-->

رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 11 - الأحد 8/2/2026

 

قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 


الفصل الحادي عشر 

تم النشر الأحد 

8/2/2026



اتجهت نور إلى المطبخ وهي تشعر بالضيق، وأعدت لنفسها شطيرة جبن بسيطة ومعها مشروب ساخن، ثم خرجت وجلست بجانب سميرة في الردهة. نظرت إليها سميرة بطرف عينها وهتفت بخبث:

ـ على فكرة يا نور، إنتي اللي عليكي تعملي الغدا النهاردة.. وأنا طبعاً هساعدك عشان دي أول مرة تطبخي لنا في البيت، ولازم تورينا شطارتك قدام يوسف.

توقفت نور عن الأكل ونظرت لسميرة بصدمة، فهي لم يسبق لها أن أعدت الطعام لأحد من قبل، لكنها حاولت أن تبدو طبيعية وتخفي ارتباكها، فردت باختصار:

ـ ماشي يا سميرة، مفيش مشكلة.

أنهت نور شطيرتها بسرعة وصعدت إلى غرفتها وهي تشعر بالقلق من هذه الورطة، وظلت هناك حتى حل المساء، وحان موعد تنفيذ المهمة. هبطت إلى الأسفل بخطوات ثقيلة، لتجد سميرة بانتظارها في المطبخ لتبدأ رحلة إعداد الغداء.

دخلت نور المطبخ وهي تحاول استجماع شجاعتها، بينما وقفت سميرة تراقب كل حركة من حركاتها بخبث، وكأنها تنتظر اللحظة التي ستفشل فيها نور لتثبت ليوسف أنها لا تصلح أن تكون زوجه له.

بدأت نور في محاولاتها لإعداد بعض الوجبات البسيطة التي بحثت عنها سرياً على الإنترنت أثناء وجودها في غرفتها، وكانت تحاول جاهدة أن تظهر بمظهر الواثقة أمام سميرة. لاحظت سميرة ارتباكها، فقالت لها بنبرة هادئة ومريبة:

ـ خلاص يا نور، اطلعي إنتي دلوقتي غيري هدومك وجهزي نفسك قبل ما يوسف يوصل، وأنا هكمل الباقي هنا.

وافقت نور على الفور وصعدت لغرفتها وهي تشعر بالراحة لأنها هربت من مراقبة سميرة المستفزة.

أما في الشركة، فقد أنهت جيهان كل ما وراءها من ملفات وحسابات، لكنها لم تغادر؛ بل ظلت جالسة في مكتبها تنتظر يوسف حتى ينهي عمله ليعودا معاً كما هي العادة. وبالفعل، أتى إليها يوسف بعد وقت قصير، وغادرا الشركة في صمت يسوده التفكير في ضغوط الصفقة القادمة.

بمجرد وصولهما للمنزل، صعد كل منهما لتبديل ثيابه والاستعداد لتناول الغداء بعد يوم شاق، ثم هبطا مرة أخرى إلى الطابق السفلي حيث كانت رائحة الطعام تفوح في الأرجاء.

جلس الجميع حول المائدة، وبدأت جيهان في تناول الطعام، لكنها فجأة توقفت عن الأكل وبدأت تسعل بشدة وهي تحاول التقاط أنفاسها، فحدة "الشطة" كانت تفوق تحملها، خاصة وأنها ممنوعة تماماً من الأكل الحار لأسباب صحية.

انتفض يوسف من مكانه وهتف بغضب وهو ينظر لسميرة:

ـ إيه ده يا سميرة؟ إنتي عارفة كويس إن جيهان ممنوعة من الشطة، ليه الأكل حار كده؟

ردت سميرة ببرود تام وهي تشير بصرها نحو نور:

ـ يوسف مش أنا اللي طبخت النهاردة، نور هي اللي صممت تعمل الغدا بنفسها وتورينا شطارتها.

لم تتحمل جيهان الألم الذي بدأ يجتاح في معدتها، فانسحبت من المائدة وصعدت لغرفتها مسرعة لتأخذ دواءها. في هذه الأثناء، اقتربت نور من يوسف وقالت له بمكر وهي تحاول رسم البراءة:

ـ صدقني يا يوسف الأكل طبيعي جداً ومفيهوش حاجة، جيهان بس بتدلع وبتحاول تبوظ عليا فرحتي بأول مرة أطبخ لك فيها وتطلعني غلطانة قدامك.

نظر إليها يوسف بشك، ثم سحب طبق جيهان وتذوق منه ملعقة واحدة، فاشتعلت النيران في فمه من كثرة الشطة. نظر لنور بحدة وقرب الطبق منها قائلاً:

ـ بما إن الأكل طبيعي، كلي إنتي كمان من طبق جيهان ده يا نور.

ارتبكت نور وحاولت الرفض، لكنه صمم، وما إن تذوقت ملعقة صغيرة حتى صرخت من شدة الحرارة وهي تهرول لتبحث عن ماء. تأكد يوسف حينها أن الأمر كان مقصوداً، فترك المائدة بغضب وصعد فوراً لغرفة جيهان ليطمئن عليها.

نظرت نور لسميرة بنظرات كلها شك واتهام، لكن سميرة تجاهلتها تماماً ببرود مرعب، وكأنها لم تفعل شيئاً، وقررت أن تصعد لغرفتها لتنهي هذا النقاش. لم تسكت نور، بل صعدت خلفها واقتحمت الغرفة وهي تصرخ في وجهها:

ـ إنتي اللي حطيتي الشطة في الأكل يا سميرة! أنا متأكدة إني سايبة الأكل مظبوط، إنتي عملتي كده عشان توقعي بيني وبين يوسف!

التفتت إليها سميرة بابتسامة صفراء باردة، وردت عليها بمنتهى الثبات:

ـ يا حبيبتي لو معاكي دليل يثبت كلامك ده وريهوني.. ولو ممعكيش، يبقى وفري كلامك ده لنفسك.

ثم اقتربت منها بحدة وأشارت لها نحو الباب وهي تأمرها:

ـ ويلا بقى، اطلعي بره أوضتي واقفلي الباب وراكي.. مش ناقصة وجع دماغ.

خرجت نور وهي تغلي من الغيظ، بينما كانت جيهان في غرفتها تعاني من تبعات ما حدث. بعد ما أخذت الدواء، بدأ الألم الحاد في معدتها يهدأ قليلاً، لكن سرعان ما شعرت برعشة قوية تسري في جسدها بالكامل. تملكتها برودة شديدة رغم دفء الغرفة، فسحبت الغطاء وأحكمته حول جسـ.ـدها وهي تحاول جاهدة أن تستعيد توازنها وتتغلب على حالة الإعياء التي أصابتها فجأة.

دخل يوسف غرفة جيهان بملامح يكسوها القلق، لكنه صدم عندما وجدها تنتفض تحت الغطاء ووجهها شاحب تماماً. اقترب منها ووضع يده على جبينها، فصدم من شدة سخونتها وشعر بخوف حقيقي عليها. سألها بصوت مرتجف:

ـ جيهان.. إنتي كويسة؟ مالك يا حبيبتي بتترعشي كده ليه؟

ردت عليه جيهان بصوت ضعيف يكاد يُسمع، وهي تحاول جاهدة فتح عينيها:

ـ مش عارفة يا يوسف.. حاسة ببرودة فظيعة وجـ.ـسمي كله بيترعش، والحرارة مش راضية تنزل.

يوسف بلهفة حاول مساعدتها لتعتدل في فراشها، لكنها أكملت بوهن:

ـ أنا أخدت الدواء خلاص.. شوية بس وجـ.ـسمي هيهدى والحرارة هتنزل، متقلقش.

أصر يوسف على البقاء بجانبها وقال بحزم:

ـ لا يا جيهان، أنا مش هسيبك الليلة دي وإنتي في الحالة دي خالص.. هفضل جنبك لحد ما أتطمن إنك بقيتي بخير.

رغم تعبها، أظهرت جيهان كبرياءها المعتاد، وبدأت تستجمع قواها تدريجياً، فنظرت إليه وطلبت منه الهدوء وهي تحاول أن تبدو متماسكة:

ـ يوسف، لو سمحت.. أنا بدأت أفوق أهو، روح إنت أوضتك وارتاح وراك شغل الصبح.. أنا فعلاً بقيت أحسن ومش محتاجة حد جنبي.

حاول يوسف الاعتراض، لكن إصرارها ونظراتها جعلته يتردد، فجلس بجانبها قليلاً يراقب أنفاسها وهي تبدأ في الانتظام.

ظل يوسف بجانب جيهان يراقبها بقلق حتى غلبها النوم تماماً، فقام بتغطيتها جيداً وتأكد من استقرار أنفاسها، ثم خرج من الغرفة بهدوء متوجهاً إلى غرفته هو ونور. بمجرد دخوله، وجد نور جالسة بانتظارها والدموع في عينيها، فنظر إليها بحدة وعاتبها بصوت منخفض لكنه غاضب على ما حدث لجيهان.

انفـ.ـجرت نور في البكاء وقالت بنبرة مظلومة:

ـ أنا طبخت الأكل للبيت كله، ولو كنت حطيت شطة كان الكل اتأذى مش جيهان بس! ليه دايماً أنا اللي بطلع غلطانة في نظرك؟

بدأ الشك يتسلل لقلب يوسف تجاه سميرة، خاصة وهو يتذكر برودها عند المائدة، لكنه لم يرد التسرع في اتهام أحد، وقرر في داخله أن يكشف الحقيقة بطريقته في أسرع وقت. حاولت نور أن تقترب منه وتكمل حديثها لتلطيف الجو، لكنه قاطعها بجمود وهو يتجه للفراش:

ـ نور، أنا مش قادر أتكلم دلوقتي.. محتاج أرتاح جداً عشان ورايا مواعيد مهمة الصبح بخصوص المناقصة، نامي دلوقتي.

استسلمت نور وصمتت بضيق، بينما ظل يوسف مستلقياً وهو يفكر في الصراعات التي بدأت تشتعل داخل بيته، وكيف سيواجه "لعبة" سميرة إذا ثبتت إدانتها.

❈-❈-❈

أشرقت شمس يوم جديد، لكن الأجواء في المنزل كانت لا تزال ملبدة بغيوم أحداث الأمس. استيقظ يوسف وارتدى ملابسه في صمت، وألقى نظرة ضيق أخيرة على نور التي كانت لا تزال نائمة أو تتظاهر بالنوم، ثم غادر الغرفة متجهاً مباشرة إلى غرفة جيهان.

دخل بهدوء ووجدها لا تزال نائمة، فوضع يده على وجهها بحنان ليطمئن على حرارتها، ففتحت جيهان عينيها بضعف وسألته بصوت هادىء:

ـ الساعة كام دلوقتي يا يوسف؟

رد عليها بهدوء: 

ـ الساعة ٨ يا حبيبتي، ارتاحي خالص.

حاولت جيهان أن تنهض بصعوبة وهي تقول: 

ـ لازم أقوم.. الشغل والمناقصة، مش هينفع أسيب تامر لوحده في الحسابات النهاردة.

لكن يوسف ضغط على كتفها برفق ليعيدها لفراشها قائلاً بحسم:

ـ مفيش نزول النهاردة، إنتي لسه تعبانة. أنا هتابع كل حاجة مع تامر وهكلمك أقولك وصلنا لإيه.. خليكي النهاردة ارتاحي علشان تقدري تكملي بعدين.

استسلمت جيهان لضعف جـ.ـسدها ووافقت، فقبل يوسف رأسها وتركها ليرتاح قلبه قليلاً، ثم هبط للاسفل. في الردهة، كانت سميرة تقف وتنظر نحو السلم بتعجب، وما إن رأته حتى سألت بمكر:

ـ صباح الخير يا يوسف.. هي جيهان فين؟ غريبة إنها منزلتش لحد دلوقتي وهي اللي بتمشي المواعيد بالثانية!

أجابها يوسف بجدية وهو يتجه للباب: 

ـ جيهان تعبانة ونايمة، وهتفضل في البيت النهاردة ترتاح.

مشى يوسف عدة خطوات نحو الباب، لكنه توقف فجأة وكأن فكرة طرأت على باله، فاستدار وعاد لسميرة وواجهها بنظرة ثاقبة وسألها مباشرة:

ـ سميرة.. قوليلي بصراحة، إنتي ليكي يد في اللي حصل في الأكل إمبارح؟

رسمت سميرة علامات الدهشة والإنكار على وجهها وقالت:

ـ أنا يا يوسف؟ ده أنا اللي كنت بساعد نور وبحاول أعلمها! معقول أعمل كدة في جيهان وأنا عارفة تعبها؟

نظر إليها يوسف طويلاً بنظرات لم تصدقها تماماً، لكن ضيق الوقت منعه من الاستمرار في الاستجواب، فقال باقتضاب:

ـ ماشي يا سميرة.. عموماً أنا متأخر.

غادر يوسف المنزل مسرعاً دون أن يتناول إفطاره، تاركاً سميرة تقف في الردهة بابتسامة غامضة، وجيهان في غرفتها تحاول استجماع قوتها.

بعد مغادرة يوسف، ضغطت جيهان على نفسها واستجمعت قواها لتهبط إلى الطابق السفلي. التقت بالخادمة المسؤولة عن النظافة، والتي طمأنتها أن البنات غادرن بالفعل إلى المدرسة في موعدهن. اتجهت جيهان للمطبخ بخطوات وئيدة، وأعدت لنفسها إفطاراً خفيفاً جداً، فخوفها من عودة ألم المعدة كان يسيطر عليها، خاصة وهي تعلم أنها وحيدة الآن ولا تريد إزعاج أحد.

خرجت جيهان إلى الصالة لتجد سميرة جالسة هناك، فقالت لها بنبرة هادئة وراقية:

ـ شكراً يا سميرة إنك ساعدتي البنات الصبح ووقفتي معاهم لحد ما مشيوا.

ردت سميرة بجفاء واضح وبكلمات مقتضبة لا تحمل أي ود، مما جعل جيهان تبتسم بمرارة وهدوء في سرها. فكرت جيهان في نفسها وهي تنظر لسميرة: 

ـ كنت ممكن زمان أنخدع فيكي وأصدق إنك اتغيرتي، بس دلوقتي اتاكدت إن الطبع غلاب.. الإنسان بيتحرك حسب مصلحته وبس.

كانت جيهان تدرك جيداً نظرات الجميع لها؛ سميرة، ونور، وحتى يوسف نفسه. الكل اعتقد أن نزولها للشركة ومرافقتها ليوسف هي محاولة منها لاستعادته أو لترميم ما انكـ.سر بينهما، لكن الحقيقة كانت أعمق بكثير.

لقد ذهبت جيهان للعمل من أجل "جيهان" أولاً؛ لكي تبني كيانها المستقل بعيداً عن كونه "زوجة". جرح يوسف لها في كرامتها وأنوثتها حين تزوج عليها كان غائراً لدرجة لا تداويها الأيام بسهولة. إن ظن يوسف أو عائلته أنها سامحت لمجرد أنها عادت للتعامل معه بمهنية، فهم واهمون تماماً؛ فالعلاقة الآن تختصرها كلمتان فقط: العمل.. والفتيات.

اتجهت جيهان بخطوات واثقة نحو مكتبها الخاص بالمنزل، وأغلقت الباب خلفها لتفصل نفسها تماماً عن أجواء المشاحنات والتوتر المحيطة بها. تنهدت بهدوء وهي تجلس أمام أوراقها، فالتركيز الآن هو سلاحها الوحيد، خاصة وأنه لم يعد يفصلهم عن موعد تسليم ملفات الصفقة سوى يومين فقط؛ وهما يومان سيحددان الكثير من ملامح مستقبلها العملي.

فتحت حاسوبها وبدأت في مراجعة الأرقام والبيانات بدقة متناهية، غارقة في عالم الحسابات الذي تجد فيه وضوحاً لا تجده في علاقاتها الإنسانية المعقدة. بالنسبة لها، الأرقام لا تكذب ولا تخون، وهذا ما كانت تحتاجه في تلك اللحظة. عزلت نفسها عن مراقبة سميرة أو حقد نور، وقررت أن تستثمر تعبها الجـ.سدي في إنجاز عملي يجعلها فخورة بنفسها حين تقف أمام الجميع في الشركة.

وصل يوسف إلى مقر الشركة وبدأ يومه بجدية تامة، فالمنافسة أصبحت على الأبواب والمسؤولية كبيرة. لم يمر وقت طويل حتى دخل عليه تامر المكتب، والفت القلق وجهه وهو يسأل:

ـ صباح الخير يا يوسف.. هي جيهان فين؟ مش عوايدها تتأخر في وقت زي ده!

رد يوسف وهو يفتح أحد الملفات بتركيز:

ـ جيهان تعبانة شوية وهتفضل النهاردة في البيت ترتاح.. هنشتغل إحنا يا تامر، ولازم نخلص أوراق الصفقة دي النهاردة، مش عاوزينها تضيع من إيدينا مهما حصل.

تغيرت نبرة تامر للشفقة وقال بصدق:

ـ ألف سلامة عليها، إن شاء الله بسيطة.. خلاص يا سيدي، إحنا قدها. بس اعمل حسابك أول ما نخلص شغل، أنا هاجي معاك البيت عشان أطمن عليها بنفسي.

ابتسم يوسف لتامر بامتنان؛ فهو يعلم جيداً أن علاقة جيهان وتامر ليست مجرد زمالة عمل، بل هي علاقة أخوة قوية وصادقة، وتامر دائماً ما كان يعتبر جيهان سنداً له في الشركة. هز يوسف رأسه بالموافقة قائلاً:

ـ تنور يا تامر، جيهان هتفرح بزيارتك.. يلا بينا بقى نركز في الأرقام دي عشان نلحق نخلص.

اندمج الاثنان في العمل لساعات طويلة، يسابقان الزمن لترتيب أوراق المناقصة، بينما كانت جيهان في المنزل، وبمعزل عن الجميع، تضع لمساتها الأخيرة على نفس الملفات، وكأن عقلهما يعمل في اتجاه واحد رغم المسافات.

أغلقت نور باب غرفتها عليها، وهي تشعر بضيق وتوجس؛ فقد أدركت الآن أن سميرة ليست خصماً سهلاً، وأن مكرها قد يقلب الطاولة عليها في أي لحظة، لذا فضلت الانعزال مؤقتاً لتفكر في خطوتها القادمة.

أما في مكتب المنزل، فاهتز هاتف جيهان معلناً وصول رسالة من يوسف، فتحتها لتجده يبلغها بأن تامر سيتناول معهم الغداء اليوم. تنفست جيهان بعمق، وقررت رغم إرهاقها أن تشرف بنفسها على إعداد الطعام؛ فهي لن تترك فرصة أخرى لسميرة أو نور لإفساد هذا التجمع، خاصة بوجود تامر.

بينما كانت تهم بالخروج، سمعت ضجيجاً محبباً عند باب المنزل؛ لقد عادت بناتها من المدرسة. استقبلتهن جيهان بابتسامة حانية غابت عن وجهها منذ الأمس، وجلست معهن لبعض الوقت تستمع لتفاصيل يومهن، وكأن وجودهن هو المسكن الحقيقي لآلامها.

بعدها، اتجهت جيهان إلى المطبخ لتبدأ في إعداد أصناف الطعام المفضلة ليوسف وتامر. وفي تلك الأثناء، كانت سميرة تتابع المشهد من بعيد بهدوء مخيف، كانت تفكر في نفسها: 

ـ إذا كنت قدرت أوقع نور في شر أعمالي بسهولة، فجيهان قصة تانية خالص.. دماغها سم ومبتغلطش بسهولة.

أيقنت سميرة أن اللعب مع جيهان يحتاج لنفس طويل وتخطيط مختلف، فظلت تراقبها بصمت وهي تنتظر عودة يوسف من الشركة.

❈-❈-❈

وصل يوسف وتامر في المساء، وهبطت جيهان للأسفل وهي تشعر بتحسن، وبدا عليها الثبات والقوة؛ فهي تعلم أن سميرة لن تجرؤ على تدبير أي مكيدة في وجود يوسف وتامر معاً. استقبلت سميرة ونور الرجال بالترحاب، ثم أعلنت جيهان بهدوء ورقي أنها هي من تولت إعداد مائدة اليوم بنفسها.

اتجه الجميع نحو المائدة، وما إن رأى تامر الأصناف حتى اتسعت حدقتا عينيه بمرح، فقد كانت جيهان قد أعدت بعناية كل الأطباق التي يفضلها تامر ويحبها يوسف. هتف تامر بإعجاب وهو يبدأ في الأكل:

ـ إيه يا جيهان الحلاوة دي؟ بجد تسلم إيدك.. إنتي عارفة إني بضعف قدام الأكل ده، والريحة لوحدها تجنن!

ثم نظر ليوسف وقال بمزاح وهو يغمز له:

ـ بقولك إيه يا يوسف، أنا شكلي كدة هاجي أعيش معاكم هنا خلاص.. أنا مش هقدر أقاوم أكل جيهان...

ابتسمت جيهان بوقار وردت عليه بلطف:

ـ تنورنا يا تامر في أي وقت، بس إنت لازم تستنى "كاميليا".. هي خلاص خلصت دراستها في فرنسا وراجعة قريب، وهي بقى اللي بتعمل الأصناف دي أحسن مني بكتير، وعارفة ذوقك في الأكل بالظبط.

بمجرد أن نطق لسان جيهان باسم "كاميليا"، تغيرت نظرة تامر تماماً؛ لمعت عيناه ببريق خاص وحاول إخفاء ابتسامة عريضة هزمت محاولاته للثبات. ارتبك ليس خوفاً، بل لأن قلبه دق بسرعة فجأة، فكاميليا ليست مجرد أخت زوجة أخيه بالنسبة له، بل هي الشخص الذي ينتظر عودته بفارغ الصبر.

تنحنح تامر محاولاً استعادة صوته الطبيعي وقال بنبرة هادئة يحاول جعلها تبدو عادية:

ـ كاميليا؟ هي فعلاً خلاص قربت تخلص؟ والله زمان.. البيت هينور بجد برجوعها، وهي فعلاً نفسها في الأكل ملوش حل.

نظر يوسف لتامر بابتسامة وفهم، فهو يعلم ما يضمره شقيقه لكاميليا، بينما كانت جيهان تراقب رد فعله بذكاء وهدوء، فهي تعلم أن هذا الرابط القوي هو ما سيعيد الدفء للعائلة يوماً ما.

أما سميرة، فكانت تراقب ملامح تامر بدقة، وشعرت أن هناك "خطر" جديد يقترب؛ فعودة كاميليا تعني قوة إضافية لجبهة جيهان في العائلة، وهذا ما لا تتمناه أبداً.

قالت سميرة محاولة كسر هذه اللحظة:

ـ يا خبر! هي كاميليا لسه فاكرة أكلنا؟ دي زمانها اتعودت على الأكل الفرنسي...

ردت جيهان ببرود وهي تنظر لسميرة:

ـ كاميليا أصلها مصري وعمرها ما تنسى بيتها ولا أهلها يا سميرة.. بالعكس، دي راجعة وهي وحشها كل ركن هنا.

نظرت نور بتساؤل وحيرة نحو يوسف، ثم سألت بصوت خفيض:

ـ هي مين كاميليا اللي بتتكلموا عنها دي يا يوسف؟

التفت إليها يوسف وأجابها بنبرة فيها فخر واعتزاز واضح:

ـ دي كاميليا، أخت جيهان الصغيرة.. كانت مسافرة فرنسا بتكمل دراستها، وهي مش بس أخت جيهان، دي غالية علينا كلنا هنا في البيت.

في تلك اللحظة، شعرت نور بـ"غصة" في قلبها؛ فكلما حاولت أن تجد لنفسها مكاناً، اصطدمت بحقيقة أن لجيهان جذوراً عميقة ومكانة خاصة في هذا المنزل لا يستطيع أحد، مهما فعل، أن يتجاوزها أو يهزها. جيهان ليست مجرد زوجة، بل هي كيان مرتبط بيوسف وبتامر وبكل ركن في البيت.

بدأت الأفكار تدور في رأس نور كالأعاصير، وقررت في سرها أن المواجهة المباشرة مع جيهان الآن خاسرة، لذا وضعت خطة جديدة:

ـ لازم أخلص من سميرة الأول.. سميرة هي اللي بتلعب بيا وبيهم، ولو خرجت من حياة يوسف، الطريق هيفضى لي. وبعد ما أقصي سميرة، هبقى أتفرغ لجيهان وأعرف إزاي أسحب البساط من تحت رجليها واحدة واحدة.

لم تكن تعلم نور أن سميرة كانت تترقب نظراتها، وكأنها تقرأ ما يدور في عقلها، بينما كان تامر غارقاً في خياله مع ذكرى كاميليا، وجيهان تتابع المشهد بهدوءها المعتاد الذي يخفي خلفه الكثير.


يتبع...


إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة  فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة