قراءة رواية ثلاثة على واحد كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ثلاثة على واحد
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة هاجر التركي
الفصل الثالث
تم النشر يوم الثلاثاء
27/1/2026
رمي بجسدهِ علي المقعد الخشبي الطويل، أصفر اللونِ، في غُرفة تبديل الملابس، بعد أنتهائه قبل دقائق من مُبارة خرجَ منها فائزًا بلا مُنازع... فكَ رباط قفازه بأسنانه، من ثم أنتقل يفكُ الآخر بيدهِ بعد أن حرررها من القفاز الضخم التابع للمُلاكمة...
تجرعً سريعًا من زجاجة المياه، لاهثًا، وأصوات أنفاسهِ عالية مسموعة، العرق يتقطر من جسدهِ المكشوف بفعلِ أرتداه لسترة سوداء واسعة بدون أكمام، وسروال قصير يصل إلي ركبتهِ..واللذان أظهرَا بوضوح عضلات جسده المتناسقة.
_"أنا أسف جدا جدا علي التأخير. ".
نطقَ بها" ياسين"الذي دلفَ مُبتسمًا، يحملُ حقيبة صغيرة مزخرفة، حياه باليد أولاً، من ثم جذبه لأحضانهِ يقول بسُخرية:
_"الماتش خِلص يا ياسين أنتَ لسة فاكر".
زمَ شفتيهِ بأسفٍ، يقول مازحًا:
_"والله جاي بدري، وكُنت هموت وأشوفك وأنتَ بتتضرب، بس أعمل إيه توهت؟ ماتشات إيه اللي في الأماكن المقطوعة ديه؟ ".
ضربهُ بقوة علي صدرهِ مازحًا، وعلي اثرها أرتد الآخر للخلفِ يسعلُ قبل أن يقول بغيظ:
_" ايه يا تور، إيدك تقيلة أوي ".
رمقها بنظرة مستحقرة من الاعلي للأسفل:
_" أنتَ اللي خِرع ".
أنتقلَ تحت أنظاره إلي خزانه ملابسهِ، وبخفة نزع السترة الخفيفة، ليبقي فقط بالسروال القصير، لمعت أعين" ياسين "مندهشًا من شدة عضلات أخيه القوية والمتناسقة، هتفَ بأنبهار فشل في اخفاءه:
_" أنتَ عملت العضلات دي ازاي ياض يا آدم".
_"من عند بتاع العضلات....ايه الشطنة اللي في إيدك ديه؟ ".
رفعَها أمامه، قبل أن يقول باسمًا بحماس:
_" دي هدية كده جبتهالك".
نزعها منه سريعًا يتفقدها، ثواني وعقدَ حاجبيه مستعجبًا:
_"أنتَ جايبلي علبة أسعافات أولية؟ ".
_" ما أنا كنت محتار بصراحه أجيبلك إيه، قولت أجيبلك حاجه تنفعك بعد الضرب".
_"طيب أستناني هنا هاخد دُش ونطلع علي البيت نتغدي سوا".
حمحمَ، يعتذر بلطف:
_"ممكن يوم تاني ".
سأله مستفسرًا عن سببه رفضه، بالرغم من أنه علي علم مسبق بهِ:
_" ليه عندك مشوار ولا حاجة ".
_" لا يا آدم، بس مش حابب دلوقتي، أنتَ فاهم بقا".
سحب المنشفة يضعها علي كتفهِ، مقتربًا من أخيه يربت علي كتفهِ قائلاً بهدوء:
_"علي فكرة ماما كل يوم بتسألني عنك، وعايزة تشوفك، كفاية بقا بُعد يا ياسين عايزينك وسطنا، وسط اخواتك. ".
لمعَ الحُزن بعينيهِ قبل أن يقول:
_" من أمتا وأنا كُنت وسطكم، هي اللي أختارت وأنا بحترم أختيارها، وزي ماهي كان عندها حق الأختيار في ازاي هتمشي حياتها، أنا كمان من حقي حرية أختيار حياتي".
زم شفتيهِ بيأسٍ، لا فائدة منه، رأسه يابسًا، منحه بسمة باهتة متجاهلاً رفضه :
_"هخد دُش ونمشي علي طول، أنا وعدت ماما إني هجيبك معايا وأنا جاي، وهي مستنيانا".
القي بكلماته، وتركه مغادرًا إلي المرحاض المُلحق بغرفة تبديل الثياب، ترك واقفًا وكأنه التصق بالأرضية.
❈-❈-❈
خرجت برفقة أصدقائها من منزل إحدى صديقاتهم، حيث اتفقوا على حضور درس في السيرة النبوية سويًا. ولقد انتهوا للتو، ودعتهم وهي تلوح لهم بيدها، وقبل أن تتحرك للرحيل، اصطدمت برؤيته على بعد مسافة قصيرة منهم، يستند إلى مقدمة سيارته الحمراء.
وعلى ما تظن كان بأنتظارها، لأنه سريعًا ما توجه نحوها بابتسامة واسعة تعلو محياه، وبين يديه حقيبة بلاستيكية صغيرة. زفرت بحنقٍ، وتمنت لو الأرض تنشق وتبتلعه الآن ويختفي من أمامها.
_"مُفاجأة مش كده؟".
أشاحت بنظرها بعيدًا، تقول بنبرة هجومية سريعة:
_"أنت عرفت أن أنا هنا إزاي؟ أنت بتراقبني بقى!".
نفى برأسه سريعًا قبل أن يقول موضحًا:
_"إيه الهبل ده؟ أكيد لا طبعًا، كل الموضوع إني كنت عندكم في البيت، وأنت مش موجودة سألت خالي قالي إنك هنا".
"تمام، برضو أيه اللي جابك؟".
مد يده بالحقيبة، التقطتها بشك، وعبثت بمحتواها.الكثير من الشكولاتة المغلفة.
سألته بشكٍ:
_"بمناسبة إيه؟".
_"مالك يا هدير، عادي من غير مناسبة ياستي، دا النبي قبل الهدية".
تمتمت بخفوت:
_"عليه أفضل الصلاة والسلام".
_"مُتشكرة. ممكن أمشي؟ مينفعش حد يشوفني واقفة معاك في الشارع كده".
_"وفيها إيه يعني؟ أنا ابن عمتك على فكرة، بلاش بقى الأڤورة ودماغك الناشفة دي، يلا هوصلك البيت".
لن تتجادل معه. هم بالشارع، لا المكان ولا الوقت مناسب، وهي حقًا تُريد أن تعود للمنزل في أسرع وقت، متعبة وتود أن ترتاح. وبدلاً من أن تقف تنتظر تكسي أو أوبر، ستركب معه وتتحمل سماجته حتى يصلوا.
بهدوء مشيت أمامه، تسبقه إلى السيارة، عدلت من وضعية حجابها الرصاصي قبل أن تفتح الباب الخلفي وتجلس به.
رمقها بغيظ، يقول:
_"ما أنا مش السواق اللي معينه دادي لجنابك، انزلي اركبي قدام يا هدير".
هزت رأسها بعناد طفولي :
_"لا، ولو مش عاجبك أنا ممكن أنزل أطلب أوبر، أو أشوف تكسي".
❈-❈-❈
أن المرء الذي يوجد بحوزتهِ عائلة تُحبه، عائلة حقيقية للحد الذي حين يوشك علي السقوط يترتطمون بالأرض قبلهِ، هو حتمًا أكثر الناس حظوظًا من رأيهِ.. يحسد أخوتهِ علي وجود عائلة تُحبهم وتهتم لأمرهم.
ويشفق عليهم في الوقت ذاته، لأنهم لا يقدرون قيمة هذه النعمة، بدليل أجتماعهم حولَ طاولة واحدة، في جو عائلي دافئ، إلا أن بعضهم يجلسون علي مضضٍ، وكأن التجمع لا يروق لهم. منشغلين بهواتفهم بداخل عالم أفتراضي بائس.
مدت له والداته بقطعة كبيرة من اللحم المشوي، تضعها في طبقهِ المُمتلئ فعليًا، تربت علي ظهره:
_"كُل يا حبيبي، دا أنتَ خاسس أوي يا ياسين ".
منحها بسمة باهتة مع ايماءة قصيرة، وأنشغلَ بتناول طعامهِ بهدوء، كانت تتمني سماع أي حديث منه، لكنه كان صامتًا منذ أن أتي مع" آدم" قبل نصف ساعة..
_"بالراحة عليه يا رانيا، ياسين مش غريب سبيه يأكل براحته".
كانت هذه كلمات السيد"طارق"زوج والداته، ثم أنتقلَ بنظراتهِ إلي أبنهِ يسأله بفخر:
_"عملت إيه في الماتش النهاردة يا وحش؟ ".
تركَ" آدم"شوكته، يهتفُ بتفاخرٍ:
_"عملتله أصابة تقعده في بيتهم شهرين قُدام".
_"طيب ياجماعة استأذن منكم، عندي مشوار مستعجل... مبسوطة أن شوفتك يا ياسين ".
كانت هذه كلمات" أروي"تزامنًا مع وقوفها تستعد للرحيل، تجذب حقيبتها من كرسيها المجاور، طبعت قبلة علي وجه والداتها وغادرت سريعًا،تقابلت معها "وصال" علي عتبة المنزل.... أنحنت الأخري علي أذنيها تقول بغمزة من عينيها:
_"ياسين هنا".
