رواية جديدة ذكريات ضائعة لعلا السعدني - الفصل 25 - الأحد 25/1/2026
قراءة رواية ذكريات ضائعة كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ذكريات ضائعة
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل الخامس والعشرون
تم النشر الأحد
25/1/2026
كانت مع شقيقها في عيد مولد صديقه، تمسك هاتفها، تتصل مرارًا وتكرارًا ب(حنان)، فقد طلبت منها ترتيب أوردر، إذ إنها تمتلك صفحة عبر موقع الفيس بوك تصنع سترات صوفية (هاند ميد)، اختارت (ساندي) هدية مناسبة لصديق شقيقها، وكان من المفترض أن تقابلها بالأمس لتأخذ تلك الهدية قبل عيد الميلاد، لكن (حنان) كانت مشغولة بتسليم أوردرات أخرى، ولم تتمكن من ذلك، وأخبرتها أنها ستلتقيها قبل موعد عيد الميلاد،
اتصلت مرة أخرى، فأجابت (حنان) بنبرة آسفة
- معلش يا (ساندي)، أنا آسفة جدًا، كنت مع ماما عند الدكتور، وكنت فاكرة الدكتور هيخلص بدري، بس للأسف لسه مخلصين حالًا، بس البلوڤر معايا، إنتي فين وانا أجيلك؟
صمتت (ساندي) لحظة، ثم قالت
- أنا في عيد الميلاد بصراحة، كنت زعلانة منك أوي، بس هبعتلك اللوكيشن، تمام؟
ردت (حنان) بنبرة نادمة
- حقك عليا بجد، كان عندي ضغط امبارح، وانتي أصلاً طلبتي مني الأوردر فجأة، ومكنتش عاملة حسابي ومع ذلك حجزتلك واحد قبل ما يخلصوا
تفهمت (ساندي) الأمر وأغلقت الهاتف، ثم أرسلت لها موقع المطعم الذي يُقام فيه عيد الميلاد، استقلت (حنان) سيارة أجرة، وأتت مسرعة، حينها خرجت (ساندي) برفقة (حازم) لتأخذ منها الهدية، فأعطتها (حنان) إياه مغلفًا في صندوق متوسط الحجم، وقالت
- حقك عليا، كان نفسي أجيبهولك قبل عيد الميلاد، بس اللي حصل بقى
ابتسمت (ساندي)، على حساسية (حنان) المفرطة، وقالت
- خلاص يا بنتي، حصل خير، المهم تعالي اقعدي معانا في عيد الميلاد بقى
اتسعت عينا (حنان)، وهزت كفوف يديها بالنفي
- لا، مش هينفع، لازم أروح قبل الجو ما يتأخر عن كده
تدخل (حازم) الذي كان يقف جانبًا وقال
- ادخلي يا (حنان)، انتِ مش غريبة، مش معقولة تيجي المشوار ده كله وتمشي من غير ما تقعدي حتى ١٠ دقايق، ادخلي اشربي حتى كوباية مياه، الجو حر
ابتلعت (حنان) ريقها، فهي تعلم المشاكل القائمة بين (نغم) و(حازم)، وكيف أن صديقتها حزينة من الذي حدث، مما جعل شعورها بالضيق تجاه الرجال يزداد، قالت (ساندي) وهي تمسك يد (حنان) لتدفعها للداخل
- يلا يا بنتي، ده عيد ميلاد (وائل) مش غريب، اصلاً وانتي عارفاه
دلفت نحو الداخل معها مع اصرارها، وفجأة رأت (وائل)، ذلك الشاب الذي رأته من قبل عند الطبيب النفسي، مما جعلها تشعر بالإحراج، حاولت التملص من يد (ساندي)، لكن بلا جدوى، وقفت تحاول أن تخفي توترها، مستعينة بكم السترة التي ترتديها، لتشعر بالأمان ..
تفاجأت بوجود طبيبها النفسي أمامها، فابتلعت ريقها، بدا لها أن لطبيبها علاقة بذلك الشاب، لكنها لم تعرف السبب بعد، ومع ذلك شعرت بالثقة والاطمئنان لوجوده إلى جانبها، ربما لأنها لم تلمس منه شيئًا يضرّها، أو لأنه يعاملها بلطف، كطفلة، فابتسمت وأحست بالأمان بوجوده في المكان نفسه ..
في حين اقتربت (ساندي) منه وأعطته الصندوق الذي يحوي هديته، وقالت
- كل سنة وانت طيب
ابتسم (وائل) لها ابتسامة بسيطة، وقال
- وانتِ طيبة يا (ساندي)
كانت هذه المرة الأولى التي يناديها باسمها دون أن يدللها كما يفعل، فدُهشت قليلاً، لكنها لم تعلق، فسألته
- مش هتفتح الصندوق، أنا بحب أشوف ردود الأفعال لما تشوف الهدية
شعر (وائل) بثقل في قلبه، فهو لا يريد منها شيئًا، ولا يريد أن يتعامل معها، مادامت في النهاية ستكون لرجل آخر ليجيبها
- أنا عاوزة أروح أشوف صحابي
شعرت بالضيق من أسلوبه الجاف، فقالت
- الله، مالك يا (وائل)، ليه بتكلمني كده؟
شعر بالتوتر ولم يرد أن يزعجها فقام بفتح الصندوق، وحين وقعت عيناه على السترة الزرقاء، انبهر من تصميمه؛ فقد كان نوعه المفضل، المطرز يدويًا، لطالما كان يحب الأشياء المصنوعة باليد، ابتسمت (ساندي) وهي ترى الانبهار في عينيه، وقالت
- تحفة مش كده؟
هز رأسه وقال
- جدًا، جبتيه منين ده؟
أجابت بسعادة
- مش هتصدق مين اللي عامله، (حنان) اللي وصلتها قبل كده، كنت عارفة أنه هيعجبك
ثم صمتت وبعدها اردفت
- كانت بتقولي حبيلوه هدية احسن مش هيعجبه شغلي، بس انا صممت لأني عارفة أن ده ستايل لبسك، ياااريت تقولها كلمة مش عارفة ليه هي مش واثقة في نفسها ومن اللي بتعمله
ابتلع (وائل) ريقه، فدائمًا ما يقابل تلك الفتاة مصادفة، وفجأة شاهد (ساندي) تشير ل(حنان) كي تقترب، فشعرت (حنان) بالخجل، وتقدمت نحوهم على استحياء، وقالت
- متتخيليش (وائل) عجبه الاستايل بتاع البلوڤر اد ايه
ابتسم (وائل) وقال بلطف
- فعلاً التصميم تحفة، عاوز أعرف الصفحة بتاعتك على الفيس، لو ممكن؟!
شعرت (حنان) بالتوتر، وأجابت
- ت.. تمام، (ساندي) هتديهالك
ثم تابعت حديثها فهي تريد الهروب من ذلك الشخص تحديدًا الذي يعلم أنها تذهب لطبيب نفسي وقالت
- المهم أنا هروح عشان ماما متقلقش عليا
فنظرت لها (ساندي) بضيق وقالت
- ما تقعدي بقى متبقيش رزلة، شايفة كلهم هنا خناشير، مفيش غير طنط (رقية) ومامي بس، اقعدي بليز
في تلك اللحظة اقترب (مدحت) عندما شاهد مريضته تقف مع ابن عمه ولم يعرف ما تلك العلاقة التي تربطهم، ابتسم لها دون أن يتصرف بطريقة تجعلها تشعر بالخوف أو أحدًا يرى ذلك، فتوترت (حنان) قليلاً، وشعرت بالإحراج، فأمسكت بكمِّ السترة لتستمد من نسيجها شعور الأمان والطمأنينة، وابتسمت على مضض، شعر (وائل) بتوترها، وقال
- تعالى يا (مدحت)، نروح لأصحابنا ونسيب البنات مع بعض
أضيقت عينا (مدحت)، فهو لم يفهم العلاقة بين مريضته وابن عمه، وما أن ابتعدوا، سأله
- ممكن أعرف ايه العلاقة بينك وبين (حنان)؟
هز (وائل) كتفيه بلا مبالاة، وقال
- مفيش علاقة، صاحبة (ساندي) زي ما شفت، بشوفها صدف وخلاص
قطب جبينه، ولكنه لم يهتم كثيرًا، بينما كانت (حنان) تشعر بالانزعاج لوجودها حول كل هؤلاء الرجال، لكن وجود (مدحت) جعلها تشعر بالأمان، فهي لم تعد تثق بالآخرين بعد، إلا به، خاصة أنه يعاملها بلطف ويجعلها تتقرب من الله أكثر، رغم أن في بداية علاجها كانت تبحث عن طبيبة، رافضة اختيار والدتها لذاك الطبيب، إلا أن جلسة معه تلو الأخرى غرست فيها الثقة شيئًا فشيئًا، وامتدت إلى قلبها تجاهه، وأصبحت والدتها تتركها تتحدث بمفردها معه على أمل أن تُعالج واثق بالأخريين ايضًا، لقد كان مستمعها ومرشدها الذي يحدثها كثيرًا عن الدين، فيرشدها ويقودها نحو التغيير للأفضل، ويقربها من الله تعالى ولولا وجوده في حياتها، لما صمدت لتصبح الشخص الذي هي عليه اليوم، رغم أنها مازالت تخاف الا انها تحسنت كثيرًا عما مضى، لربما كانت نهايتها الانتحار لو ظلت دون علاج هي مدينة له، ولـ (نغم) التي دائمًا تشجعها نحو الأفضل ..
❈-❈-❈
وقفت مترددة، حائرة بين نظراته المثبتة عليها، وبين الموقف الذي وُضعت فيه فجأة؛ إما أن يُفضح أمرها، أو تواجهه وحدها دون أن يعرف مافي يدها، تجمّع الغضب في صدرها، وخرجت كلماتها حادة، مشحونة بما يمتلئ به قلبها ضده
- ابعد عني يا (رؤوف)! .. إنت شكلك مش فاهم إنت بتعمل إيه .. إزاي تجرؤ تيجي هنا أصلًا؟!
ثم ضيّقت عينيها، وكأن فكرةً ضربتها فجأة، وتابعت بحدة
- إنت عرفت منين إني هنا؟ .. إنت بتراقبني يا (رؤوف)؟!
زفر بضيق، ومسح وجهه بكفّه في حركة عصبية، وقال بنبرة غاضبة
- عمرك ما حسيتي بيا يا (نغم) .. ولا عمرك حسيتي بمشاعري حتى قبل ما (حازم) يدخل حياتك .. حاولت أقربلك بكل الطرق، وبرضه كنتِ بتصدّيني، اشمعنى هو؟! .. يفرق إيه عني؟ .. فيه إيه مش فيّا؟!
ارتبكت مشاعرها في تلك اللحظة؛ شفقة على مشاعره التي لا أمل لها أن تصبح مُتبادلة، وخوف حقيقي من ثورته الغير المبررة، تماسكت، وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا
- يا (رؤوف) .. الحب مش بإيدينا .. إنت نفسك قلت إنك كنت قدامي قبل (حازم) ما يدخل حياتي، وأنا عارفاك قبله .. بس اللي بينا عمره ما كان غير شغل وبس، غير كده أنا مش مسؤولة عن مشاعرك
ثم نظرت إليه بنظرة لينة، مستعطفة، وقالت بهدوء خافت
- لو يهمك أمري زي ما بتقول، بلاش فضايح .. إحنا على عتبة الباب .. وممكن أي حد يسمعنا .. أرجوك امشي .. وخلّيني أمشي أنا كمان
لكنه لم يهتم ولم يتراجع، بل اقترب خطوة وسأل بحدة
- جاية هنا ليه؟!
زفرت بضيق؛ كانت تظن أن اللين سيُجدي، لكنه لم يكن من ذلك النوع وقبل أن تجيب، قبض على يدها بعنف وهو يقول
- انطقي! .. جاية هنا ليه؟!
تشنج جسدها تحت لمسته المقززة، شعرت بالقرف والغضب معًا، رفعت الصندوق الصغير الذي بيدها محاولة أن تصدمه به، لكنه أمسك بذراعها الأخرى سريعًا ليمنعها ..
وفي تلك اللحظة سقط الصندوق من يدها، ارتطم بالأرض، وانفتح، ليطلّ من داخله طرف ورقة قديمة، تعلّقت عيناه بها فورًا وهو يسألها
- إيه ده؟!
تسارعت أنفاسها، شعرت بالخوف يطبق على صدرها؛ ليس خوفًا منه، بل خوفًا مما قد يكتشفه وفجأة، انفتح باب المصعد، ليظهر منه (إيهاب)، تعلّقت عينا (رؤوف) به، ثم عادت سريعًا إلى تلك الورقة، انحنى محاولًا التقاطها، لكن (إيهاب) كان أسرع، أمسكها قبل أن تصل إليها يد (رؤوف)، اتسعت عينا الأخير بذهول وغضب، في تلك اللحظة سأل (إيهاب) بصوت هادئ لكنه حاد
- كان بيضايقك؟ .. عملك حاجة؟
هزّت (نغم) رأسها إيجابًا برعب، وحمدت الله في سرّها؛ كانت قد نسيت وجود (إيهاب) تمامًا، حاول (رؤوف) أن يستعيد الورقة، لكن إيهاب أبعدها عنه فورًا، استغلت (نغم) اللحظة، خطفت الورقة من يد حارسها بسرعة، ودفعتها داخل حقيبتها، صرخ (رؤوف) بغضب مكبوت
- وإنت مين بقى، انت كمان؟!
أجابه (إيهاب) ببرود قاتل
- حاجة متخصكش واللي حصل ده مش هيعدي على خير، أعتقد إن حضرتك مش في موقف يخليك تسأل
قالت (نغم) بسرعة، وصوتها ما زال يرتجف
- أنا عاوزة أعمل بلاغ .. ده يعتبر اتهجم عليا .. اتعرضلي هنا على باب بيتي
أومأ لها (إيهاب) بعينه دون كلام، عضّ (رؤوف) شفته بغيظ، وهو يراهما يتجهان نحو المصعد، وقف مكانه، عاجزًا، بينما باب المصعد يُغلق ببطء، ظلّ يحدّق في الفراغ، متأكدًا أن تلك الورقة رغم أنه لم يرَها بوضوح، تتعلق بعمل (حازم) الأخير، وأنه لن يترك الأمر يمر هكذا ..
❈-❈-❈
في تلك اللحظة، كان يمسك هاتفه، وقد همّ بالاتصال بـزوجته فور أن لمح رسالتها التي تطلبه على وجه السرعة، لكن قبل أن يضغط زر الاتصال، اهتز الهاتف مرة أخرى برقمٍ غريب، عقد حاجبيه في حيرة، ثم أجاب سريعًا، فجاءه صوتٌ رجولي هادئ، كان لم يكن سوى (إيهاب) الذي أخبره بكل ما حدث منذ قليل، فاشتعل الغضب في صدر (حازم)، كأن نارًا أوقدت داخله، ذاك الوغد لا يتركها وشأنها أبدًا، سبّ نفسه في سره مراتٍ متتالية، فقد اتصلت به لتستنجد به، وهو كان يمرح مع اصدقائه ..
بحث بعينيه عن (وائل)، وما إن وجده حتى اندفع نحوه، بعيد المولد قد انتهى فطلب منه بعد أن قص له ما حدث
- عايزك توصل (ساندي) و(حنان)، ومتسيبهمش لوحدهم، أنا كنت هعمل كده بس عاوز اطمن على (نغم)
ربت (وائل) على كتفه بتفهم
- متقلقش .. أنا معاهم، وهطمنك أول ما نوصل
في تلك اللحظة، اقتربت (ساندي) بقلق واضح ما أن رأت شقيقها يهرع إلى الخارج
- في إيه؟ ماله (حازم)؟ خارج كده ليه؟!
- هوصلك البيت انتِ وصاحبتك، وأنا سايق هشرحلك
ذهب ليخبر والدته أن تأتي معه لأنه عليه أن يوصل شقيقة صديقه وصديقتها، استقلت الفتاتان السيارة مع والدته، وقاد السيارة بهدوء، وما إن ابتعد قليلًا حتى قصّ عليهما ما حدث، اندهشت والدته مما سمعته ولكنها لم تعلق، فبهت وجه (حنان) فورًا
- طب .. (نغم) عاملة إيه؟
صمت (وائل) لحظة، ثم قال
- (حازم) راح لها دلوقتي .. و(إيهاب) كان معاها، متقلقيش، محصلش حاجة هي بخير
شعرت (حنان) بوخزة في قلبها، صديقتها لم تخبرها شئ عن مضايقات ابنة خالة زوجها لها ربما لأنها تعلم أنها تشعر بالخوف لما تعرضت له سابقًا، فلم تقص عليها سوى مشاكلها مع زوجها الأخيرة فقط، قطعت (ساندي) أفكارها
- إنتِ متوترة ليه كده؟ ما هو قالك أهو كله تمام
اجابتها بهدوء
- مش عارفة .. قلبي مش مطمن
قال (وائل) وهو ينظر إلى الساعة
- لو عايزة تروحيلها، أوديكي بس أنا شايف إن ده وقت مناسب يكون (حازم) معاها لوحده
أومأت (ساندي) موافقة
- فعلاً .. وجودنا دلوقتي مش هيبقى لطيف
هزّت (حنان) رأسها باستسلام
- عندكم حق .. هكلمها تليفون
أوصل (وائل) (ساندي) أولًا، ثم اتجه بسيارته نحو منزل (حنان)، فقد أوصلها من قبل وحفظ الطريق، وكانت والدته تتحدث عبر الهاتف فتنحنح (وائل) قائلًا
- هو مش هتقوليلي اسم صفحة الفيس؟
التفتت إليه بدهشة خفيفة، فقد لاحظت هي الأخرى، أنه يرتدي دائمًا بلوفرات من نفس الطراز التي تقوم بتطريزها، بتقول بهدوء
- مش قولتلك خلي (ساندي) تديك اسم الصفحة
ابتسم على خجلها لا يعلم لما أراد أن يشاكسها، كان قد اوصلها، لاحظت والدته أنه يتحدث مع تلك الفتاة الغريبة لكنها لم تعلق، اوقف السيارة ترجلت من السيارة ومن كثرة ارتباكها نسيت حقيبتها بعد أن اتجهت نحو العقار، فأخذ (وائل) الحقيبة مسرعًا ونادى عليها لتتوقف لتلتف وتنظر إليه وهي تشعر بالأرتباك ليقول هو
- الشنطة يا (حنان)
أخذت منه الحقيبة وعلقتها على كتفها ثم فركت يديها بتوتر، ونظرت بعيدًا حيث والدته بالسيارة وقالت
- ممكن أطلب منك طلب؟
- أكيد .. اتفضلي
ازدردت ريقها بصعوبة ثم قالت
- متقولش ل (ساندي) إني بروح لدكتور، محدش يعرف الموضوع ده
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، لكنه أخفاها سريعًا
- اطمني ما قولتش ومش هقول دي حاجة خاصة بيكِ
أومأت بامتنان
- شكرًا .. بجد
ثم أسرعت نحو داخل العقار دون أن تلتفت له، تنفّس بعمق، وقال لنفسه بنبرة خافتة ساخرة
- يا ستي .. يعني كنت هاكلك لو استنيتي اقولك العفو
ثم عاد نحو السيارة واستقلها لتقول له والدته
- كانت بتقولك ايه كل ده؟
قطب حاجبيها وقال
- انا لحقت اكلمها اصلًا .. وبعدين مالك كده أنتِ غيرانة ولا ايه يا روكا؟!
نظرت له نظرة طويلة ثم قالت
- احترم نفسك يا ولد
❈-❈-❈
في تلك اللحظة، كانت والدة (نغم) تفتح باب الغرفة بهدوء، لتجد ابنتها تقصّ على شقيقتها كل ما حدث، انتبهت لوجود والدتها فجأة، فتوقفت الكلمات على شفتيها، وفركت يديها بتوترٍ واضح، تقدّمت والدتها خطوة إلى الداخل، ونظرت إليهما بنظرة متفحّصة، ثم قالت بنبرة يختلط فيها القلق باللوم
- ممكن أفهم بقى في إيه؟ إنتِ من ساعة ما اتجوزتي وإنتِ بقيتي غريبة يا (نغم)
شعرت بأن كلمات والدتها أصابت موضعها تمامًا، لطالما كانت تقصّ عليها كل شيء ..
فكيف لها أن تخبرها الآن بأنها تزوجت كي تساعد شخصًا أحبّته عندما وقعت عيناها عليه؟
نهضت (نيرة) سريعًا، محاولة احتواء الموقف، وقالت
- يا ماما متكبريش الموضوع، كل الحكاية إن ابن خالة جوزها بيضايقها، هو كان معجب بيها قبل ما تتجوز اصلًا
شدّت (نغم) على يد شقيقتها بقوة، تطلب منها الصمت فقد اتسعت عينان والدتها وهي تشعر بالخوف على ابنتها، ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت وهي تحاول الثبات
- متقلقيش يا ماما، أنا بخير .. زي ما (نيرة) قالت، الموضوع كله إن (رؤوف) اتعرض ليّ، وأنا رجعت متوترة بس، مفيش حاجة حصلت تخوّف
نظرت إليها والدتها نظرة شك، لم تقتنع تمامًا بما سمعت وتشعر أن للأمر للبقية، وقبل أن تنطق، دوّى صوت جرس الباب، توجّهت نحو الباب، وما إن فتحته حتى تجمّدت في مكانها عندما رأت (حازم)، قال لها بأدبٍ وهو يشعر بالتوتر
- معلش يا طنط .. محتاج أطمن على مراتي
تنحّت جانبًا، فأفسحت له الطريق، دلف إلى غرفة الجلوس، وجلس ينتظر، وقلبه يخفق بعنف، كان الشعور بالذنب ينهش صدره؛ استنجدت به ولم يكن حاضرًا، كالعادة، هي دائمًا بجواره حين يحتاجها، وهو دائم الغياب حين تحتاجه ..
وفي خلال دقائق قليلة، تقدّمت زوجته نحوه، فنهض فورًا، وأمسك بيدها يتفحّصها بعينين قلقتين، ثم نظر إلى وجهها وقال بانفعال
- ضايقك الحيوان ده عمل إيه؟ قوليلي .. أنا آسف، ما شوفتش الرسالة ولا المكالمات، التليفون كان صامت .. مش عارف أبرر ولا أقول إيه
سحبت يدها منه، ونظرت إليه ببرودٍ قاسٍ وقالت
- اطمن، أكيد مش هتصل بيك عشان (رؤوف) معايا! .. يعني هتخانق معاه ولا أكلمك
قطّب حاجبيه وقال باستغراب
- يعني كلمتيني عشان حاجة تانية؟
زفرت بضيق، وأومأت برأسها
- أيوه
اقترب خطوة وقال بإصرار وهو يجلسها بجواره ويجلس معها
- طيب قوليلي المهم .. ضايقك إزاي؟ .. إزاي يتجنّن ويجيلك لحد بيتك؟
رمقته بنظرة طويلة، ثم قالت بسخرية
- ما يمكن أنا اللي متفقة معاه وبنعمل تمثيلية عليك .. أصل أنا معاه هو، مش معاك
شدّ (حازم) قبضتيه، وأغمض عينيه للحظة، محاولًا السيطرة على نفسه، لم يكن يصدقها بالطبع، لكنه خاف أن ينفجر فيزيد الهوّة بينهما، فقال بهدوء حاول أن يجمعه
- (نغم)، أنا واثق فيكِ .. بطّلي الأسلوب ده، أنا ما قولتش الكلام ده أصلًا
أشاحت بوجهها بعيدًا وقالت بحدّة
- قلت اللي ألعن من كده يا (حازم)
مرّر يده على وجهه بتعب، ثم قال بصوت مكسور
- غلطت يا (نغم) .. غلطت وخلصنا، اعترفت، وندمان .. غلطة كبيرة، آه، بس ندمان، ليه مش مصدقة إني هتغيّر؟ أنا بحاول بجد
لم تجيب، اتجهت إلى غرفتها فاندهش من تصرفها وظن أنها لا تريد الحديث معه فزفر بضيق وهم لينهض لكنه وجدها قد عادت تحمل حقيبة يدها، فتحتها وأخرجت ورقة صفراء بالية، وقالت وهي تمدّها نحوه
- كنت بتصل بيك عشان الورقة دي .. الصندوق بتاع عامل البنزينة، مكنش فاضي، تحت البطانة كان فيه الورقة دي
اقترب (حازم) منها، وأخذ الورقة، وبمجرد أن فتحها، تغيّر وجهه، وبدأت ومضات من ذكرياته تتسلل إلى ذهنه، تذكر حينما كان في بعثة ميدانية في أطراف الصحراء، بين أطلال معبد مهجور، كان يتفحص الرموز القديمة على الجدران، حينما لفت انتباهه خشب متصدع بين الركام ..
انحنى بحذر، رفعه وإذا به يجد ورقة صفراء باهتة، أطرافها متآكلة، تغطيها طبقة من الغبار، جلس القرفصاء على الأرض، مسحها بعناية، وفتَحها ليكشف رموزًا غامضة، سهمًا نحو الشمس، واسمًا مكتوبًا بالهيروغليفية ..
اندهش لتلك الرموز الكثيرة التي تشير إلى وجود مقبرة، وتذكر كيف قام بحل تلك الرموز ليعرف موقعها بعد التغيير الجذري الذي طرأ على المكان، فقد ظل شهران كاملان يدرس الخريطة، دون أن يكد او يمل أو يتركها، لم يتذكر كل شيء ولكنه تذكر اهم شيء، رفع رأسه إلى زوجته، التي كانت تراقبه بعينين متسعتين، وقال لها
- عرفت .. عرفت مكان المقبرة!
يتبع...
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
