رواية جديدة ذكريات ضائعة لعلا السعدني - الفصل 16 - الثلاثاء 23/12/2025

 

قراءة رواية ذكريات ضائعة كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية  ذكريات ضائعة

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة علا السعدني 

الفصل السادس عشر 

تم النشر الثلاثاء 

23/12/2025



ابتلع ريقه بصعوبة، وقد شعر بجفافٍ مفاجئ في حلقه، ونظر إلى (نغم) التي كانت ملامحها مشدودة بالغضب، اشتعلت عيناها غيظًا من ذلك الهمجي، لم تفكر به بتلك الطريقة يومًا ولكن أسلوبه معها جعلها تراه غير متحضرًا، تجاهلت نظرته تمامًا، ثم التفتت إلى (هيثم) وقالت بنبرة حاسمة تخفي بداخل قلبها غصة مؤلمة 

- يلا نروح يا (هيثم) على بيت ماما


وقبل أن تتحرك، أمسك (حازم) يدها على عجل، خوفًا من فقدانها إلى الأبد وهو يقول بنبرة آسفة 

- استني يا (نغم) .. أنا آسف


توقفت في مكانها وافلتت يدها منه فتشعر بالنفور منه ومن لمسته، واستدارت ببطء، ثبتت نظراتها عليه بقسوة جعلته يخفض عينيه تلقائيًا، فقد شعر بالذنب وخشى مقابلة عينيها، علم أن أي كلمة سيقولها لن تبرر أفعاله الأخيرة، خرج صوته مُثقلًا بالندم

- آسف؟!


ابتسمت بسخرية ثم عقدت يدها نحو صدرها وهي تقول بنبرة ساخرة

- آسف على إيه ولا إيه ولا إيه بالظبط؟ .. كل شوية شك، وكل شوية إهانة، إنت فاكر إني جاية من الشارع؟!

أنا واحدة من عيلة كويسة ومحترمة جدًا، ومش إنت اللي هتعلّمني الصح من الغلط، فاهم؟!


ارتجف صوتها قليلًا، لكنها تماسكت سريعًا حتى لا تبكي، وأكملت بنبرة أقسى

- أنا مبحبش أعمل الغلط .. ومش عشان خاطرك، لأ، عشان خاطر ربنا .. أنا مش مضطرة أستحمل الأسلوب ده


نظر (هيثم) إلى كلايهما وهو لا يعرف الكثير عن ما يحدث ولا سر غضب شقيقته بتلك الطريقة، رفع (حازم) رأسه أخيرًا، وعيناه ممتلئتان بالندم، ليخرج صوته خرج متوسلًا، مكسورًا

- أنا عارف .. عارف إني غلطت كتير الفترة اللي فاتت، بس كنت أعرف منين إنه أخوكي؟! .. إنتِ عمرك ما قولتيلي


زفرت بضيق، ثم قالت بمرارة

- وأنت عمرك ما اهتميت تعرف! .. كنت هقولك ليه؟! .. وبعدين اتكلم بالراحة .. انت على طول نبرة صوتك فيها اتهامات وإهانة


تدخل (هيثم) في تلك اللحظة، وقد شعر بالتوتر بينهما، فحاول تخفيف الموقف بصوت هادئ

- طيب .. أنا رأيي نروح دلوقتي، عشان شوية والناس هتتفرج علينا، وهكلمك بليل يا (نغم) عشان اطمن إذا كان الموضوع يستاهل فعلًا ولا لا .. بس اعتقد انتِ وهو محتاجين تتكلموا الأول بهدوء


ثم صمت لحظة وقال محاولًا تلطيف الجو بينهم

- هو مكانش يعرف إننا إخوات، مفيهاش حاجة، حقه على فكرة ماهو مش منطقي مراتي تحضن راجل غريب


صمتت (نغم) فقد كان شقيقها محقًا فالأماكن العامة ليست مكان للنقاش ولا الجدال يبدو وان عشرتها لذلك الهمجي جعلت تفكيرها صدأ مثله، في حين قال (حازم) بنبرة هادئة

- يلا على العربية


عضّت على شفتها السفلية، في محاولة منها لحبس كلمات كانت على وشك الانفجار، ولكنها استدارت بصمت وتوجهت نحو السيارة، لم تنظر إلى (حازم) مرة أخرى، ربما شقيقها محق ولكنها متأكدة أنها أخبرت (حازم) أن (هيثم) شقيقها كان عليه أن يفهم أنه شقيقها بالفعل وليس مثل شقيقها كيف له أن يظن ذلك بها؟!


ولكنها تذكرت انها كانت تتحدث مع (هيثم) كثيرًا عبر الهاتف وهو يستمع إلى مزاحهم سويًا ولم يعلق، تلك نقطة تحسب له، ربما هو ليس بذلك السوء ..


قاد (حازم) السيارة بصمت، أوصل (هيثم) إلى منزله، بينما ظلّ بداخله يرتب أفكاره كي يحدثها، في داخله صراع كبير بين خوفه، وغيرته، وخسارته الوشيكة لامرأة بدأت تصبح كل حياته، ولكن لو كان الاعتراف بذلك الحب سيجعلها تتفهم ما يحدث له ليفهمها وليحدث ما يحدث ..

❈-❈-❈

عندما وصلا معًا إلى المنزل ترجلت من السيارة قبل أن يقوم بصفها وركضت نحو الشقة الخاصة بهما، فهي لا تريد التحدث معه الآن عليها أن ترتب أفكارها أولًا كي لا تخطئ وكي لا تتصرف بغوغائية مثله، في حين هو فهم ترجلها من السيارة أنها لا تريد التحدث معه وجهًا لوجه ولكنه لن يتركها ولن يفعل حتى تصفح عنه ..


 دلفت غرفتها وبدلت ملابسها، وجلست متكئة على حافة الفراش، ودموعها تنساب بصمتٍ وهي تفكر فيما حدث في الأيام الماضية وتصرفاته التي يفعلها دون تفكير لثانية واحدة، ففي الكثير من الأحيان تشعر بأنه رجلًا لطيفًا مثقفًا حنونًا، والأحيان الأخرى تجده متسلطًا عدوانيًا فظًا ..


قاطع أفكارها الثائرة تلك صوت طرقٌ خفيف على باب الغرفة، وصوته وهو يطلب منها أن تفتح الباب، أغمضت عينيها وهي لا تفهم ذلك الشخص أبدًا فلو كان همجيًا لدفع الباب وفتحه دون أن يستأذن، فهي لم تغلق الباب بالمفتاح، ولكنه يستأذن، ذلك الشخص متعدد الهُوِيّات، مسحت دموعها سريعًا، أخذت نفسًا عميقًا، ثم نهضت وفتحت الباب، وهي تنظر إليه ببرودٍ متعمد

- عاوز إيه؟


قال بنبرةٍ يغلبها الندم

- عاوزك متزعليش مني .. لو ينفع تخرجي بارة نتكلم شوية


قبضت على يدها وهي لا تفهم ذلك الوغد فالآن شخصية الحمل الوديع هي التي تتحدث وليست الشخصية الهمجية الآخرى، بالنهاية لم تستطع رفض طلبه الذي كان بلطف وأدب، فخرجت من غرفتها واتجهت نحو غرفة المعيشة وجلست على الأريكة لتجده يسير خلفها ثم جلس جوارها على مسافة لا بأس بها، كان متوترًا، كأن الكلمات التي سيقولها تلجم لسانه، بالنهاية قال 

- اسمعيني من غير ما تقاطعيني في أي حاجة


- اتفضل


تنفس بعمق، ثم قال دون مقدمات

- (نغم) .. أنا بحبك


اتسعت عيناها بينما صمت لحظة واشاح وجهه بعيدًا لن يستطيع النظر في عينيها الآن اطلاقًا، ولكنه تابع بهدوء

- متسأليش من إمتى ولا إزاي .. حبك اتولد في قلبي، وكل يوم بيكبر، أنا بغير عليكي بصراحة، مش بشك فيكِ زي مانتِ فاكرة


ابتلع ريقه وأكمل بصوتٍ منخفض وهو يحني رأسه للأسفل

- مبحبش أشوف أي راجل جنبك. بتعفرت .. بتعفرت يا (نغم) .. معرفش انا اللي غيور زيادة عن اللزوم ولا انتي اللي جميلة، (معتز)، (رؤوف)، (هيثم) .. اعرف منين أنه اخوكي


ظلت تنظر إليه في صمت، عيناها متسعتان بدهشة صادقة وسألت دون أن تعي

- ده بجد؟


رفع رأسه مؤكدًا وهو ينظر إلى عينيها الخضراء الذي سقط في مروجها، ثم قال بنبرة صادقة

- مستحيل اشك باخلاقك، بالعكس .. أنا حبيتك، بس مينفعش مغيرش عليكِ 


ابتلعت ريقها، وشعرت بمزيجٍ متناقض من الفرح والقلق، ثم تابع ليربكها اربكًا كثيرًا 

- أنا مش عارف رأيك إيه!! .. بس احنا متفقين من الأول أن جوازنا حقيقي وأننا هنتعرف على بعض الأول، بس شكلي انا وقعت بدري اووي