تركتها مندهشة، وهرولت تخرج، بينما وقفت الأخري بمكانها كأنها التصقط بالأرض.... قلبها، قلبها ينبضُ بعنفٍ بين أضلعها، أهو هنا حقًا؟ كانت تشعر بقربهِ بينما تقترب من المنزل، لكن كذبت أحساسها.. خاصةً مع علمها التام بأنه لن يأتي علي الأقل هذه الفترة تحديدًا بعد اخر مشاجرة بينه وبين والداته.
قبل أن تقترب منهم، سبقها عطرها الثقيل،عِطر الڤانليَا الحلوة، رفعَ رأسه عن الطبق، فأصطدم بها تهل عليهم بطلتها الرقيقة... وعلى وجهها أبتسامة خجولة هادئة...
_"اتأخرتِ ليه يا وصال؟ ".
سألتها والداتها بقلقِ، فأجابتها بينما تسحب كرسيًا لها وتنضم اليهم، بينما كانت تتحاشي النظر اليه:
_" معلش يا حبيبتي والله أمينة كانت بتشتري شوية حاجات للجهاز ".
تجاهلته، وأنشغلت في محتوي طبقها، بينما من حينٍ لآخر تتبادل الكلمات مع شقيقتها " ميرال"، لم تنظر له بعدها، ولماذا ستهتم لتواجده او له هو شخصيًا من الأساس؟.
ولماذا هو ينتظر منها أي فعل، يخبره أنها تلاحظه حتي؟وكأنه كان يمشي علي حقلٍ ممتلئ بعلامات الاستفهام، يخشي أن تدوس قدمه علي سؤلاً بالخطأ، مثلاً كأرتباطها بشخصًا اخر من نفس طبقتها....
_"أنتَ بتشتغل فين دلوقتي يا ياسين؟ ".
أنتبه للسؤال الذي طُرح من السيد " مُراد"، حمحمَ، ماذا يقول؟ هل يخبره أنه عاطل عن العمل، ويضحي بمظهره امامها، فتراه فاشلاً لذا أجابه كاذبًا،او باعتبار ما سيكون أن قِبلَ العرض:
_"شغال في شركة النقاش للأدوية يا عمي".
ظهرَ التفاجؤ علي وجه الآخر:
_"بجد، دي شركة كبيرة ومعروفة، ربنا يوفقك، أنتَ مهندس شاطر".
_"مُتشكر".
❈-❈-❈
أستيقظَ في صباح اليوم التالي متاخرًا نتيجةً لسهرهِ إلي الخامسة صباحًا منكبًا علي حاسوبه يبحث ويُفكر في العرض الذي أتي له على طبقٌ من فضة ، دون سعيهِ له أو بذل مجهود.
وبالرغم من سعادته بهِ، إلا أن بداخلهِ جُزء متحيّر... يرفض، ولكي يُسكت كل الأصوات المُتناقضة في رأسه، لجأ إلي التحدث لأحدهم، وقد وقعَ الأختيار علي "مُحمد" صديقه الوحيد في المنطقة.
بعد أن تناول فطورهِ علي أستعجال، وجدَ نفسهِ سريعًا، يقف أمام المقهي الشعبي الخاص بوالد"مُحمد"وقفَ يُلقي نظرات متفقدة علي الجاليسن، ولم يجدها بينهم.
جلسَ علي طاولة صغيرة شاغرة، أتاهُ الصبي سريعًا يحييه بابتسامة مشرقة:
_"صباح الفل علي أحلي هندسة فيكِ يا حارة، تشرب ايه يهندسة".
_"صباح النور يا كنكة، أومال فين محمد مش شايفه يعني؟ ".
مسحَ الصبي الطاولة بمحرمة كان يضعها علي كتفهِ، قائلاً:
_" المعلم محمد راح مشوار من شويه وزمانه راجع.... أهو المعلم جه أهو".
قال جُملته الأخيرة بينما ينظر إلي مدخل الحارة، وتلقائيًا التفتَ "ياسين" ينظر هو الآخر، وجدَ "محمد" يتقدم منهم بملابس رسمية مهندم، وحينَ وصلَ اليهم، لاحظ"ياسين "ذلك الملف الأييض بينَ يديه. والذي القاه بأهمال علي الطاولة جالسًا معه.
أشار للصبي قائلاً:
_" هات لنا أتنين شاي سكر برا يا كنكة".
منحه ايماءة قصير ورحل، بالرغم من انه يجلس معه علي نفس الطاولة، الإ أنه لم يعطه أهتمامًا، فقط رحب به بأقتضاب:
_"منور يابش مهندس ".
