-->

رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل العاشر - الأربعاء 4/2/2026

 

قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 


الفصل العاشر

تم النشر الأربعاء 

4/2/2026



بمجرد أن أُغلق الباب خلف تامر بعد وداعه، التفتت جيهان ليوسف وقالت بحسمها المعتاد:

ًـ يوسف، أنا هرجع أوضة المكتب تاني.. ورايا دراسة جدوى لازم تخلص، لأن لسه قدامنا أسبوع على ميعاد المناقصة، ولازم نكون جاهزين بكل التفاصيل ومعلومات عن الشركات المنافسة قبل ما نكلم عمي عدنان وناخد موافقته.

انسحبت جيهان نحو المكتب، وهنا اقتربت نور من يوسف، وأمسكت ذراعه بدلال وهي تلمح سميرة التي كانت تجلس بشرود تام. كانت سميرة غار.قة في تفكيرها، وعيناها تراقب كل ما يدور حولها بحذر، وكأن كلمات نور السابقة عن سيطرة جيهان بدأت تجعلها تضع كل حركة تحت المجهر.

قالت نور بنبرة ناعمة وهي تتعمد لفت انتباه سميرة المراقبة لهما:

ـ يوسف.. إحنا لسه في أول اليوم، والجو هنا بقى كله شغل وضغط.. إيه رأيك نخرج نتغدى بره النهاردة؟ بجد محتاجة أغير جو معاك ونخرج من روتين البيت ده شوية.

ظل يوسف في مكانه، بينما كانت سميرة تراقب الموقف بصمت وشاردة الذهن، تفكر في كلام نور وفي انفراد جيهان بالقرار والعمل، وفي دلال نور الذي تحاول به سحب يوسف بعيداً.

وافق يوسف على طلب نور، وكان يسعى في داخله لتعويضها عن إجازة شهر العسل التي لم تكتمل بسبب انشغاله بالعمل والصفقة الجديدة، فنظر إليها بابتسامة وقال:

ـ خلاص يا نور، اطلعي البسي وجهزي نفسك، وأنا هحصلك حالاً.

صعدت نور للأعلى وهي تشعر بانتصار صغير، بينما التفت يوسف نحو سميرة التي كانت لا تزال جالسة بشرودها، تراقب كل ما يدور حولها بحذر، وكأنها ترسم في مخيلتها خارطة للبيت قبل أن تتخذ أي قرار. اقترب منها وسألها بهدوء:

ـ مالك يا سميرة؟ فيكي إيه يا حبيبتي؟ قاعدة ساكتة كده ليه؟

ردت سميرة بنبرة هادئة ومقتضبة، وهي تداري مراقبتها الدقيقة للجميع:

ـ مفيش يا يوسف، أنا بخير.. بس كنت بفكر في شوية حاجات.

تركها يوسف وتوجه إلى غرفة المكتب، فوجد جيهان غارقة وسط أوراقها وتتابع الملف باهتمام شديد. سألها يوسف عن توقعاتها لهذه المناقصة:

— إيه الأخبار يا جيهان؟ تفتكري المناقصة دي مضمونة؟

رفعت جيهان نظرها إليه وردت بجدية:

ـ المناقصة دي هتكون مهمة جداً لينا يا يوسف.. عشان كده لازم نركز في كل تفصيلة فيها.

أومأ يوسف برأسه، ثم صعد للأعلى لتبديل ملابسه ليلحق بنور كما وعدها.

ظلت سميرة وحدها في الصالة بعد صعود يوسف، فاستندت بظهرها إلى المقعد وغرقت في تفكير عميق. بدأت تراجع كلمات نور في عقلها، وأدركت أن تلك الفتاة ليست مجرد زوجة صغيرة طائشة، بل بدأت تتلاعب بالكلمات لتوقع بينها وبين جيهان. شعرت سميرة بمرارة التساؤل: هل الجميع يسخر مني ومن صمتي؟، لكن ملامحها سرعان ما تحولت إلى القسوة، وهمست لنفسها بتحدٍ: 

ـ نور لسه متعرفش مين هي سميرة.. ولا هي ولا جيهان، والظاهر إن اللعب هيبتدي من النهاردة، وهنشوف في الآخر مين اللي هيضحك.

في هذه الأثناء، كان يوسف قد انتهى من تبديل ملابسه في غرفته، ثم نزل برفقة نور التي كانت في كامل أناقتها. مرا بسميرة في الصالة لوداعها قبل الخروج، فاكتفت سميرة بابتسامة باهتة وكلمات مقتضبة تودعهما بها، وما إن انغلق باب المنزل خلفهما حتى صعدت سميرة إلى غرفتها مباشرة، مفضلة العزلة لترتيب أوراقها.

