رواية جديدة ذكريات ضائعة لعلا السعدني - الفصل 26 - الثلاثاء 27/1/2026
قراءة رواية ذكريات ضائعة كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ذكريات ضائعة
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل السادس والعشرون
تم النشر الثلاثاء
27/1/2026
هبط درجات منزل والدة زوجته، وقد أوصاها قبل رحيله أن تُبقي تلك الخريطة معها، ألّا تُخرجها من حقيبتها، وألّا تُطلع عليها أحدًا مهما كان، استعاد في ذهنه ما تذكّره مؤخرًا؛ موقع المقبرة، أو ما تبقى منه في ذاكرته، وعلم أن مكانها في المكتب ذاته، المكان الذي كانوا يتقابلون فيه دائمًا ..
ابتسم بسخرية على حاله، فدومًا الشيء الذي تبحث عنه يكون تحت عينيك وبالقرب منك وبالرغم من ذلك لا تراه ..
استقل سيارته، وأدار المحرك، وهو يفكر فيما أخبرته به زوجته بأنها قدّمت محضرًا رسميًا ضد (رؤوف) بتهمة التعدي على خصوصيتها ومنزلها، وأن التحقيقات بدأت بالفعل، رغم ذلك كان يشعر بالقلق، متيقنًا أن (رؤوف)، يكفيه أن يرى طرف الورقة ليعلم أنها ليست عادية، وأنها بالتأكيد ليست مجرد قصاصة مهملة ..
ظل شاردًا طوال الطريق، حتى انتبه فجأة إلى سيارة سوداء فارهة تقطع عليه الطريق، ترجل منها رجال ضخام البنية، ملامحهم جامدة، أشار أحدهم بيده آمرًا إياه أن يترجل من السيارة، على الفور علم أن هؤلاء رجال (ماهر)، زفر بضيقٍ مكتوم؛ فمن العبث أن يحاول الاشتباك مع أمثالهم، وكان يعلم جيدًا أن بقاءه حيًا ضرورة لهم، لا خيارًا، لذا امتثل، بلا مقاومة، واستقل سيارتهم، بعد دقائق، وصلوا إلى منزل (ماهر) ..
دلف إلى مكتبه الذي كان ذو طرازٍ رفيع، جدرانه مكسوّة بأخشاب داكنة لامعة، مكتب عريض من الخشب، يعلوه علبة سيجار فاخر وولاعة ذهبية، وخلفه نافذة زجاجية واسعة تطل على الحديقة، دخل (ماهر) الذي جلس على مقعده بتمهل، وأسند ظهره، وأطلق نظرة فاحصة نحو (حازم) قبل أن يقول بنبرةٍ باردة
- أنت طبعًا عارف إنت هنا ليه؟
ازدرد (حازم) ريقه بصعوبة، لكنه تماسك، قرر أن يُكمل لعب دور الفاقد لذاكرته، فلا أحد يعلم بعودة بعض الذكريات سوى (نغم) ليجيبه بهدوء
- كل اللي أعرفه قولته ل(رؤوف) وأكيد (رؤوف) بيبلّغك بأي كلمة بتطلع مني أول بأول
نظر إليه (ماهر) بطرف عينه، بينما أشعل سيجارته ونفث دخانها ببطء
- يعني مصمّم برده متبقاش في صفنا؟
هز (حازم) كتفيه بلا مبالاة
- إنت اللي اخترت إن واحد من رجالتك يضايق مراتي .. وطبيعي أبقى ضدك، مش معاك
زفر (ماهر) بضيق، وضرب بأصابعه على سطح المكتب
- أنا مليش دعوة بلعب العيال اللي بينكم ده
ثم مال بجسده للأمام، وصوته انخفض
- أنا ليا دعوة إنك اذا افتكرت حاجة تخص المقبرة .. ولا لأ؟
ساد صمت ثقيل، لحظة واحدة كانت كفيلة بأن تغيّر كل شيء، فكّر (حازم) سريعًا؛ فكل كلمة سيقولها لها ثمن، فتابع (ماهر)