تنهدَ الآخر، يفرك أصابعهِ متوترًا، يري الضيق علي ملامح صديقه تأثرًا بكلماتهِ التي القاها في وجهه اخر مرة، لقد كان غاضبًا حقًا، وغضبه اعماه ودفعه للتفوه بكلمات جارحة لأقرب صديق له.
حاولَ فتح حوار، بسؤالهِ من احواله، لكن الآخر رد بجملة قصيرة مقتضبة:
_" الحمدلله كُله تمام، أنتَ إيه الأخبار؟ ".
_" هتفضل زعلان مني لحد أمتي طيب؟ ".
القي بسؤاله مباشرة، اشاح بنظراته بعيدًا عنه، الهذهِ الدرجة كانت كلماته جارحة... حك مؤخرة عنقهِ:
_" محمد حقك عليا، والله كُنت متعصب، مقصدش، عارف إني كنت بايخ بس والله غصبن عني.. ".
لم يأتهِ رد منه لثواني، من ثُم هتفَ بهدوء:
_" خلاص حصل خير ".
_" لا يا محمد أنتَ لسه زعلان، ياعم أنا غبي والله بطلع كلام دبش عارف، أستحملني ما أنتَ صاحبي الوحيد بقا، حقك عليا بقا، والله مش عارفة اتعامل وأنتَ زعلان مني وواخد جمب كده ".
وكما توقع، منحه ايماءة بسيطة مبتسمًا له، لقد كان يعلم أن صديقه لين وسهل المعاشرة، وكانت أبتسامته بمسابة منح الأذن له، بأن ينهض، ويحتضنه بقوةٍ، يربت علي ظهرهِ..
_" كان ينقطع لساني قبل ما اقولك نص كلمة تزعلك يا صاحبي ".
_" بعد الشر عنك، لما يتقطع لسانك، مين يلقح في وشي دبش كُل يوم، هتبوظ لي الروتين كده ".
أنفجرَ ضاحكًا، تنهد بارتياح، وكأنه كان يحملاً جبلاً فوق صدرهِ، وبمُصالحته له، انزاح عنه... ضيقَ عينيه علي ملابسه، فسأله:
_" بس ايه الشياكة دي؟ كُنت فين كده بالحتة الزفرة دي، اوعا تكون كنت رايح تخطب من غيري ".
هز رأسه نافيًا، يهندم من قميصهِ الأسود بتفاخرٍ مزيف:
_" أبدًا، روحت النهاردة قدمت ملفي في شركة، ومستني الرد كمان يومين.... أنتَ ناسي إني خريج كلية التجارة يابش مهندس، مُش أنت بس اللي متعلم تعليم عالي".
رمي بجُملته الأخيرة، بنبرة ذات مغزي، التقطته هو سريعًا، فأبتسمَ يضربه علي ظهرهِ بقبضته مازحًا:
_"دا أنت قلبك أسود ".
_" هبقي أحطله فاودنيشن عنيا حاضر ".
_" فِطرت؟ ".
سأله، فأجاب نافيًا:
_" لا وأنتَ".
أبتسم بسماجة:
_"فطرت بس جُوعت تاني لما شُوفتك".
القي الملف في وجهه:
_"علبة فاتح شهية ماشية علي الأرض يخواتي.... أترزع هنا، هقوم اوصي علي فطار ملوكي من عند عمك مجاهد، وبالمرة اغير اللبس دا حاسه خانقني ".
قال ذلك ناهضًا، يستعد للذهاب، بينما الآخر كان قد اخرج هاتفه يعبث به، فأجابه بينما عيناه معلقة علي الهاتف:
_" ماشي، خليه يُحط طحينة كتير عالفول، ويزود بتنجان مخلل ".
أنشغلَ قليلاً بالعبث بالهاتف لحين عودتهِ، أخذ يقلب في مواقع التواصل بلا هدف، حتى أستقر علي تطبيق" الأنستغرام"، يتصفحه بملل، حتى وقعت عيناه علي منشور، قد تم نشره منذ ما يقارب الدقائق، وكان الناشر هي أخته الغير شقيقة: "أروي".
❈-❈-❈
أنفردت بنفسِها بعيدًا عنهم، وتركتهم يلتفون سويًا حولَ طاولة مُجاورة للمسبحِ، وحتي بالرغم من جلسوها في زاوية منفردة، إلا أن أصوات ضحكاتهم العالية وثرثرتهم تصلها...
ت
نهدت بضيق، تحتضُ جسدها بالمعطف الأبيض الذي ترتديهِ، تراقب المارة بملل، لطالمَا شعرت بعدم الأندماج، الأمر يشبه قطرة زيت علي سطح الماء.