اتجه يوسف بنور إلى أحد المطاعم الهادئة والفاخرة، تلبيةً لرغبتها في تناول العشاء في أجواء بعيدة عن صخب البيت والعمل. جلسا معاً، وكانت نور تشعر بزهو الانتصار لأنها استطاعت أخذ يوسف بعيداً في هذا التوقيت بالذات.

سألها يوسف وهو يراقب هدوءها:

ـ انبسطتي يا نور؟ أدينا خرجنا في هدوء أهو زي ما طلبتي.

ردت نور بابتسامة رقيقة وهي تضع يدها على يده:

ـ جداً يا يوسف.. أنا بس كنت محتاجة أحس إننا لوحدنا، بعيد عن حسابات الشركة وورق جيهان، وبعيد عن نظرات سميرة اللي مش مريحاني النهاردة.

حاول يوسف أن يبث الطمأنينة في قلب نور، فربت على يدها بحنان وهو يقول بنبرة هادئة:

ـ يا حبيبتي متخليش الأوهام دي تسيطر عليكي، سميرة طول عمرها عاقلة وبتحب الخير للبيت، وجيهان كل همها الشغل.. إنتي بس لسه غريبة عليهم، ومع الوقت كل الأمور دي هتتحل وهتبقوا إخوات.

لم ينتظر يوسف منها رداً يفتح باباً جديداً للقلق، بل قام من مكانه ومد يده إليها وهو يطلب منها أن يرقصوا معاً على نغمات الموسيقى الهادئة التي كانت تملأ أركان المطعم، ليعوضها عن كل لحظة توتر مرت بها في يومها الأول. وبالفعل، استسلمت نور له، وغرقا معاً في عالم خاص بعيداً عن صراعات المنزل.

أما في المنزل، فقد بدأ الإرهاق يتسلل إلى جسد جيهان؛ فبين أرقام دراسة الجدوى وتفاصيل المناقصة، وبين أحداث اليوم المشحونة، شعرت أن عقلها لم يعد قادراً على التركيز أكثر. أغلقت الملف بهدوء، وقررت أن تستكمل مراجعة ما تبقى في مكتبها بالشركة غداً، لضمان أعلى درجات الدقة.

تمتمت بضيق وهي تلملم أوراقها:

ـ كفاية لحد كده النهاردة.. الصداع هيـ.ـفجر دماغي، والشركة هتكون أهدى بكرة عشان أقدر أركز في الأرقام دي صح.

أطفأت أنوار المكتب، وصعدت بخطوات متثاقلة إلى غرفتها، باحثة عن قليل من الراحة من أحداث هذا اليوم الشاق، لتترك المنزل غارقاً في صمت ثقيل، حيث كل واحدة من الزوجات الثلاث تنام وفي رأسها حسابات مختلفة عن الأخرى.

عاد يوسف ونور في وقت متأخر من الليل، وكان الهدوء يلف أرجاء المنزل إلا من صدى خطواتهما. لم ينتبه يوسف للحظة إلى سميرة التي كانت تقف خلف ستارة نافذة غرفتها، تراقب وصولهما بعينين تشتعلان غيظاً. وما زاد من حدة غضبها هو صوت ضحكات نور العالي والمستفز الذي اخترق صمت الليل وهي تصعد الدرج بجانب يوسف، غير مبالية بمن في البيت.

قبضت سميرة على طرف الستارة بقوة، وشعرت برغبة عارمة في الخروج إليهما الآن وتلقين نور درساً قاسياً تكسر به هذا الدلال، لكنها تمالكت نفسها بصعوبة. فجأة، مرّ في عقلها حديث جيهان السابق عن الرزانة والسيطرة، ورغم غضبها المكتوم من جيهان أيضاً، إلا أنها قررت أن الثبات هو سلا.حها الأقوى الآن، وأن الاندفاع سيفقدها مكانتها.

في غرفة يوسف، كان الجو مختلفاً تماماً؛ حيث بدّلا ملابسهما وسط أجواء من الراحة بعد سهرتهما. التفت يوسف إلى نور وقال بهدوء:

ـ نور، أنا لازم أنزل الشركة بكرة الصبح بدري، ورايا شغل كتير ومتابعة مع جيهان وتامر بخصوص المناقصة.

بمجرد أن سمعت نور كلمة الشركة، تغيرت ملامحها وبدأ عليها التذمر، وقالت بضيق:

ـ تاني يا يوسف؟ لسه مخلصناش من موضوع الشغل ده! أنا افتكرت إننا هنقضي اليوم سوا بكرة.

حاول يوسف احتواء غضبها، فاقترب منها وقال بنبرة واعدة:

ـ يا حبيبتي ده بكرة بس علشان نلحق نخلص الورق، وأنا بوعدك إن يوم الإجازة اللي جاي هيكون لينا إحنا وبس، ومحدش هيقدر يزعجنا ولا هسمح للشغل يدخل بينا.. إيه رأيك؟

هدأت نور قليلاً أمام وعده، بينما كان الصمت في الغرف المجاورة يخفي خلفه عواصف لم تهدأ بعد.

استسلم يوسف للنوم سريعاً بجانب نور، فقد كان جسده وعقله بحاجة ماسة إلى الراحة قبل معركة الصفقة الجديدة التي ستنطلق بكل قوتها بدءاً من صباح الغد. نام وهو يشعر بثقل المسؤولية، فالمناقصة القادمة لا تحتمل أي هامش للخطأ، والعمل مع جيهان وتامر يتطلب منه حضوراً ذهنياً كاملاً.

ساد السكون التام في غرفة يوسف، بينما كان البيت من حولهما يغط في صمت ظاهري فقط؛ فخلف الأبواب المغلقة كانت هناك عقول لا تنام، تارة تفكر في الأرقام والمنافسين كجيهان، وتارة تحيك خطط السيطرة وتراقب التحركات كسميرة.

❈-❈-❈

أشرقت شمس يوم جديد مليء بالتحديات. استيقظت جيهان بنشاطها المعتاد، وأعدت بناتها للمدرسة وأشرفت على كل تفاصيلهن كأم دقيقة، وبعد أن ودعتهن، صعدت لترتدي ملابسها الرسمية الأنيقة استعداداً ليوم عمل حاسم في الشركة.

نزلت جيهان إلى الردهة السفلية، وظلت تنظر في ساعتها بتململ؛ فقد تأخر يوسف عليها بشكل غير معتاد. أخرجت هاتفها وأرسلت له رسالة قصيرة تخبره بانتظارها، لكن الدقائق مرت دون رد، فخمنت أنه ربما لا يزال نائماً أو مشغولاً مع نور.

لأنها تقدّر قيمة الوقت، لم تنتظر أكثر؛ اتصلت بـ تامر وطلبت منه أن يمر عليها في طريقه للشركة. وبالفعل، لم تمر دقائق حتى كانت سيارة تامر تقف أمام المنزل. ركبت جيهان بجانبه، فاستقبلها تامر بمزاحه المعهود قائلاً:

ـ يا جيهان، إنتي مديرة قد الدنيا، ليه متمتلكيش عربية خاصة بيكي تريحك من انتظار يوسف وتحكمات الطريق؟ ده إنتي حتى ممكن تجيبي أحدث موديل!

ابتسمت جيهان بهدوء وردت عليه وهي تراجع بعض الأوراق في يدها:

ـ الموضوع مالوش علاقة بالإمكانيات، أنا بس مبحبش سواقة العربيات خالص، وبحس إن وقت الطريق ده ملكي، أقدر أراجع فيه ورقة أو أفكر في قرار.. السواقة بالنسبة لي تضييع وقت ووجع دماغ.

ضحك تامر وانطلق بالسيارة قائلاً:

ـ خلاص يا ستي، اعتبريني النهاردة السواق الخصوصي لحد ما نوصل لمعقل المناقصة، بس متسرحيش مني في الأرقام وإحنا في السكة.

بالفعل، استطاع تامر بحديثه العفوي ومزاحه أن يكسر حدة التوتر التي كانت تشعر بها جيهان، مما جعلها تبتسم وتتنفس الصعداء قليلاً قبل الدخول في معمعة العمل.

في المنزل، استيقظ يوسف فجأة، وبمجرد أن ألقى نظرة على هاتفه ورأى أن الساعة قد تجاوزت التاسعة صباحاً، انتفض من فراشه سريعاً وهو يتمتم بضيق: 

ـ يا نهار أبيض.. الساعة 9! اتأخرت جداً.

استيقظت نور على حركته السريعة، وراقبته وهو يرتدي ملابسه في عجالة، ثم وقفت تودعه بابتسامة ناعسة وهي لا تزال في غرفتها، دون أن تبذل مجهوداً أكبر من ذلك.

هبط يوسف الدرج بسرعة، لكنه توقف في الصالة للحظة، ونظر حوله بابتسامة سخرية مريرة؛ تذكر الأيام التي كان يجد فيها كل شيء مرتباً بانتظاره، واشتم رائحة الفراغ التي خلفتها جيهان، وهمس لنفسه: 

ـ فعلاً.. مفيش حاجة بترجع زي ما كانت.

بحث بعينيه عن جيهان في أرجاء المكان، ليفاجأ بـ سميرة وهي تخرج من المطبخ بعد أن أعدت الإفطار بنفسها. قالت له بنبرة هادئة:

ـ بتدور على جيهان؟ جيهان نزلت من بدري، تامر جه أخدها وراحوا الشركة.. تعال بقى افطر لقمة قبل ما تنزل، أنا عملتلك الفطار بإيدي.

توقف يوسف للحظة متعجباً من مغادرة جيهان مع تامر دون انتظاره، ومن اهتمام سميرة المفاجئ بالإفطار رغم برودهما بالأمس، لكن ضيق الوقت كان أقوى من تعجبه، فقال وهو يتجه نحو الباب:

ـ معلش يا سميرة، تسلم إيدك.. بس أنا اتأخرت جداً والمناقصة مش مستنية، لازم أكون في الشركة حالاً.

غادر يوسف المنزل مسرعاً، تاركاً خلفه سميرة التي وقفت تنظر إلى مائدة الإفطار بنظرة غامضة، ونور التي لا تزال في الأعلى، وجيهان التي بدأت يومها بالفعل في قلب المعر.كة مع تامر.

وصلت جيهان إلى مقر الشركة برفقة تامر، وبمجرد دخولها علمت أن عمها عدنان قد حضر اليوم على غير العادة، مما أعطى للأجواء صبغة من الأهمية والجدية. اتجهت جيهان مباشرة إلى مكتبه، حيث طرقت الباب ودخلت بوقارها المعهود.

ابتسمت جيهان حين رأت عمها عدنان يجلس خلف مكتبه، وقالت بترحيب حار:

ـ صباح الخير يا عمي.. نورت الشركة النهاردة، بجد وجودك بيدينا دفعة قوية ومهمة جداً في التوقيت ده.

رحب بها عدنان وب تامر، وجلست جيهان ومعها تامر ليبدأوا فوراً في الدخول في صلب الموضوع. كانت ملامح جيهان تشع بالحماس والتركيز وهي تفتح الملف أمام عمها، وقالت بنبرة واثقة:

ـ إحنا كنا لسه بنراجع دراسة الجدوى يا عمي. الصفقة دي مش مجرد مشروع جديد، دي خطوة استراتيجية هتثبت رجلينا في السوق أكتر.. تامر جمع معلومات كويسة عن المنافسين، وأنا حطيت الخطوط العريضة للعرض المالي اللي هنقدمه.

بدأ تامر يكمل حديثها موضحاً بعض التفاصيل التقنية واللوجستية، بينما كان عدنان يستمع لهما باهتمام شديد، يحلل كل كلمة، فهو يثق في عقلية جيهان العملية وقدرة تامر على التنفيذ.

تحدثوا عن خطتهم للقادم، وكيفية توزيع الأدوار لضمان عدم وجود ثغرات، وكانت جيهان تشرح ببراعة كيف سيتم تأمين الموارد اللازمة للمناقصة دون التأثير على مشاريع الشركة القائمة.

سألهم عدنان بوقاره المعهود عن بعض التفاصيل الدقيقة، فكانت ردود جيهان حاضرة ومنطقية، مما جعله يومئ برأسه إعجاباً، بينما كانت أعين جيهان تلمع بتحدٍ، وكأنها تريد أن تثبت للجميع أن العمل هو ميدانها الحقيقي الذي لا ينافسها فيه أحد.

وصل يوسف إلى الشركة وهو يشعر بسباق مع الزمن، واتجه مباشرة إلى مكتب جيهان لكنه لم يجدها، فأخبرته السكرتيرة بلهجة رسمية:

ـ البشمهندسة جيهان في مكتب الأستاذ عدنان ومعاهم البشمهندس تامر.

توجه يوسف إلى مكتب والده، وعند دخوله وجدهم غارقين في النقاش؛ انضم إليهم وبدأوا فوراً في تبادل الآراء حول الأمور المالية والتدفقات النقدية المطلوبة لتغطية متعلقات الصفقة، وكيفية موازنة العرض المالي ليكون منافساً وقوياً.

شعر عدنان بالإجهاد، فابتسم لهم وهو يرجع بظهره للخلف وقال:

ـ خلاص يا ولاد، قوموا كملوا في مكتبكم.. بجد أرهقتوني النهاردة. أنا دلوقتي بس بقيت مطمن على الشركة، وجودكم مع بعض شكل فريق عمل محترف بجد.

خرج الثلاثة والراحة ترتسم على وجوههم بعد سماع هذه الكلمات المشجعة. وبمجرد دخولهم إلى مكتب جيهان، التفت يوسف إليها ووجه لها عتاباً هادئاً:

ـ كده يا جيهان؟ تنزلي من غير ما تستنيني؟ أنا صحيت ملقتكيش في البيت وسميرة قالت ليا إنك مشيتي مع تامر.

ردت جيهان وهي تفتح حاسوبها ببرود وثبات، دون أن ترفع عينيها عن الشاشة:

ـ يا يوسف الوقت كان بيجري، وأنا بعتلك رسالة وإنت مردتش.. مكنش ينفع أتأخر على ميعادي مع عمي عدنان، وإنت عارف إن الشغل مبيستناش حد.

تدخل تامر محاولاً تلطيف الأجواء كعادته، فقال ليوسف ضاحكاً:

ـ يا عم حصل خير، المهم إننا أنجزنا.. وبعدين إنت المفروض تشكرني إني ريحتك من مشوار الصبح والزحمة!

ابتسم يوسف رغماً عنه أمام مرح تامر، وجلسوا جميعاً بتركيز وحماس ليبدأوا في ترتيب تفاصيل المناقصة القادمة.

بعد أن غادر تامر الغرفة، ساد الصمت بين يوسف وجيهان التي تظاهرت بالانشغال في مراجعة الملفات، وكأنها غار.قة في الأرقام ولا تشعر بوجوده. نظر إليها يوسف بتركيز وهتف بنبرة يكسوها الغموض:

ـ ليه مشيتي من غير ما أعرف يا جيهان؟

رفعت جيهان نظرها إليه بهدوء تام، وأجابته بصوت واثق لا يحمل أي ارتباك:

ـ أنا بعتلك رسالة على موبايلك قبل ما أنزل يا يوسف.

أخرج يوسف هاتفه من جيبه، وفتحه ليجد الرسالة موجودة بالفعل منذ الصباح الباكر، مما جعله يشعر بضيق مكتوم. وضع الهاتف في جيبه مرة أخرى، وقال لها بحزم وكأنه يضع قاعدة جديدة:

ـ بعد كده مفيش مرواح في أي مكان غير لما تعرفيني شخصياً.. مش برسالة.

وقبل أن تفتح جيهان فمها لتعترض أو تبرر موقفها، استدار يوسف وغادر المكتب بسرعة ليباشر عمله هو الآخر، تاركاً إياها تنظر في أثره بتعجب من هذه اللهجة الجديدة التي بدأ يتعامل بها.

❈-❈-❈

في المنزل، استيقظت نور في وقت متأخر وهبطت الدرج وهي تشعر بالهدوء الذي يلف المكان. وجدت سميرة تجلس في الردهة تتابع أولاد جيهان وهم يلعبون، فاقتربت منها وسألتها بدلال:

ـ صباح الخير يا سميرة.. هو مفيش فطار جاهز ولا إيه؟

نظرت إليها سميرة ببرود ولم تتحرك من مكانها، بل أجابتها بنبرة جافة:

ـ الفطار عندك في المطبخ يا حبيبتي، ادخلي واعملي لنفسك اللي تحبيه.

توقفت نور مكانها مصدومة من الرد، فقد كانت تتوقع أن تجد معاملة مختلفة، فقالت بتعجب:

ـ نعم؟ إنتي بجد بتقوليلي أدخل أعمل لنفسي؟ مش المفروض إن فيه نظام للبيت ده وفيه حد بيجهز الأكل؟

ردت سميرة وهي لا تزال تتابع الأولاد بتركيز:

ـ شوفي يا نور، يوسف مبيحبش ياكل من إيد حد غريب، وعنده نظام إن زوجاته هما اللي بيعملوا له أكله بإيديهم.. وبما إنه مش هنا، فكل واحدة بتعتمد على نفسها.

قطبت نور حاجبيها بذهول وقالت بسخرية:

ـ إيه الكلام الغريب ده؟ بس إحنا لسه كنا بنتعشى بره البيت سوا إمبارح، يعني الموضوع مش زي ما إنتي بتقولي خالص!

نظرت إليها سميرة نظرة ذات مغزى، وكأنها تراقب رد فعلها لتعرف مدى تأثير كلامها، ثم عادت لصمتها وهي تبتسم بداخلها على حيرة نور.


يتبع...


إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة  فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة