رواية جديدة أحفاد إلياس لزينب سعيد القاضي - الفصل 8 - الخميس 22/1/2026
قراءة رواية أحفاد إلياس كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر
رواية أحفاد إلياس
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة زينب سعيد القاضي
الفصل الثامن
تم النشر الخميس
22/1/2025
أقدارُ المرءِ تُؤخَذُ من فمه، فاجعل لسانك مُعتادًا على تمني الخير لنفسك، ولا تُهوِّن من أحلامك بكلمة، ولا تقتل أمانيك بجملةٍ عابرة، تفاءل ولو ضاقت الطرق، وأغلقت السبل،
وادعُ لنفسك كما لو أن الدعاء طريقٌ مختصر للنجاة،
فكم من أمنيةٍ وُلدت همسًا، ثم صارت واقعًا لأن صاحبها صدّقها قل دائمًا: «سأصل، سأنجح، سيأتيني الخير»،
فما بين الكلمة والقدر مسافة إيمان وثقة بالله أنه لن يخذلنا فتفائل بالخير حتى تجد الخير، وفكر في اليوم، ولا تفكر بالأمس فما حدث قد انتهى ولا يمكن تغييره، ولا تفكر في الغد فالعبد بالتفكير، والرب بالتدبير، ده عقلك وبدنك يستريح، وفكر في اليوم فقط، أما الغد لا شأن لك به سوى تمني الخير، والتفوه به، وسيأتي أفضل مما تمنيت إنتَ.
❈-❈-❈
كان يطالعها بترقب ينتظر سماع ما ستقوله على أحر من الجمر كما لو كان متهم ينتظر الأمر بالاعدام، وأخيرًا نطقت بصوت خافت:
-ما ملهمش ذنب عشان حد منهم يتجوزني وأدمر حياته الحل الوحيد إني أمشي من هنا.
رد بحدة:
-مش هتمشي من هنا يا مرام حطي ده في اعتبارك مكانك هنا وده بيتك.
تبسمت بمرارة، وأجابت بتحسُر:
-مع الآسف عمري ما حسيت إن ده بيتي ولا عمري حسيت إنه مكاني طول عمري ضيفة أول مرة أدخله كان بجوازي من فريد، والوقتِ عشان أقدر أفضل هنا يبقى لازم أتجوز واحد من أحفادك.
رمقها بعتاب ونهض من مكانه، وتحرك بخفة وجلس في المقعد المقابل لها، وتحدث بنبرة هادئة:
-ده بيتك يا بنتي وده مكانك وزواجك من واحد من أحفادي عشان مصلحتك يا بنتي وعشان أبقى مطمئن عليكِ، والأهم من ده كله إنك تحسي إنك في بيتك ومكانك مش ضيفة.
ابتلعت ريقها بمرارة وقالت:
-ضيفة؟! ومين قال إن أنا كنت في يوم صاحبة مكان أنا طول عمري كنت ضيفة في البيت ده.
أخذت نفس عميق، واسترسلت حديثها برجاء:
-خليني أمشي من هنا ده أحسن للكل.
حرك رأسه نافيًا، واستطرد قائلًا:
-مفيش خروج من البيت ده غير في حالة واحدة بس عارفة إيه هي؟!
طالعته بحيرة وترقب، فاستطرد حديثه بإبانة:
-على قبرك يا مرام مفيش خروج من هنا انتهى الأمر.
ساد الصمت لوهلة ثقيلة، صمتٌ كان أثقل من كلماته القاسية، شعرت به مرام يطبق على صدرها حتى كادت أنفاسها تختنق. حدّقت إليه بعينين زائغتين، تحاول استيعاب ما قاله، أو لعلها تحاول أن تجد ثغرة صغيرة تهرب منها من هذا المصير الذي يُفرض عليها فرضًا.
ارتجفت شفتاها، وقالت بصوت مبحوح:
-يعني إيه الكلام ده؟! حضرتك بتهددني بالموت؟!
تنهد بعمق، وبدا وكأنه كبر أعوامًا في لحظة واحدة، وقال بنبرة أقل حدّة ولكنها لا تقل حزمًا:
-مش بهددك يا بنتي، أنا بقول الحقيقة البيت ده له قوانينه، وأنا طول عمري ما خالفتها ولا هكسرها عشان حد، حتى لو كنتِ أقربهم لقلبي.
ضحكت ضحكة قصيرة ممزوجة بالألم، وهتفت بمرارة: -قوانين؟! قوانين تبقى على حساب عمري وحياتي؟! أنا مش جارية ولا صفقة تتباع وتتشرى.
نهضت من مقعدها بعصبية، وراحت تسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا، ثم توقفت فجأة وقالت:
-أنا تعبت والله تعبت من إني دايمًا مجبرة، دايمًا حد بيقرر عني، من أول جوازي لفريد لحد اللحظة دي.
خفض بصره للحظة، وكأن ذكر اسم نجله الراحل وخز قلبه، ثم رفع رأسه وقال بصوت خافت:
-فريد الله يرحمه كان اختياري، وكنت شايف سعادتك في الجوازة دي والوقتي أوس هو اللي بيختارك بنفسه يعني مش مفروضة عليه زي فريد.
أجابت بانفعال:
-حتى لو! ده مايديش الحق لحد يكمل يتحكم فيا.
اقترب منها خطوة، وقال بنبرة حاول أن يجعلها أبوية:
-أنا خايف عليكِ يا مرام الدنيا برا مش رحيمة، وإنتِ لوحدك، من غير سند.
استدارت إليه بعينين دامعتين، وقالت:
-وأنا هنا عندي سند؟! ولا مجرد اسم على الورق؟! كل اللي شايفني أرملة لازم تتجوز تاني عشان تفضل، مش عشان تتحب.
ساد الصمت مرة أخرى، لكنه هذه المرة كان محمّلًا بالخذلان مسح جبينه بيده، وقال بعد تردد:
-إدي نفسك فرصة يمكن المرة دي الأمور تختلف.
هزّت رأسها رافضة، وقالت بحزم رغم دموعها:
-الفرص اللي بتيجي بالغصب ما بتبقاش فرص بتبقى قيود.
توجهت نحو الباب، ووضعت يدها على المقبض، ثم التفتت إليه وقالت:
-لو ده فعلاً بيتي زي ما بتقول، يبقى من حقي أختار أعيش فيه إزاي مش أتحبس جواه بعد إذن حضرتك.
تجمّد في مكانه، يراقبها بعينين متصارعتين بين القسوة والخوف، بينما كانت مرام تقف على حافة قرار قد يغيّر كل شيء.
نهض بتثاقل وقرر السفر إلى الفيوم كي يرتاح قليلاً وسط الطبيعة وبعيدًا عن مشاكل عائلته التي لا تنتهي….
❈-❈-❈
داخل صرحٍ عملاق، شركةٍ عريقةٍ تمتد جذورها في عمق التاريخ، كانت الجدران تحكي حكايات نجاحٍ لا تُعد، وتهمس الممرات بأسماء رجالٍ صنعوا المجد بعرقهم وقراراتهم الحاسمة. لم تكن مجرد شركة، بل كيانًا ضخمًا فرض اسمه على الساحة، وصار رمزًا للقوة والنفوذ، حيث تُدار الصفقات الكبرى وتُحسم المصائر خلف أبوابٍ زجاجية لامعة.
في قلب هذا الصرح، كانت الحركة لا تهدأ؛ موظفون يتنقلون بخطوات سريعة، أصوات الهواتف لا تنقطع، وشاشات تعرض أرقامًا تعكس حجم الإمبراطورية التي بُنيت عبر عقود. كل زاوية تحمل هيبة المكان، وكل مكتب يشهد على تاريخٍ كُتب بالجرأة والطموح.
في الطابق العلوي، حيث المكاتب التنفيذية، كان الهواء مختلفًا، أكثر ثقلًا، كأن القرارات التي تُتخذ هناك تزن أطنانًا. خلف مكتبٍ فخم، جلس "أوس إلياس" أركان هذه المؤسسة، يتأمل من النافذة المدينة الممتدة أسفل قدميه، مدينةٌ تعرف هذا الاسم جيدًا، وتحسب له ألف حساب.
لم يكن يعلم أن هذا اليوم تحديدًا لن يكون عاديًا، فبين أروقة الشركة، كانت خيوط قدرٍ جديد تبدأ في التشابك، قرارات ستُتخذ، وأسرار ستُكشف، وأشخاص سيدخلون اللعبة دون أن يدركوا أن هذا الصرح العظيم لا يخرج منه أحد كما دخل…
دق باب المكتب، ودلفت السكرتيرة الخاصة به باحترام، طالعها بترقب وتسأل بحذر:
-نتيجة المناقصة بانت؟!
حركت رأسها بإيجاب:
-أيوه يا فندم.
استطرد مستفهمًا:
-رسيت علينا صح؟!
هز رأسه نافية، وأطرقت رأسها إلى الأسفل بأسف:
-مع الآسف لا يا فندم.
انتفض من مكانه بصدمة وهو يردد ما قالته بعدم استيعاب:
-نعم نعم بتقولي إيه؟! المناقصة مرستيش علينا إنت بتهزري صح؟! أصل لو بتتكلمي جد هطربق المكتب فوق دماغك.
تراجعت إلى الخلف بارتباك وقالت:
-والله بتكلم جد يا فندم أنا إمتى هزرت مع حضرتك.
تهاوى على المقعد مرددًا بعدم استيعاب:
-بتتكلمي جد؟! يا نهار أسود دي مصيبة دي كارثة متخيلة كم الخسائر اللي هتعود علينا؟! أكيد في حاجة غلط إحنا كنا مقدمين أعلى سعر؟!
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت:
-اتاكدت والله يا فندم في شركة قدمت سعر أعلى في آخر لحظة.
انتفض من مكانه وصاح بحدة:
-شركة مين ؟!
رفعت كتفيها دلالة على عدم معرفتها:
-مش عارفة يا فندم.
ضرب على مكتبه بقبضة يده وهتف بنبرة تحذيرية:
-قدامك ساعة واحدة تكوني عرفتي شركة مين وإيه حاكيتها بالظبط سامعة ولا مش سامعة؟!
تراجعت إلى الخلف وأجابت بلهفة:
-حاضر يا فندم فاهمة.
تحركت بخفة وغادرت الغرفة سريعًا كي تهرب من براثنه، بينما تهاوى على مقعده وتنهد بضيق:
-هعمل إيه في المصيبة دي ؟! ربنا يستر..
❈-❈-❈
وصلت إلى الفيوم، ووصلت إلى فيلا إلياس وما كادت أن تدلف إلا قطع طريقها عمها، ابتلعت ريقها بتوجس فأيقنت أن ما سيأتي لن يكون بخير.
طالعها الآخر بعينين حادتين وصاح بحدة:
-إنتِ فين يا بنت أخويا؟!
ردت نوران بثبات:
-كنت في الجامعة يا عمي.
رمقها بسخط وقال:
-يا دي الجامعة اللي مش وراكي غيرها يعني مش كفاية قاعدة تخدمي في بيوت الناس كمان دايرة على حل شعرك.
ابتلعت إهانته، وأجابت بكبرياء:
-وإيه المشكلة شغلانة زي أي شغلانة وأنا مرتاحة هنا وعايشة هنا من أيام ماما الله يرحمها وحضرتك كنت سايبني ونسيني افتكرتني الوقتِ بس، أما بقى أنا دايرة على حل شعري فأنا متربية أحسن تربية أنا بروح الكلية ويدرس عشان لما أتخرج أشتغل شغلانة كويسة وأقدر اعتمد على نفسي.
رمقها عمها بسخرية وقال:
-يا فرحتي لا يا حبيبتي بلاها خدمة في البيوت وبلاها كلية وكلام فاضي إنتِ هتتجوزي عادل ابني وتقعدي في البيت معززة مكرمة.
❈-❈-❈
شهقت نوران بصدمة، وكأن كلماته سقطت عليها كصفعةٍ مدوية، تجمدت أطرافها للحظة، ثم تماسكت، رفعت ذقنها بعنادٍ ورمقته بنظرة ثابتة لا تخلو من الاشتعال.
قالت بصوتٍ حاولت أن تجعله هادئًا رغم العاصفة التي تعصف بصدرها:
-نعم؟! أتجوز مين؟!
اقترب عمها منها خطوة، وارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة تدل على أنه حسم الأمر من وجهة نظره:
- زي ما سمعتي، عادل ابني، وأنا كده بسترِك، بدل اللف والدوران والشغل اللي مالوش لازمة.
ضحكت ضحكة قصيرة خرجت منها دون إرادة، لكنها كانت ضحكة مرة:
- تسترني؟! هو أنا محتاجة ستر يا عمي؟ أنا ماشية على حل شعري؟ ولا عاملة حاجة غلط؟
زمجر بغضب:
- وطّي صوتك! ما يصحش تكلمي كبيرك كده.
«الكبير يتكلم بعقل مش بفرض!»
قالتها نوران بشجاعة، فازداد وجهه احمرارًا.
لوّح بيده في الهواء:
إنتِ ناسية نفسك؟! ناسية إنك يتيمة وملكيش غيري؟!
اغرورقت عيناها، لكنها رفضت أن تسقط دمعة واحدة أمامه:
- يتيمة آه، إنما مش ضعيفة ومش سلعة تتجوز غصب عنها.
قهقه بسخرية:
- غصب إيه؟ دا عادل لقطة، راجل ومتخرج وبيشتغل معايا.
نظرت إليه بحدة:
-لقطة عند حضرتك، إنما أنا عمري ما فكرت فيه غير إنه ابن عمي وبس.
اقترب منها أكثر، صوته انخفض لكنه صار أكثر تهديدًا:
-فكري كويس يا نوران، أنا اللي مصروفك عليا، وأنا اللي سايبك تعيشي هنا، واللي أقوله يتنفذ.
ارتعشت شفتاها، لكنها لم تتراجع:
- أنا شغلي هو اللي مصروف عليا، وعايشة هنا بعلمي وشقايا، ومحدش بيتفضل عليا بحاجة.
صمت لثوانٍ يحدق بها، ثم قال ببرود:
- يعني رافضة؟
أجابت دون تردد:
-رافضة.
ارتسم الغضب على ملامحه، ورفع صوته:
- يبقى ما تلوميش غير نفسك، من النهارده مفيش جامعة ولا شغل، وإقامتك هنا مؤقتة لحد ما توافقي.
اتسعت عيناها:
- يعني إيه؟!
يعني كلامي واضح، يا تتجوزي عادل، يا تشوفي لك حتة تانية.
في تلك اللحظة، انفتح باب الفيلا فجأة، وظهرت سيارة «الجد إلياس»، الذي وصل للتو وكان قد سمع جزءًا من الحديث، عيناه كانتا مشتعِلتين بالغضب.
قال بصوتٍ صارم:
-,في إيه هنا؟
التفت العم إليه بخوف:
-مفيش يا باشا بتكلم مع بنت أخويا.
تقدم إلياس بخطوات واثقة، وقف بجانب نوران دون أن ينظر إليها، لكنه كان يشعر برجفة كتفيها:
وهي كمان حفيدتي، ومحدش يقدر يجبرها على الجواز.
ضحك العم بسخرية:
- من إمتى وحضرتك بتدافع عن الخدم؟
اشتعلت نظرة إلياس:
- نوران مش خدامة، نوران شغالة باحترام، ودي في بيتي، ومحدش يهينها وفي مقام حفيدتي ويلا أتفضل أمشي من غير ما طرود.
ابتلعت نوران ريقها، قلبها يخفق بعنف، لم تتوقع تدخله، لكنها شعرت لأول مرة منذ زمن أن هناك من يقف في صفها.
ساد الصمت، والهواء أصبح ثقيلًا، العم يحدق في إلياس، ثم في نوران، وكأن كرامته تُسحب منه.
قال أخيرًا بأسنانٍ مطبقة:
- ماشي بس الموضوع ده مخلصش.
ثم استدار وغادر وهو يتمتم بكلماتٍ غاضبة.
ما إن اختفى حتى شعرت نوران بقواها تخونها، كادت أن تسقط، لكن إلياس التفت إليها بسرعة:
- نوران إنتِ كويسة؟
أومأت برأسها، دمعة وحيدة خانتها وسالت فوق وجنتيها:
- شكرًا أنا مكنتش عارفة أعمل إيه.
قال بهدوء:
- طول ما إنتِ هنا، محدش هيغصبك على حاجة.
نظرت إليه بامتنان، وفي عينيها خوف ممزوج بأملٍ صغير: -بس هو مش هيسيبني.
تنهد إلياس وقال:
- عشان كده لازم تكوني قوية وأنا مش هسيبك.
في تلك اللحظة، أدركت نوران أن معركتها لم تبدأ بعد، لكن لأول مرة، لم تكن وحدها.
❈-❈-❈
مساءً عاد أوس إلى القصر بارهاق شديد وذهن ممتلئ، سأل عن جده أولًا وعلم بسفره، ، فصعد إلى غرفته فور وصوله من الخارج وما أن فتح باب الشقة حتى تفاجئ بزوجته أمامه ووجها لا يبشر بالخير، أطلق زفيرًا حادٍ وأغلق عينين وفتحها عدة مرات وأكمل سيره في الغرفة متوجهًا إلى غرفة الملابس كي يبدل ملابسه.
لكن تجاهله لها لم يحل المشكلة بل زادها تعقيدًا وهي تتبعه، وعلى حين غفلة جذبته من ذراعه كي يلتفت لها.
استدار إليها وهو يطالعها باستنكار على فعلتها تلك،. وكأن شياطين الإنس والجن قد تلبسته الآن، فسحب ذراعه بقوة، وقلب الوضع في لمح البصر، كبل ذارعيها خلف ظهرها، واقترب من أذنها حتى باتت أنفاسه الساخنة تلفح بشرة وجهها، وتحدث بفحيح:
-إزاي تتجرأي وتشديني من دراعي بالمنظر ده إنتِ اتجننتي؟!
جاهدت أن يخرج صوتها طبيعيًا من شدة آلم ذراعيها:
-زي ما إنتَ اتجرأت وفكرت تتجوز غيري.
تبسم باستخفاف وقال:
-أنا مفكرتش بس لا وهنفذ وهتجوزها وغصب عن عيونك الحلوين يا زوجتي العزيزة.
خانتها دموعها وهبطت من عينيها فوق صفحة وجهها وتسألت بألم، وانكسار:
-فيها إيه أحسن مني عشان تتجوزها؟! رد عليّ فيها أفضل مني؟! مش عايزني أخرج مش هخرج من البيت خلاص وزين كمان هخلي بالي منه بس متتجوزش عليا.
ترك ذراعيها ووقف أمامها وكتف ذراعيه فوق صدره، وتحدث بنبرة حادة:
-هو إنتِ فاكرة إني عايز اتجوزك عشان خروجك وعدم اهتمامك بزين؟!
أومأت بايجاب وردت:
-أيوه.
تبسم ساخرًا وضرب كف بكف وقال:
-يعني فشلتي تكوني زوجة وفشلتي تكوني أم وكمان غبية.
أطلق زفيرًا حادٍ واستطرد حديثه بجدية:
-أنا هتجوز مرام يا سيرين والموضوع منتهي.
دبت قدميها في الأرض بغيظ، وصاحت بانفعال:
-لو هتتجوزها يبقى تطلقني وهاخد ابني وأمشي من هنا.
تبسم ساخرًا وهتف متهكمًا:
-بجد؟! إنتِ بتهدديني؟! عايزة تطلقي مفيش مشكلة بس ابني مش مجال للمقارنة ومش هيخرج من بيتي ولا هيبعد عن حضن أبوه بعد إذتك بقى يا سري راجع تعبان وعايز أخد شور..
أزاحها جانبًا وتوجه إلى المرحاض تاركًا إياها تتأكل غيظًا….
دبت على الأرض بغيظ وهتفت بتوعد:
-لما أشوف أنا ولا إنتَ يا أوس باشا….
❈-❈-❈
مر اليومُ سريعًا، وأشرقت شمسُ الصباح، فانبعث في القلبِ أملٌ جديد، كأنَّ الوقتَ يهمسُ بأن كل بدايةٍ، تحمل وعدًا أجمل مما مضى.
استيقظ إلياس مبكرًا على غير عادته، وكأن قلبه أيقظه قبل أن يفعل المنبّه. تسللت خيوط الصباح الأولى عبر نافذة غرفته، فنهض بهدوء، يحمل في صدره شعورًا غامضًا بين القلق والحنين. ارتدى ملابسه بعناية غير معتادة، اختار قميصه المفضل، وعدّل ياقة سترته أمام المرآة، ثم نثر عطره الخفيف الذي لطالما ارتبط في ذاكرته ببدايات جديدة.
غادر المنزل مبكرًا، وكانت الشوارع لا تزال تتثاءب من نعاسها، يلفّها صمت لطيف لا يقطعه سوى وقع خطواته. الهواء الصباحي كان منعشًا، وكأن المدينة قررت أن تكون أرحم من الأمس. سار إلياس بخطى ثابتة، لكن قلبه كان يسبقه، منشغلًا بصورة مسك، بصوتها، وبالسؤال الذي لم يفارقه طوال الليل هل هي بخير؟
توقف عند متجر الزهور الصغير في ناصية الشارع، ذاك الذي يعرفه منذ سنوات. لم يحتج إلى تفكير طويل؛ اختار باقة زهور بيضاء تتخللها لمسات وردية ناعمة، تشبهها تمامًا في بساطتها وهدوئها. أمسك الباقة بحذر، كأنها تحمل ما هو أثمن من الزهور نفسها، ثم واصل طريقه مباشرة إلى منزل مسك.
كلما اقترب، تسارعت دقّات قلبه، وبدأ القلق يتسلل إلى ملامحه. وقف أمام الباب للحظة، أخذ نفسًا عميقًا، وحاول أن يرتّب أفكاره، لكن شيئًا بداخله كان يرتجف. طرق الباب بخفة، وانتظر. مرت ثوانٍ بدت أطول مما يجب، قبل أن يُفتح الباب ببطء.
❈-❈-❈
كان أزاد يجلس بالداخل، متكئًا إلى الخلف، واضعًا ساقًا فوق الأخرى بثقة باردة، كأن الموقف لا يعنيه، أو كأن السيطرة حقٌ مكتسب لا يحتاج إلى إثبات. ملامحه ثابتة، نظراته حادة، وعيناه تتابعان مسك ببرودٍ متعمّد، يحمل في طياته شيئًا من التسلية الخفية.
في المقابل، كانت مسك تقف أمامه بانكسار واضح، كتفاها منحدران، ويديها متشابكتان في توترٍ صامت. وجهها الشاحب يفضح ما حاولت إخفاءه، وعيناها المتعبتان تحكيان قصة ليلٍ طويل لم تنم فيه جيدًا، أو ربما نامت وهي مثقلة بالخوف. كانت أنفاسها متقطعة قليلًا، وكأن كل شهيق يحتاج إلى جهد، بينما زوجة عمها تقف في أحد الزوايا ترتعش بخوف.
ساد الصمت بينهما، صمت ثقيل يضغط على صدرها أكثر مما تحتمل. لم يكن بحاجة إلى كلمات ليشعرها بضعفها؛ جلسته وحدها كانت كافية، طريقته في النظر إليها، ذلك الهدوء المستفز الذي يقابِل ارتباكها. حاولت أن ترفع رأسها، أن تبدو أقوى مما تشعر، لكن الانكسار كان أوضح من أن يُخفى.
حرّك أزاد ساقه ببطء، ثم مال بجسده إلى الأمام قليلًا، وكأن اللحظة باتت مناسبة ليقول شيئًا، أو ليؤكد حضوره أكثر. ارتعشت مسك لا إراديًا، وتراجعت خطوة صغيرة، لكنها تماسكت سريعًا، رافضة أن تمنحه متعة رؤيتها تنهار أكثر.
في تلك اللحظة، لم يكن الصراع صراع كلمات، بل صراع مواقف. ثقة تجلس مطمئنة على كرسيها، وانكسار يقف وحيدًا يحاول ألا يسقط. وكان الهواء بينهما مشبعًا بشيء لم يُقال، لكنه كان أقسى من أي اعتراف.
قطع اندماجه هذا دق على باب الشقة، تحركت زوجة عمها سريعًا لتفتح الباب ظنًا منها أن زوجها قد عاد من الخارج ولكن المفاجأة…….
يُتبع..
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة زينب سعيد القاضي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