- (رؤوف) قالي إنه شاف ورقة كانت في إيد مراتك .. شكلها يقول إنها بردية أو حاجة شبه كده
لم يتفاجأ، فالعصفور باح بما لديه، ليجيبه (حازم) متماسكًا
- مش فاهم بتتكلم عن إيه، أنا روحت لمراتي بعد ما جالي تليفون إن ابن خالتي اتعرض ليها .. روحت أطمن عليها وبس
سحب (ماهر) نفسًا عميقًا، ثم قال بنبرة تحذير
- بص، لعب مش عاوز .. أنا عاوز نهاية للموضوع ده يا (حازم) .. إحنا كده كده عملنا أفلام وثائقية بتثبت إن مفيش مقبرة .. وإن اللي اتلاقى مجرد برديات واترجمت وخلصنا، هتلعب بديلك؟ مش هيحصل كويس
لم يكن يعلم كيف يتفاوض مع مجرمين لكنه وجد نفسه يقول
- الشوكة اللي كانت بينا .. إنك حاطط غريمي قدام عيني، طبيعي أرفض بوجود (رؤوف) .. لو كنت طلبت مني بشكل مباشر، أكيد رد فعلي كان هيبقى مختلف
عقد (ماهر) حاجبيه، بينما أكمل (حازم)
- سيبني دلوقتي أتصرف .. هشوف لو (نغم) وصلت لحاجة، وهقولك أول بأول .. بس بشرط، (رؤوف) يبقى برّه اللعبة
تأمّله (ماهر) طويلًا، ربما صدّقه أو ربما وجد عرضه مناسبًا مؤقتًا، هو يعرف العداوة القديمة بينهما، ويعلم أن الأمر تجاوز المنافسة المهنية إلى أنهم أحبوا نفس المرأة، فقال أخيرًا بفتور
- تمام .. بس هتفضل تحت عيني يا (حازم) .. أي حركة هعرفها قبل حتى ما تيجي تبلغني .. وأي لعب بديلك؟ مش هيعدّي
خرج (حازم) بعدها، يطلق زفرة طويلة، كمن أُزيح عن صدره حمل ثقيل، أوصله أحد رجال (ماهر) إلى مكان سيارته حيث تركوها، ما إن عاد إلى منزله حتى اتصل ب(نغم) مرارًا، وحين أجابت أخبرها أن لا تذهب للعمل ولا تخرج من المنزل غدًا متى ينتهي ذلك الأمر، حاولت الاعتراض، لكن حدّة صوته جعلتها ترضخ ثم طلب منها أن تخبر (حسام) أن يكلف ضابط يذهب إلى المكتب وان المقبرة تحت الحديقة التي تحاوط المكتب، ولو اكتشفوها بسهولة حينها يستطيعوا القبض على (ماهر) بتهمة تزوير تلك الأفلام الوثائقية، كما اخبرها أنه مراقب ثم أغلق الهاتف، وهو يعلم أن الخطوة القادمة صعبة للغاية وعليه أن لا يتراجع عما يفعله ..
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي ..
قصد مكتبه وقد استقر في داخله حتى رافقه ضابط من النيابة العامة، جاء لتنفيذ قرار التفتيش بعد البلاغ، اتجهوا نحو الحديقة الخاصة بالمبنى، توغلوا أكثر، حتى بلغوا نقطة في عمق الحديقة، عندها انكشف المدخل الخفي، مطمورًا تحت مجموعة من الصخور الطبيعية، مرصوفة بعشوائية متقنة، توحي لمن يراها لأول وهلة بأنها جزء أصيل من تكوين الأرض، ما هي إلا لحظات حتى انفتح المدخل، كاشفًا عن درج ضيق ينحدر إلى جوف الأرض، تسللت خيوط الضوء من الأعلى، لتمس جدرانًا حجرية عتيقة، حُفرت عليها رموز غامضة ونقوش كثيرة، مع كل خطوة إلى الأسفل، كانت رائحة التراب والرطوبة تزداد كثافة ..
