-->

رواية جديدة ذكريات ضائعة لعلا السعدني - الفصل 22 - الأربعاء 14/1/2026


قراءة رواية ذكريات ضائعة كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية  ذكريات ضائعة

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة علا السعدني 

الفصل الثاني والعشرون

تم النشر الأربعاء 

14/1/2026



وقف أمام كورنيش النيل، يحدّق في صفحة الماء الممتدة أمامه، في محاولةٍ منه ليستنشق الهواء النقي، علّه ينقّي أفكاره الثائرة بلا توقف ..


كانت رأسه ممتلئة بالكثير من الأفكار التي تتصادم داخل عقله، نسمة هواء باردة مرّت على وجهه، خففت قليلًا من توتر أعصابه، حاول أن يبعد كل تلك الهواجس التي بداخله يستمع فقط لصوت الماء المتحرك على مهل ..


أغمض عينيه لثوانٍ، محاولًا أن يلتقط أنفاسه، لكن كلما هدأ يتذكر وجود الملفات بتلك الفلاشة من أين حصل عليها؟!


لم يواجهة (رؤوف)، فأيّ كلمة كان سينطق بها ستكون كذبًا، وأيّ تبرير سيقدّمه له من الأساس؟! 


 كل ما فعله أنه مدّ يده المرتجفة، ومحا صورة زوجته من على الحاسوب المتنقل، ثم نهض وغادر المكتب دون أن يُكمل عمله، دون حتى أن يحدثه بأي كلمة ..


قاد سيارته شاردًا، اتصل بزوجته، أخبرها بصوت حاول أن يجعله طبيعيًا أنه لن يستطيع المجيء لأخذها اليوم، أغلق الهاتف سريعًا، قبل أن تخونه نبرة صوته ويظهر ضعفه أو حزنه، لا يعلم بعد إن كان ما يدور في رأسه حقيقة أم مجرد فوضى شكّ ..


في حين من الجهة الأخرى داخل المكتب، بدأ القلق ينهش (رؤوف) طريقة انصراف (حازم) لم تكن طبيعية أبدًا، تقدّم نحو الحاسوب بخطوات متوترة، وما إن وقعت عيناه على الشاشة حتى أدرك الكارثة، أنه وضع الفلاشة الخاصة به، كان عليه وضعها في درج المكتب ولكن لو فعل لكان كُشف أمره أيضًا ..


لعن نفسه مرارًا، ومرّر يده بعنف بين خصلات شعره، محاولًا استيعاب ما حدث، كان قلبه يخفق بتسارع، وعقله يفكر في كل الاتجاهات، يعرف تهوّر ابن خالته ..


أمسك هاتفه، وكتب رسالة قصيرة، حادّة، تحمل نبرة تهديد، ثم أرسلها

(إيّاك تمسّ شعرة منها)


في تلك اللحظة، كان (حازم) واقفًا أمام النيل، يسترجع كل ما مرّ به في الفترة الأخيرة كيف وثق بهذه السرعة؟

كيف تزوّج دون أن يتحرّى أكثر؟

كان يجلد نفسه بلا رحمة، ويعيد ترتيب التفاصيل واحدة تلو الأخرى، خصوصًا تلك العلاقة التي بينها وبين (رؤوف)، فقد عملوا سويًا العديد من المرات ..


هل كانت تعمل لصالحه طوال تلك المدة؟

هل كانت الخطة أن تقترب منه، كي تجمع المعلومات، أو تتجسس عليه؟

وهل كان هو الساذج الذي نفّذ لهم كل ما خططوا له؟


أفكار متشابكة هاجمته، لم يستطع تخيّل أن (نغم) لها وجه آخر غير الذي عرفه، غير تلك التي أحبها واطمأن إليها، ووثق بها، حاول أن يهدّئ ثورته، أن يستمع إلى صوت النيل، إلى هدوئه كي يستمد الهدوء منه، لكن هذه المرة، حتى الماء عجز عن إسكات الضجيج داخله، استمع لصوت هاتفه، ينبئه عن وجود رسالة، فتح الرسالة فورًا، ما إن قرأ الكلمات حتى اجتاحه غضب كثيف، خانق، حينها فقط اتخذ قراره، سيعود إلى المنزل وليحدث ما يحدث ..


ربما لن تقول الحقيقة، لكن لن يريحه سوا المواجهة، مهما كانت قاسية، أصبحت حتمية ..


عاد إلى المنزل في المساء، مضطرب الخَطْا، غير عابئ باتصالات زوجته المتكررة ولا بقلقها، لم يكن راغبًا في الحديث، ولا قادرًا عليه، الصدمة كانت كبرى عليه، ما إن همّ بفتح الباب، حتى وجدها أمامه، ترتدي ملابسها، وكأنها كانت على وشك الخروج، رفعت حاجبيها بدهشة، وقالت بلهفة

- (حازم)! .. افتكرتك بجد بقيت (إيمحور)، وكنت رايحة المكتب! كلمتك كتير ومش بترد حتى (وائل) قالي مشافكش من الصبح!


لم يعلّق، أغلق الباب خلفه بهدوء، ودلف إلى الداخل دون أن ينظر إليها، اتسعت عيناها دهشة، ولحقت به بخطوات سريعة

- (حازم)؟! .. في إيه؟ مالك؟ شكلك مش طبيعي!


مدّت يدها تمسك بذراعه، لتجعله يستدير وينظر إليها، لكنه سحب يده فجأة، كأن لسعة عقرب أصابته، تجمّدت في مكانها، وارتبك وجهها من فعلته، جلس على أقرب أريكة في بهو المنزل، كان ظهره منحنٍ، وملامحه عابسة، اقتربت وجلست بجواره، كي تفهم ما يحدث معه

- (حازم) متقلقنيش .. في حاجة حصلت؟ في حاجة ضايقتك؟ عرفت حاجة بخصوص شغلك؟


أضيقَت عيناه، هذا هو لبّ الأمر، وهذا ما يدور في رأسه منذ ساعات، دومًا ما تهتم بعمله أكثر مما هو يهتم هل هذا لصالحه ام لصالح ابن خالته؟!


زفر بضيق، تعلمون أن احيانًا نريد أن نتحدث مع الشخص الذي نثق به بقلوبنا حتى لو كان عقلنا يحذرنا آلاف المرات من فعلها، فقال بصوت منخفض

- كنت في الشغل .. ودخلت مكتب (رؤوف) بالصدفة،

شغّلت فلاشة تخصّه


توقف، ليراقب ملامحها، لغة جسدها، يبحث عن اعترافها بعينيها قبل لسانها، لكنها كانت تنظر إليه بعدم فهم، تابع، وصوته يزداد حدّة

- لقيت ملفات الوورد اللي بتكتبيها ليّا .. المعلومات الخاصة بـ (إيمحور) .. كلها عنده على اللابتوب، وكمان .. لقيت صورة ليكي عنده بشعرك


اتسعت عيناها، وحدّقت فيه كأنها لم تفهم حرفًا، خرج صوتها تلقائيًا، مشوشًا

- إيه؟! .. هو .. هو جاب الحاجات دي منين؟


ابتسم (حازم) بسخرية مريرة، وقال بنبرة لاذعة

- تفتكري جابها منين؟ .. أكيد يعني أنا مش هبعتهاله بنفسي .. مين غيري أنا وإنتِ معاه الملفات دي؟


تراجعت خطوة إلى الخلف، وكأن الاتهام دفع جسدها للخلف، امتلأتا عيناها بالذهول وقالت دون وعي

- إنت .. إنت بتتهمني؟ يعني بتقول إني شغّالة مع (رؤوف)؟!


اشتد صوته، وانفلت ما كان يخفيه

- أنا وثقت فيكي .. مش عارف! .. ومش فاهم إزاي مفكرتش ولا مرة إن (رؤوف) ممكن يكون زقّك عليّا من الأول! .. مخي هيتشل


نهضت فجأة، ارتفع صوتها، اهتزّت ملامحها 

- إنت بتقول إيييه يا (حازم)؟! .. بعد كل ده بتشك فيّا؟!ا


فقد أعصابه، ونهض هو الآخر، وصاح

- طب قوليلي! .. قوليلي الملفات دي وصلتله إزاي؟!

وصورتك عنده بتعمل إيه؟! .. انا حريص جدًا على حاجتي في الشغل ولا يمكن يمس حاجة من مكتبي


ترقرقت الدموع في عينيها، وانكسر صوتها

- لا .. إنت مجنون رسمي، وأنا مش هقعد معاك لحظة واحدة كمان، إنت أكيد مش طبيعي .. إزاي تفكر فيّا كده؟! .. بعد كل اللي عملته معاك


ابتسم بسخرية قاسية، وقال وهو يلوّح بهاتفه

- تخيلي باعت يقولي ايه؟! باعت يهددني عشان مأذكيش .. بعتلي رسالة بيقولي .. إيّاك تمسّ شعرة منها .. خايف عليكي مني؟!


لم تحتمل، كلماته كانت أشد قسوة من أن تحتملها، فقالت بصوت مرتجف، لكنه حاسم

- أنا اللي غلطانة .. غلطانة إني استحملت حاجات مفيش واحدة عاقلة تستحملها، بس كفاية .. خليك كده .. لوحدك، ولما تفوق من اللي إنت فيه، وتعرف الحقيقة، مش هكون جنبك .. ولا هرجعلك


ثم استدارت، واتجهت نحو باب المنزل بخطوات سريعة، وقلبها يرتجف من هول ما سمعت، أغلقت الباب خلفها، وتركت افكاره تنهار فوق رأسه، فقد السيطرة، ركل المنضدة بقدمه، فتحطم زجاجها متناثرًا على الأرض، وقف وسط الشظايا، صدره يعلو ويهبط بعنف، يحاول إيجاد تفسير .. أي تفسير .. يعلم أن (رؤوف) يستطيع فعل أي شئ ولكن هل عليه الثقة بها أيضًا بعد كل ما رأه!!


سيظل أضحوكة بينهم؟! لو انها تعمل لصالح ابن خالته حقًا ..

❈-❈-❈


ذهبت إلى منزل والدتها، وقد استوطن الحزن قلبها، كيف له أن يتحدث معها وكأنها خائنة وتخدعه منذ البداية؟

هي التي وقفت بجانبه منذ ان وقعت عيناها عليه، ولم تشك في حديثه لحظة واحدة، بل شعرت بالشفقة عليه، وهي التي آثرتْه على نفسها ..


لم تُخبر والدتها شيئًا، خوفًا على صحتها، أخبرتها فقط أنه مجرد خلاف وهي لا تريد التحدث بذلك الأمر، أخبرت فقط كل شئ لشقيقتها التي شعرت بالضيق من زوج شقيقتها فكيف له أن يشك في شخصية بريئة مثل (نغم) ..


على الجانب الآخر، لم يذهب هو إلى العمل في اليومين التاليين، لم يكن قادرًا على مواجهة أحد، ولا حتى مواجهة نفسه، وحين جاءت شقيقته بالأمس لزيارة (نغم) ولم تجدها، سألته اين هي فقصّ عليها كل شيء حتى ما كان يخبئها عنه بخصوص ابنة خالتهم، فشعرت بالصدمة، لم تتخيل يومًا أن يصل الأمر إلى هذا الحد، لم تكن تعلم أن ابن خالتها متورط في جهات غير قانونية، ولم تتخيل أن يتعامل مع شقيقها بتلك الطريقة ..

لكن أكثر ما صدمها، هو (حازم) نفسه، كيف له أن يشك بزوجته؟


فقد رأت حبها له بعينيها، في تصرفاتها، في نظراتها، في خوفها عليه، عاتبته كثيرًا، لكن عقل (حازم) كان يدور في حلقة مغلقة لم يستطع عقله ان ينفلت منها خصوصًا بعدما غادرت (نغم) المنزل، قادته قدماه إلى منزل (رؤوف) الذي ما إن رآه حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، وقال بنبرة تهديد واضحة

- إياك تعمل فيها حاجة .. (نغم) خط أحمر بالنسبة ليا


كانت كل كلمة يقولها كأنها تصبّ الزيت على نار الشك داخله، فقال (حازم) ببرود يخفي إعصارًا داخليًا

- مادام اللعبة بقت عَلى المكشوف، أحب أقولك حاجة .. مش هتعرف حاجة عن المقبرة دي طول عمرك واوعى تفتكر أن الأفلام الوثائقية المزيفة دي ممكن تلوي دراعي أو اني اتحط قدام الأمر الواقع .. مجرد بس ما اعرف مكان المقبرة قولوا على نفسكوا يا رحمن يا رحيم .. مش هبقى جزء منكوا ابدًا


ابتسم (رؤوف) بسخرية أوسع، واقترب منه

- أنا اصلًًا مش مصدق انك فاقد الذاكرة، وعارف كل حاجة، بس صدقني، مش ههنيك عليها .. مش عاوز تشاركنا في تهريبها؟ إنت حر .. بس الموضوع هيتم غصب عنك .. مسألة وقت، حتى لو فيها موتك


ابتسم (حازم) بمرارة فلو كان لم يفقد الذاكرة لكان أبلغ الشرطة وتخلص منهم على الفور، وقال بصوت خافت لكنه حاسم

- كنت فاكر إن الحادثة دي أسوأ حاجة حصلتلي ..

بس طلعت هي السبب الوحيد إني لسه عايش، إنتوا ماقدرتوش تعملوا حاجة من غيري، ومش هتقدروا

وصدقني .. لا ههنيك على المقبرة، ولا على (نغم) ..

(نغم) لحد دلوقتي مراتي


فقد (رؤوف) أعصابه وأمسكه من تلابيب قميصه، وعيناه تقدحان شرًا

- مش كفاية إنك غصبتها على جوازة هي مش عاوزاها؟

لمجرد إني أنا وهي كنا بنشتغل سوا؟


تجمّد (حازم) للحظة، هل هذا اعتراف منه؟

يعلم أنهم عملوا معًا كثيرًا ولكن ماذا يقصد تحديدًا بتلك الجملة الغامضة؟


لم يفكر أكثر، فلكمه بقوة وهو يصرخ

- هتفضل طول عمرك خسران قدامي!


ثم تركه وانصرف، غاضبًا، مشوشًا، ممزقًا بين ما يعرفه وما يخشاه ..

أما (رؤوف)، فتركه يذهب وعلى شفتيه ابتسامة باردة

هذا تمامًا ما كان يريده أن ينفعل ابنة خالته وحين ينفعل، سيخطئ ..

وعند الخطأ، سيكون هو الفائز ..

❈-❈-❈


بعد أن أنهت عملها، توجّهت إلى منزل والدتها، أصبحت لا تفعل شئ سوا العمل، لا تصدق ما آل الحال إليه، صحيح أنه لم يوجه لها اتهامًا صريحًا ولكن يكفي الشك الذي رأته بداخل عينيه، ما إن دخلت بهو المنزل حتى فوجئت ب(ساندي) جالسة في انتظارها، شعرت بالدهشة لوجودها، لكنها رحّبت بها بابتسامة ودودة، أخذت (ساندي) نفسًا عميقًا، وكأنها تجمع شجاعتها، ثم قالت

- عارفة إن أخويا غلطان .. هو حكالي على كل حاجة، يمكن أنا مكنتش أعرف التفاصيل كلها، كنت عارفة حاجات بسيطة بس


توقفت لحظة، تحاول التقاط أي رد فعل في عيني (نغم)، لكنها لم تجد سوى هدوءٍ، فتابعت

- اللي عمله (حازم) مش صح طبعًا، بس حطي نفسك مكانه، ده واحد فاكر من حياته اللي فاتت فتافيت، ومعظم اللي في دماغه ناس قالتهوله، طبيعي يشك في اللي حواليه طول ما هو مش عارف حاجة بيقين .. مش ببررله، بس (رؤوف) بيعرف يستفزه جدًا


أخذت (نغم) نفسًا عميقًا، وقالت بصوتٍ هادئ يخفي خلفه الكثير

- بصي يا (ساندي) .. أنا استحملت عصبية أخوكي كتير في مواقف غيري مكنش هيستحملها .. بس لحد هنا نقطة ومن أول السطر، كل إنسان ليه طاقة، وطاقتي معاه خلصت


حاولت أن تبدو ثابتة، لكن الدموع تحجّرت في عينيها، فتابعت بصوتٍ مكسور

- صدقيني، كده أحسن ليا وليه، لأن ببساطة .. العلاقة ما تنفعش تكمل لما الشك يدخل، هو شاكك إني ليا مصلحة مع (رؤوف)، أو إني واحدة من الناس دي


اقتربت (ساندي) منها وعانقتها لتخفف عنها، وقالت بصوتٍ متأثر

- أنا واثقة فيكي، والله .. (حازم) بس بعد الحادثة اتغير، مبقاش متزن نفسيًا، ياريت تلتمسي له العذر


هدأت (نغم) قليلًا بين ذراعيها، وشعرت بمزيجٍ غريب من الراحة والحزن، شقيقته تثق بها، بينما هو زوجها، الذي أغدقت عليه حبًا ومشاعر، لا يثق بها، قالت بهدوء

 - متقلقيش، علاقتي بيكي عمرها ما هتتغير


ابتسمت (ساندي) وقالت

- وأنا متأكدة إنكم هترجعوا أقوى بس برضه، معاكي حق، لازم تاخدي موقف


ابتسمت (نغم) بمرارة

- لا يا (ساندي)، ده مش موقف .. ده هي خلصت


همّت (ساندي) بالكلام، لكن صوت حركةٍ قطع حديثهم حيث خرج (هيثم) من غرفته، آثار النعاس على ملامحه وهو يتثائب، وشعره الأشعث مائل للخلف، ما إن رأى (ساندي) حتى عاد للخلف وهو يشعر بالخجل لأنها تراه بتلك الصورة، فالتفتت هي بوجهها بعيدًا في حياء،

قال متعجبًا لشقيقته

- مش تقولي إن في ضيوف هنا؟


ضحكت (نغم) ثم قالت

- ما إنت كنت نايم وبعدين يلا، روح شغلك ومشوفكش قاعد معايا تاني، من امبارح وانت لازق، كفاية عليك كده


رفع حاجبه بأستنكار ثم قال

- آه، كده أنا غلطان؟ خالتي قالتلي، فقلت أجي أشوف مالها وأهوّن عليها


ابتلعت (ساندي) ريقها بتوتر

- ط .. طيب أنا هستأذن بقى


قالت (نغم) بسرعة

- لا، استني، خلي (هيثم) يوصلك، أنا مش شايفة عربيتك تحت


زفرت (ساندي) بضيق

- عربية كهنة، كل شوية صيانة .. ومكنتش فاضية أسأل عليها اليومين اللي فاتوا، هركب تاكسي


قال (هيثم) وهو يحاول تسوية شعره

- لا ازاي؟ هوصلك، استني بس


وبالفعل، بعد نصف ساعة كان قد استعد وخرج في طريقه للنادي، وأوصل (ساندي) معه، أثناء القيادة قال فجأة

- بصراحة .. أنا كنت ناوي أتكلم معاكي وأخد رأيك لو اتقدمت رسمي بس الظروف زي ما إنتِ شايفة .. أخوكي قالب الدنيا مع أختي


رمشت (ساندي) بعدم استيعاب

- إنت بتقول إيه؟!


قال بهدوء

- كان نفسي أعرف رأيك في ظروف أحسن، بس خليها مهلة تفكري فيها برده


قالت بانفعال

- إنت مش شايف إن أختك أصلًا مش عايزة ترجع لأخويا؟ كده الموضوع مش هينفع خالص!


نظر إليها بطرف عينه، وغمز لها مازحًا

- يعني دي المشكلة الوحيدة؟ غير كده موافقة؟


وضعت يدها على فمها نادمة على ما تفوهت به

- أنا .. أنا مقصدتش!


ضحك ثم قال

- متقلقيش إحنا ملناش دعوة بس أي عريس يتقدم لك الفترة الجاية .. مرفوض، في واحد داخل حياتك إن شاء الله


هزّت رأسها بأسى من جنونه، بينما اتسعت ابتسامته، راضيًا عن ارتباكها وخجلها ..

❈-❈-❈


بعد مرور عدة أيام .. 

كان جالسًا في منزله، بدا مرهقًا على غير عادته؛ ذقنه طالت قليلًا دون تشذيب، ملامحه شاحبة بعض الشيء، رنّ هاتفه فجأة، فقطع عليه شروده، ألقى نظرة عابرة على الشاشة بمللٍ واضح، لكن حاجبه ارتفع لا إراديًا حين وقعت عيناه على الاسم، فقد كان رقم خطيبته السابقة، زفر بضيق، وألقى الهاتف جانبًا، ماذا تريد هي أيضًا؟


كان عقله يدور في حلقةٍ مغلقة من الشكوك، ينسج الاحتمالات بلا توقف، بينما قلبه يرفض بعناد أن يصدق أن (نغم) قد خدعته يومًا، لا في العمل ولا في شيءٍ آخر، صراعٌ لا منتصر فيه، ينهكه التفكير أكثر وأكثر، يريد أن يفكر كيف وصلت تلك الملفات إلى (رؤوف)، يرفض تصديق أي شئ آخر ولكن ما يحتاجه إثبات فقط إثبات ..


ترك الهاتف يرن دون أن يجيب، لكن الرنين عاد، مرة تلو الأخرى، أغلق عينيه لثوانٍ، ثم التقط الهاتف وفتح الخط بضجرٍ ظاهر، جاءه صوتها مترددًا

- معلش يا (حازم) إني بتصل في وقت مش مناسب .. بس أنا محتاجة أقابلك ضروري


شدّ فكه وهو يستمع، لم يجب فورًا، لم يكن يريد أن يرى أحدًا، سمعها تتابع بصوتٍ أكثر إلحاحًا

- أرجوك .. بكرة بعد الشغل، في مطعم (...) لو سمحت


أخذ نفسًا عميقًا، ثم أجاب بنبرةٍ باردة 

- ماشي


أنهى المكالمة دون إضافة كلمة أخرى، وأسند رأسه إلى ظهر الأريكة، وهو لا يعرف ما تريده منه فهو لا يريد سماع المزيد من المفاجآت، اصبح عقله لا يستعب ما يحدث له منذ أن عاد إلى مصر ..

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة