-->

رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 6 - الأربعاء 21/1/2026

 

قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 

الفصل السادس 

تم النشر الأربعاء 

21/1/2026



كان صباحاً مختلفاً بكل تفاصيله، هواء الفيلا يحمل توتراً مكتوماً وترقباً لما سيحدث. استيقظ يوسف مبكراً، الأرق كان رفيقه طوال الليل، فلم تغمض له عين وهو يفكر في كيفية تحجيم وجود جيهان في الشركة.

هبط إلى الطابق السفلي بوجه شاحب، ليجد سميرة تنتظره كالعادة، وضعت أمامه الإفطار بصمت، فجلس يتناوله وهو ينظر في ساعة يده بين الحين والآخر، وكأنه يتمنى أن يمر الوقت بسرعة ليغادر قبل أن يراها. لكن الصمت انكسر بوقع خطوات واثقة وهادئة على الدرج.

رفع يوسف عينيه، وتوقفت سميرة عن الحركة وهي تنظر نحو الأعلى. كانت جيهان تهبط الدرج بطلة لم يعهداها؛ ارتدت فستاناً طويلاً محتشماً، وحجاباً بسيطاً زادها وقاراً، ولم تضع ذرة واحدة من مساحيق التجميل، فبدت ملامحها الطبيعية هادئة وجميلة لدرجة أن من يراها لا يصدق أنها أم لطفلتين، بل يظنها شابة في مقتبل العمر لم تتزوج بعد.

أراد يوسف أن ينهض ويغادر فوراً ليتهرب من المواجهة، لكن صدى صوت والده وتحذيره من ارتكاب أي خطأ في حقها كان يتردد في أذنيه. ظل مكانه مجبراً، يراقبها وهي تقترب ببرود وثبات.

التفتت جيهان نحو سميرة التي كانت تنظر إليها بإعجاب ممزوج بالقلق، فقالت لها جيهان بصوت هادئ:

ـ أنا ماشية يا سميرة.. بناتي في أمانتك، خلي بالك منهم.

ردت سميرة بنبرة مشجعة:

ـ في عنيا يا جيهان، متقلقيش عليهم خالص.. روحي إنتي وربنا يوفقك في خطوتك الجديدة.

تحركت جيهان نحو الخارج بخطوات لا تردد فيها، لتركب في سيارة يوسف الذي كان ينتظرها خلف المقود بوجه جامد. انطلقت السيارة، وساد بينهما صمت ثقيل كالجبال. كان يوسف يركز نظره على الطريق، محاولاً تجاهل وجودها بجانبه، ومحدثاً نفسه بأنه سيتعامل معها كأي موظفة غريبة، طالما التزمت بحدودها فلن يتحدث، لكنه أقسم في سره أنه عند أول تجاوز أو خطأ منها في العمل، لن يصمت أبداً وسيكون ذلك عذره الوحيد لطردها من جنته العملية.

أما جيهان، فكانت تنظر من نافذة السيارة إلى الطريق، والابتسامة لا تفارق قلبها؛ فهي تعلم أن المعركة الحقيقية ستبدأ بمجرد أن تطأ قدماها شركة القاضي.

قطع يوسف الصمت الثقيل داخل السيارة، وهتف بنبرة حادة حملت الكثير من التحذير والوعيد، دون أن يلتفت إليها:

ـ اسمعي يا جيهان.. إحنا داخلين الشركة، يعني نظام والتزام. مش عايز أي تجاوز مع أي حد، ولا عايز اسمي يبقى على لسان الموظفين بسبب تصرف منك هنا ولا هنا. لو حصل أي خروج عن الحدود، مش هسمحلك تستمري ثانية واحدة، وساعتها كلام والدي مش هينفعك.

التفتت إليه جيهان، وبكل هدوء وثقة كانت كفيلة باستفزازه أكثر، ردت عليه بنبرة رخيمة وجامدة:

ـ لو كنت بتعرف جيهان كويس زي ما بتقول يا يوسف، كنت عرفت لوحدك إني بحط لنفسي خطوط حمراء قبل ما حد يحطها ليا، وعمري ما سمحت ولا هسمح لمخلوق إنه يتجاوزها معايا..

صمتت للحظة، ثم تابعت وهي تنظر في عينيه مباشرة من خلال مرآة السيارة:

ـ والخطوط دي أنا حطتها ليك إنت كمان يا يوسف، ومن بدري قوي.. تحديداً من اللحظة اللي بلغتني فيها بقرار جوازك التاني. فمتقلقش على اسمك، أنا خوفي على اسمي وكرامتي أكبر بكتير من أي حاجة تانية.

شعر يوسف وكأن الكلمات صفعة قوية على وجهه؛ فجيهان لم تعد تدافع عن نفسها فقط، بل أصبحت تضع له هو الآخر حدوداً لم يجرؤ أحد على وضعها له من قبل. ضغط يوسف بيده على مقود السيارة بقوة حتى ابيضت مفصله، وابتلع غيظه وهو يرى مبنى شركة القاضي يلوح في الأفق.

وصلت السيارة إلى باب الشركة، وكان تامر يقف هناك بالفعل بانتظارهما، وعلى وجهه ابتسامة ترحيب حقيقية، وكأنه يرسل رسالة ليوسف بأن جيهان ليست وحدها في هذا المكان.

دخلوا إلى ردهة الشركة الواسعة، وكانت جيهان تسير بجانب يوسف وتامر بخطوات واثقة وموزونة، ورأسها مرفوع بشموخ جعل كل من يراها يظن أنها رئيسة مجلس الإدارة وليست مهندسة تبدأ يومها الأول. ساد هدوء شديد في الممرات، وتوقفت الهمسات؛ فالموظفون لم يسبق لهم أن شاهدوا هذا الاهتمام الاستثنائي من رؤوس القمة في الشركة بأي شخص من قبل.

كان الجميع يتساءل في صمت: 

ـ من هذه السيدة الوقورة؟ 

فجيهان طالما كانت خلف الأضواء، بعيدة عن صخب العمل والمناسبات الرسمية، فلم يكن أحد من الموظفين يعلم أنها زوجة يوسف القاضي.

اتجهوا جميعاً إلى مكتب عدنان القاضي. وقف عدنان من خلف مكتبه، واستقبلها بترحيب هادئ يحمل الكثير من التقدير:

ـ أهلاً بيكي يا جيهان.. الشركة نورت بوجودك. تامر جهز لكِ مكتبك، وأتمنى تبدأي بمراجعة الملفات اللي اتكلمنا عنها.

كان يوسف يقف بجانبها، يراقب الموقف بضيق مكتوم، منتظراً أن تبدأ جيهان عملها كأي موظفة مطيعة. لكن جيهان نظرت إلى عمها عدنان، ثم وجهت نظرها ليوسف وتامر، وقالت بصوت واضح وثابت جعل الصمت يطبق على المكان:

ـ قبل ما أبدأ أي حاجة يا عمي، وقبل ما أدخل مكتبي.. أنا ليا طلب واحد، ومظنش إنه صعب عليكم.

صمت الجميع وتوجهت أنظارهم نحوها بترقب، فتابعت جيهان:

ـ أنا هنا في الشركة المهندسة جيهان وبس. مش عايزة أي حد من الموظفين، ولا حتى أصغر عامل، يعرف إني زوجة يوسف القاضي. أنا عايزة أثبت كفاءتي بعيداً عن كوني فرد من العيلة في نظر الناس، وعايزة أتعامل كمهندسة مسؤولة عن ملفاتها وبس. لو حد عرف بصلتي بيوسف، فترة الاختبار دي مش هيكون ليها أي قيمة بالنسبة ليا.

