قراءة رواية ندوب مضيئة
كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ندوب مضيئة
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة يارا علاء الدين
الفصل السابع
تم النشر يوم الأربعاء
14/1/2026
كان البيت غارقًا في صمتٍ ثقيل، لا يقطعه إلا همس المعزّين، ووقع الأقدام على الأرض القديمة التي شهدت أعمارًا كاملة وهي تمرّ عليها دون أن تترك أثرًا ظاهرًا.
ازدحم البيت بأهل الحي، وجوه مألوفة, نساء يجلسن متقابلات، يتبادلن كلمات العزاء بصوتٍ خافت، ورجال يقفون في الخارج، يتناوبون على مصافحة ممدوح بكلماتٍ محفوظة لا تخفف شيئًا.
جلست صباح إلى جوار الحائط، ظهرها مستقيم وملامحها جامدة أكثر مما ينبغي. كانت عيناها تدمعان أحيانًا، لكن دموعها لا تكتمل.
تشعر بالحزن… نعم، لكنه حزن باهت، لا يوجع القلب بقدر ما يذكّرها بأنه واجبٌ عليها.
كان أبي…
قالتها في داخلها، ثم سكتت. لم يكن بينها وبينه ذاك القرب الذي يجعل الفقد طعنة حقيقية. أحبّته، لكنها لم تنكسر.
أما هدى، فكانت على النقيض تمامًا.
عيناها محمرتان، ويداها ترتجفان وهي تمسك بمنديلٍ مبلل بالدموع.
لم تكن تبكي الجد وحده… كانت تبكي الذنب.
كلما تذكّرت الشجار الأخير، الصوت المرتفع، والقرار القاسي, شعرت وكأن قلبها يعتصر.
كان ابنها سببًا، ولو لم يقلها أحد، لكنها كانت تعرف.
بينما مروان وقف عند باب الشقة، ذراعيه معقودتان، وعيناه شاردتان في الفراغ.
لم يكن حزينًا بالقدر الذي توقّعه، ولم يكن قاسيًا كما ظنّ أنه سيكون.
الجد مات… نعم.
لكن صورة أخرى كانت تطفو بإلحاح:
ريم، وهي طفلة، تجلس إلى جوار الجد، يربّت على رأسها، يبتسم لها، يخصّها بنظرة لم ينلها هو يومًا.
كان يفضّلها…
قالها في داخله، دون غِلٍّ هذه المرّة، فقط بحقيقةٍ مؤلمة.
حتى وأنا حفيده الأكبر، كنت دائمًا غير مرئي!
ثم أضاف بمرارةٍ مكتومة:
وكأن فقدان أبيها وأمّها صار حُجّة أبدية.
شدّ فكّه، وتابع حديثه مع نفسه:
ليس ذنبنا أنها يتيمة… وليس ذنبنا أن نُقصى من قلبك.
كنتَ تعاملها كأنك مدين لها بكل شيء، وكأننا لا نشعر، لا نتألم، ولا نستحق الالتفات.
تنهّد بعمق، وعيناه تلمعان بضيقٍ لم يُفصح عنه:
لم يكن هذا عدلًا… ولم أقتنع يومًا بأن الفقد يمنح أحدهم امتيازًا مدى الحياة.
ثم أدار وجهه بعيدًا، كأنّه يهرب من اعترافٍ ثقيل:
ومع ذلك… رحلتَ قبل أن أقول لك كل هذا.
هزّ رأسه كمن يطرد كل تلك الأفكار التي هاجمته, وتمتم:
انتهى الأمر… وانتهى كل شيء مُرّ… القاهرة تنتظرني وحياة أخرى سأعيشها!
أما ممدوح، فكان جالسًا في صدر المكان، يستقبل العزاء بوجهٍ ساكن لا يعبّر عن شيء.
لكن داخله لم يكن ساكنًا على الإطلاق.
كانت الذكريات تتدافع بلا استئذان:
يرى نفسه واقفًا أمام أبيه، يُوبَّخ، يُقارَن، ويُوضع دائمًا في الكفّة الأخف.
كنتَ تراني متهورًا…
قالها في داخله بمرارة.
غير منضبط، لا أسمع الكلام، لا أجيد الدراسة، لا أُشبه صورتك عن الابن الذي تفخر به.
أغمض عينيه لحظة، وظهرت صورة جمال بوضوح:
هادئ، متفوّق، الأوّل دائمًا، يعرف متى يتكلم ومتى يصمت.
كنتَ لا ترى سواه. ترى فيه الاحترام الذي تحبّه، والطاعة التي تأسرك، والنجاح الذي يُرضيك.
فتح عينيه ببطء، وصوته الداخلي ازداد ثقلًا:
ربما لم تكن تكرهني… لكنك لم تعرف كيف تحبّني.
أحببت من يُشبهك، وما كنتُ يومًا إيّاه.
ثم تمتم، دون أن يسمعه أحد:
- أنت السبب يا حاج… السبب في أنني لا أعرف كيف أحزن عليك اليوم.
لم يكن في صوته حزن… بل غلٌ قديم، لم يُشفَ يومًا.
في غرفتها بعيدًا عن العزاء، كانت ريم وحدها.
جلست وظهرها إلى السرير، وقد ضمّت ركبتيها إلى صدرها.
بين يديها صورة قديمة… أمّها تبتسم، وأبوها يقف إلى جوارها، وملامح الحياة كانت كاملة.
مرّرت أصابعها على الصورة، وكأنها تتحسس وجودهما.
ثم انكسر صوتها:
تركتوني وحدي!
ساد الصمت قبل أن تقول:
ورحل هو الآن ليتركني كما تركتموني!
ارتجف جسدها، وسقطت دموعها بلا مقاومة.
كيف سأعيش الآن؟
رفعت الصورة أمام عينيها، وقالت بصوتٍ مبحوح:
أو لماذا سأعيش من الأساس؟
كان اليأس قد بلغ ذروته، كبحرٍ لا شاطئ له.
وفي تلك الغرفة الصغيرة، كانت ريم وحيدة تمامًا…
كأن كل الندوب التي حاولت الحياة أن تخفيها، قرّرت أخيرًا أن تنزف دفعةً واحدة.
❈-❈-❈
2-
كانت أنوار المستشفى البيضاء تملأ الممر الطويل ببرودٍ قاسٍ، تنعكس على الجدران المعدنية، وتزيد من حدة الفوضى المعتادة في قسم الطوارئ؛ وقع أقدامٍ متسارعة، صريرالعجلات المعدنية، وحركة سريعة لا تهدأ من طاقم التمريض.
وسط هذا الاضطراب، اقتحم شاب المكان بأنفاسٍ متقطعة، وجهه شاحب، وعيناه تدوران في ذعرٍ واضح. كان يصرخ بصوتٍ متحشرج، كأن الكلمات تسبقه:
- حادث! فتاة صدمتها سيارة… النزيف لا يتوقف، أريد طبيبًا الآن!
تقدّمت ممرضة نحوه على الفور، أشارت للطبيب المناوب، الذي لم يتردد لحظة:
-أدخلوها فورًا.
عندها فقط، دُفعت النقالة إلى الداخل.
كانت الفتاة مسجّاة بلا حراك، جسدها ساكن كأن الحياة انسحبت منه مؤقتًا، والدم يسيل من جبهتها كنهرٍ صغير خرج عن مساره، يلطّخ وجهها الشاحب.
توقّف الشاب جانبًا، كفّاه المبللتان بالعرق والدماء ترتجفان، يراقب المشهد بذهولٍ ثقيل، عاجزًا عن فعل أي شيء… سوى الانتظار.
داخل غرفة العمليات....
همست الممرضة للطبيب بعد أن رأت وجهها وملابسها:
لا أظنّ أنها من العامة... مظهرها أنيق جدًا يوحي بأنها من عائلة مرموقة.
رد الطبيب وهو يركّز في الشاشة:
نحتاج بطاقتها أو هاتفها لنُبلّغ أحدًا من أهلها.
بحثت الممرضة في حقيبتها، وأخرجت هاتفًا محمولًا. كان مُغلقًا بكلمة مرور, لكن شاشة القفل أظهرت شيئًا لافتًا:
خمس مكالمات فائتة من شخص واحد!!
كان آسر يتنقل في غرفته كمن يحمل قلقًا غامضًا، لا يعرف كنهه،
يتأمل هاتفه، ثم يعاود الاتصال حتى فُتحت المكالمة أخيرًا فقال:
ديما، أين أنتِ؟! لمَ تأخرتِ هكذا؟
أتاه الرد... لكن الصوت الذي جاءه هذه المرة، لم يكن صوت أخته.
قالت ممرضة بصوت رسمي:
من فضلك, هل تعرف صاحبة الهاتف؟
نعم... من أنتِ ؟ وأين ديما؟
أنا من مستشفى.... الفتاة نُقلت إلينا قبل قليل إثر حادث سير. الحالة حرجة، وهي في غرفة العمليات الآن. لا تتأخر من فضلك.
شعر آسر وكأن الزمن توقف.
جفّ حلقه.
لم ينطق، فقط أغلق الهاتف، وسقط على الأريكة
نظرت إليه سناء التي كانت تجلس بجواره بريبة:
آسر ما بك؟ أين أختك؟
ظلّ صامتًا للحظة، يحاول لملمة كلماته. لا يريد أن ينهار أمامها.
رفع رأسه، وصوته خافت، متماسك ظاهريًا... هشّ من الداخل:
– لا تقلقي... حادث بسيط... هيا لنذهب لها.
لكن نظرة عينيه كانت تخون كلماته...
عينان مليئتان بالخوف، والصدمة... وشيء من الانكسار.
في المستشفى – أمام غرفة العمليات:
جلس آسر على طرف المقعد، وعيناه لا تفارقان الباب
كل دقيقة تمرّ كأنها عام كامل.
سناء، التي كانت تراقبه بعينين دامعتين، لم تعد تتحمّل هذا الصمت:
لم كل هذا التأخير؟ هل أخبروك ماذا حدث؟ أجبني أرجوك يا بني؟
لم يلتفت، لم يحرك رأسه حتى.
لكن صوته خرج متعبًا، مبحوحًا، يحمل ثقلًا لا يُحتمل:
قالوا فقط حادث... لم يقولوا أكثر. لعله خيرًا يا أمي. لاتقلقي ستكون بخير.
مرت ساعة.
ثم أخرى.
كان آسر قد نهض أكثر من مرة، يسير خطوات، ثم يعود ليجلس في المكان ذاته، في تلك اللحظة, اقترب منه شاب ملامحه مرهقة، وملابسه تحمل آثار ارتباك واضح. يفرك كفيه ببعضهما كأنه يحاول مسح بقايا الصدمة عنهما, قال بتردد:
-أنت.. السيد آسر؟ شقيقُ الآنسة التي أُصيبت في الحادث؟
رفع آسر رأسه، كانت عيناه غائمتين بقلقٍ لم يفلح في مداراته:
-نعم، أنا هو.
-أنا أحمد.. نقلتها بسيارتي إلى هنا .
انتصب آسر واقفاً، وكأن الكلمة هزّت ثباته:
-ماذا حدث؟ أخبرني، كيف سقطت؟ ومن فعل ذلك؟
تنهد أحمد وقال:
الحقيقة أنني لم أصل إلا في اللحظة التي كان فيها كل شيء ينتهي. رأيتُ شاباً ينحني فوقها، بدا وكأنه يهمّ بنجدتها أو نقلها، لكنه ما إن رآني أقترب حتى تملكه ذعرٌ مفاجئ. انتفض من مكانه، وألقى نظرة أخيرة عليها ثم انطلق لسيارته وفرّ بها قبل أن أتبين ملامحه أو أتمكن من إيقافه.
صمت قليلاً، ثم تابع بمرارة:
وقفتُ في مكاني للحظة، ممزقاً بين الرغبة في ملاحقته وبين انقاذها, لكنني آثرتُ أن أكون معها وهو لن يفلت بفعلته بالتأكيد.
تمتم آسر بامتنانٍ:
شكراً لك.. لولا ستر الله ثم وجودك في تلك اللحظة, لا ندري ماذا كان سيحدث!
أومأ أحمد بأسفٍ صامت وهو يقول:
لم أفعل سوى الواجب, استأذنك. ثم تراجع مبتعدًا بهدوء.
في تلك اللحظة شقّ يحيى ممر المستشفى، كانت ملامحه فزعة, صوته المتهدج يسبقه:
آسر! أين ديما؟ أخبرني أنها بخير!
رد آسر بنبرة مشدودة كوتر يوشك على الانقطاع:
لا نعلم يا يحيى.. لم يخرج الطبيب بعد, مازلنا ننتظر!
بعد دقائق، انفتح الباب المعدني وخرج الطبيب يزيل كمامته، فالتفوا حوله كغارقين يبحثون عن النجاة:
كيف حالها يا دكتور؟ سأله آسر بلهفة.
رد الطبيب بهدوء:
نجحنا في وقف النزيف الداخلي. حالتها الآن مستقرة من حيث المؤشرات الحيوية، لكنها… فقدت وعيها كليًا. ستحتاج للراحة والمراقبة الدقيقة.
اندفعت سناء بلهفة الأمومة التي لا تعرف الصبر:
متى ستفيق يا دكتور بالله عليك؟
-ربما خلال ساعات... أو صباح الغد.
ثم أضاف:
الضربة كانت في الجانب الأيسر من الرأس، وهي منطقة حساسة جداً، ولا يمكننا الآن التنبؤ بمدى عمق الأثر الذي تركته تلك الصدمة.
تقدم يحيى خطوة، وصوته يرتجف بسؤالٍ يخشى إجابته:
- هل ستكون بخير حقاً؟
نظر الطبيب إليهم بنظرة تمزج بين الأمل والتحذير المهني:
-نحن فعلنا ما في وسعنا, والوقت هو الحكم الوحيد.
ثم استـأذن منهم وانصرف.
بعدها, أُدخلت ديما إلى غرفة العناية المركّزة، وقفت والدتها بجوارها، وعيناها دامعتان. ثم جلس آسر قربها، ولم يقل شيئًا.
كانت أصابعه مشدودة، ينتظر أن تفتح عينيها، ليطمئن عليها!
بينما يحيى فتح مصحفه على هاتفه الجوال, وأخذ يقرأ منه لعله يهدأ ولو قليلًا, فقلبه يخبره أن القادم أسوأ!
❈-❈-❈-
3-
مرّ أسبوع على وفاة الجدّ، وحان وقت الرحيل. لكن البيت لم يتعلم بعد كيف يخلو من صوته.
الصباح جاء باهتًا، ثقيلًا، كأنّه يعرف أنّه شاهد على نهاية لا رجعة فيها.
وقفت ريم عند باب غرفتها، ترتدي عباءة سوداء وحجابًا من النوع نفسه، تمسح بيدها على طرف الباب كأنها تودّ لو تأخذه معها.
في عينيها حزنٌ لا يصدر صوتًا، لكنه يُثقل الهواء من حولها.
بجوارها حقيبتها التي جمعت فيها كل ماتبقى لها.
غادر ممدوح الشقة، وهو يحمل حقيبته ويقول بصوتٍ عمليٍّ خالٍ من العاطفة:
- المحامي وصاحب البيت الجديد سيصلا خلال دقائق... لا أريد تأخيرًا.
خرجت صباح خلفه تحمل حقيبتها، ثم لحقتها هدى بصمتٍ مطبق. أما مروان، فكان يسير بخفة وفرحٍ لايتناسبان مع من حوله وهو يتمتم:
-أخيرًا سنعيش في القاهرة!
نظرت إليه ريم، وكانت آخر الراحلين, ثم أعادت بصرها إلى الباب خلفها. لم يكن بابًا فقط... كان ظِلّ جدّها الراحل هناك!
مدّت يدها ولمسته لمسة خفيفة، كأنها تقول له:
سامحني، لم أستطع أن أمنعهم، ولم أملك شيئًا!
ارتفعت زمجرة السيارة الصغيرة أمام المنزل, بينما تكدست العائلة في جوفها الضيق، استعداداً للرحيل..
في تلك اللحظة, وقفت سيارة سوداء فارهة نزل منها رجل أنيق، مظهره يوحي بالثراء, حذاء لامع، وساعة ثمينة في معصمه, وهدوء من اعتاد إتمام الأمور بسرعة.
نزل المحامي خلفه مباشرة، وتقدّم خطوة نحو ممدوح وهو يحيّيه باقتضاب.
أخرج ممدوح المفتاح من جيبه، ثم ناوله للمحامي مبتسمًا:
في وقتك تمامًا, ها هو المفتاح تفضل.
وقّع الرجل على ورقة الاستلام، توقيعًا سريعًا بلا تردّد، ثم مدّ يده فأخذ المفتاح, ونظر إلى البيت نظرة خبير، كمن يرى في الجدران ما لا يراه أصحابها؛ فرصة جاهزة، ومكانًا يعرف قيمته جيدًا.
استأذن منهم ممدوح وهو يلوح بيده قبل أن يركب السيارة وينطلق إلى القاهرة.
كانت ريم تجلس قرب النافذة، دموعها تتساقط في صمت، لا تمسحها، ولا تخفيها، فقط تتركها تكتب على خدّها مرثيّة الرحيل.
في القاهرة:
كان البيت الجديد في شارع ضيّق بحيّ متوسّط، لا هو شعبيّ تمامًا، ولا هو راقٍ بما يكفي . العمارة باهتة اللون، مدخلها ضيّق، والسلالم تئنّ تحت أقدام السكان.
فتح ممدوح الباب بمفتاحٍ جديد، وقال وهو يبتسم:
- هذه هي الشقة... أربع غرف، وصالة صغيرة، ومطبخ يفي بالغرض. أليست مناسبة؟
دخلت صباح وهي تمسح الغبار عن الطاولة الصغيرة :
- البيت يبدو بسيطًا ، لكن لا تقلق.. بلمساتنا سنبعث فيه الروح ونرتبه كما نحب.
أما مروان، فألقى بنفسه على الكرسي ، وقال مبتهجًا:
-طعام متنوع، مقاهٍ لا تنام، أماكن كثيرة للتنزه, هذه هي الحياة التي كنت أنتظرها!
لكن ريم كانت لا تزال متسمرة عند العتبة، كأن قدميها ترفضان ملامسة أرضٍ لا تعرفانها. حقيبتها إلى جانبها، وقلبها هناك.. عالقٌ فوق عتبة بيتٍ قديم رفض أن يرحل معها.
نظرت إلى الزاوية، إلى النوافذ، إلى ضيق الجدران... ثم تمتمت في داخلها:
هذا ليس بيتًا... بل غربة لها جدران!
قطعت صمتها هدى وهي تقترب منها ,ثم وضعت يدها على كتفها وسحبتها برفق قائلة:
-تعالي يا ريم.. سأريكِ غرفتكِ.
دخلتا الغرفة، فأغلقت هدى الباب خلفهما، وهمست بصوتٍ دافئ يفيض بالحنان:
أعلمُ يا حبيبتي أن قلبكِ لا يزال معلقاً ببيتنا القديم، وأن هذا الجدران تبدو لكِ غريبة.. لكن صدقيني، لا أحد يعلم أين يخبئ الله لنا الخير. ربما تكون هذه الجدران شاهدةً على أجمل أيامكِ.
ثم ربتت على يدها بقوة مشجعة وأضافت:
هيا يا حبيبتي، بدلي ملابسكِ.. وساعديني في ترتيب الشقة وتجهيزها، لنصنع لنا هنا وطناً جديداً.
أومأت برأسها كأنها تخشى إن تحدثت أن ينفرط عقد دموعها أمامها. انتظرت حتى استدارت هدى وأغلقت الباب خلفها، لتجد نفسها وجهاً لوجه مع هذه الجدران الغريبة.
استندت بظهرها إلى الباب، وأغمضت عينيها بشدة، محاولةً استحضار رائحة بيتها القديم. ثم فتحت عينيها ببطء، وجالت بنظرها في أرجاء الغرفة التي بدت لها ضيقة وموحشة، ثم همست لنفسها بمرارة:
كيف لي أن أسمي هذا الفراغ وطناً؟
سارت بخطوات مترددة نحو النافذة، أزاحت الستارة المتربة لتجد منظراً مغايراً تماماً لما ألفته؛ لا أشجار تعرفها، ولا أفقاً واسعاً يمنحها السكينة،
لا بحر يمتد كمرآةٍ زرقاء ليس لها نهاية، ولا رائحة اليود الممتزجة بنسيم الفجر, فقط واجهات إسمنتية متلاصقة وأصوات غريبة لمدينة لا تهدأ.
مدت يدها إلى حقيبتها، لمست أطراف ثيابها المرتبة بداخلها، وشعرت بأنها ليست مجرد ثياب، بل هي بقايا حياة انتُزعت من جذورها لتُغرس في أرض لا تشبهها!
❈-❈-❈
4-
كان الممرّ الخارجي للمستشفى أقلّ ضجيجًا من الداخل، هواء المساء يتسلّل بخفّة، خرج آسر من الباب الزجاجي بخطوات بطيئة، يتقدّمه صمتٌ ثقيل لم يفارقه منذ دخوله المستشفى، بينما كانت لميس تسير إلى جواره، تمسك بيدها لفافة ورقية أنيقة تحمل شعار أحد المطاعم الشهيرة.
قالت وهي تشير إلى المقاعد الحجرية القريبة:
- تعالَ، نجلس هنا قليلًا.
جلس آسر، وأسند ظهره إلى المقعد، وأخرج زفيرًا طويلًا كأنه كان يحتجزه منذ ساعات. جلست لميس بجواره، وفتحت اللفافة، ثم أخرجت علبًا صغيرة مرتّبة بعناية.
قالت بنبرة حاولت أن تبدو عادية:
- أنت بالتأكيد نسيت أن تأكل وسط هذه الفوضى.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال بصوت منخفض:
- لا أشعر برغبة في الطعام.
توقّفت لحظة، ثم ناولته إحدى العلب، وقالت بإصرار هادئ:
- يجب أن تأكل، يا آسر. لا يمكنك أن تبقى واقفًا إلى جوارهم وأنت منهك إلى هذا الحد.
نظر إلى العلبة، ثم إليها. وفي داخله شيء دافئ تحرّك، فرحٌ خجول لم يسمح له بالظهور، لكنه شعر به بوضوح. لم يكن الطعام ما لفت انتباهه، بل كونها فكّرت فيه، وسط كل هذا.
وقبل أن يعلّق، جاء صوت مألوف من خلفهما:
-هل هذا وقت طعام فعلًا؟ لماذا أتعبتِ نفسكِ يالميس بالمجيء؟
التفت آسر، فرأى يحيى يقترب بخطوات بطيئة.
رفعت لميس رأسها إليه بثبات، وقالت بهدوء واضح:
- نعم وقته، لأنكم إن لم تأكلوا، فلن تستطيعوا الاستمرار.
تردّد يحيى لحظة، ثم قال بنبرة ساخرة خفيفة:
- لكنني لا أرى طعامًا لي… ولا لوالدتي.
تغيّر لون وجه لميس قليلًا، وشعرت بالحرج يتسلّل إليها، فقالت بسرعة:
- طلبتُ بالفعل، وسيصل بعد قليل.
هزّ يحيى رأسه، وقال وهو يخطو خطوة إلى الخلف:
- لا، شكرًا. لا أستطيع أن أتناول شيئًا قبل أن أطمئن على أختي.
ثم نظر إلى آسر نظرة سريعة، وأضاف بنبرة أقلّ حدّة:
والدتك بانتظارك في الأعلى، لا تتأخر عليها.
وعاد ببصره إلى لميس، وقال وكأنه يقرأ ما لا يُقاَل:
- لا تتأخري، فآسر لن يستطيع أن يوصلكِ، وستضطرين للعودة وحدكِ.
فهمت لميس، في تلك اللحظة، أنه كان مدركًا لما حاولت ترتيبه بصمت.
لم تُجادل، ولم تُجب.
اكتفت بنظرة قصيرة، ثم أشاحت بوجهها، وكان الصمت هو ردها الوحيد.
استداريحيى، ومضى عائدًا إلى داخل المستشفى، تاركًا خلفه صمتًا قصيرًا.
ضغطت لميس على أصابعها بتوتر، بينما نظر آسر في أثر أخيه، ثم قال بهدوء:
-يحيى لا يعرف كيف يُخفي قلقه.
رفعت عينيها إليه، وابتسمت ابتسامة خافتة، ثم أعادت تقديم العلبة:
-أعرف, والآن جرّب أن تأكل قليلًا.
تردّد ثانية، ثم أخذها منها أخيرًا.
لم يكن الطعام ما أعاد إليه شيئًا من قوّته، بل ذلك الشعور الصغير، الدافئ، بأنه ليس وحده تمامًا
❈-❈-❈
5-
بعد ساعات طويلة..
في هدأة الليل، وبين أجهزة تئن برتابة، حرّكت ديما أصابعها لأول مرة.
رفّت أجفانها ببطء، كمن يخرج من بحرٍ عميق نحو السطح.
بدأ وعيها يعود، لكن شيئًا ما ظلّ غائبًا.
كلّ شيءٍ من حولها… ساكن، صامت… وظلام كثيف لا يُحتمل.
مدّت يدها ببطء تتحسّس وجهها،
ثم همست بصوتٍ خافت متقطّع:
أين أنا؟
قفزت سناء من مكانها، واقتربت مسرعة، قلبها يكاد يخرج من صدرها:
ديما! حبيبتي… الحمد لله، أنا هنا بجوارك!
لكن ملامح ديما لم تهدأ، بل ازدادت اضطرابًا.
أدارت رأسها يمنة ويسرة، وجهها متوتر، نظراتها شاردة.
أمي… لِمَ أسمعك ولا أراكِ؟ ما الذي يحدث؟
سكتت سناء، تردّدت، تبادلت نظرة قلقة مع آسر.
فاقترب آسر ببطء، وصوته يحاول أن يخبّئ ارتجاف قلبه:
ديما، افتحي عينيكِ جيدًا… نحن هنا، بجانبك.
هزّت رأسها بانفعال، وارتفع صوتها وهي تلهث:
أنا فتحتُهما! والله فتحتُهما! ولكن… لا أرى شيئًا! لا أشعر بالضوء, لا أشعربشيء… سوى الظلام!
بدأت دموعها تنساب، صوتها يرتجف من الخوف:
ما الذي يجري؟! لِمَ كلّ شيءٍ معتم؟!
اقترب منها آسر وأمسك يدها ليطمئنها، بينما سناء تضع يدها على فمها وقد بدأت الدموع تملأ عينيها، عاجزة عن النطق.
وفي الخلفية، كان يحيى واقفًا عند الباب،
يُراقب المشهد بصمتٍ مؤلم، يعرف أن ما ينتظرهم… أثقل من أن يُقال الآن.
***
مرّت دقائق طويلة وكأنها ساعات، حتى سمع آسر صوت خطوات تقترب من خلفه، فاستدار.
كان الطبيب يقف عند الباب، ثم تقدم نحوها, والتفّ الجميع حوله في صمتٍ مشدود.
أضاء مصباح الفحص، وانحنى قليلًا ليكون في مستوى عينيها، ثم قال بنبرة هادئة مطمئنة:
- لا تقلقي… هذا أمر طبيعي بعد الحوادث القوية، فقط حاولي أن تفتحي عينيكِ بهدوء.
مرّر الضوء ببطء أمام عينيها، راقب حركة الحدقتين بدقّة، ثم أعاد الفحص مرة أخرى، وهو يتحدّث بنبرة مدروسة كأنه يزرع الطمأنينة عمدًا:
-أحيانًا يتأخّر الإبصار قليلًا، ويعود تدريجيًا… الجسد يحتاج وقتًا، لا أكثر.
قالت سناء بصوتٍ مرتجف، تحاول التمسّك بكلماته:
- يعني… سترى من جديد، أليس كذلك يا دكتور؟
ابتسم الطبيب ابتسامة خفيفة، لا تنفي ولا تؤكّد، وقال:
- إن شاء الله، الأمور ما زالت في بدايتها.
ثم عاد يسألها بهدوء:
- هل ترين الضوء الآن؟
- هل تشعرين بشيء؟
كانت الإجابة في كل مرة هي لا.
ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.
كان آسر يحدّق في وجهها، يبحث عن أي إشارة، أي حركة تُنقذه من هذا الواقع القاسي.
أما يحيى، فكان يراقب أدقّ التفاصيل؛ زاوية المصباح، ثبات العينين، تكرار الفحص…
وكان في داخله إدراك صامت بأن ماشعر به على وشك أن يحدث!
أغلق الطبيب المصباح أخيرًا، وسجّل ملاحظاته بصمت، ثم استقام واقفًا.
التقت عيناه بعيني يحيى لثوانٍ قصيرة…
نظرة واحدة كانت كافية.
ثم قال الطبيب بصوت هادئ:
-سآتي مرة أخرى لأطمئن عليكِ, الحمدلله على سلامتكِ.
لحقه يحيى إلى ممرٍ جانبي، ثم إلى المكتب الخاص بالطبيب، حيث أُغلق الباب خلفهما بهدوء.
جلس الطبيب على الكرسي، وأسند مرفقيه إلى المكتب، ثم قال بنبرة جادّة:
— أريد أن أكون صريحًا معك يا سيد يحيى. النزيف الدماغي توقف، وهذا أمر مبشّر،
لكن… الضرر الذي أصاب العصب البصري لا يُمكن تحديد مداه حتى الآن.
حدّق فيه يحيى بقلق:
- وماذا يعني ذلك؟
أجاب الطبيب بهدوء:
- حتى هذه اللحظة، لا توجد استجابة من العينين.
نحن سنراقب الحالة كل عدة ساعات، لكن المؤشرات الأولية لا توحي بتحسّن سريع.
صمت يحيى ، يحاول أن يتمسك بأي أمل، ثم سأله:
-هل يعني ذلك أنها… ربما لا ترى مجددًا؟
تنهد الطبيب:
- لا يمكننا التأكيد ولا النفي الآن, لكن إن لم يُسجَّل أي تحسّن خلال الأيام القادمة، فقد نضطر للنظر في خيار جراحي دقيق جدًا، يُقرّره فريق الأعصاب والعيون معًا.
خفض يحيى عينيه للحظة، ثم سأله:
- وما فرص نجاح ذلك؟
- محدودة… لكنها موجودة.
ما نحتاجه الآن هو الصبر، والدعاء… والأمل.
أومأ يحيى بصمت، وكأنه يوقّع داخليًا على اتفاقٍ مجهول..
كان يعلم أن بعض الإجابات… أقسى من أن تُقال.
وقف بهدوء، شكر الطبيب، ثم غادر المكتب بخطوات بطيئة.
في الطريق إلى الغرفة، مرّ بممرضات، بأجهزة، بوجوه لا يعرفها…
لكن كل شيء بدا ضبابيًا.كأن العالم نفسه فقد الوضوح.
وحين وقف أمام بابها، تردّد للحظة.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة مصطنعة، تخفي ما في داخله. وفتح الباب!
ففي أحيان كثيرة…
نبتسم لنُطمئن من نُحب، بينما نحن من نحتاج الطمأنينة.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة يارا علاء الدين، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

روعه