في القاع، انكشفت غرفة شبه واسعة، أرضيتها مرصوفة بأحجار ملساء، وجدرانها تزدان بنقوش تحكي فصولًا من حياةٍ مات أصحابها وبقي أثرهم، وعلى امتداد المكان، وقفت التماثيل، تمثل كهنة وحراسًا، وجوههم جامدة، لكنها مهيبة، كان يوجد أيضًا تمثال زوجة (إيمحور) التي صدقًا تشبه شقيقة زوجته بالفعل، قائمًا في قلب الغرفة، متجهًا بنظره إلى الداخل، بعدها أُلقي القبض على رجال (ماهر) اللذين بالخارج، وتحوّلت الأفلام الوثائقية التي ظنوها وسيلة ضغط على (حازم) إلى دليل إدانة دامغ، قدّم (حازم) بلاغه ضد (ماهر) و(رؤوف)، بتهمة تزوير التاريخ عبر أفلام وثائقية زائفة، صُنعت بعناية لإخفاء المقبرة ونهب خيراتها ..
هكذا، انقلبت الخديعة على صانعيها، وباتت المقبرة، التي أُرادوا لها أن تُمحى من التاريخ، شاهدًا على جريمتهم ..
❈-❈-❈
بعد مرور عدة أيام ..
كان يحاول التواصل مع زوجته، فلولا وقوفها إلى جواره، ما كان ليصل إلى ذلك اليوم أبدًا، ومع ذلك، كانت ترفض التحدّث إليه، وقد طال العقاب هذه المرة؛ إذ لم تعد تريد تصديق أنه يتغيّر فعلًا ..
ظلّ يقيم في شقتهما، لم يعد إلى شقة والدته، متمسّكًا بأملٍ ضعيف أن تعود في أي لحظة، أو على الأقل لم يكن وحيدًا تمامًا؛ فالجدران من حوله تحفظ ذكريتهما معًا، حتى دوّى صوت جرس الباب في سكون الشقة، اتجه ليفتح الباب، ليتفاجأ بوجود (هيثم) أمامه، تراجع قليلًا ثم قال بهدوء
- اتفضل يا (هيثم)
جلسا في الداخل، وسرعان ما لاحظ (حازم) توتره؛ كان ينظر حوله بلا تركيز، ويعبث بيديه، وكأنه يبحث عن بداية لا يعرف من أين تأتي، استشعر (حازم) أن هناك أمرًا غير طبيعي، فحثّه بنبرة هادئة
- مالك؟ شكلك قلقان اتكلم
تنفّس (هيثم) بعمق، ثم قال فجأة وكأنه قرر كسر ذلك الصمت
- بص .. أنا عارف المشاكل اللي بينك وبين أختي، بس أنا طمعان في حسن أخلاقك، إنك تنحي الخلافات دي على جنب، عشان أنا متقدّم لأختك
اتسعت عينا (حازم) في ذهول، وكأن الكلمات سقطت عليه دفعة واحدة، لم يفكر سوى في (وائل)، صديقه الذي يعلم جيدًا بحبه لشقيقته، ازدرد (هيثم) ريقه، وأكمل
- وأنا مش هكدب عليك .. أنا شايف إنك غلطان، (نغم) ساعدتك من الأول من غير أي مقابل، وإنت شكّيت إنها ممكن تكون في الجنب التاني، بس دي اوهام في دماغك
ضاقت أنفاس (حازم)، واشتدّ الاختناق في صدره كلما تذكّر تلك الأفكار، ثم قال بصوتٍ مبحوح
- أنا مش هدافع عن نفسي، بس حط نفسك مكاني يا (هيثم) ملفات محدش يعرف عنها حاجة غيري وغير (نغم) تظهر فجأة على لابتوب (رؤوف) .. لا كمان مش هو اللي بعتها ليا .. لا أنا اللي اكتشفتها مرة واحدة غير إني نفسيًا من ساعة الحادثة وأنا تايه مش عارف مين معايا ومين ضدي
سكت لحظة، ثم أضاف بصراحة موجعة
- والله أنا بحب أختك .. آه غلطت، والشك ممكن يصيب أي إنسان .. محدش ملاك بس أنا ندمت وبحاول أتغير
أخذ (هيثم) نفسًا عميقًا، وبدا كأنه يزن كلماته ليجيبه
- بصراحة في الأول كنت متحامل عليك .. بس لما فكرت، وافتكرت اللي (نغم) قالتلي عليه عن الصورة اللي لاقيتها على لابتوب (رؤوف)، قلت أكيد هيشك اصل ازاي صورة زي دي توصله .. بس برده وارد جدًا يكون كان بيتجسس عليها
رفع نظره إليه ثم أردف بصدق
- وأنا شايف إنك فعلًا بتتغير .. وصدقني ده ملوش أي علاقة بموضوع (ساندي)
ضيّق (حازم) عينيه في ريبة، خفض (هيثم) نظره إلى الأرض، وقال
- آخر مرة شوفت (ساندي) كانت عند خالتي .. لمّحتلها إني هاجي أتقدم ولما حسّيت إنها مش رافضة، قلت أستنى لما مشاكلك تخلص مع (نغم) وأكلمك
رمقه (حازم) بنظرة نارية، وقال بسخرية
- وكمان الهانم موافقة؟
رفع (هيثم) يديه مدافعًا محركًا إياها نافيًا
- لا هي مقالتش كده .. هي ما نطقتش أصلًا .. أنا فهمت بس من أسلوبها .. تقدر تاخد رأيها وتبلغني
زفر (حازم) زفرة طويلة، كأنها تخرج ما في صدره من صراع، لم يكن يفكّر سوى في رد فعل (وائل)، وفي حجم التعقيد الذي ازداد فجأة، لكنّه تمالك نفسه، وقال بنبرة حاسمة
- هرد عليك في أقرب وقت
هزّ (هيثم) رأسه بتفهّم، بينما ظلّ (حازم) جالسًا مكانه بعد رحيله، يحدّق في الفراغ، مدركًا أن بعض القرارات لا تحتاج سوى كلمة واحدة لكنها أثقل من جبل لا سيّما إن كان في ذلك إيذاءٌ لمشاعر شخصٍ آخر ..
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي ..
كان يجلس في مكتبه، يحاول الانشغال بالأوراق أمامه، بينما عقله غارق في دوّامة لا تهدأ، ومع اقتراب وقت الاستراحة، حسم أمره؛ قرر أن يذهب إلى مكتب (وائل) ويتحدّث معه، وصل إلى مكتبه، طرق الباب طرقًا خافتًا، ثم دلف إلى الداخل ..
كان الأسى واضحًا على ملامحه، ما إن رآه (وائل) حتى فهم حالته على الفور، وظنّ أن الأمر لا يخرج عن فشل محاولاته المتكررة لإقناع (نغم) بالعودة، تنهد وقال بنبرة ودودة
- خلاص يا (حازم) .. اصبر بس وحاول تبقى رومانسي أكتر معاها .. جرب ابعتلها ورد
ابتلع (حازم) ريقه، وهزّ رأسه نفيًا
- لا .. أنا كنت عاوزك في موضوع تاني
انتبه (وائل) فجأة لحديثه، وعدّل جلسته
- اتفضل، قول
نظر إليه (حازم) بطرف عينه، وكأن الكلمات تثقل لسانه
- في واحد متقدّم ل(ساندي) و .. وشكلها كده يعني موافقة عليه
قالها ببطء، مترقبًا رد فعله، لكن أجابه (وائل) بسلاسة غير متوقعة
- آه، (هيثم) .. مانا عارف، مبرووووك يا عم
اتسعت عينا (حازم) في صدمة
- نعم؟! أفندم يعني إيه؟! إنت عارف؟!
تغيّر وجه (وائل)، وشعر بتوترٍ مفاجئ، ثم قال محاولًا التماسك
- أه .. (ساندي) كانت بتاخد رأيي في الموضوع، وقالتلي بعد المشاكل اللي حصلت بينك وبين مراتك، شايفة إنها هتبقى أنانية لو وافقت على (هيثم)
لم يصدّق (حازم) ما يسمعه بأذنيه، مرّ شريط الأمس كله في رأسه دفعة واحدة، فقبض على حافة المكتب، وقال وهو يبحث بعينيه عن أي شيء يفرغ فيه غضبه ليلقيه في وجهه ويكسر بها رأسه
- يعني أنا من امبارح عمال أفكر إزاي أجيبها ليك .. وإنت؟!
عض شفتاع بمرارة وأضاف
- وإنت عارف أصلًا؟! ومخبي عليّا؟! لا وكمان الهانم حكّتلك .. ومحكتش لأخوها؟!
ازدرد (وائل) ريقه بصعوبة، وقال مدافعًا
- إيه يا عم، اهدى .. هي كانت بتاخد رأيي عشان أنا برّه الموضوع، كانت هتاخد رأيك إزاي؟ الموضوع يخصّك إنت أصلًا
ثم أضاف بقلق
- في إيه يا (حازم)؟ هو إحنا رجعنا للعصبية تاني؟
نظر إليه (حازم) بذهول، كأن الكلمات استفزّت جرحه المفتوح، وقال بانفجار مكبوت
- هو كل واحد يعصبني، يفتح نار البوتجاز ويقولي متتعصبش؟!
زفر بقوة وأكمل
- أنا خلاص .. زهقت منكوا كلكوا
ساد الصمت لحظة ثقيلة، ثم جلس (حازم) مكانه مرة آخرى، صدره يعلو ويهبط، في حين لاحت على شفتاي (وائل) ابتسامة استفزته ليمسك قلم كان أعلى المكتب ويقذفه به ..
❈-❈-❈
بعد انتهاء عملهما، اتجها إلى مؤتمرٍ خُصِّص للحديث عن تزوير التاريخ وتهريب الآثار، لم يكن (حازم) متحمسًا، بل كان يشعر بفراغٍ؛ فغياب (نغم) عن جواره جعله يبدو له مؤتمرًا بلا روح، ورغم ذلك مضى، ما إن دلف القاعة، وجال ببصره بين الحضور، حتى توقفت أنفاسه فجأة
كانت هناك (نغم)، رآها تقف، وتمسك أدواتها، ولكنها تجاهلته تمامًا طوال المؤتمر، وعند الأنتهاء تعاملت مع (وائل) وحده، تسجل ملاحظاتها، تطرح أسئلتها عليه، وتدوّن دون أن تعير زوجها اي اهتمام ..
في البداية شعر بسعادةٍ خفية لمجرد قربها منه، سرعان ما تحولت إلى ضيقٍ حين لاحظ أنها لم تمنحه حتى نظرة عابرة، ظل يراقبها من بعيد، يتأمل تفاصيلها وهي تعمل، حتى انتهى المؤتمر، وبقيت واقفة تتحدث مع (وائل)، ازداد ضيقه فاقترب منهما، ووقف قبالتهما، وضع يده على خاصرته، وقال بنبرةٍ متثاقلة تخفي انزعاجه
- مش عاوزة أي مساعدة يا (نغم)؟ أصل المؤتمر ده معمول بسبب شغلنا سوا لو فاكرة يعني
ثم التفت ل(وائل) ساخرًا وتابع
- (وائل) أصلًا ما بيفهمش حاجة
عضّ (وائل) على شفته بغيظ
- هو إيه اللي ما بفهمش حاجة دي؟!
لم يلتفت (حازم) إليه، ظل ينتظر رد زوجته، لكن (نغم) لم ترفع عينيها نحوه، قالت بهدوءٍ بارد وهي تواصل عملها
- (وائل) فاهم جدًا عمومًا ومش محتاجة حاجة من حضرتك .. إحنا قربنا نخلص
شدّ (حازم) قبضته دون أن يشعر، ثم ابتعد خطوة، وعقد ذراعيه أمام صدره في محاولة للتماسك، فاقتربت (نغم) من (وائل) قليلًا، وقالت بنبرةٍ خافتة وهي متعجبة
- هو بجد إنتوا صحاب من أيام الروضة؟ .. إزاي استحملته السنين دي كلها؟
انفجر (وائل) ضاحكًا
- لااا، أنا دوري في الماتش لحد هنا انتهى
ثم أشار بيده بعيدًا
- ارتاح بقى و أقعد على دكة الاحتياطي .. وإنتِ كمّلي بقى .. أنا استحملت كتير!
