رواية جديدة أحفاد إلياس لزينب سعيد القاضي - الفصل 6 - الإثنين 12/1/2026
قراءة رواية أحفاد إلياس كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر
رواية أحفاد إلياس
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة زينب سعيد القاضي
الفصل السادس
تم النشر الإثنين
12/1/2025
لو كنت أعلم أن لحبك ضريبة سأدفعها ما حييت، لما سمحت لقلبي أن يقترب منذ البداية، لكن القلب لا يستأذن، وقد أحببت وانتهى الأمر، ليتني لم أرك، وليت عيناي لم تقع عليك، ما كنت اليوم أسيرة عشقك، أدفع الثمن وحدي، كأن حبك قدرٌ ثقيل، أو لعنة أبدية تلاحقني في كل لحظة أعيشها. تلاحقني في صحوي ومنامي، في تفاصيل أيامي الصغيرة، وفي صمتي الطويل، أحاول أن أنجو منك فلا أستطيع، وأقنع قلبي بأن النهاية خلاص، لكنه ما زال عالقًا عندك، يدفع ثمن حبٍ لم يعد له وطن، ولا شفاء منه سوى النسيان، والنسيان أبعد ما يكون.
انتفضت من مكانها بفزعٍ حقيقي، كأن صاعقةً هوت في صدرها دفعةً واحدة، ما إن تسلل صوته إلى سمعها، صوتٌ لم يكن غريبًا عنها، بل مألوفًا حد الألم. لم تكن تسمع حديثه من منتصفه أو نهايته، بل التقطته منذ الكلمة الأولى، منذ النبرة التي تعرفها أكثر مما تعرف نبضها، في تلك اللحظة، تجمّد الدم في عروقها، وسؤالٌ واحد ارتطم بعقلها بقسوة:
هل علم؟ هل أدرك مدى حبها الأهوج له، ذلك الحب الذي حاولت دفنه تحت ألف قناع، وألف صمت؟
تشنج جسدها لا إراديًا، كأن الخوف صار كائنًا يلتف حولها، يعصر أنفاسها بقبضتين قاسيتين،.التفتت نحوه ببطء، وكأن رقبتها لم تعد تطيعها، بوجهٍ شاحبٍ خالٍ من الدم، وعينين زائغتين تحاكيان نظرة الموتى؛ تلك النظرة التي لا تحمل رجاءً ولا اعتراضًا، فقط استسلامًا صامتًا.
كان يقف أمامها بثباتٍ مستفز، واضعًا كلتا يديه في جيوبه، كأن الموقف لا يعنيه، أو كأن ارتباكها مجرد تفصيلة هامشية لا تستحق الاهتمام. عيناه تجولان عليها من أعلى إلى أسفل ببرودٍ قاتل، نظرة لم تكن مجرد تفحّص، بل احتقارًا صريحًا، جارحًا، كأنها شيءٌ وُضع أمامه عن طريق الخطأ.
شعرت حينها بأن الأرض تميد تحت قدميها، وبأن كل ما بنته في خيالها خلال سنوات ينهار في لحظة واحدة. كم مرة تخيّلته مختلفًا؟ أحن، أصدق، أقل قسوة؟ وكم مرة بررت له صمته، حدّته، وتجاهله المتعمّد؟ لكنها الآن، أمام تلك النظرة، أدركت الحقيقة المجردة لم تكن يومًا مرئية له كما أرادت.
حاولت أن تتكلم، أن تدافع عن نفسها، أو على الأقل أن تُخفي ارتجاف صوتها، لكن الكلمات خانتها، علقت في حلقها كغصةٍ قديمة، كل ما استطاعت فعله هو شد أصابعها على طرف ثوبها، محاولةً التشبّث بشيءٍ ثابت وسط هذا الإعصار.
اقترب خطوة واحدة فقط، وكانت كافية لتجعل أنفاسها تتسارع، وقلبها يخفق بعنفٍ مؤلم، لم يلمسها، ولم يحتج إلى ذلك، فحضوره وحده كان كافيًا ليعيد فتح كل جراحها القديمة، عرت بالمهانة، لا لأنه علم حبّها إن كان قد عرف بل لأنه نظر إليه كضعف، لا كشيءٍ يستحق الاحترام.
وفي تلك اللحظة، فهمت أخيرًا أن الخوف الذي يسكنها لم يكن منه فقط، بل من نفسها من أنها أحبت أكثر مما ينبغي، ومنحت قلبها لمن لم يعرف يومًا كيف يحمل القلوب دون أن يحطمها.
وقفتها كالصنم هكذا أثارت استفزازه، فهتف بنبرة حادة:
-ما تردي ساكتة ليه ؟! يطلع مين الشخص اللي الهانم مستنية إنه يختارها؟
تدخلت غنى في الحوار ملطفة الجو بلهفة:
-اهدى يا عمر مفيش حاجة.
نظر إلى شقيقته شذرًا وقال:
-مش عايز أسمع صوتك حسابك معايا بعدين.
اتجه بنظراته إلى نوران مرة أخرى، وتسأل بحدة:
-لما نشوف الهانم الأول ما تردي يا هانم إيه القط أكل لسانك الوقتِ؟!نهه
تهربت من النظر في عينيه، وأجابت بصوت خافت:
-ده شيء ميخصش حضرتك يا دكتور.
أتسعت مقلتيه بصدمة مرددًا بعدم استيعاب:
-أفندم؟! إنتِ قلتي إيه؟!
قررت الكلام مرة أخرى ببرود:
-ميخصش حضرتك يا دكتور.
توجهت بنظراتها إلى صديقاتها، واسترسلت حديثها بابتسامة:
-همشي أنا يا غنى بعد إذنك.
انهت جملتها وغادرت سريعًا من أمامه في لمح البصر، تاركة إيه يقف مكانه مبهوت من ردها عليه.
حمحمت غنى بتوتر وقالت:
-إحم مش هنمشي؟!
التفتت إلى شقيقته ورمقها بحدة، وتسأل بفضول:
-إنتِ عارفة هي بتتكلم عن مين؟!
حركت رأسها سريعًا نافية، واستطردت بتبرير كاذب:
-لا معرفش حاجة هو إحنا مش هنروح؟!
أطلق زفيرًا حادٍ وتحرك سريعًا متوجهًا إلى الخارج بعد أن أشار إلى شقيقته أن تتبعه:
-ورايا يا هانم…..
ضربت كف بكف وهتفت بصوتٍ خافتٍ:
-يعني هي تسيبك وتمشي وتجرجرني أنا وراك؟! طيب وأنا مالي يا لمبي بس؟!
❈-❈-❈
ما إن ابتعدت عنهم خطوات قليلة، حتى شعرت بأنفاسها تعود إليها تدريجيًا، وكأنها كانت حبيسة صدرها طوال تلك المواجهة، توقفت للحظة، وأسندت ظهرها إلى الحائط البارد خلفها، محاولة استيعاب ما حدث للتو عندها فقط، دون سابق إنذار، ارتسمت على ثغرها ابتسامة متشفية، ابتسامة متناقضة مع الدموع التي انسابت بصمت على وجنتيها.
كانت دموعًا ثقيلة، تحمل في داخلها قهر أيام طويلة، لكنها لم تكن دموع ضعف. كانت دموع انتصار صغير، لكنه الأول من نوعه. لأول مرة لم تصمت، لم تنكس رأسها، لم تبتلع الإهانة كما اعتادت، ووقفت في وجه من ظنّ أنها مجرد ظل يمكنه أن يدوسه متى شاء.
مرت يدها المرتجفة على خدها تمسح دموعها بعجلة، وكأنها لا تريد لأحد أن يراها في تلك اللحظة الهشة، تنهدت بعمق، ثم أطلقت ضحكة قصيرة، خرجت منها رغمًا عنها، ضحكة مشوبة بالألم والدهشة، دهشة من نفسها قبل أي شيء، لم تكن تتخيل يومًا أنها قادرة على هذا القدر من الجرأة.
تذكرت نظرته وهو يستمع لردها، تلك النظرة التي جمعت بين الصدمة والغضب. تذكرت صمته المفاجئ، ومحاولته الفاشلة لإخفاء ارتباكه، مجرد استرجاع المشهد أشعل داخلها شعورًا دافئًا، جعل ابتسامتها تتسع أكثر، رغم استمرار الدموع في الهطول.
حدثت نفسها بصوت خافت، لكنه ثابت، كأنه وعد تقطعه على ذاتها:
– أيوه كده شاطرة.
سكتت قليلًا، وكأنها تستمتع بسماع كلماتها وهي تخرج من فمها لأول مرة دون خوف.
– أنا هوقفه عند حده.
رفعت رأسها قليلًا، ونظرت أمامها بثبات لم تعهده في نفسها من قبل.
– مش علشان شغالة عندهم يفتكر إني رخيصة، ولا يفتكر إنه من حقه يبيع ويشتري فيا.
تدفقت الذكريات إلى عقلها دفعة واحدة، مواقف صمتت فيها، كلمات جارحة ابتلعتها، نظرات استعلاء تجاهلتها فقط لأنها بحاجة إلى العمل، كانت دائمًا تقنع نفسها أن الصبر فضيلة، وأن السكوت أحيانًا أذكى، لكن اليوم أدركت أن السكوت كان يسرق منها جزءًا من روحها في كل مرة.
مسحت دموعها مرة أخرى، ثم استقامت في وقفتها، كأنها تعيد ترتيب نفسها من الداخل قبل الخارج، شعرت بثقلٍ غريب ينزاح عن صدرها، وبقوة هادئة تحل محل ذلك الخوف القديم، لم تعد تشعر بأنها صغيرة أو ضعيفة، بل إنسانة تعرف قيمتها، حتى لو احتاجت وقتًا طويلًا لتدرك ذلك.
خطت خطوة إلى الأمام، ثم أخرى، وابتسامتها لا تزال تزين ثغرها، ابتسامة امرأة ذاقت طعم الانتصار لأول مرة، وقررت ألا تتنازل عنه مرة أخرى، لم يكن الطريق أمامها سهلًا، وكانت تعلم أن القادم قد يكون أصعب، لكنها كانت مستعدة، فبعد هذه اللحظة، لم تعد كما كانت قبلها أبدًا.
❈-❈-❈
توقفت السيارة بداخل الحي الشعبي الذي تقطن به، نظر إليها نظرة خاطفة في مرآة السيارة وجدها مغمضة العينين، ومعالم الآلم مرتسمة على وجهها بوضوح، تألم لأجلها، كم تمنى لو باستطاعته أنه يخفف عن كاهلها الآلم الذي تمر به الآن.
أطلق زفيرًا حادٍ، ونادها برفق، وعينيه تجول فوق معالم وجهها:
-مسك…. مسك…فوقي وصلنا….إنتِ سمعاني؟!
بينما على الجانب الآخر، يجلس عمها في المقعد المجاور له، يطالعه باستياء شديد وملل، ما أن وجده يناديها برفق شديد هكذا، لم يقدر أن يحتفظ بصمته أكثر من هذا، وتهكم بنبرة صوت ساخرة:
-يا باشا علي صوت هي مش واخدة على الرقة دي كده مش هتصحى كده عايزة لحاف تتغطى به.
رمقه بحدة، وهتف بنفاذ صبر:
-إنتَ بتدخل ليه؟! حد طلب رأيك؟! ما تخليك في حالك.
قلب عينيه بملل وقال:
-خلاص هسكت لما نشوف آخرتها خلينا قاعدين لبكره لغاية ما الأميرة ديانا تتكرم وتصحى.
ضرب إلياس كف بكف، وصاح بنفاذ صبر:
-كفاية رغي بقى مش بتعرف تقعد دقيقة ساكت؟!
عاد بنظراته إليها وجدها لا تزال عافية كمل هي، دار بنظراته في السيارة حتى وجد ضالته زجاجة مياه فتحها برفق، وسكب منها قطرات بسيطة على كف يده وبدأ ينثره على وجهها بحذر شديد، وقد أتت حيلته بثمارها فقد بدأت تتململ بالفعل.
جاهدت حتى فتحت أهدابها، فارهاقها، والمخدر الذي أخذته منذ بضع ساعات لا يزال له تأثير قوي عليها، فتحت عينيها ببطء شديد، وأول شيء رأته هو وجه إلياس الذي يطالعها بابتسامة حانية.
شردت قليلًا في وجهه ودار ذهنه في شيء آخر، ماذا كان سيحدث إذا تقابلت مع إلياس منذ عام مضى؟! من المؤكد أن حياتها كانت ستكون أفضل من ذلك، فاقت من شروطها على صوته القلق.
«إنتِ كويسة يا مسك؟! ردي عليا سمعاني؟»
التفتت له وجدته يطالعها بقلق شديد، يقطر من عينيه.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على ثغرها، وأجابت بنبرة هادئة:
-الحمد لله.
تبسم بارتياح وكأن الروح عادت إلى جسده مرة أخرى بعد رؤيته لابتسامتها تلك، وبعد سماعه إلى صوتها الرقيق.
استرسل حديثه باهتمام:
-هتقدري تمشي ولا تحبي أشيلك؟!
اتسعت مقلتيها مرددة بعدم استيعاب:
-تشلني؟! لا طبعًا مينفعش حرام شرعًا وقدر حد من الناس شافنا.
ضحك بخفة، وعقب قائلًا باستفاضة:
-أيوه حرام شرعًا بس الغاية تبرر الوسيلة واحدة بتموت قدام عيني المفروض أعمل إيه اسيبها تموت؟!
انتبهت إلى شيء، فتداركت حديثها مستفهمة:
-هو مين اللي شالني وأنا رايحة المستشفى عمي صح؟!
تطوع بالرد سريعًا ببلاهة:
-لا أشيل مين أنا عندي الغضروف، إلياس باشا اللي شالك.
بهت وجهها وتوجهت بنظراتها إلى إلياس، وهتفت بحدة:
-ليه عملت كده؟!
أجاب ببساطة:
-أظن جاوبتك قبل كده الغاية تبرر الوسيلة وبطلي رغي إنت لازم تطلعي عشان ترتاحي هتقدري تطلعي ولا اشيلك؟!
أجابته بحدة:
-أنا لو كنت في وعي استحالة كنت هخليك تشلني حتى لو هذحف على ركبي، وأظن لما انتحرت وإنتَ دخلت وشوفتني كنت ساترة نفسي ولابسة إسدال وجرحى عشان لما أموت أبقى مستورة.
تبسم ساخرًا وقال:
-طالما عارفة ربنا أوي كده ليه انتحرتي يا مسك؟!
«عشان تعبت خلاص مبقتش قادرة أستحمل الدنيا باللي فيها خايفة من كل حاجة أنا بموت بالبطيء مكنش قدامي غير الحل ده»
نطقتها بمرارة، ودموعها تنساب فوق وجنتيها بغزارة…
ألمه قلبه، وتحدث بتروٍ:
-بس الانتحار مش حل، الانتحار هروب من المواجهة.
أنهى جملته وهبط من السيارة، فتح الباب الخلفي وأشار لها أن تهبط.
هبطت بحذر شديد، وهي تشعر بدوار شديد في رأسها، وألم يسري بثائر جسدها، وما أن هبطت من السيارة بدأ جسدها يترنح بضعف، ولكن قبل أن يسقط جسدها أرضًا تفاجأت بذراعين قويتين يساندوها على الفور.
تملصت منه بخجل وتوتر شديد، وهي تنظر تجاه عمها الذي يقف يتابع ما يحدث كما لو كان فيلم سينمائي:
-تعالي يا عمي سندني إنتَ.
اقترب منها وهو يهتف باستياء:
-تعالي يا أختي بس بقولك إيه متسنديش أوي أنا عضمة كبيرة.
قام بمساندتها كي تدلف العقار ببطء شديد، بينما حرك إلياس رأسه بيأس واتبعهم بضيق شديد منها، ومن عمها الأهوج الذي يبرطم بكلام غير مفهوم...
❈-❈-❈
كانت تقف في غرفتها، ساكنة كأن الزمن قد نسيها هناك، تحدّق في الجدران التي شهدت أيامها الطويلة، ضحكاتها الخافتة، وانكساراتها التي لم يرها أحد، مرت أصابعها ببطء على حافة المرآة، ثم على الستائر الثقيلة، كأنها تحاول أن تحفظ ملمس كل شيء في ذاكرتها قبل أن تغادره إلى الأبد، هذه الغرفة التي كانت يومًا ملاذها، أصبحت الآن شاهدة على وداعٍ لا رجعة فيه.
ألقت نظرة أخيرة على السرير، حيث كانت تنام وهي تظن أن لها مكانًا آمنًا في هذا القصر، وأن وجودها فيه لم يكن عبئًا أو خطأ. تذكّرت كيف دخلته أول مرة بقلبٍ ممتلئ بالأمل، وكيف كانت تحلم أن تكون جزءًا من هذا العالم الفخم، لا ضيفة عابرة ولا ظلًا يمكن الاستغناء عنه متى شاؤوا، لكنها اليوم تقف هنا، وقد تبددت كل تلك الأحلام، وبقي منها وجع ثقيل يستقر في صدرها.
انحنت تجمع متعلقاتها القليلة، بعنايةٍ تشبه الوداع الصامت، ملابسها وبعض الأشياء الصغيرة التي تحمل بقايا ذكريات لا تجرؤ على لمسها طويلاً، كل قطعة كانت تحكي قصة، وكل قصة كانت تنتهي بالحقيقة ذاتها، لم يعد لها مكان هنا، لم يُطرد جسدها فقط، بل أُقصي وجودها كله، كأنها لم تكن يومًا جزءًا من هذا القصر.
حملت حقيبتها وتقدمت نحو الباب، توقّفت لحظة، واستدارت لتلقي نظرة أخيرة على الغرفة، شعرت بشيء ينكسر في داخلها، لكنها لم تسمح للدموع أن تسقط، فقد تعلّمت أن الرحيل أحيانًا يحتاج إلى قوة أكبر من البقاء، وأن الكرامة قد تكون أثقل من الحنين.
خرجت من الغرفة، ومشت في ممرات القصر الطويلة بخطوات ثابتة، رغم أن قلبها كان يرتجف، هذا المكان الذي كان يعج بالحياة أصبح باردًا في عينيها، خاليًا من أي دفء، لم يلتفت أحد، ولم يسألها أحد إلى أين تمضي، وكأن غيابها كان أمرًا متوقعًا، بل مرغوبًا فيه.
وعند بوابة القصر، توقفت للحظة أخيرة، تنفست بعمق، ثم رفعت رأسها ومضت، لم تعد مرغوبًا بها هنا، نعم، لكنها كانت تعرف في قرارة نفسها أن هذا الرحيل ليس نهاية، بل بداية جديدة، بداية تُبنى بعيدًا عن مكان لم يعرف قيمتها يومًا.
حمدت الله داخلها أن لم يراها أحد من سكان القصر فمن المؤكد أن يمر رحيلها مرور الكرام، ولن تجرأ على سرد ما فعلته نسيرين لها، على الرغم أنه يظهر على وجهها بوضوح آثار أظافرها الحادة التي اتخذت منحنيات عديدة في وجهها، ومن حسن حظها أيضًا أن الخادمات منشغلين في المطبخ.
ولكن لم يدوم حظها كثيرًا فما أن خطت البوابة الخارجية للقصر، تفاجأت بسيارة أجرة تتوقف ويهبط منها آصف الذي حاسب السائق وتحرك نحوها، وهو ينظر إليها بتعجب.
ابتلعت ريقها بتوجس، وتراجعت إلى الخلف وهي تقبض على حقيبتها بقوة وكأن بقبضتها ذلك تستمد القوة منها.
طالعها آصف بريبة وتسأل باهتمام وهي يحول نظراته بينها، وبين حقيبتها بحيرة:
-رايحة فين يا مرام؟! وإيه الشنطة دي؟!
قطب جبينه بحيرة، واسترسل مستفهمًا:
-ومال وشك في إيه؟! إنتِ حد عملك حاجة ولا إيه؟!
أجابت بصوت خافتٍ:
-مفيش حاجة أنا…أنا رايحة مشوار بس وراجعة.
رفع حاجبه باستنكار، وتسأل بنبرة ساخرة:
-بجد؟! رايحة مشوار وراجعة ومعاكِ شنطة هدومك؟! إنتِ مقتنعة باللي بتقوليه؟! شكلك نسيتي إني ظابط يا مرام، فهميني مين زعلك ورايحة فين؟!
هتفت بنفاذ صبر:
-مفيش حد زعلني أنا كده كده عديتي كانت هتخلص وهمشي.
حك آصف ذقنه بيده السليمة، وتحدث بنبرة حادة:
-ممممممم عدتك هتخلص وتمشي ده قرارك إنتِ ومن نفسك؟! مش في كبير عائلة في البيت؟! مش في رجالة موجودة تبقى عارفة كل خطواتك؟! اخدتي إذن جدي؟!
ردت بتوتر:
-لا.
رفع آصف يده وأشار إلى الداخل، وهتف بلهجة آمرة:
-يبقى اتفضلي أدخلي.
حاولت الرفض والاعتراض لكن قرر حديثه بحدة:
-سمعتي قُلت إيه؟! ولا تحبي أكلم جدي يجي هو يتصرف معاكِ؟!
لم تجد حلاً سوى أن ترضخ إلى حديثه، وتعود أدراجها إلى الداخل مرة أخرى، وما أن عبروا البوابة الداخلية حتى صاح في الحراس بتوبيخ:
-عايز أفهم إزاي الهانم تخرج بشنطة هدومها قدام عيونكم؟! إزاي محدش بلغ إلياس باشا قبل ما تخرج؟!
أجاب الحارس بحرج:
-محدش قال لنا نمعنها يا فندم.
رمقهم شذرًا وقال:
-حسابكم معايا بعدين..
❈-❈-❈
وقفت في الشرفة تتابعها بانتصار، وهي تغادر القصر بلا راجعة، كان الهواء المسائي ينساب باردًا على وجهها، يحرك خصلات شعرها كما لو كان يبارك اللحظة، أسندت كفيها إلى سور الشرفة الرخامي، وشعرت بثقلهما أخفّ من أي وقت مضى، كأن حملًا قد أزيح أخيرًا عن صدرها.
راقبت خطواتها المتسارعة فوق الحصى، فكل خطوة كانت إعلان هزيمة، وكل التفاتة مرتعشة تأكيدًا أن لا عودة، لم تكن ترفع رأسها، كأنها تخشى أن تلتقي العيون، ابتسمت بشماتة، ورضا عميق يشبه سكون البحر بعد عاصفة طويلة، فقد ارتاح قلبها من تلك المرام إلى الأبد، وزوجها سيعود إليها رغمًا عن أنفه، فليست هي من تقبل بأخرى تشاركها في زوجها.
انمحت الابتسامة من فوق ثغرها، ما أن وجدتها تدلف إلى القصر مرة أخرى برفقة شقيق زوجها.
انتفضت من مكانها بهلع، وتحركت إلى داخل الغرفة متوجهة إلى الأسفل فلن تسمح لها أن تبقى في القصر دقيقة أخرى من جديد، ولن يضيع ما فعلته معها هباءً مهما كلفها الأمر.
❈-❈-❈
هبطت إلى الأسفل ووجهها لا يبشر بالخير، وما أن أبصرت مرام تدلف من البوابة الداخلية برفقة آصف، حتى تحركت نحوها بخطى سريعة كي تجذبها من خصلات شعرها مرة أخرى، ولكن كانت يد آصف الأسرع فما أن رأها تهجم على مرام، رفع ذراعه السليم بسرعة كدرع حماية، لتلك التي وقفت خلفه بذعر متشبثة بملابسه.
صاح بانفعال وهو يجاهد في منع سيرين حتى لا تقترب من مرام:
-إنتِ اتجننتي ولا إيه يا سيرين أبعدي عنها.
هتفت الأخرى بحدة متجاهلة حديثه ودفاعه عن تلك الدخيلة كما تسميها:
-سبني عليها يا آصف، سبني على خطافة الرجالة دي مش هسيبها أنا هطلع روحها في أيدي.
الآن اتضحت الرؤية لديه، هي من تهجمت على مرام في البداية، وهي السبب أيضًا في مغادرة مرام للقصر في الخفاء، والسبب واضح للعيان، علمت برغبة زواج زوجها من الأخرى، وتدافع عن حقها به باستماته، لعن شقيقه داخله على هذا الموضع السخيف الذي وضعه به.
كبل ذراعيها بيد واحدة، واسترسل حديثه بجدية:
-كفاية هبل يا سيرين وروحي أوضتك لو سمحتي مرام ملهاش دخل بحاجة هو اللي طلب من جديد يتجوزها.
تهكمت الأخرى قائلة:
-لا والله ملهاش دخل بحاجة؟! وأخوك اللي عايز يتجوزها هيقرر يتجوزها كده من نفسه إلا إذا الهانم وعداه بحاجة ؟!
لم تكن تعلم من الأساس عن طلب أوس للزواج بها، فتوقفت تسمع إلى الحديث الدائر بين آصف وسيرين بصدمة، لم تفق منها إلا عندما استمعت إلى حديث سيرين الأهوج وهي تخوض في شرفها، عند هذا الحد تخلت عن صمتها ووقفت في وجهها وهتفت بحدة:
-أنا ساكته ليكي من بدري واتحملت ضرب واهانه منك وقلت حقها لكن تغلطي فيا وفي شرفي ده اللي استحالة أنا أعديه.
«أنا اللي استحالة أعديه ولا أقبل به، وسيرين مش هتفضل في بيت ده يوم واحد إلا إذا أعتذرت منك وباست رأسك كمان على اللي عملته فيكي، وإنتِ تقبلي الاعتذار كمان»
صدم الجميع من حضوره المهيب، وصمتت الألسن، ووقف ثلاثتهم يسترق السمع إلى حديثه بصدمة…..
❈-❈-❈
فتحت زوجة عمها وما أن رأتها حتى هتفت باستياء:
-حمد الله على السلامة.
تحدث زوجها بلهفة:
-سنديها معايا بسرعة.
مصمصت شفتيها بامتعاض وساندتها من الجهة الأخرى وساعدوها أن تجلس على أقرب مقعد قابله.
دلف إلياس خلفهم ووقف أمامها وتسأل باهتمام:
-مرتاحة هنا ولا تحبي تدخلى أوضتك ترتاحي؟!
أجابت بوهن:
-الحمد لله .
توجه بنظراته إلى عمها وزوجته، وتحدث بنبرة حادة:
-سبونا لوحدنا شوية.
نظر الإثنين إلى بعضهم وتحركا على مضض.. بينما سحب هو مقعد السفرة وجلس في مواجهتها وتحدث بنبرة هادئة:
-محتاجة حاجة قبل ما أمشي؟!
حركت رأسها نافية وردت بصوتٍ منهك:
-لا شكرًا.
أخذ نفس عميق يعبأ به رئتيه، واسترسل حديثه بجدية:
-فرحنا بعد شهر ونص أتمنى تحفظي على نفسك لوقتها، حابب أوضح ليكِ حاجة واضح إنك متدينة وتعرفي ربنا كويس يعني أكيد عارفة إن اللي مريتي به ده اختبار من ربنا ليكِ.
نهضت من مكانه، وما كاد أن يتحرك من مكانه ألا وتصنم جسده، وهو يستمع إلى سؤالها الذي لم يحسبه من الأساس.
«لو مكنش عمك هو اللي اغتصبني كنت هتتجوزني بردو؟!»
يُتبع..
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة زينب سعيد القاضي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