أخرجت هاتفها، بلا حماس، فقط تبحث عن شئ يُنقذها من الفراغ، ظهرَ لها أشعارًا بوصول رسالة من مُنسق المعرض، فتحتها سريعًا، ونجح محتواها في رسم الأبتسامة علي وجهها، تُراجع بحماس مقاسات اللوحات وإطارتها، وأماكن التعليق المقترحة، بجانب ترتيب المسار الذي سيسير فيه الزوار.
_" يعني أنا أجيبك علشان تخرجي من المود وتفُكي شويه، تسبينا وتقعدي لوحدك ".
قالت جُملتها بغيظ، قبل أن ترمي بنفسها علي المقعد المجاور لها، تُلقي بهاتفها علي الطاولة تزفر بضيق.
_" أنتِ عارفة أني مُش بحب أقعد مع الشلة بتاعتك دي ".
بررت لها ببساطة، أستدرات" أروي"برأسها، لأصدقائها فالخلفِ تلقي عليهم نظرة خاطفة قبل أن تهز أكتافها قائلة:
_"ولا أنا بحبهم... بسSadly بيسلوني، مُش أفضل من أني أقعد فالبيت طول الوقت Face to face مع شويه ورق قاعدة أشخبط فيه".
تُلقب الفن الراقي، بالرسم العشوائي، بالطبع لن تأخذ كلماتها علي محمل الجدية، "أروي" بسطحيتها غير مؤهلة لدخول نقاش عميق عن تعريفات الفن وتأثيره علي الحضارة، واليسَ كانها تهتم لمعرفة ذلك من الأساس.
يكفي عليها متابعة بيوت الازياء ليلاً مع نهار لتحظي بملابس من أحدث صيحات الموضة. لذا فضلت تجاهل ما تفوهت به من هُراء، ومدت لها الهاتف قائلة بحماسٍ:
_"طيب بمُناسبة الشخبطة بتاعتي، شُوفي كده القاعة اللي هيبقي فيها المعرض الجاي إيه رأيك في المكان ".
دققت نظراتها فالهاتف تُقيم المكان لثواني، قبل أن تقول:
_" اممم حلو أوي... متأكدة أنك هتكسري الدُنيا زي كل سنة ".
أبتسمت بتمني:
_" أن شاءلله ".
_" طيب إيه هتفضلي قاعده لوحدك كده كتير؟ ".
لم تنتظر حتى لسماع ردها من عدمه، فقد نهضت ملتقطة هاتفها، تسحبها من معصمها عنوةً:
_" يلا يا مُملة، قُومي نروح نقعد معاهم وبلاش غتاتة".
حاولت الأعتراض، إلا أن الاخري لم تمهلها فرصة لذلك، لم تترك معصمها إلا حين وصلوا إلي مجلس أصدقائها، حمحمت بخجلٍ تهندم ملابسها.
أقترحت أحدي صديقات"أروي"بحماس:
_"تعالوا نتصور كُلنا".
وكانت "أروي" أول الداعمين للأقتراح ولمَا لا، والتصوير هو أحب الأعمال لها، اذ أخرجت هاتفها:
_"يلا، هنتصور بتلفوني، أقفوا يلا، هاتوا Swimming Pool ورانا".
وقفت لثواني تضبط أعدادات كاميرة الهاتف قبل أن ترفعه عاليًا بعد أن أبتعدت مسافة صغيره لكي تضم الصورة الجميع...
❈-❈-❈
لطالمَا كان لا يهتم بمنشورات أختهِ، لا تستحوذ علي أهتمامه، حيث تنحصر جميعها في مشاركة صور شخصية في مختلف الأماكن الفاخرة، تتفاخر بزيارتها لها، أو بعض المنشورات عن الملابس والماركات العالمية...
وكانت تلك أيضًا صورة لها مع أصدقائها في مكانٍ فاخر لا يرتاد عليه إلا الأثرياء، كان سيتخطها كعادته، إلا أن هناك ما لفتَ نظرهِ...
هناك علي أطراف الصورة، كانت تقف هي، بملابسها الهادئة ذات الالوان البسيطة، والتي علي العكس تمامًا من ذوق أخته التي تفضل كل ما هو لامع وملفت...
قامَ بتكبير الصورة حتى امتلئت الشاشة بها هي فقط، من وقفتها المتوترة، أستشعرَ أنها لم تكن مرحبة بألتقاط هذه الصورة الجماعية... ولقد كانت محقة، هي لا تُشبههم بالمرة.... حتى أخته.
رجعَ بظهرهِ للخلف، ولشئ ما، شعر بأختفاء الأصوات من حوله، هو... ووجها من خلف الشاشة.. والجميع تبخر. سؤال يطرح نفسهِ، حتى وهي عابسة تبدو جميله ولطيفة.. أذن ماذا لو أبتسمت؟
_"إيه يا مولانا العاشق".
أنتفضَ بفزع من مكانه وكاد الهاتف يسقط منه، جلسَ"محمد"بجواره وعلى وجهه أبتسامة مستمتعة بأستفزازه، وقد كان بدّل ملابسه إلي اخري مريحة أكثر:
_"مالك أتخضيت ولا كأني فتحت عليك باب الحمام...ولا ممكن أكون قفشت متلبس وأنتَ بتحب علي نفسك ".
_" أخرس".
نطقَ بغيظٍ، وتلك الأبتسامة المستفزة علي وجه صديقه تُثير غضبه، بينما الآخر لم يكتفي بذلك، بل حاول جذب الهاتف منه عنوةً:
_"وريني كده إيه اللي كان بيضحك في التليفون، ضحكني معاك".
رفعَ يداه بالهاتف عاليًا، بينما أشار له محذرًا باليد الاخري:
_"أيدك لتوحشك يباشا".
_"خلاص خلاص ماشي هسكت، بس قُولي، أنتَ ليه معترفتلهاش لحد دلوقتي ".
سأله، فأجاب بغباء:
_" هي مين؟ ".
_" أنتَ هتستعبط ياض، هو فيه غيرها، اللي كُنت قاعد تبحلق في صورتها من دقيقه ".
_" آه، وصال".
_"آه يا حبيبي هي وصال ".
تنهد يضع الهاتف في جيب سروالهِ، يقول بحُزن:
_" أنا فين وهي فين يا محمد، هي هتسيب كل اللي حواليها دول وتُبص ليا أنا ".
أخفض راسهِ بقلة حيلة، ضربه" محمد "علي رأسهِ بغيظ، موبخًا:
_" أنت مستقل بنفسك ليه ياض؟ أنتَ أحسن بكتير من كل الفرافير اللي حواليها، دول عيال نايتي بتوع بابي ومامي والمصروف، أنما أنت راجل طالع بدراعك من صُغرك، هتلاقي فين زيك أصلاً، دا هي الخسرانة".
الحديث في ذلك الأمر بات يخنقه مؤخًرا، يتمني لو يتخلص من أي مشاعر نحوها، لكن رغما عنه يميل لها، بالرغم من أنها بعيدة المنال... نطقَ بوجه متهجم ينهي الحديث في هذا الموضوع:
_"علي الله بقا يا محمد، المهم سيبك أنتَ، أنا أصلا عايزك في موضوع تاني خالص، محتار ومحتاج رأيك".
_"سامعك يا صاحبي، قُول".
❈-❈-❈
كان يسمع لهُ بأنصات، تزامنًا مع تركيزه أيضًا في تناول فطوره، انتهي "ياسين"، يسأله بحيرة:
_" أنتَ رأيك إيه ".
نفضَ يدهِ بعد الانتهاء، جذب كوب الشاي يرتشف منه سريعًا، قبل أن يقول:
_" أما حكاية عجيبة بصحيح، معقول الحاجات دي بتحصل في الواقع، أنا كُنت فاكرها في الأفلام بس".
زفرَ غيظًا:
_"يوه يا محمد هو أنا جايبك تستغرب ".
_" ماهو موضوع غريب فعلاً، يعني أنت أصلاً عاطل... لامؤخذة يا صاحبي، وكنت بتدور علي شغل، يقوم واحد كده يطلعلك من تحت الأرض، لا وكمان شغل متريش وهتأخذلك فيه لقمة عيش حلوة".
_"تدبير ربك بقا، أنا بس قلقان، طول عمري أصلا رافض حتة التهكير والتجسس دي، حرام أصلاً، بس أنا دورت فعلاً ورا الشركة بعد ما رجعت البيت، طلعوا ناس زبالة فعلاً.. وبعدين يعني ماهو لو أنا رفضت كده كده هيجيبوا حد تاني يعمل اللي كُنت هعمله ".
ظلَ يدور في دائرة مُغلقة بداخل عقلهِ، متحير وبشدة، يخشي أن يضيع فرصة كتلك لن تأتي له مرة اخري، ربت علي كتفهِ مشجعًا:
_" شوف، أنت أتكل علي الله، وشوف الموضوع ده، ولو لقيت يعني حاجه مش تمام، أرفضه ساعتها... خايف أقولك أرفض دلوقتي علشان الموضوع في حتي لو خمسة في المية شك أنك بتعمل حاجة ضد مبادئك واخلاقك، وخايف لتكون فرصة العمر وأنت تضيعها بترددك".
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي، كان يقف أمام القصر الكبير، يحتفظ ببطاقة دوّنَ بها العنوان، وقف لثواني يتأكد من العنوان، حتى تحرك مقتربًا من حارس البوابة، والذي عرف هويته سريعًا وسمح له بالدخول..
وكأنه كان علي علمٍ مسبق بأنه سيأتي مرة أخري، أستقبلته خادمة تبين له أنها يبانية الجنسية أو فلبينيه، وقدمت له ضيافة، ماهي إلا دقايق حتى كان "زُهير" يخرج من الداخل، مبتسمًا بأتساع وسعادة مرحبًا بهِ...
_"يا أهلاً وسهلاً يابش مهندس، مصدقتش نفسي والله لما قالولي أنك هنا".
بالطبع كاذب، هو يعرف أنه سيأتي، لكن لم يتوقع أنه بهذه السُرعة، جلسَ بجوارهِ مرتديًا ملابسه البيتية.
_"فطرت ولا نفطر سوا؟ ".
_" فطرت آه ".
_" تمام ياهندسة، طيب تشرب إيه؟ قهوة صح؟ ".
رفضَ بلطفٍ في بادي الأمر لكن" زُهير"أصّر، أنتهي بهم الأمر يجلسان في حديقة القصر، يشربون القهوة في جوء هادئ والحراسة حولهم من كل ناحية، للحظة شك أن ذلك الراجل تابع لجهة سياسية...
_"أنا كلمتهم فالشركة عندي وجهزولك المكتب اللي هتشتغل عليه "
ضحك يحكُ ذقنهِ النابتة:
_"ومين قالك أني خلاص وافقت".
غمز له:
_"عيب عليك. مجيتك هنا وبالسرعة دي بتأكد إنك وافقت، وباصم بالعشرة كمان ".
انفجر ضاحكًا يهز رأسه بيأسٍ، فحمحمَ الآخر بجدية يسأله:
_" مقولتش، أنتَ عايز كام؟ ".
أنها الفُرصة، الفرصة التي تأتي للأنسان مرة واحدة بالعُمر، وإن لم يستغلها صحيحًا، سيكون غبيًا لا محال،" ياسين "بطبعهِ ذكي، هو فهمَ أن" زُهير"أختاره هو تحديدًا لانه يعرف أنه الوحيد القادر علي القيام بهذه المُهمة، فمن خلال معلوماته التي جمعها عن هذه الشركة، عرفَ أنها مؤمنة بنظام حماية دقيق وفائق، وما أدهشه أن صاحب هذا نظام الحماية هذا.... فتاة، نعم، هو نفسه تفاجئ، خاصة أن النظام فعليًا جيد جداً ويصعب أختراقه...
يصعب أختراقه من قِبَل أي شخص، عدا هو بالطبع، وكان ذلك هو الذي أهله ليتم أختياره... لذا أعتدل يجلس بأرياحية، وأقد أنتفخ صدرهِ بتفاخرٍ ونطق بثقة يقول أول رقم خزعبلي ظهر في عقله:
_"أتنين مليون".
_" جنيه؟ ".
نفي سريعًا:
_" بس عايزهم أخضر".
أبتسمَ له، وببساطة هز رأسه موافقًا، أبتلع تفاجئه، لم يتوقع أنه سيوافق بهذه السُرعة، نعم فرصته وأستغلها، ويعرف أن هذا الرقم لا يمثل نُقطة في بحر ثروتهِ الطائلة، لكن كان يظن أنه سيعترض...
في وسط ذهوله، الذي حاول كبحه، لكي لا تهتز هيئته الواثقة، أقترب منهم رجلاً ضخم البُنيان، يحمل حقيبة جلدية سوداء، أخذ منه"زُهير"من ثم فتحها يمدها ناحية "ياسين" الذي فتح فمهِ بذهول، ورق أخضر.... بلع لُعابهِ بتوتر قبل أن يرفع رأسه عن محتوي الحقيبة، ويطالعه هو:
_"كام دول ".
أشعلَ سيجارتهِ البُنية، واضعًا قدمًا فوق الأخري،ينفث الدخان للأعلي :
_" أتنين وعشرين ألف دولار،بما يعادل مليون جنيه مصري ، والنُص التاني بعد ما تنفذ المطلوب".
مد يده يصافحه بقوةٍ، مشددًا علي أحرف كلماتهِ:
_"مبروك علينا يا... يابش مهندس ".
❈-❈-❈
في مُنتصف النهار، دخلَ الشقة كاللصوص، يمشي علي أطراف أصابعهِ، بعد أن خلع حذائه خارجًا، يحتضنُ الحقيبة بكلتا يديه وكأنها ستهرب منه، أخذ يراقب الممر اولاً. تنفس براحةٍ، جدته نائمة تقريباً هذا جيدًا.
أخيرًا وصل إلي غرفته، ولحُسن حظه كانت هي أول غرفة في المنزل، لطالمَا كان يكره موقعها لقُربها من الشارع والضوضاء، الآن بات يعشقها....
وصد الباب جيدًا، وضع الحقيبة بحرص علي السرير، فتحها أيضًا بتؤدةٍ، لتنفتح أمامه وتظهر الأوراق الخضراء مترصصة بأنتظام، لمعت أعينه بسعادة بالغة، لأول مرة في حياته يري الدولارات، بل لأول مرة بحياته يري أموال بهذه الكمية..
ظحكَ بهسترية غير مصدقًا لما تري عيناه، أخذ يُخرجهم ويبعثرهم علي طول السرير، والفرحة تقفز في عينيه.... المشاريع والأنجازات تتقافز علي الحائط أمام عينيه.
عساه ماذا سيفعل بهم؟ مهلاً لقد نسي أن هناك دفعة أخري مماثلة لهم فالعدد:
_" يابركة دُعاكِ يا تيتة، أول مرة تدعي ودعواتك تجي في المكان الصح".
وعلي ذكرِ جدتهِ، وجدها فجأة تدفع الباب وتدخل عليه، ومن هول الموقفِ، شهقت تصرخ بخضة:
_"يلهوي، ايه دا؟ بتوع مين دول ".
أنتفض سريعًا يحاول تهدئتها، ستفضحهم لا محال:
_" أهدى يا تيتة أهدي، دي، دي فلوسي والله ".
وبجُملتهِ زاد النار بنزينًا، أخذت تضرب علي صدرها بفزع، توبخه بعصبية:
_" فلوسك؟ فلوسك منين؟ أنتَ سرقت بنك يا ياسين؟ أنطق يا واد، سرقت مين، جايب الفلوس دي منين؟ يلهوي يانصيبتي، ياخيبتك في حفيدك الوحيد يا أحلام، الواد باظ ومشي في البطّال خلاص، عوض عليا عوض الصابرين يارب".
_"ياتيتة أسمعي، والله مسرقت حد، دي فلوسي فعلاً".
لا تصدقه بالطبع، دفعته بعيدًا عن طريقها:
_"أوعا يا واد".
وأقتربت تتحسس المال بخوف، لتسأله مرة أخري:
_"دول دولارات لعبة من بتوع العيال صح؟ أنت هتتاجر في لعب العيال ولا إيه ".
إلي هُنا ولم يستطع تمالك نفسه، أنفجر ضاحكًا، لا يصدق أن هذا تفكير جدته:
_" لعب أطفال إيه بس ياتيتة، دي دولارات حقيقية، وبتاعتي، ومش سارقها والله، دي من شغلي".
_"أنتَ هتستعبط عليا ياض، شغل إيه يا أبو شغل، دا أنت معمرتش في شغلانة أسبوع علي بعضه، واخر شغلانة قعدت يومين ".
لقد صدقوا حينَ قالوا أن العائلة هي جيشك الوحيد، بصرف النظر عن أن جدته تعايره بفشلهِ وفي وجهه:
_" دا شغل جديد والله، أقعدي طيب وهفهمك يا تيتة".
أستغرق ساعة كاملة، حتى نجح في أقناعها بصعوبة بالغة، لكن بالنهاية أقتنعت بعد أن شرح لها نظام عملهِ الجديد، مع عمل ازالة لبعض الاجزاء بالتأكيد...
_"يا حبيبي يا ياسين، شوف دعواتِ، ربنا فتحها عليك ازاي، قولتلك ربنا كبير ".
_" لا والله ما أنا كُنت من شويه حرامي ونصاب".
ضربته بخفةٍ:
_"يوه بقا، ماهو طبيعي اتخض، يعني دا مبلغ كبير، وأنا متعودة عليك كحيان بتستلف مني في الشهر خمس مرات".
أنتفخ صدرهِ بزهوٍ، يقول بغرور مصطنع:
_"أنا دلوقتي بقيت مليونير يا تيتة... أوعدك هسددلك كل الفلوس اللي عليا جنيه جنيه ".
_" لا أنا عايزاهم بالدولار".
_"نعم، دا ليه أن شاءلله الله؟ ".
دفعته بعيدًا قائلة قبل أن تنهض وتتركه:
_" الفلوس بالفوايد بتاعتها كمان، أذا كان عاجبك، والإ هروح أبلغ عنك وأقولهم سرق بنك الحرامي".
ضربَ كفًا بكفًا، ضاحًكا، من ثم عاود النظر إلي الأموال يتأملها، يتساءل كم وصل سعر الدولار هذه الأيام؟
سؤال لم يكن يتوقع أنه سيشغل عقله يوما ما!.
يُتبع..
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة هاجر التركي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