وقع الطلب عليهم كالصاعقة. صمت يوسف تماماً وهو ينظر إليها بذهول، وتفاجأ تامر من جرأتها وقوة شخصيتها، بينما رفع عدنان حاجبيه بتقدير شديد لهذا الكبرياء. جيهان لم تكن تهرب من صلتها بهم، بل كانت ترفض أن تكون "ظلاً" ليوسف، أو أن يُنسب نجاحها لكونها زوجته.

شعر يوسف بغيظ شديد كاد أن ينفـ.ـجر من عروقه؛ فتجاهلها له بهذا الشكل أمام والده وشقيقه كان بمثابة إهانة لرجولته وسلطته، لكنه في ذات الوقت، وجد في طلبها مخرجاً له، فعدم معرفة الموظفين بأنها زوجته سيخفف عنه الكثير من الإحراج والأسئلة، خاصة مع ترتيبات زواجه الثاني.

أومأ عدنان برأسه بوقار، مدركاً أن جيهان تريد بناء مجدها الشخصي بعيداً عن المحاباة. خرج عدنان من خلف مكتبه وقال بلهجة عملية:

ـ زي ما تحبي يا بشمهندسة جيهان.. تقديرك لنفسك ولمكانة الشغل يخلينا نحترم رغبتك.

خرج عدنان معها إلى الرواق الخارجي، وقدمها لكبار المسؤولين ورؤساء الأقسام الذين تصادف وجودهم. وعلى الرغم من طلبها، إلا أن عدنان قدمها بصفتها المهندسة جيهان، واحدة من أفراد عائلة القاضي، مما جعل المسؤولين يرحبون بها بحفاوة بالغة واحترام شديد، ليس فقط لكونها مهندسة، بل لأنها تحمل دماً ينتمي لمؤسسي هذا الكيان.

بعد انتهاء التعارف، التفت عدنان إلى ابنه الأصغر وقال:

ـ تامر.. خد جيهان ووريها مكتبها، وساعدها في أي أوراق محتاجة تطلع عليها النهاردة.

اصطحب تامر جيهان إلى مكتبها الجديد الذي كان يفوح برائحة الترتيب والفخامة، بينما عاد عدنان إلى مكتبه ليجد يوسف واقفاً هناك، ملامحه متجهمة وعيناه تشعان غضباً.

❈-❈-❈

أغلق عدنان الباب خلفه، ونظر إلى يوسف بنظرة حادة وحازمة، وقال له بصوت منخفض ولكن قوي:

ـ اسمع يا يوسف.. جيهان دلوقتي مهندسة في الشركة وليها وضعها. أي محاولة منك لتقليل شأنها، أو إحراجها، أو الإساءة ليها قدام الموظفين، مش هسمح بيها أبداً. لو حصل منك أي تجاوز في حقها هنا، هتكون بتغلط في حقي قبل ما تغلط في حقها. جيهان خط أحمر يا يوسف.. فاهم؟

لم يستطع يوسف الرد، بل اكتفى بهز رأسه بضيق، وهو يشعر أن والده بدأ يميل لجيهان بشكل يهدد مكانته، ليخرج من المكتب وهو يخطط لكيفية إثبات أن البيت هو المكان الوحيد الذي تصلح له جيهان، مهما حاول والده وتامر دعمها.

بعد أن أطلعها تامر على الخطوط العريضة لسيستم الشركة وبعض التفاصيل التقنية، اعتذر منها بلباقة:

ـ جيهان، أنا مضطر أسيبك دلوقتي عشان عندي اجتماع مهم مع وفد أجنبي، أول ما أخلص هجيلك فوراً لو محتاجة أي حاجة.. بالتوفيق يا هندسة.

أغلقت جيهان باب مكتبها، وجلست خلف المكتب الفخم. شعرت للحظة برهبة المكان؛ فهذه الجدران تختلف تماماً عن جدران فيلا القاضي. بدأت بمراجعة الملفات التي وضعها عدنان أمامها. في البداية، شعرت ببعض الصدأ في ذاكرتها الهندسية، كانت المصطلحات الحديثة والبرامج المتطورة تشكل تحدياً لها، وشعرت برغبة ملحة في الذهاب لعمها عدنان لتسأله.

لكنها تراجعت فوراً وهي تتذكر نظرات يوسف المتربصة. قالت لنفسها: 

ـ لو روحت لعمي دلوقتي، يوسف هيعتبر ده أول دليل على فشلي، وهيقول إني مجرد هاوية جاية تضيع وقت الشركة.

استجمعت قواها، وبدأت في البحث والقراءة بتركيز عالٍ. نجحت في تفكيك رموز الملف الأول، ثم الثاني، وشعرت بنشوة الانتصار تستعيدها تدريجياً. لكن، حين وصلت للملف الأخير، توقفت تماماً.

كان ملفاً إنشائياً لمشروع ضخم قيد التنفيذ. قرأت الأرقام مرة واثنتين وثلاثاً.. هناك شيء غير مريح في الحسابات. شعرت بوجود خطأ تقني في توزيع الأحمال أو ربما في تقدير كميات المواد، لكنها لم تستطع وضع يدها على موطن الخطأ بدقة بسبب غيابها الطويل عن الممارسة.

عصرت ذهنها، وفتحت مراجعها القديمة وقارنتها بالبيانات الحديثة على شاشة الكمبيوتر. كان العرق يتصبب من جبينها ليس خوفاً، بل تحدياً. هي تعلم أن هذا الملف قد يكون الفخ أو الاختبار الحقيقي الذي وضعه عدنان، أو ربما هو خطأ كارثي لم يكتشفه يوسف نفسه.

وفي تلك اللحظة، طرق الباب، ودخل يوسف وعلى وجهه ابتسامة ساخرة، وكأنه جاء ليشهد لحظة انكسارها:

ـ ها يا بشمهندسة؟ خلصتي الملفات ولا لسه بنفتكر المبادئ؟ لو فيه حاجة صعبة عليكي قوليلي، أنا مش هحب إن أول يوم ليكي ينتهي بغلطة تضيع ملايين.

نظرت إليه جيهان بعينين يملؤهما التحدي، ولم تسمح لابتسامته الساخرة بأن تزعزع ثقتها بنفسها. أغلقت الملف الذي كانت تعمل عليه بهدوء، وقالت بنبرة واثقة:

ـ تقدر تطمن يا يوسف، أنا خلصت مراجعة معظم الملفات اللي عمي عدنان سلمها ليا، ومبقاش قدامي غير ملف واحد بس هو اللي محتاج مراجعة أدق شوية.

اتسعت عينا يوسف بذهول لم يستطع إخفاءه؛ فقد كان يظن أنها ستغرق في التفاصيل ولن تستطيع إنهاء حتى نصف ملف واحد. بدأ يشعر أن جيهان المهندسة التي كان يخشى تفوقها بدأت تظهر بالفعل، وأنها لن تكون مجرد عابرة في الشركة، بل خصماً قوياً يهدد سيطرته.

حاول يوسف استعادة زمام الأمور باستفزازها، فاقترب من مكتبها وقال بنبرة آمرة:

ـ كويس.. وبما إنك شاطرة كدة، فأنا عايز مراجعة الملف الأخير ده تخلص النهاردة قبل ما نمشي، والتقارير كلها تكون على مكتبي الصبح. مفيش وقت للدلع في شركة القاضي.

رفعت جيهان حاجبيها ببرود، وقامت بجمع الملفات ووضعها في حقيبتها الخاصة بكل رزانة، ثم وقفت وواجهته قائلة:

ـ أعتقد إنك نسيت حاجة مهمة يا يوسف.. أنا هنا تحت إشراف عمي عدنان، هو اللي سلمني الملفات وهو اللي هيستلم مني التقارير. فترة اختباري وتدريبي هو المسؤول عنه مش أي حد تاني، والتقارير دي هتروح لمكتبه هو شخصياً، لأنه هو الوحيد اللي من حقه يقيم شغلي ويقرر إذا كنت نجحت ولا لأ.

كانت كلماتها بمثابة القاضية لكبريائه؛ فقد جردته من سلطته عليها داخل جدران الشركة تماماً كما فعلت في البيت. احتقن وجه يوسف بالغضب، لكنه لم يجد رداً أمام المنطق الذي تتحدث به، فهي تحتمي بقرار والده الذي لا يجرؤ هو على مخالفته.

تركته جيهان واقفاً في منتصف مكتبها يشتعل غيظاً، واتجهت نحو الباب قائلة:

ـ عن إذنك.. ورايا شغل لازم يخلص بدقة، والملف الأخير ده بالذات فيه كلام كتير محتاج يتحكي لعمي.

خرجت جيهان من المكتب بخطوات واثقة، تاركة يوسف يغلي من الغيظ خلفها؛ فهي لم تكتفِ بالنجاح في المهمة، بل جردته من سلطته عليها بذكاء.

بعد أن غادر يوسف مكتب جيهان والغيظ يتآكله من برودها وتجاهلها له، اتجه إلى مكتبه محاولاً استعادة تركيزه في العمل، لكن صورة جيهان الواثقة وهي تضع له الخطوط الحمراء لم تفارق خياله.

أما جيهان، فقد أغلقت باب مكتبها وعادت لفتح الملف اللغز مرة أخرى. لم تكتفِ بمجرد الشك، بل استدعت أحد المهندسين المختصين وسألته بذكاء مهني عن تفاصيل مراجعة هذا المشروع وتدقيق أرقامه.

أجابها المهندس بثقة تامة:

ـ يا بشمهندسة، الملف ده اتراجع بدقة وموافق عليه من المكتب الفني كله، والبشمهندس يوسف بنفسه وقع عليه بعد مراجعة نهائية، والكل أكد إن الحسابات مطابقة للمواصفات.

لم يهدأ بال جيهان، بل شعرت أن هناك فجوة خفية بين الأرقام المثالية على الورق وبين الواقع الذي تفرضه الأرض. شكرت المهندس وقالت في نفسها: 

ـ يوسف مستحيل يوقع شركته في فخ زي ده، أكيد دي حاجة فنية معقدة وقعت من الكل وما حدش أخد باله منها.

أدركت جيهان أنها لن تقطع الشك باليقين إلا إذا رأت التنفيذ بعينها، فتحركت فوراً نحو مكتب تامر، دقت الباب ودخلت لتجده يهمّ بالمغادرة، فقالت له بلهجة جادة:

ـ تامر، أنا محتاجة أروح موقع المشروع ده حالاً. فيه نقطة فنية مش هتتحسم غير لو شوفتها بعيني على أرض الواقع.. تقدر تيجي معايا؟

لم يتردد تامر لحظة، فهو يريد دعمها وإعطاءها الفرصة كاملة، فقال:

ـ طبعاً يا جيهان، يلا بينا.. دي أحسن فرصة عشان تشوفي الشغل على الطبيعة.

وقبل أن تخرج من الشركة، مرت على السكرتيرة وقالت لها بصوت واضح ومسموع:

ـ أنا خارجة مع البشمهندس تامر للموقع، وساعة بالظبط وهكون هنا مرة تانية علشان أسلم التقارير للأستاذ عدنان القاضي.

خرجت جيهان مع تامر، والملف بين يديها كأنه أمانة ثقيلة، تاركة يوسف في مكتبه يظن أنها مجرد مبتدئة تحاول إثبات نفسها، بينما هي في طريقها لاكتشاف خطأ قد يغير موازين القوى في الشركة تماماً.

بينما كانت السيارة تشق طريقها نحو الموقع، لم يغب عن بال جيهان دورها كأم رغم انغماسها في دورها الجديد كمهندسة؛ فأخرجت هاتفها واتصلت بـ سميرة للاطمئنان على بناتها. طمأنتها سميرة قائلة:

ـ متقلقيش يا جيهان، البنات زي الفل وبيلعبوا، ركزي إنتي في شغلك وربنا يوفقك.

أغلقت جيهان الخط وهي تشعر براحة نسبية، وما هي إلا دقائق حتى وصلا إلى أرض الموقع. ترجلت من السيارة وبدأت تشاهد كل شيء بأعين مفتوحة وتركيز حاد، وكأنها تمسح المكان مسحاً شاملاً. كان تامر يسير بجانبها ويتحدث معها، شارحاً بعض تفاصيل التنفيذ، لكن تركيز جيهان كان منصباً على زاوية محددة في التربة وتوزيع الأحمال عند منطقة الأساسات.

فجأة، أخرجت هاتفها وبدأت تلتقط عدة صور زاوية تلو الأخرى، مركزة على تفاصيل تقنية دقيقة في الموقع. تعجب تامر من صمتها الغريب ومن اهتمامها بتصوير نقاط قد تبدو عادية، فسألها بفضول:

ـ في إيه يا جيهان؟ الصور دي لأيه؟ إنتي شوفتي حاجة إحنا مش شايفينها؟

نظرت إليه جيهان بنظرة تحمل مزيجاً من الجدية والقلق، وقالت وهي تضع هاتفها في حقيبتها:

ـ هقولك كل حاجة في الشركة يا تامر.. مفيش وقت نضيعه هنا، لازم نرجع فوراً عشان نلحق ميعادنا مع عمي عدنان. الموضوع ميتأجلش ثانية واحدة.

استشعر تامر من لهجتها أن الأمر خطير، فاستجاب فوراً وتحركا عائدين إلى الشركة، بينما كانت جيهان في طريق العودة تراجع الصور في هاتفها، متأكدة أن ما اكتشفته هو الثغرة التي غفل عنها الجميع، وأن المواجهة في مكتب عدنان القاضي ستكون حاسمة.

❈-❈-❈

في هذه الأثناء، وبينما كانت جيهان وتامر في طريقهما للموقع، كانت هناك عاصفة من نوع آخر تهدأ في مكتب يوسف. فقد وصلت ندى إلى الشركة، ودخلت مكتبه وهي تشعر بحجم الخطأ الذي ارتكبته.

كان يوسف في ذروة غضبه، وكان ينوي فعلاً أن يواجهها بصرامة ويعاقبها على تدخلها الذي تسبب في فوضى المنزل، لكن بمجرد أن رأى دموعها التي بدأت تنهمر، تراجعت حدته وتلاشت رغبته في القسوة عليها. ندى، بذكائها الأنثوي، عرفت كيف تلمس الجانب الضعيف فيه، فاقتربت منه وقالت بصوت متهدج:

ـ يوسف، أنا بجد مكنتش أقصد كل ده، أنا بس كنت خايفة على مصلحتك.. بوعدك إن دي آخر مرة أتدخل في أي حاجة تخصك أو تخص بيتك، مش هكررها تاني أبداً.

تنهد يوسف بعمق، وأشار إليها بالجلوس، ومع الوقت بدأ التوتر يزول من ملامحه. استطاعت ندى، بحديثها الناعم وقدرتها على امتصاص غضبه، أن تأخذه بعيداً عن ضغوط 

جيهان ومشاكل الشركة. وجدا نفسهما غارقين في حديث جانبي خفف عنه الكثير من الثقل الذي كان يشعر به طوال اليوم، حتى بدأ يوسف يستعيد توازنه النفسي بفضل وجودها بجانبه.

لم يكن يوسف يعلم أن هذا الهدوء الذي منحته إياه ندى، هو مجرد استراحة محارب قبل أن تقتحم جيهان الشركة مرة أخرى، حاملة معها صوراً وأدلة قد تقلب موازين استقراره المهني تماماً.


يتبع...


إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة