قراءة رواية ندوب مضيئة
كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ندوب مضيئة
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة يارا علاء الدين
الفصل العاشر
تم النشر يوم الأربعاء
4/2/2026
"بعض اللقاءات ليست صدفة، بل هي ديون قديمة قرر الزمان أن يحين موعد سدادها."
الندبة العاشرة
في ردهة فيلا البدراني، حيث يمتزج عبير الزهور المستوردة برائحة العطر الفاخر، كانت الأجواء تنطق بترفٍ أراد أصحابه استعراضه في كل زاوية, احتفاءً بخطبة آسر الهاشمي ولميس البدراني التي ضجت بها أوساط المجتمع. لكن خلف هذه الأضواء المبهرة، كانت هناك أرواحٌ تتصارع مع حقيقتها.
وقفت لميس كملكة متوجة، ترتدي فستانًا من الحرير المرصع الذي يبرز جمالها بحدة. كانت نظراتها تتنقل بين الحضور بزهوٍ لا يخفى، وتلمع عيناها ببريق الانتصار. لقد حصلت أخيراً على ما أرادت؛ آسر الهاشمي بكل ما يمثله من ثقل اجتماعي ووسامة وحضورٍ مهيب أصبح الآن ملكها. كانت تبتسم للمهنئين ببرود واثق، وتشعر في داخلها بلذة الفوز في معركة خاضتها بذكاء وصبر، وكأنها بانتزاعها لآسر قد أحكمت قبضتها على العالم بأسره.
أما آسر، فقد كان يقف إلى جوارها ببدلته الأنيقة، ملامحه جامدة كان يبدو لمن يراه من بعيد تجسيداً للفارس المثالي، لكن في أعماقه كانت تدور رحى حرب طاحنة. كانت ذكرى (الفتاة الشبحية) تهاجمه بضراوة، شعر بغصة الندم تخنق أنفاسه، ولسان حاله يسأل: هل هذا هو الصواب حقاً؟ لكنه سرعان ما كان يزفر بضيق، محاولاً استعادة ثباته، هامساً لنفسه بمرارة: هذا هو الواقع يا آسر.. الأحلام لا تبني بيوتاً، ما تفعله الآن هو العقل بعينه. كان يقاوم ندمه بقناع من الجدية، محاولاً إقناع قلبه المنهك بأن هذه الخطوة هي النهاية المنطقية لأحلامه الوردية!
وفي زاوية قصية، بعيدة عن الأضواء الكاشفة، وقف حمزة يراقب المشهد بصمت ثقيل. لم تكن عيناه تلاحق العروسين، بل كانت معلقة بها. كان يراقبها وهي تتحرك بحذر، مستندة إلى ذراع والدتها سناء. كان يرى في انطفاء عينيها جريمته التي لا تغتفر، وفي كل تعثر بسيط لخطواتها طعنة في ضميره. كان الندم ينهش قلبه، والأسئلة تعصف برأسه: كيف سأعيش بهذا الذنب؟ كان يشعر بالعجز التام، يريد الاقتراب منها ليعتذر، والابتعاد عنها هربًا من المواجهة!
ولكن بعد فترة من المجاملات المرهقة، لاحظ حمزة أن ديما بدأت تشعر بالتعب. استندت برقة على كتف والدتها، وهمست بكلمات جعلت سناء تبتسم بحنان وترافقها نحو طاولة مستديرة هادئة في ركن جانبي يطل على الحديقة. جلست ديما بهدوء، وبدا وجهها تحت الضوء الخافت أكثر ملائكية وأكثر حزنًا.
تنفّس حمزة بعمق، وشعر بشيء مجهول يدفعه نحوها. عدّل هندامه بآلية، واقترب بخطوات مترددة حتى صار على مقربة من طاولتها. سناء كانت قد انشغلت بالرد على تحية إحدى السيدات، فاستغل حمزة تلك اللحظة ثم قال بنبرة مهذّبة:
-مساء الخير... أنا حمزة، شقيق لميس.
رفعت ديما رأسها قليلاً، ورغم أن عينيها لم تستقرا على وجهه، إلا أن ملامحها كانت متماسكة يغلفها حذرٌ واضح، وكأن حواسها الأخرى استنفرت لتقرأ هذا الغريب. أجابت باقتضاب:
مساء النور.. أهلاً بك.
تردد حمزة لحظة، وصورة الحادث تمر أمام عينيه كشريطٍ مؤلم، ثم قال بصوتٍ حاول جاهداً أن يخرح غير متوترًا:
مبارك لآسر ولميس.. والعقبى لكِ. هل تسمحين لي بالجلوس؟
انكمشت ملامحها قليلاً، وشعرت بتوتر ملحوظ من هذا الاقتراب المفاجئ، لكنها أجابت بلياقة:
نعم.. بالطبع، تفضل.
سألها بلطف وهو يراقب ردود فعل وجهها بدقة:
أعتقد أنكِ تحبين البعد عن الضوضاء مثلي، أليس كذلك؟
أجابت باقتضاب:
نعم.
كانت تهمّ بأن تُدير وجهها معلنة انتهاء الحديث، لكنّها توقّفت فجأة، وكأن صدى نبرته أحدث ذبذبة خاصة في ذاكرتها السمعية، فقالت بتردد:
أعتقد أن صوتك.. ليس غريباً عليّ. نبرتك تحمل شيئاً مألوفاً، لا أعرف أين سمعته من قبل.
تجمدت الدماء في عروق حمزة، وشعر بقلبه يقرع طبول الخطر، فخفض نبرته ليواري ارتباكه:
ربما.. وأنتِ أيضاً، صوتكِ يبدو مألوفاً بالنسبة لي.
ابتسمت ببرود وقالت:
- لعلّها مجرّد صدفة...
صمت حمزة للحظات، يصارع رغبته في البقاء بجانبها ، ثم استسلم أخيرًا وقال:
أنا حمزة.. مهندس معماري.
هنا، ارتفع حاجبا ديما قليلاً؛ لم تكن دهشة، بل انتباهاً مهنياً لم تستطع إخفاءه، فسألت:
حقاً؟
نعم.. أعمل حالياً على تصميم مجمع سكني في القاهرة الجديدة. أحاول تنفيذ فكرة الفراغات المفتوحة التي تعتمد على الإضاءة الطبيعية ودمج النباتات داخل المبنى، لتمنح السكان شعورًا بالاتساع والأمان، وليس مجرد جدران خرسانية صماء.
سكتت ديما لحظة، وشعر حمزة أن خيالها الهندسي بدأ يرسم ما يصفه، فقالت بنبرة أقل حِدّة:
لكن تنفيذ تلك الفكرة في المساحات السكنية الضيقة يحتاج حسابات دقيقة للرطوبة وتصريف المياه!
أشرق وجه حمزة، فقد لمس شغفها الدفين:
هذا ما أواجهه تماماً في الموقع! يبدو أنكِ ملمّة بالتفاصيل التنفيذية بشكل دقيق.
تنهدت ببطء، وقالت بنبرة محايدة حاولت فيها وأد حسرتها:
كنتُ مهندسة قبل أن تفرض عليّ الظروف شيئًا آخر!
شعر حمزة بوخزة في قلبه، فهو يعلم يقيناً ما هي تلك الظروف فقال بخفوت:
-يبدو أنكِ كنتِ تحبين عملكِ جداً.
-بل كنتُ أتشبث به.. لأنه العالم الوحيد الذي يخضع للمنطق والحسابات، بعيداً عن مفاجآت البشر!
-لكن المفاجآت ليست دائماً سيئة.. أليس كذلك؟
انكمشت أصابعها قليلاً، وردت بصرامة:
-لكنها ليست آمنة أيضًا!
ساد صمت قصير، كانت ديما تصغي إليه بتركيزٍ لم تمنحه لأحد منذ فترة طويلة، ثم قال:
هل تسمحين بأن نتبادل الأرقام؟ ربما نكتشف يوماً لماذا تبدو أصواتنا وأفكارنا مألوفة إلى هذا الحد..
ابتسمت, ثم قالت بلهجة حملت تحذيراً مبطناً:
لكنني لا أرد على الهاتف كثيرًا.
أخرج هاتفه فورًا، وقال:
سأنتظرك حتى تجدين الوقت الذي يناسبك.
قبل أن يغادر، وبعد أن تبادلا الأرقام في لحظة سادها وجلٌ خفي، همست ديما دون أن تبتسم:
- لا تتوقّع شيئًا.
ابتسم بلطف، وعيناه لا تفارقان وجهها، ثم قال بنبرة دافئة:
- لا أتوقّع... فقط تمنّيت ألا يكون هذا اللقاء الأخير. فهناك شيئًا في صوتك يجعلني أرغب بأن أسمعه مجددًا.
ثم مضى يخطو ببطء، يحمل ثقل سره في قلبه، تاركاً خلفه أثراً غامضاً بدأ يتسرّب بهدوء إلى أعماق ديما، التي ظلت مكانها تحاول تذكر.. أين سمعت تلك النبرة المرتجفة من قبل؟
❈-❈-❈
2-
كان البهو الواسع يغصّ بالطلبة الخارجين من المحاضرات، وضجيج الحوارات يتصاعد ويهبط كأنّه موجٌ لا قرار له.
في زاوية هادئة من الكافيتريا قرب النافذة، جلس يحيى يتصفّح أوراقه في صمت، وقد بدا كعادته غائبًا عن الصخب، حاضرًا في عالمٍ لا يدخله أحدًا إلا بإرادته.
اقتربت منه خطوات ناعمة، حتى وقف ظلّها على الطاولة أمامه.
رفعت حاجبيها بخفة وقالت:
— أراكَ دائمًا وحدك، كأنك لا تحتاج أحدًا.
رفع رأسه نحوها بهدوء، عيناه الرماديتان لا تومضان بدهشة ولا ابتسامة، ثم قال:
بل أكون وحدي إذا أردت ذلك فقط.
ابتسمت، وجذبت كرسياً وجلست أمامه دون دعوة صريحة، وقالت:
-أريد أن أتعرف عليك, هل تسمح لي؟
لم يجب، لكنه أعاد ترتيب الأوراق أمامه بدقّة، ثم نظر إليها أخيرًا وقال:
-يحيى الهاشمي.
قالت وهي تضع كتابها على الطاولة، تنظر إليه بحيرة:
أعرف ذلك, أقصد, ماذا تحب؟ ماذا تكره؟ هواياتك؟ أصدقائك؟
قال بنبرة خافتة، كأنّه يعني ما يقول:
لا أحب الحديث عن تفاصيلي الخاصة لمن لا أعرفه.
ابتسمت, وفي طرف ابتسامتها ظل من التحدي.
ثم قالت برقة مصطنعة:
-غريبٌ أمرك… أي شاب غيرك كان ليرى هذه دعوة لا تُرفض.
نظر إليها للحظة أطول مما ينبغي، ثم قال:
- ربما...
صمتت، لم تُجبه فورًا. كانت تعرف أنّها لن تكسب تلك الجولة، لكنّها ابتسمت، ونهضت وهي تقول:
- في المرة القادمة، سأجلب معي سؤالًا لا يحتمل الصمت... وحينها، سنرى!
رحلت فرح، وبقي عطرها عالقاً في الهواء، أما هو، فلم يغرق في سحرها كما أرادت، بل أغلق أوراقه وهو يفكر في تلك الثقة الزائدة التي تتحدث بها. لم يكن مضطرباً، بل كان مستنفراً
اقترب منه صديقه آدم، يضع كوبين من القهوة على الطاولة، وقال بمرح:
-لم أعتد رؤيتك هكذا، كأنّك كنت في جلسة استجواب!
مرّر يحيى أصابعه على حافة الكوب، وقال دون أن يرفع بصره:
-اسمها فرح.
أشرق وجه آدم بدهشة:
-فرح؟ وماذا فعلت بك آنسة فرح؟
رفع يحيى بصره إليه، وكانت عيناه تحملان ريبة واضحة:
-دخلت دون استئذان.. وحاولت العبث بعالمي. لكنها لا تدرك أنني أجيد قراءة الوجوه أكثر مما تجيد هي رسمها.
قطّب آدم حاجبيه وقال بخبث:
-مسكينة, جاءت مع الشخص الخطأ, لكن يبدو أنها لفتت انتباهك؟
هزّ يحيى رأسه ببطء، وقال بنبرة جادة:
-لفتت انتباهي لأنني أشعر بوجود خيط مفقود فيها. هناك شيء خلف تلك الابتسامة لا يبدو حقيقياً تماماً، وهذا ما يجعلني حذراً.
صمت آدم قليلًا، ثم قال:
-وماذا ستفعل؟
أخذ يحيى رشفة من قهوته، وقال بثقته المعتادة:
-سأنتظر.. وأراقب. وأنا أعلم جيدًا أنني سأصل.
تأمّله آدم طويلًا، ثم غمز بعينيه مشاكسًا:
-يبدو أنك بدأت تنجذب للعبة يا يحيى.
لم يعلّق يحيى، بل ظل ينظر إلى المكان من حوله، بعينين ترفضان الاستسلام، وتستعدان لمواجهة فوضى لم يتوقعها، لكنه بالتأكيد لن يسمح لها بأن تنتصر!
❈-❈-❈
3-
جلست ديما على طرف السرير، تمسك هاتفها بيد متردّدة، تمرّ بإصبعها فوق الشاشة وهي تُفعّل قارئ الصوت.
صوته الآلي يقرأ لها اسم المرسل مرّة أخرى:
حمزة... ثلاث رسائل غير مقروءة.
لم تكن المرة الأولى.
منذ خطبة آسرولميس، أرسل عدة رسائل قصيرة، لم تحمل ضغطًا، ولا عتابًا… بل انتظارًا هادئًا.
"مساء الخير، أتمنى أن يكون يومكِ خفيفًا."
"لا أطلب ردًّا، فقط أردت أن أطمئن أنك بخير."
"سأبقى هنا... إن أردتِ الحديث يومًا ما."
كانت تسمعها دائمًا، ثم تُغلق الهاتف...
كأن كل كلمة تفتح في قلبها نافذة، تخشاها أكثر مما ترغبها.
لكن هذه الليلة، كان في نبرة صوته شيء مختلف.
ربما لأنها لم تعد قوية كما كانت تتظاهر.
وربما... لأنها اشتاقت أن تُسمَع.
فعلت ما لم تفعل من قبل.
فتحت الرد الصوتي، واقتربت من السماعة، ثم قالت بنبرة خافتة، حازمة لكنها مرتعشة:
- قرأتُ رسائلك.
سكتت، ثم أضافت:
أمازلت مصرًّا على الحديث؟
أرسلت الرسالة الصوتية، ثم وضعت الهاتف بعيدًا، وكأنها أنهت شيئًا لم تكن تنوي بدؤه.
وبعد لحظات، جاء الرد، رسالة صوتية قصيرة منه:
بالطبع, ولن أملّ حتى يحدث ذلك.
لم ترد.
لكنها وضعت الهاتف بقربها هذه المرة.
ولم تُغلقه.
دخلت سناء إلى الغرفة بخطوات هادئة، وابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها، كما لو أنها كانت تراقب المشهد من خلف الباب منذ لحظات.
قالت بلطافةٍ تحمل خبثًا أموميًّا:
- أهذا حمزة؟
هزت ديما رأسها قليلاً، وأجابت:
- نعم.
اقتربت سناء وجلست إلى جانبها، ثم مالت نحوها وسألت:
-ألستِ ناوية على الردّ بعد كل هذا الوقت؟
تنهدت ديما، وقالت بنبرة فيها صراع داخلي واضح:
— كنت فقط أريد أن أتأكد...
ألا يكون ما يشعر به مجرد تعاطف... أو شفقة.
هزّت سناء رأسها، وقالت بنبرة أشدّ قليلًا، فيها عتاب:
— يا ابنتي، حرام عليكِ.
كل هذا الوقت وهو يحاول، يتّصل، يرسل، ولا يملّ...
ثم تقولين شفقة؟
الشفقة لا تجعله يفعل كل هذا.
لم ترد ديما، لكنها أمالت رأسها قليلاً، وكأن كلمات أمها وجدت صدى داخلها لم تكن تتوقّعه.
وفجأة... رنّ الهاتف.
نغمة بسيطة، مألوفة، لكنها بدت هذه المرّة كأنها تختلف عن كل رنينٍ قبلها.
نظرت سناء إلى الهاتف، ثم إلى ابنتها، وقالت بهدوء:
- أجيبي يا ديما.
ترددت ثانية، ثم مدّت يدها ببطء، وضغطت زرّ الردّ.
وضعت الهاتف على أذنها، تنفّست بعمق، وقالت بصوت خافت، لكنه ثابت:
- مساء الخيريا حمزة.
ساد صمت قصير في الطرف الآخر، قبل أن يصلها صوته، دافئًا، مبهورًا:
- مساء النوريا ديما, أخيرًا.
لم أظنّ أنكِ ستجيبين حقًا هذه المرة، لكنني... سعيد أكثر مما توقّعت.
لم تُجب، لكن الابتسامة التي مرّت على وجهها، كانت كافية لتقول كل شيء... دون أن تُرى.
❈-❈-❈
4-
بينما كانت العائلة في الخارج مستغرقة في صخب العشاء والحديث، كانت هي في المطبخ، وحيدة مع انكسارها.
كانت كلمات عمتها القاسية لا تزال تتردد في أذنيها كوقع السياط، توبيخٌ حاد وإهانات لم تترك لكرامتها متسعاً للتنفس. وأمام سيل الشتائم الذي لم ينقطع منذ الصباح، وجدت ريم نفسها مضطرة لكسر طوق عزلتها؛ ففتحت باب غرفتها وخرجت متجهة نحو المطبخ، تعد الطعام, لتضع حداً لذلك الهجوم وتُسكت لسان عمتها ولو مؤقتاً، ريثما تلتقط أنفاسها وتجد اللحظة المناسبة لتكشف لعمها حقيقة ما جرى.
فجأة، شعرت بوقع خطواتٍ زاحفة خلفها. تجمدت يدها فوق الطبق حين سمعت صوت مروان يهمس بفحيح مسموم بالقرب من أذنها:
-أتعلمين.. لو تجرأتِ ونطقتِ بكلمة واحدة لوالدي عما حدث صباحًا، فسيكون ردّي جاهزاً ومحكماً.
التفتت إليه بجسدٍ يرتجف، لكنه حاصرها بجسده الضخم مانعاً إياها من التراجع، وتابع بنبرة تقطر دناءة:
-سأخبره أنكِ مَن اتفقتِ معي على البقاء هنا بعد رحيلهم.. سأقول إنكِ استدعيتِني لأمرٍ خاص، وحين انصرف الجميع، وجدتكِ تعرضين نفسكِ عليّ وتغويني. تعتقدين مَن مِنّا سيصدقه والدي يا ريم؟
اتسعت عيناها بذهول من هول ما تسمع، وشعرت بغثيان من قدرته على قلب الحقائق. وبحركة لا إرادية مدفوعة بكرامة جريحة، رفعت يدها لتهوي بها على وجهه، لكنه انقضّ على معصمها بقوةٍ كادت تسحق عظامها، وعصر يدها حتى كتمت صرخة ألم في حلقها.
حدّق في عينيها بنظرة تفيض حقداً، وقال بصوتٍ منخفض وحاد:
-إياكِ أن تظني أنني سأسمح لكِ برفع يدكِ في وجهي ثانية.. ولا تتوهمي أنني سأتجاوز عما فعلتِه في المرة السابقة. استفيقي يا ريم، فالحساب بيننا بات عسيرًا، وقد بدأ أوان سداده الآن.
ألقى يدها بعنفٍ وكأنه يلقي شيئاً مدنساً، ثم خرج من المطبخ بخطوات واثقة ليلتحق بالبقية ببرودٍ تام.
تراجعت ريم للخلف حتى اصطدمت بالرخام البارد، وانهمرت دموعها في صمتٍ, كانت ترتجف بكل خلية في جسدها، محاصرة بين تهديد مروان الشيطاني وبين عجزها عن إثبات براءتها، وهي تدرك تماماً أن الوقوف في وجه هذا الطغيان سيحتاج منها ما هو أكثر من مجرد البكاء.
بذلت جهداً مضنياً لتكبح جماح انتفاضة جسدها، ووقفت تلملم ما تبقى من شتات روحها. فمسحت دموعها بطرف أناملها المرتجفة، واستجمعت شجاعتها المتهالكة قبل أن تخرج إلى ردهة الطعام، حيث يجلس الجميع كأن شيئاً لم يكن.
اقتربت من عمها، وصوتها يخرج متحشرجاً يغالبه الوهن، لكنها ثبتت نظراتها في الأرض وقالت:
-عمي.. أرجو منك أن تبلغ أ. كريم أنني لن أستطيع الذهاب إلى المحل غداً.. أشعر بتعبٍ شديد، وأحتاج لبعض الراحة.
ساد صمت مفاجئ قطعه صوت عمها الذي ارتفع موبخاً بلهجة قاسية خالية من أي رحمة:
-تعب؟ أي تعب هذا؟ كنت واثقاً منذ البداية أنكِ لستِ على قدر المسؤولية، وأنكِ مجرد عبءٍ علينا!
لم يكتفِ بذلك، بل تابع وشرر الغضب يتطاير من عينيه وسط نظرات مروان المتشفية:
-لا يوجد تعب ولا هراء.. غداً ستذهبين، ورجلكِ فوق رقبتكِ! لن أسمح لكِ بإفساد ما بنيناه بدلالكِ الفارغ.
نزلت كلماته عليها كالصخر، لم تقوِ على الرد أو الدفاع عن نفسها؛ فكل الأبواب سُدّت في وجهها. لم تنتظر منه مزيداً من التقريع، بل استدارت بصمت وهرعت نحو غرفتها، والدموع التي حبستها انفجرت كالسيل بمجرد أن أغلقت الباب خلفها.
ارتمت فوق فراشها، ودفنت وجهها في وسادتها لتكتم صرخات قهرها التي لم يسمعها أحد في ذلك البيت. وبين شهقات البكاء المرير، رفعت بصرها نحو السماء، وقلبها ينبض بوجعٍ لم يعد يُطاق، وتمتمت بشفتين مرتجفتين:
-يا رب.. يا رب ليس لي سواك، ضاقت بي السبل، فاجعل لي من كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل همٍ فرجاً.. يا رب.
❈-❈-❈
5-
كانت شمس الظهيرة تنسكب بدفء على واجهة محل حلو الكرم, حيث وقفت سيارةٌ سوداء لامعة قبالة المحل. نزل منها آسر الهاشمي، ظلّه الطويل يلامس عتبة الباب قبل أن تلمسها قدماه. توقّف لثانية، تأمّل اللوحة الخشبية المعلّقة على الباب مكتوباً عليها: "كُلُّ قطعةٍ هنا تحملُ قصَّةً.. سُكَّرُها مِن حُبٍّ، وزبدَتُها مِن ذِكرى."
رفع حاجبيه إعجاباً، ثم دفع الباب برفق.
دخل آسر المحل, تنفّس عبقَ الفانيليا والزبدة الذائبة، وتطلّع حوله باهتمام. الرفوف المرتّبة، الصناديق المزيّنة بدقة، كل شيء هنا ينضح بلمسة مميّزة.
كريم، صاحب المحل، التفت إليه مبتسماً:
أهلاً وسهلاً.. تفضل، كيف أخدمك؟
أمال آسر رأسه قليلاً، صوته هادئ لكنه ثابت:
سمعتُ كثيراً عن تميّز هداياكم.. أريد شيئاً يليق بمقام شخصية هامة عندي.
ابتسم كريم وهو يمرّر أصابعه على علبة حلوى بجواره:
لدينا هنا ما يسرّ النفوس.. ثم أشار إلى زاوية مضيئة، هذه تصميمات هدايا خاصّة، قد تنال إعجابك.
من خلف الستارة الخفيفة، كانت ريم تراقب المشهد. لمحتْ ظهره أولاً.. تلك القامة الممشوقة، طريقة وقوفه التي تحمل ثقةً دون تكبّر. ثم التفتَ فجأةً، وكادا أن يلتقيا عيناً بعين.. لكنها اختفت خلف الرف بسرعة، قلبها يخفق كعصفور حبيس.
إنه هو.. الرجل الذي أربك سكونها على الشاطئ!
ظلت متسمرة في مكانها حتى سمعت صوت انغلاق الباب وخفوت صوت محرك سيارته. خرجت من خلف الستارة بخطواتٍ متعثرة، وصوتها يكاد يخرج من بين شفتيها همساً:
مَن كان هذا الرجل يا أ. كريم؟
ضحك كريم وهوينظر إليها بإعجاب:
أتعلمين يا ريم؟ منذ أن بدأتِ العمل هنا، صار متجر الحلويات مقصدًا لأرقى الزبائن! ذلك آسر الهاشمي… من العائلات التي يُحسب لاسمها ألف حساب. لقد طلب إرسال علبة حلويات فاخرة إلى عنوانه.
حدَّقت ريم في الاسم والعنوان، وارتجفت أصابعها كمن لامس جمرة.
ذلك الاسم… آسر الهاشمي.
كل شيء في الحروف كان يطرق قلبها بعنف, لكن المفاجأة لم تكن في الاسم, بل في الذاكرة التي انفتحت فجأة؛ ذاك الطفل الذي لم تفارقها ملامحه منذ سنوات، والصوت الذي كان يهمس لها تحت المطر، واليد التي أمسكت يدها يومًا لتمنحها الأمان.
تسارعت أنفاسها، وشعرت بحرارةٍ تجتاح وجهها وهي تدرك الحقيقة المذهلة: آسر.. رفيق طفولتها الذي لم يغب طيفه يوماً، هو ذاته الرجل الذي سحرها على الشاطئ بنظرته الغامضة.
لم تكن صدفة، بل كانت خيوط القدر تحيك ثوب اللقاء من جديد.
لاحظ كريم شحوبها واضطرابها، فقال مشجعاً:
-يبدو أن ذوقكِ قد نال إعجابه.. جهّزي الطلبية بنفسكِ يا ريم، أريدها أن تخرج كلوحة فنية، وسأوصي السائق بالاهتمام بها
أمسكت ريم بالورقة، وضمتها إلى صدرها كأنها رسالة منه. في عينيها بريقٌ من تحدٍّ خفي، وابتسامةٌ ولدت من رحم الألم، وهي تهمس لنفسها بيقين:
لقد عاد أخيرًا وحان الوقت.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة يارا علاء الدين، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

روعه