قراءة رواية ندوب مضيئة
كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ندوب مضيئة
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة يارا علاء الدين
الفصل الثامن
تم النشر يوم الأربعاء
21/1/2026
ساد الصمت في الغرفة إلا من صوت الأجهزة الرتيبة، كان الجو مشحونًا بالتوتر والقلق، والجميع يترقب ملامح ديما الشاحبة وهي غارقة في صدمتها. فجأة، قُطع هذا الصمت بقرعات هادئة على الباب، قبل أن يخطو الضابط إلى الداخل ببدلته الرسمية ونظرته الفاحصة.
استشعر الضابط حدة الموقف، فتنحنح قائلاً بصوت هادئ ومسيطر:
أعتذر للإزعاج في هذا الوقت الصعب، ولكن أحتاج لطرح سؤالين فقط على الآنسة ديما..
تراجع الجميع خطوة للخلف، بينما اقترب الضابط من فراشها وقال برفق:
– آنسة ديما، هل استطعتِ رؤية من صدمكِ؟
أخذت ديما نفساً عميقاً، ويدها ترتجف فوق الغطاء، ثم همست بصوت متهدج:
نعم.. رأيته.
سحب الضابط دفتره الصغير وقلم بيده، وقبل أن يبدأ في تدوين الوصف، تطلع إلى عيني ديما التائهتين، ثم قال بنبرة خفيضة تحمل مواساة صادقة: - لقد علمتُ بشأن تأثر بصركِ بالحادث، وأرجو من الله أن يكون أمراً مؤقتاً وعارضاً سيزول قريبًا.
في تلك اللحظة، ارتسمت على شفتي ديما ابتسامة ذابلة، ابتسامة يملؤها الوجع ولم تنطق بكلمة واحدة، بل اكتفت بالصمت الذي كان أبلغ من أي رد.
شعر الضابط بثقل صمتها، فتنحنح ليعيد التركيز إلى التحقيق وسألها برفق:
هل يمكنكِ الآن وصف الشخص الذي رأيتهِ؟
أغمضت عينيها كأنها تستحضر ملامحه من بين غبار الحادث وقالت:
كان شاباً.. متوسط الطول، شعره مموج، وبشرته قمحية. لا أستطيع تحديد تفاصيل وجهه بدقة الآن، لكنني متأكدة من شيء واحد.. لو رأيته مرة أخرى، سأعرفه فوراً.
صمتت للحظة قبل أن تضيف بمرارة:
لقد نزل من سيارته.. شعرتُ لوهلة أنه ينوي إنقاذي، لكنه تردد.. ثم تراجع في كلامه وهرب في اللحظة الأخيرة!
هز الضابط رأسه بجدية وقال مطمئناً إياها:
لا تقلقي سنصل إليه. ارتاحي الآن, إن توصلت إلى أي شيء جديد سأخبركم به, ثم استأذن منهم وخرج.
اتجه إلى الرواق الطويل, حيث كان هناك شابًا يجلس على أحد المقاعد، تبدو عليه علامات الإرهاق والقلق، وهو أحمد الذي كان ينتظر التحقيق معه منذ فترة طويلة.
اقترب الضابط منه، ورسم على وجهه ابتسامة تقدير خفيفة:
أهلاً بالشهم.. أنت أحمد، صحيح؟ أخبرني، ماذا حدث بالضبط وقت الحادث ؟حتى التفاصيل الصغيرة لا تتركها.
ارتبك أحمد قليلاً، واعتدل في جلسته وهو يحاول ترتيب أفكاره:
- كل شيء حدث في ثوانٍ. كنت مارًا بالمصادفة، فسمعت صوت الارتطام، ثم رأيت السيارة تفر مسرعة ما إن اقتربت منها. ركضتُ نحو الآنسة ولم أفكر إلا في إيصالها إلى هنا.
قاطعه الضابط بسؤال محدد:
-هل انتبهت لنوع السيارة؟ أو رقم لوحتها؟
هز أحمد رأسه بأسف:
-في الحقيقة.. لا. لم ألحظ الأرقام، لكنها كانت سيارة فارهة، موديل حديث، ولونها غامق.. لم أستطع تحديد اللون بدقة لأن المكان كان مظلماً جداً, وصاحبها أعتقدُ أنه شابٌ في منتصف الثلاثينيات من عمره، لقد رأيتُ ظهره وهو يفر هارباً نحو سيارته.
دون الضابط الملاحظة الأخيرة، ثم ربت على كتف أحمد قائلاً:
-شكراً لك يا أحمد، يمكنك الانصراف الآن، وإذا احتجنا لشهادتك مرة أخرى سنستدعيك.
