفهما، وكأنها تغلق الباب على العالم الخارجي بكل صراعاته. كانت الأجواء في الغرفة هادئة، يفوح منها عطر سميرة القوي الذي تعمدت نثره في الأركان.
بدلت ثيابها وارتدت رداءً من الحرير يبرز أنوثتها، ثم اقتربت من الفراش حيث كان يوسف يجلس ساندًا ظهره، يبدو عليه الإرهاق. لم تتحدث في البداية، بل بدأت بلمسات رقيقة على كتفيه، وبدأت تقوم بعمل مساج له بحرفية، وهي تهمس بالقرب من أذنه بصوت رخيم:
ـ وحشتني يا يوسف.. الأيام اللي فاتت كانت كأنها سنين. البيت من غير ضحكتك وصوتك معايا في الأوضة مكنش ليه طعم.
انحنت لتقبل كتفه وهي تكمل:
ـ أنا مش عاوزة حاجة من الدنيا دي غيرك، ولا فارق معايا مناقصة ولا شركة.. المهم عندي إنك تكون راضي عني وفي حضني.
يوسف أغمض عينيه مستسلمًا لراحة يدها التي تخللت عضلات كتفه المتشنجة، لكن عقله لم ينفصل تمامًا عن الواقع. كان يشعر بجمال اللحظة ويستمتع بدلالها الذي طالما جذبه إليها، إلا أن حذره كان يقظًا كجندي في الميدان. كان يسأل نفسه بصمت:
ـ هل هذا الحب حقيقي؟ أم أنه سلا.ح تستخدمه سميرة الآن لتستعيد أرضها بعد أن سحبت نور البساط من تحت قدميها؟
التفت إليها يوسف، وأمسك يدها بلطف ليوقفها، ثم نظر في عينيها بعمق، فابتسمت هي بانتصار ظنًا منها أنها ملكت قلبه بالكامل، لكنه قال بنبرة هادئة تجمع بين الحنان والحذر:
ـ أنا فعلاً كنت محتاج للهدوء ده.. أتمنى نفضل كدة على طول، من غير مشاكل ومن غير ما تخليني أندم إني صدقت اللحظة دي.
جذبت سميرة يده وقبلتها، محاولةً طمأنته بكل الطرق الأنثوية التي تتقنها، وانجرف يوسف في تلك الليلة الرومانسية، لكن في ركن بعيد من عقله، كان يترقب الغد..
يتبع...