ضحكت (نغم) بصدق كثيرًا، حتى أن ضحكتها أحدثت صوتًا عاليًا، فاقترب زوجها دون أن يشعر، حاول أن يكون هادئًا، رغم نبرته المشدودة
- صوتك عالي أوي يا هانم
قطبت حاجبيها فتابع هو
- إيه اللي ضحكك اوووي كده؟
زفرت (نغم) بضيق، لم تجبه ثم أغلقت هاتفها وأچندتها التي تدون بها ملاحظتها، وقالت ل(وائل) بابتسامة مهذبة
- شكرًا جدًا يا (وائل) .. عن إذنك
ثم ابتعدت، ما إن غابت عن ناظريه، حتى ضرب (حازم) صدر (وائل) بخفة
- بتسلم عليك إنت يا بغل وأنا لأ؟!
هزّ (وائل) رأسه وهو يبعد يده
- إيدك خفها شوية!
ثم تنهد وتابع
- وأه .. طبيعي تطنشك، يعني إنت كائن مستفز ومحدش طايقك غيري أصلًا
عضّ (حازم) على قبضته، وقال بانفعال مكتوم
- لا بقى ليك صوت كمان!
ثم تابع بتوتر
- كانت بتقولك إيه؟ وبتضحكوا اوي كده
عبث (وائل) قليلًا ثم راقص حاجبيه وقال لأغاظته
- إيه؟ هتشك فيا أنا كمان؟
زفر (حازم) بضيق
- هو إنتوا كل حاجة في مخكوا شك؟ .. مفيش حاجة اسمها غيرة مثلًا؟
ارتسمت بسمة خفيفة على وجه (وائل)، وقال بهدوء صادق
- صدقني .. هي بتحبك .. كانت بتحاول تبصلك من غير ما تاخد بالك، بس إنت ما ادّيتش نفسك فرصة زي التور بينطح في أي وقت
ربت على كتفه ثم أردف
- سيبها تهدى .. تهدى خالص من ناحيتك .. وبعدين هتلاقي كل حاجة اتحلت .. إن شاء الله
❈-❈-❈
كانت القاعة تتلألأ بألوان مبهجة، سقفها مزدان بشبكة من الأضواء الخافتة تتراقص على جدرانها، والورود تملأ الزوايا بألوانها الزاهية، مع البالونات التي تتدلى من السقف كأنها نجوم صغيرة تضيء المكان، الأرائك والكراسي مصطفة حول الطاولات المفرشّة بأقمشة فاخرة، وجدها ترتدي فستانًا بنيًا غامقًا محتشمًا، تقف في زاوية القاعة تتحدث مع صديقتها (حنان)، غير آبهة بوجوده، شعر بنغز من الضيق يعتصر قلبه؛ فهي تتجاهله تمامًا، ولا ترغب في التحدث معه، اقترب منها، وحين نظر إلى يدها، لاحظ غياب خاتم الزواج عن إصبعها، فشعر بمزيد من الأنفعال، ثم نظر إلى يده، فخاتمه في مكانه، فكيف لها إلا ترتدي خاتم زواجهم بينما قاعة الأفراح تلك تجمع فيها صائدوا العرائس ..
حاول أن يرسم الهدوء على ملامحه ويكتم غيظه داخله، فاقترب منها بابتسامة متوترة وهو يقول
- شكلك النهاردة زي القمر
ابتسمت (حنان) بخجل، فقد شعرت أنها واقفة بينهم، وقررت الانسحاب قليلاً، في حين نظرت إليه (نغم) بعيون متسعة، لكنها شعرت بضيق، فقالت (حنان)
- طيب يا نانا، أنا هروح أشوف (ساندي) وجاية تاني
زمّت (نغم) شفتاها، ثم نظرت إلى (حازم) قائلة بضيق مصطنع
- انت احرجتها
نظر إليها وقال بصدق
- وحشتيني أوي يا (نغم)
نظرت لأسفل، صامتة، ثم حاولت تغيير الموضوع
- صحيح سمعت إنك هتترقى في شغلك قريب؟
صمتت ثانية ثم ألصقت حديثها بكلمة
- مبروووووك
نظر إليها، متأملاً عينيها الخضراء التي اشتاق لها، ثم قال
- خلاص بقيتي تعرفي أخباري من أخوكي، مش ناوية تحني عليا
حدّقت في عينيه وقالت بحدة
- لحد إمتى يا (حازم)؟ هرجع ونبقى كويسين مع بعض، وبعدين ترجع تشك فيا لأي سبب؟ أنا مش هقدر أعيش العيشة دي
قال هو، وهو يحاول السيطرة على غضبه
- لا يا (نغم)، أنا اتغيرت بجد، والدليل إنك مش لابسة خاتم جوازنا، وأنا مكلمتكش رغم العفاريت اللي بتتنطط في وشي
شعرت بأنه تغير حقًا، فهي لن تنكر لقد قصدت عدم ارتداء الخاتم لترى أن كان سيتشاجر ام لا، ظنت أنه لم يلاحظ ولكن يبدو وأنه تغير ولو قليلًا، صمتت لحظة، ثم قالت منسحبة
- أنا هقف مع (نيرة)
تركته وانصرفت، في تلك اللحظة، اقترب (وائل) من (حنان) عندما وجدها تقف بمفردها في الزواية، وقال
- أنا بجد، كل حاجة بتنزليها على صفحتك بنبهر بيها، أنا حجزت من كل نوع واحد
ابتسمت (حنان) التي أصبحت تثق به فقد استمدت الثقة به من طبيبها عندما علمت أنه ابن عمه وصراحة هو لم يضايقها يكفي أنه يعلم أنها تذهب لطبيب نفسي، ولم يحاول ولا مرة أن يسألها عن السبب، فقد توسمت به خيرًا حتى انها اصبحت تثق بمجموعة قليلة من الرجال وهو منهم وهذا تطور هائل بعد انتظامها على العلاج، وقالت
- أنا حقيقي مش ملاحقة على الأوردرات بتاعتك
لاحظ (وائل) ارتياحها في الحديث معه، فابتسم لها بصدق
- شغلك أصلاً لا يعلى عليه .. صحيح، بنت خالتي شافت تصاميمك وعاوزة تعرضها في الأتيليه بتاعها، بصراحة أنا عرضت عليها تصاميمك بدل ما تشتغلي في الضيق كده، صممي ويبقى في أكتر من منفذ، واسمك يتعرف ويبقى ليكِ مساعدين
لمعت عينا (حنان)، وقالت
- بجد؟!
هز رأسه إيجابًا، وقال
- أيوة طلبت مني أحدد معاكي ميعاد، وانا هعرفك عليها
شعرت بسعادة كبيرة، فقالت
- شكرًا أوي يا (وائل)
في حين اقترب (حازم) من (هيثم) الذي يجلس بجانب شقيقته في المقاعد المجهزة للعروسان، وقال بغضب
- اسمع، مفيش خروجة بعد الخطوبة إلا لو اختك جت .. مجتش؟ مش هتروح لأي مكان مع اختي، وهعكنن عليكم في اليوم ده
نظر (هيثم) إليه بامتعاض
- يا شيخ، حرام عليك بقى! أنا مالي بمشاكلك مع اختي، ما تحلوا مشاكلكوا بعيد عني
ليجيبه بحدة
- اللي عندي قولته، لو اختك مجتش على المركب اللي حاجزتها على النيل ليكم، مش هيبقى في فسحة، انا عامل كل ده عشانها اصلًا مش عشانك انت يا بغل
زفر ثم اجابه بحنق
- ربنا على الظالم
ابتسمت (ساندي) على شقيقها وخطيبها، يعجبها حب شقيقها لزوجته ..
يتبع...
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