استأذن أحمد وغادر بخطى سريعة، بينما وقف الضابط يتأمل ممر المستشفى الخالي للحظة، قبل أن يخرج باتجاه سيارته، ليبدأ رحلة البحث عن تلك السيارة الغامضة التي تركت خلفها ندبة لن تلتئم بسهولة.
❈-❈-❈
2-
كانت الساعات تمرّ رتيبةً وموحشة، وكأنّ عقارب الساعة في تلك الشقة لا تتحرك إلا لتزيد من ضيق صدرها, تسرّبت رائحة الطعام النفّاذة إلى كل زاوية، لكنها لم تكن تثير في نفسها سوى الغثيان؛ فقد فقدت ريم شهيتها لكل شيء، حتى الطعام الذي كان من المفترض أن يمنحها القوة، أصبح ثقيلاً على معدتها كعمرها الذي تقضيه هنا.
مرّت أيامٌ على وجودها في هذا البيت، لكنها كانت أياماً تتشابه في قسوتها؛ فما زالت تشعر بأنها غريبة، جسد بلا روح يسكن زاوية لا تخصه. لم يُغير الموت شيئاً في قلب عمها ممدوح أو عمتها صباح، بل كأنه نزع منهما ما تبقى من رحمة، فتعاملا مع وجودها كحملٍ ثقيل ينتظران الخلاص منه .
أما مروان، فقد شعرت أنه بدأ يتغير بالفعل بعد وقوع الحادث وموت الجد بعدها، وكأنّ وخز الضمير قد عرف طريقه لقلبه أخيراً، لكنّ هذا التغيير لم يدم طويلاً، فما إن استقرّ بهم الحال في هذا الحي حتى ضلّ طريقه من جديد؛ إذ سرعان ما انخرط مع رفاق سوءٍ الذين تعرّف إليهم فور وصوله، ومنذ ذلك الحين صار غريباً عن البيت، يقضي طيلة يومه في الأزقة معهم بلا هدف أو عمل، ولا يجمعه بجدران المنزل إلا ساعات النوم المتأخرة.
وسط هذا الجفاء كله، لم يكن يمنحها نظرة رحمةٍ واحدة سوى هدى، التي كانت عيناها تفيضان بالأسى الصامت كلما وقعت نظرتها عليها, وكأنها الوحيدة التي تشعر بحجم اليتم والغربة في عينيها.
جلست ريم قرب الطاولة، تحاول الهروب من واقعها بتقليب صفحات رواية قديمة اهترأت أطرافها، حين دخل عمها ممدوح بخطواتٍ وئيدة، وفي نبرته ما يُشبه القرار الذي لا يقبل الجدل. تبعته صباح وهي تمسح يديها بمنديل قماشي بآلية باردة، وكأنها جاءت لتشهد على العرض.
سحب ممدوح الكرسي بحدة أحدثت صريراً مزعجاً وقال:
-ابتداءً من الغد، ستذهبين معي إلى العمل. لقد تحدثتُ مع صاحب محل الحلويات الذي أعمل به، ووافق على توظيفكِ في قسم التغليف والاستقبال.
رفعت ريم رأسها ببطء، وكأنها كانت تتوقع الطعنة لكنها لا تملك درعاً يصدها، وقالت بصوتٍ واهن:
-وماذا عن دراستي؟ و.. وأحلامي ؟
ضحك ممدوح بسخرية مريرة هزت أركان الغرفة:
أحلامكِ؟ لقد انتهى أمر الجامعة للأبد، وهل كان لديكِ أملٌ بعد كل هذا؟ أو تظنين أننا سنترككِ نائمة في الغرف تضيعين وقتكِ في قراءة كتبٍ بلا فائدة؟ البيت له مصاريف، والحياة لا ترحم من يتدلل.
تقدمت صباح، ووضعت يدها على كتفه، ثم نظرت لريم بنبرة أشد قسوة مما يُنتظر من امرأة:
عمُّكِ لا يطلب المستحيل، العمل شريف والمكان محترم. ثم إنكِ ستبقين تحت نظره، وهذا أأمن لكِ وأستر.
نظرت إليهما ريم، ولم تجد في قلبها مساحة للرفض، ولا في حنجرتها ما يكفي للصراخ. كانت تدرك أن الاحتجاج لن يُغيّر قدراً كُتب لها منذ أن وارى التراب جسد أبويها!
همست، دون أن ترفع بصرها:
-كما تشاؤون.. غداً سأذهب.
قامت من مكانها بهدوء ثم دلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها لتنعزل عن عالمهم. ومن خلف الباب، مدت يدها إلى قلادتها القديمة، شدّتها بين أصابعها كأنها تستمد منها القوة، وقالت :
-لعل هذا العمل يرحمني من جدران هذا البيت التي تكاد تلتهم أنفاسي.. ولعل الساعات التي سأقضيها بعيداً عن هنا تمنحني فرصة لأحيا، ولو قليلاً، بعيداً عن هذا السجن الذي لم أستطع الانتماء إليه يوماً.
❈-❈-❈
3-
كان الصباح يغمر المدينة بنورٍ هادئ، والشمس ترسل خيوطها الأولى لتتسلل برفق بين شرفات البيوت، بينما يحمل الهواء نسماتٍ عابرة تختلط برائحة الغبار المعتادة , بدأت الطرقات تضجّ بالحركة تدريجياً؛ أصوات أبواب المحلات وهي تُفتح، وضجيج الباعة الجائلين، كلها أصوات تعلن عن ميلاد يومٍ جديد.
خرجت ريم من باب العمارة بخطى مترددة، ترتدي تنّورة طويلة بلون القهوة الفاتح، وقميصًا قطنيًا أبيض واسع الأكمام، يعلوه وشاح خفيف يلف شعرها بعناية.
وكانت الحقيبة الصغيرة تتدلّى من كتفها، خفيفة لكنها تزيد من أناقتها.
عمّها ممدوح ينتظرها في سيارته، يضرب على المقود بنفاد صبر:
- هيا، لا نريد أن نتأخر من أول يوم.
ركبت ريم إلى جواره دون كلمة، عيناها تشردان نحو الأفق بعيداً عن زجاج السيارة.. كانت تشعر وكأنها تقف على أعتاب عالمٍ جديد لا تعرف عنه شيئاً، عالمٍ تترقبه بوجل وهي تتساءل بداخلها: هل سيمنحها هذا الطريق السكينة التي تنشدها؟ أم أنه سيترك في روحها ندوباً جديدة، لا تعلم إن كانت ستضيء أيامها أم ستزيدها انطفاءً؟
توقفت السيارة أمام محل "حلو الكرم"، واجهة زجاجية أنيقة تفوح منها رائحة الفانيليا والزبد الساخن.
دلف ممدوح إلى الداخل وهو ينادي:
- صباح الخير يا أستاذ كريم.
من خلف الطاولة الرخامية، ظهر شاب في أواخر الثلاثينات، طويل القامة، ببشرة قمحية تميل إلى السُمرة، وجبهة عالية تُعطيه مظهرًا جادًّا حتى وهو صامت. عيناه بنيّتان داكنتان، فيهما نظرة ثابتة لكنها غير حادة، أنيق رغم بساطة ملبسه، يرتدي مئزر أبيض نظيف فوق قميص كحلي.
ألقى نظرة سريعة على ممدوح، ثم تحوّلت عيناه إلى ريم وقال:
- صباح النور، تفضلوا.
قال ممدوح وهو يربت على كتف ريم:
- هذه ريم، ابنة أخي التي حدثتك عنها يا أستاذ كريم.
أومأت ريم بخجل:
- صباح الخير.
رد كريم بصوتٍ هادئ ورزين:
-صباح النور.. أهلاً بكِ يا آنسة ريم.
خطا خطوة نحوها، ووضع يده في جيب مئزره قائلاً بنبرة مهتمة:
-أخبرني عمكِ أنكِ كنتِ تدرسين في الجامعة.. هل كانت لكِ تجارب سابقة في العمل؟ أم أن هذه هي المرة الأولى التي ستخوضين فيها تلك التجربة؟
شعرت ريم بارتباكٍ بسيط لكنها أجابت بصوتٍ خفيض:
-في الحقيقة.. هذه هي المرة الأولى، لكنني كنتُ متفوقة في دراستي وأتعلم بسرعة.
ابتسم كريم ابتسامة قصيرة كانت كافية لبث القليل من الطمأنينة في روحها:
-الدراسة شيء، والتعامل مع الناس والطلبات هنا شيءٌ آخر تماماً، ولكنني أرى فيكِ حماسًا أعتقد أننا سنحتاجه.
ثم صمت للحظة قبل أن يضيف بلباقة:
-اعتبري المحل بيتكِ من الآن، وآمل أن تجدي فيه ما يُريحكِ .
ثم التفت إلى ممدوح:
-اصطحبها إلى قسم الطلبات، ودَع خليل يُعرّفها بنظام العمل.
أومأت ريم برأسها في هدوء كعلامة شكر واستئذان، ثم استدارت لتسير بجانب عمها نحو الطرف الآخر من المحل حيث قسم التغليف. كانت المسافة قصيرة، لكن ريم سارتها بخطى هادئة ومترددة، تحاول استكشاف تفاصيل المكان بعينيها القلقتين.
لم يتحرك كريم من خلف الطاولة الرخامية، بل ظل واقفاً في مكانه عيناه تلاحقان حركتها وهي تبدأ بتفحص الأدوات والعلب الملونة. استوقفه ذلك الثبات الهادئ في ملامحها رغم ارتباكها الواضح، وشعر أن وجودها عند منصة التغليف، قبالته تماماً، قد أضفى على المكان نوعاً من السكون لم يعتده وسط ضجيج المحل المعتاد. ظل يراقبها بتركيز، وكأن في هدوئها جاذبية غامضة جعلت من الصعب عليه صرف نظره عنها ومتابعة عمله.
مرت ساعة، ثم ثانية، وريم غارقة في محاولة إثبات جدارتها، لم تشعر بأن تلك العينين لم تفارقاها لحظة. وفي تلك الأثناء، اقترب كريم بخطوات هادئة حتى صار خلفها تماماً، توقف للحظة يتأمل دقة أناملها وهي تحكم إغلاق إحدى العلب، ثم قال بنبرة هادئة ورزينة:
-ذوقكِ جميل.. وترتيبكِ للعلب رائع حقاً.
انتفضت ريم قليلاً وكأنها استيقظت من تركيزها العميق، رفعت نظرها نحوه في التفاتة خاطفة، لكنها سرعان ما خفضته وهي تهمس بحياء: أشكرك.. أحاول فقط أن أكون دقيقة، وأتعلم سريعاً.
أطال كريم النظر في ملامحها قبل أن يخطو مبتعداً، وقال بكلمات تحمل وزناً خاصاً:
أعتقد أنكِ مميزة حقاً.
ثم تابع طريقه إلى الداخل، لكنه لم ينسَ تلك النظرة، ولا ارتباكها.
وفي نهاية اليوم، كانت ريم تمسح سطح الطاولة الأخيرة بجهدٍ واضح، يدها متعبة لكنها تعمل بدقة ونظافة ملحوظة. اقترب كريم منها، وانحنى قليلاً ليقول بصوتٍ منخفض هادئ:
-يومكِ الأول انتهى.. وكنتِ حقاً على قدر المسؤولية.
ابتسمت ريم ابتسامة خفيفة باهتة، كأنها لا تصدّق أنها سمعت كلمة تقدير واحدة بعد كل ما عانته. وفي تلك اللحظة، اقترب ممدوح بخطواته الثقيلة، وقال بنبرة فظة مقاطعاً:
أرجو ألا تكون قد أتعبتك يا أستاذ كريم.. أخبرني بصدق، لو قصرت في أي شيء أو أخطأت، فأنا سأتكفل بتأديبها بنفسي.
التفت كريم نحو ممدوح، وظهرت الصرامة على ملامحه وهو يرد بحدة هادئة:
لا شأن لك بهذا الأمر يا ممدوح، ركز أنت في مهامك، وأنا أدرى بمن يعمل معي وأعلمُ جيداً كيف أُقيّم أداءه!
ساد صمت قصير، ثم عاد كريم بنظره إلى ريم، وقال بنبرة تحمل عمقاً لم تفهمه تماماً:
- أعتقد.. أن وجودكِ هنا سيكون مؤثراً ومختلفاً.
تجمّدت ريم في مكانها للحظة، لم تدرِ بمَ ترد، لكنها شعرت بقشعريرة تسري في روحها. جمعت أشياءها وخرجت خلف عمها نحو السيارة. وبينما كانت تركب إلى جواره، كانت تلك الكلمات تتردد في عقلها كأنها لحنٌ غريب؛ لم تكن تصدق أن هناك من يرى قيمتها، أو يقدّر تعبها دون أن يهددها بعقاب.
وعلى الرغم من ارتباكها، تسللت ابتسامة واسعة إلى ملامحها وهي تنظر من نافذة السيارة إلى أضواء المدينة، كأن كلمات كريم قد زرعت في قلبها أول بذرة للأمل منذ وقت طويل.
فأحياناً، لا نحتاجُ إلى معجزاتٍ لنستعيدَ ثقتنا بالحياة، بل نحتاجُ فقط إلى إنصافٍ يجعلنا نوقنُ أنَّ سعينا لم يذهب هباءً.
❈-❈-❈
4-
ساد السكون غرفتها بالمستشفى، لم يقطعه سوى صوت الطبيب وهو يسلط كشافه الصغير نحو عينيها. كان الجميع واقفين كأن على رؤوسهم الطير؛ عادل الهاشمي بملامحه المتصلبة، وسناء التي تعصر منديلها بين يديها، وآسر ويحيى اللذان تبادلا نظرات القلق الصامت.
على مدار الأيام القليلة الماضية، كانت قد خضعت لسلسلة من الفحوصات الدورية المكثفة؛ لم تترك الأشعة المقطعية ولا رنين الأعصاب زاوية في رأسها إلا واقتحمتها، بحثاً عن إجابة لذلك السؤال المعلق: هل سيعود النور لعينيها؟
أطفأ الطبيب كشافه، وتنهد بهدوء وهو يدون ملاحظاته الأخيرة في الملف الطبي، ثم التفت إليهم قائلاً بنبرة مهنية مغلفة بالمواساة:
لقد استقرت حالتها الجسدية تماماً، واليوم سأكتب لها إذن الخروج.. لا داعي لبقائها هنا أكثر.
ثم أبعد الجهاز، وتنفس بعمق قبل أن يلتفت إليهم قائلاً بنبرة حذرة:
بعد متابعة الفحوصات الدورية خلال الأيام الماضية، فالعصب البصري لم يتلف كلياً، لكنه في حالة صدمة شديدة.
ساد صمتٌ محمل بالترقب، فتابع الطبيب:
-سأقوم بمراسلة نخبة من جراحي العيون والمخ والأعصاب في الخارج لعرض نتائج هذه الأشعات الدقيقة عليهم. قالعملية المقترحة معقدة، لكنها المخرج الوحيد لنعيد لعينيكِ النور يا آنسة ديما. وحتى ذلك الحين.. أريدكِ قوية.
لم تحرك ديما ساكناً، كأن الكلام يدور حول شخصٍ آخر، لكن يحيى اقترب منها، وبحنانٍ شديد أحاط كفها بيده قائلاً:
لقد سمعتِ يا ديما، الطريق لا يزال مفتوحاً أمامنا. والآن.. لنخرج من هنا، فالبيت يفتقد ضجيجك.
نهضت ديما مستندةً إلى قوة يد يحيى، بينما سار آسر خلفهما يحمل حقيبتها الصغيرة، وتبعهما الوالدان بخطى مثقلة بالهموم.
❈-❈-❈
5-
وقفت ديماعند عتبة الباب، تتأبّط ذراع أمّها سناء، فيما وقف والدها خلفها مباشرة، ويداه مشدودتان خلف ظهره، كعادته حين تُثقله الأسئلة.
كانت خطواتها بطيئة، متردّدة، كأن الأرض تغيّرت تحت قدميها، أو كأن الدرجات التي اعتادت القفز فوقها صارت الآن جبالًا.
قالت سناء بصوت دافئ:
- عزيزتي، نحن على وشك الدخول، فقط ثلاث درجات، تمسّكي بذراعي.
أومأت ديما بصمت، ارتجفت ركبتها وهي ترفع قدمها بحذرٍ شديد، تتحسس الفراغ بطرف حذائها كأنها تخشى السقوط في بئرٍ لا قاع له، حتى استقرت قدمها أخيراً على الرخام البارد.
وبمجرد أن خطت ديما أولى خطواتها داخل الفيلا، شعرت بفراغٍ مهول يبتلعها. لم تعد الجدران التي تعرفها بل صارت مساحات شاسعة من السكون الذي لا تفهم معالمه.
تجمدت في مكانها، كانت تستشعر المكان بأذنيها...مدّت يدها أمامها بحركة تلقائية خائفة، تتحسس الهواء وكأنها تبحث عن شيء تمسك به لتتأكد أنها لا تزال واقفة على أرض صلبة. وقبل أن يتملكها الذعر من ذلك الفراغ، شعرت بكفّ يحيى الدافئة تحيط بيدها المرتجفة برفق.
ثم قال بنبرة هادئة حملت طمأنينة افتقدتها منذ أيام:
-أنا معكِ يا ديما.. خذي خطوة أخرى.
لم يتركها تتخبط، بل سار بجانبها بخطواتٍ وئيدة، يقودها ببراعة نحو صدر الصالة, حتى وصلا إلى الأريكة الوثيرة التي طالما اختارتها زاوية للراحة بعد يومٍ عمل طويل.
أنزلها يحيى برفق فوقها، وحين لامست يداها قماش الأريكة المألوف، شعرت بغصةٍ في حلقها؛ جلست كغريبة تطاردها أفكار لا تستطيع تحملها.
تقدّم عادل الهاشمي، وجلس قريبًا منها، قال بنبرة حاول أن يُغلفها بالحزم:
- ديما... نحن هنا. كلنا معكِ. ستتجاوزين هذا، وأنا لن أسمح لأحد أن يراكِ كسيرة, مفهوم؟
هزّت رأسها بخفة، وقالت بصوتٍ خافت:
- لا أعتقد أن هذا سيحدث يا أبي.
تقدّم آسر، وجلس على ركبتيه أمامها، أمسك بيديها وقال:
-قد لا ترين الأشياء كما ترينها من قبل... لكننا جميعًا نراكِ كما أنتِ. فمن دونك، هذا المكان فقد روحه.
ابتسمت ديما بسخرية مريرة:
- بل أنتم من تحاولون رؤيتي كما كنت… وأنا أعلم جيدًا أنني لم أعد كذلك.
ثم التفت حولها وهي تبحث عن يحيى وقالت:
- يحيى, قل لي كيف أبدو الآن؟ هل تغير شيء في ملامحي؟
سكت لحظة، ثم قال بثقة:
-لم يتغير فيكِ شيء.. ملامحكِ كما هي، هادئة وجميلة. الفرق الوحيد أن وجهكِ الآن يحمل قوة لم أكن أراها من قبل.
فالجمال الحقيقي يا ديما هو أن تظلي أنتِ رغم كل ما حدث، وهذا ما أراه أمامي الآن.
ثم ناولها جهازها اللوحي، وقال بخفة:
- حتى جهازك يفتقد لمستكِ، حاولي أن تفتحيه من المساعد الصوتي، سوف أدربك على هذه الطريقة.
ضحكت ديما بخفوت، ومسحت دمعة علقت بطرف رمشها، ثم قالت:
- أحتاج وقتًا...لا لأتقبّل الوضع الجديد، بل لأتقبلني أنا.
قالت سناء، وهي تمسح على شعرها:
-ونحن كلنا معكَ ياحبيبتي.
أمسكت ديما بكف أمها، وقالت:
- أعلم ذلك يا أمي.
سادت لحظة صمت... ثم قامت سناء وقالت:
-سأعدّ لكِ كوبًا من الشاي بالنعناع... كما تحبينه.
التفت نحو يد آسر التي ماتزال ممسكة بيدها قائلة:
أين يزن؟ لم يتصل بي منذ أن أفقتُ؟
سادت لحظة صمت خفيفة...
نظر آسر إلى يديهما المتشابكتين، ثم رفع عينيه نحوها، وقد تجمّدت الكلمات على لسانه.
قال بنبرة هادئة مترددة:
- ربما... ربما أراد أن يترك لكِ مساحة للراحة. الجميع كان قلقًا عليكِ، لكن...
قاطعته قبل أن يُكمل، وكأنها استشعرت التردد:
- لكن ماذا، يا آسر؟
أبعد بصره عنها، ثم قال:
- لا شيء... سأهاتفه لأخبره أنكِ قد عدت إلى المنزل.
أغمضت ديما عينيها، رغم أنها لا ترى، وقالت بابتسامة باهتة:
- أنت لا تجيد الكذب يا آسر.
سحب يده بلطف، لكنها تمسّكت بها للحظة، ثم تركتها ببطء وقالت:
- يزن ابتعد... أليس كذلك؟
لم يردّ آسر، لكن سكوته كان أبلغ من أي تأكيد.
قالت بصوت منخفض، أشبه بحديث مع نفسها:
- كنت أعلم... منذ اللحظة الأولى التي لم أسمع فيها صوته، لكني لا ألومه, لو كنت مكانه لما تحملت هذا العبء فلماذا أتزوج من فتاة كفيفة!
هنا، انتفض يحيى من مكانه، واقترب منها ليمسك بيدها بقوة، قائلاً بنبرة حادة وقوية هزت صمت المكان:
-عبء؟! أيُّ هراءٍ تقولين يا ديما؟ أنتِ لستِ عبئاً ولن تكوني يوماً كذلك. يزن لم يبتعد لأنكِ كفيفة، بل لأنه أضعف من أن يتحمل مسؤولية وجود جوهرة مثلكِ في حياته. يزن رحل لأنه لم يرَ فيكِ إلا ما يراه الغرباء، أما روحكِ وقوتكِ فلم يرها منذ البداية.فهو الكفيف وليس أنتِ.
شدّت ديما قبضتها على يد يحيى، وأنزلت رأسها قليلاً وهي تهمس بصوت مخنوق:
-لا داعي لتجميل الحقيقة يا يحيى.. أنا لستُ طفلة.
تنهد يحيى وقال بصوت هادئ:
-يا ديما، الشخص الذي يختفي في أول منعطف صعب، لا يؤتمن على بقية الطريق.
صمتت ديما للحظة، ثم قالت بانكسار ظهر في نبرتها:
-حتى و إن عاد إلي بصري.. سأظل أتذكر أنه تركني وأنا في عزّ احتياجي إليه!
رد يحيى بحزم:
-وهذا أفضل ما حدث! لتعرفي معدنه الآن لا بعد فوات الأوان.
يزن كان مجرد عقبة في طريقكِ، والقدر أزاحها من أمامكِ الآن لتكملي مسيرتكِ بوضوح. لا تجعليه محور تفكيركِ، فهو لا يستحق حتى عناء التساؤل.. فكري في نفسكِ، وفينا.
لمعت عينا ديما بدموعٍ حبستها طويلاً، وقالت بصوت ضعيف:
-أشعر أنني تائهة جداً.
آسر ربت على كتفها بحنان وقال:
-التيه في البداية طبيعي، لكنكِ لستِ وحدكِ. نحن "عيونك" الآن يا حبيبتي.
أومأت برأسها ببطء، ومسحت طرف عينها، وشعرت لأول مرة أن الغصة التي في حلقها بدأت تتلاشى قليلاً أمام صدق كلماتهم. لم تعد تشعر أنها وحيدة في تلك العتمة، بل شعرت بأن هناك جداراً صلباً تستند إليه، جداراً بناه يحيى بكلماته القوية، وزينه آسر بحنانه الصادق.
أدارت وجهها قليلاً، لا لتهرب من الحقيقة، بل لتستوعب هذا القدر من الحب الذي أحاط بها فجأة، مدركةً أن يزن الذي رحل، لم يأخذ معه روحها فقط، بل ترك لها فرصة لتعرف من هم أهلها حقاً.
❈-❈-❈
6-
في أركان شقته التي اختارها بعيداً عن صخب الفيلا. حيث كان كل شيء يشبهه في صمته واستقلاله وفوضاه البسيطة التي لم يعد يملك الرغبة في ترتيبها, غاص حمزة في مقعده الجلديّ قرب النافذة، وحيداً تماماً، لا يشاركه الغرفة سوى صوت عقارب الساعة الذي بدا الليلة أعلى من المعتاد، كأنه يعدّ عليه الثواني منذ تلك اللحظة اللعينة.
كان يُحدّق في الفراغ بذهول، فيما عقله ينسج المشهد ذاته للمرة المئة
الشارع…
الفرامل…
جسد الفتاة يترنّح…
الدم الخفيف على الإسفلت…
وصوته المرتجف حين اقترب منها:
هل تسمعينني؟!
لكنها لم تُجب.
كلّ ما رآه كان وجهًا لا يعرفه… وجهًا لن ينساه.
قطع شروده صوت هاتفه يرنّ على الطاولة بجانب قدح القهوة البارد. نظر إلى الشاشة بضيق؛ كانت لميس. تنهد بعمق، ثم أجاب:
- نعم، يا لميس؟
جاء صوتها محملًا باللهفة التي لم يصدقها يومًا:
-حمزة، اعذرني لأنني لم أتصل بك فور علمي بمشاجرتك الأخيرة مع أبي، لقد انشغلتُ تمامًا في أمرٍ طارئ ولم أجد وقتًا لأطمئن عليك.
أجاب ببرود وهو يفرك جبهته:
-لا بأس، اعتدتُ على نوبات غضبه... المهم أنني غادرت.
-وهل كل مشكلة مع أبي تتركنا وتغادر هكذا؟ تترك أختك الوحيدة!
تنهد وهو يحاول التحكم في أعصابه:
لا أريد التحدث الآن في أي شيء يالميس, الموضوع انتهى من فترة, وأنا نسيته!
قالت بتنهيدةٍ مجهدة، وصوتٍ خفيض يحمل نبرة استعطافٍ واضحة:
-الحقيقة أنني كنتُ في المستشفى طوال الفترة الماضية. وكم تمنيتُ لو أنك كنتَ بجانبي حينها يا حمزة.
اعتدل حمزة في جلسته فجأة، وانقبض قلبه دون سبب واضح:
- المستشفى؟ لماذا؟ هل أصابكِ مكروه؟
- لا، لستُ أنا.. بل هي ديما أخت آسر شريكي في العمل، تعرضت لحادث سير مروع في نفس اليوم الذي تركت فيه الفيلا وحالتها كانت صعبة للغاية, لذلك انشغلتُ جدًا من وقتها.
تجمّد حمزة في مكانه كأنّ صاعقةً أصابته، وأخذ نفساً ثقيلاً وهو يحاول كبح دقات قلبه التي تسارعت بجنون، ثم سأل بنبرةٍ جاهد لتبدو عادية: حادث سير؟ وكيف حالها الآن؟ أعني.. تلك الفتاة، هل هي بخير؟
أجابت لميس ببرود لايتناسب مع الموقف:
- للأسف يا حمزة، الحادث تسبب لها بفقدان بصرها.. الجميع هناك محطمون، وآسر لا يكاد يصدق ما حدث لأخته الوحيدة.
أغمض حمزة عينيه بقوة، وصورة وجه الفتاة الملقى على الإسفلت تهاجمه بشراسة. همس لنفسه بذهول: أيعقل.. أيعقل أن تكون هي؟ هل خطفتُ نور عينيها حقاً؟
حاول استجماع شتاته حين تابعت لميس بلهجة آمرة:
- حمزة، اسمعني جيداً.. كفاك عناداً في تلك الشقة الباردة، اتركها وعد إلى الفيلا، لا يعقل أن تعيش وحيداً هكذا!
رد بآلية وهو غارق في دوامة شكوكه:
- سأفكر يا لميس.. سأفكر , سلام .
أنهى المكالمة بِيَدٍ ترتجف، وألقى الهاتف بعيداً. نهض ليمشي في أرجاء الغرفة كذئبٍ حبيس، يضرب قبضته في الجدار ويهمس بصوتٍ مكسور: ديما.. أخت شريكها؟ هل هي البنت التي صدمتها؟ أم هي صدفة أن تتعرض لحادث سير في نفس اليوم؟
نظر إلى كفيه كأنه يرى عليهما آثار دماء غير مرئية، وبدأ عقله ينسج مئات السيناريوهات الغير محتملة.
ثم تبدل المشهد ....ليظهر وجه والده المتصلب كصخرة لا تلين.
صوته كان لا يزال يجلجل في رأسه، تلك الصرخة التي دوت قبل الحادثة بنصف ساعة:
-تتهرّب من العمل في شركتي؟! حسنًا… غادر! وعِش كما تشاء، لكن لا تعُد إلى هنا!
لم يردّ عليه يومها، بل غادر فعلاً. كانت تلك الصرخة هي القشة التي قصمت ظهر سنوات من الكبت. تذكر حمزة كيف قضى عمره وهو يحاول التنفس بعيداً عن عباءة فوزي البدراني؛ فمنذ صغره، كان والده يرسم له الطريق بالمسطرة والقلم، يختار له تخصصه الدراسي، أصدقاءه، وحتى هواياته. كان والده يرى فيه امتداداً لشركاته لا إنساناً له كيان مستقل. كلما حاول حمزة أن يبني مشروعاً صغيراً بجهده، كان والده يضمه لإمبراطوريته، قائلاً ببرود: أنت لا شيء بدون اسم البدراني.
أقسم حمزة في تلك اللحظة ألا يمدّ يده في مشروع لم يختره ، وألا يحمل اسماً يُفرض عليه قسراً. أراد الحرية، أراد أن يثبت لنفسه أنه يستطيع الوقوف على قدميه وحده.
لكن يا للسخرية! ها هو الآن في الشارع، وفي أول ساعة من حريته المزعومة، يصطدم بفتاة لا يعرفها، فيدمر حياتها تماماً!
فتح عينيه فجأة، وحدّق إلى السقف الذي بدا وكأنه يطبق على صدره:
-كان يمكنني أن أسمع كلامه، ..لكن لا.
عضّ على شفته السفلى بمرارة وأكمل:
-عنادي هو الذي قادني إلى ذاك الشارع، في ذلك التوقيت تحديدًا. عنادي هو الذي جرّني إلى ذاك الخطأ.
استقام في جلسته، ونظر إلى الفراغ بنظرة حادة ومصممة، وهو يهمس لنفسه:
لا مفر من العودة إلى الفيلا. يجب أن أعود..
لم يكن هذا القرار انكساراً أمام جبروت والده، بل كان مهمة انتحارية لا بد منها. فهو يدرك أن لميس هي خيطه الوحيد للوصول إلى الحقيقة، وبقاؤه بعيداً يعني بقاءه غارقاً في شكوكه. فعليه أن يستعد لتلك المواجهة ويبتلع كبرياءه مؤقتاً ليدخل عرين والده من جديد، ليس حباً فيه، بل طمعاً في إجابة واحدة تريحه من هذا العذاب:
هل حطَّمتُ حياةَ أحدٍ إلى تلك الدرجة؟
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة يارا علاء الدين، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

تم