ثم نظر إليها مباشرة وتابع

- بس أهم حاجة رأيك إنتِ .. عمري ما هجبرك تكملي حاجة أنتِ مش عايزها .. يمكن اكون أقل من توقعاتك بس صدقيني هحاول ارضيكِ بأي طريقة


ظلّت تنظر إليه غير مصدقة، هل هذا هو نفس الرجل الذي كان فظًا منذ قليل، ابتسمت ابتسامة جانبية خفيفة، حاولت اخفائها لاحظ هو بسمتها تلك فاضيقت عيناه وهو لا يعرف تبادله مشاعره ام تسخر منها، ثم قالت

- أنا محتاجة أفكر، عارفة اني وافقت من اول الجوازة أننا نتعرف على بعض بشكل مباشر وده حصل، بس انت يا (حازم) شخصيتك مش مفهومة بالنسبة ليا، ساعات بحسك غريب عني


انقبض قلبه، ولكنه لم يتحدث ولم يصر، ابتسم بهدوء ثم قال

- من حقك تراجعي تفكيرك طبعًا


فنظرت له فقد أصبح وديعًا لطيفًا للغاية، أكان كل ما سبق مجرد غيرة وليس شك لأنه لا يعرف حقيقة مشاعرها نحوه، لو كان الأمر كذلك ولو اعترفت بحبها له، لن يظل شكاك لها، ما المعضلة؟!

فهو زوجها بالنهاية ولكن عليها أن تتأكد من مشاعره، وأنها حقيقية وليست وليدة لحظة اندفاع بسبب مساعدتها له منذ أن تعرفت عليه ..

❈-❈-❈

بعد مرور يومان ..

لم يحاول أن يضغط عليها في مشاعرها تركها تفكر كما طلبت، فهي محقة فهو شخصية متبدلة تتغير تصرفاته كثيرًا كحالات الماء، حتى أنه احيانًا لا يفهم نفسه ..


في حين كانت (ساندي) قد قابلت صديقتها بكافتريا بالقرب من منزل (حازم)، بعد أن ودعت صديقتها، قررت أن تذهب إليهم وتقضي السهرة معهم بعدها تذهب إلى المنزل، في خلال ربع ساعة كانت بمنزلهم فرحبت بها (نغم) كثيرًا، وطلبت منها أن تجلس معهم، فشقيقها بالطريق وهي ستعد الطعام بالمطبخ لحين وصوله، في ذلك الوقت كان (حازم) بغرفة مكتبه ينتهي من بعض الأعمال الخاصة به، فشعرت (ساندي) بالملل ففتحت هاتفها تتفحص مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بها وبعد قليل رنّ جرس الباب رنّة قصيرة، فنهضت من مكانها بتكاسل، واتجهت نحو الباب، وما إن فتحته حتى وجدت (هيثم) واقفًا أمامها، تعلم أنه ابن خالة (نغم) وشقيقها وتعلمه جيدًا، فقد تحدثت معه مرتان قبل ذلك، بينما هو كان ينظر إليها بدهشة مماثلة فلم يتوقع أنه سيلتقي بها هنا اليوم، ولكنه ابتسم ابتسامة هادئة ثم قال بمرح

- أمي داعية ليا ولا إيه؟


ارتبكت، وتلعثمت كلماتها، لم تعرف ماذا عليها أن تقول له

- إنت .. إنت عاوز (نغم)؟


وما أن شعرت أن كلماتها غير مناسبة قالت مصححة

- اتفضل


ابتسم ابتسامة جانبية، وقال بصوت منخفض

- وممكن أبقى عاوزك إنتي عادي يعني


اتسعت عيناها بذهول، وقالت مندهشة

- أفندم؟!


ضحك وقال وهو يدلف نحو الداخل

- ما تقفّشيش كده


أغلقت الباب ودلفت خلفه وهي لا تفهم لما يحدثها بأريحية وكأنهم اصدقاء منذ زمن، فجلس في غرفة الجلوس وهو ينظر لها وجدها مندهشة قليلًا فقال بنبرة لعوبة

- هو انا كل مرة هفكرك بنفسي يا صاحبة العربية ولا ايه؟!


احمرّ وجهها خجلًا من اسلوبه في الحديث، وردّت بانفعال

- إيه اللي بتقوله ده يا جدع إنت؟!


- اسمي (هيثم) لو مش فاكرة


جلست بعيدًا عنه وامسكت هاتفها، فلا ترغب في الحديث معه حقيقة، فظلّ يراقب حركتها بنظرات مستفزّة، فلاحظت نظراته لتقول بتوتر

- ه.. هروح أندهلك (نغم)


ردّ مبتسمًا

- واعمليلي كوباية قهوة من إيدك الحلوة دي


رفعت حاجبيها بدهشة

- أفندم؟!


قال متصنعًا الجدية

- دي تقاليد العيلة .. الراجل لما يحب يتجوز واحدة، أول حاجة بيدوقها من إيدها القهوة، لو حلوة يتجوزها، لو وحشة يدلقها في وشها .. وأنا قررت أمّن عليكي وأتجوزك مع في معجبات كتييير والله


رمشت عينيها عدة مرات من وقاحته

- إيه الكلام ده؟ اتكلم عدل بدل ما أقول ل(حازم) أو (نغم)


اجاب بنبرة أكثر استفزازً

- قولي .. عشان أتجوزك يا قمر


لم تصدق ما يتفوه به ذلك الأبله

- لااا! ده إنت مجنون رسمي!


قال وهو ينظر لها بنظرة مختلفة قليلًا

- مش يمكن أنتِ السبب


عضت شفتاها بغيظ وقالت

- ومش طبيعي كمان!


— ما المجنون مش طبيعي يا بنتي، كل مرة هقولك كده


زفرت بضيق

- يوووه .. أنا رايحة أنده (نغم)


ابتسم وهو يتابعها بعينيه، بينما دخلت (ساندي) المطبخ، ثم أخبرتها أن شقيقها بالخارج ويريد كوبًا من القهوة، فشعرت (نغم) بسعادة لوصول شقيقها فلم تتحدث معه وجهًا لوجه منذ أن تزوجت تقريبًا، تراه فقط في تجمعات، فطلبت من (ساندي) أن تعد كوب القهوة وهي ستخرج كي ترحب به، توترت (ساندي) ولكن ماذا ستفعل عليها فعلها ..


خرجت (نغم) للخارج ورحبت بشقيقها وجلسا يتسامران معًا، فقد افتقدت وجوده في حياتها للغاية، فسألها عن أحوالها بزوجها وأجابت أنها جيدة معه، وهو لم يعد يفعل تصرفات تجعلها تخشى منه، ظلا يثرثران حتى خرج (حازم) من غرفة مكتبه واستقبله استقبال حسنًا، حتى اتت (ساندي) بكوب القهوة وقدمته له بلا مبالاة وهي تقول 

- اتفضل


نظر إليها، ثم إلى القهوة، وقال بخبث

- مكنتش متخيل إنك توافقّي


ارتبكت كثيرًا وكانت تتنقل بنظراتها بين شقيقها وزوجته لتقول

- أوافق على إيه؟


ابتسم وهو يقول بهدوء

- إنك تعمليلي قهوة


ثم ابتسم لها ابتسامة ذات مغزى، فجلست (ساندي) بجوار (نغم) غاضبة ناقمة من نفسها لأنها قامت بأعداد ذلك الكوب له، بينما أخذ (هيثم) رشفة وقال

- لا .. تنفعني بصراحة


اتسعت عيناها من وقاحته وقالت

- أنفع لإيه؟


- تعملي قهوة


قالها مبتسمًا لتشعر هي بتوتر كبير، فقالت (نغم) ضاحكة

- مترخمش على (ساندي)، محدش بيستحمل غتاتك غيري


- أنا غتّت؟!


ضحكت على أسلوبه الساخر وابتسم (حازم) ليستغل الفرصة وينظر خلسة إلى زوجته، فهي كانت لا تحدثه الأيام الماضية، لاحظ (هيثم) نظراته لها فابتسم وهو يرتشف القهوة ثم سأل

- انتوا لسه متخانقيين ولا إيه؟!


فركت (نغم) يدها بتوتر، ثم إجابته بهدوء

- لا خالص .. كان مجرد سوء تفاهم بس يا (هيثم) وراح لحاله


ثم وجهت نظرها نحو (حازم) وقالت

- مش كده؟! 



أشرق وجهه وهو ينظر لها ثم اماء برأسه، فنهضت هي على الفور وهي تخبرهم أنها ستعود طاولة الطعام ليتناول العشاء سويًا، فابتسم (هيثم) بخبث، يعلم أن شقيقته مغرمة به منذ أن وقعت عيناها عليه ويبدو أنه أصيب بنفس اللعنة منذ أن وقع بصره على شقيقة (حازم) ..

❈-❈-❈

في عصر اليوم التالي ..

بعد أن انتهيا من عملهما، طلب منها أن يذهبا إلى منزل والدته، إذ كانت قد دعتهما إلى الغداء، فاستجابت له (نغم)، بل شعرت بسعادة هادئة تسري في صدرها منذ أن اعترف لها بحبه وقررت اعطائه فرصة اخرى، فهو يستحق وقد المحت له بالأمس حين كان معهم شقيقها أن الأمر قد أغلق تمامًا، وفهمت أنه فهم ذلك لأنه حدثها في الصباح بأريحية عن الأيام السابقة أدركت أنه لا يريد إتمام الزواج بصورة نهائية قبل أن تنتهي الفوضى التي تملأ حياته، فلم تشعر بالضيق، بل رأت أنه محق، وعليها تفهم ما يحدث في حياته ..


أما هو، فكان يقود السيارة، فقرر منذ الصباح بأنه سيكون لطيفًا معها خلال الفترة القادمة، وعليه أن يكف عن تلك المعاملة الجافة التي أنهكها بها ..


وصلوا إلى منزل والدته، التي رحبت بهما بحرارة واضحة، فقد صعدت بالأعلى لتضع اغراضها بعد أن أخبرها زوجها بالطريق أنهم سيقضوا الليلة مع والدته، وما أن انتهت حتى ذهبت لتقوم بتحضير المائدة معهم، ثم جلسوا جميعًا يتناولون الطعام ويتبادلون الأحاديث في أمور شتى ..


لم يكن (حازم) يفعل شيئًا سوى أن يختلس النظر إلى زوجته بين الحين والآخر، يراقب ملامحها، ابتسامتها، وطريقة حديثها، تناولها للطعام، وجودها إلى جواره كان كفيلًا بأن يحسن من حالته النفسية دون جهد ..


وفي تلك الأثناء، دوّى صوت جرس الباب، نهضت (ساندي) لتفتحه، لتتفاجئ بوجود (رؤوف) حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة، كانت قد اتخذت قرارها بأن تتعامل معه كما تتعامل مع شقيقها، دون أن تبني آمالًا أو أحلامًا وردية لشيء لن يكون له وجود إلا في مخيلتها ..


لكن اللعنة، ابتسامته الجذابة وهو يلقي التحية عليها جعلت قلبها يسقط إلى قدميها، ورغم ذلك تماسكت، ورسمت الجمود على ملامحها ..


دلف إلى الداخل، ولاحظ وجودهم على المائدة، هو بالفعل كان يعلم أن (نغم) ستأتي اليوم فقد استمع بالأمس لمحادثة بين والدته وخالته، فهم من خلالها أن (حازم) وزوجته سيقضون الليلة في بيت خالته، وهو لم يستطع ردع نفسه عن رؤيتها، ماذا سيفعل بقلبه؟!


عرضت عليه (عفت) أن يشاركهم الطعام، فرفض بلطف، مبررًا وجوده بأنه نسي بعض الأوراق المهمة في الغرفة التي كان يقيم بها سابقًا، وما إن وقعت عيناه على (نغم) حتى ابتسم تلقائيًا وقال

- ازيك يا (نغم)؟ عاملة إيه؟


تصلبت للحظة، وشعرت بتوتر مفاجئ، ونظرت سريعًا إلى (حازم) الذي ارتسم الجمود على ملامحه، ثم أجابت بصوت متلعثم

- ال .. الحمد لله


لاحظ (رؤوف) ارتباكها، فحوّل نظره نحو زوجها وقال بنبرة عادية

- احنا طبعًا بنشوف بعض كل يوم في الشغل


ابتسم (حازم) ابتسامة باهتة وهو يومئ برأسه دون تعليق، أستأذنهم ليصعد للطابق العلوي كي يرى ما أتى من اجله، ثم صعد إلى الطابق العلوي ..


زفر (حازم) بضيق، وتمتم بكلمات سباب منخفضة لا تكاد تُسمع، لم يكن يطيق وجود (رؤوف)، ولا تحركاته حوله في كل مكان ونظراته لزوجته، تمامًا كما قال (وائل) من قبل هو ليس إلا مفسد للتجمعات ..


في الأعلى، اتجه (رؤوف) نحو الغرفة التي كان يقيم بها، لكنه لاحظ أن باب غرفة (حازم) مفتوح، عضّ على شفتيه مفكرًا للحظات

هل يدخل؟

ربما يجد شيئًا .. أي شيء


ألقى نظرة سريعة نحو الأسفل، فوجدهم منشغلين بتناول الطعام، لا أحد ينتبه له، دلف سريعًا إلى الغرفة، وبدأ يبحث بين الأغراض عن أوراق، أو ملفات، أو أي خيط يقوده إلى شيء مفيد، لكنه لم يجد شيئًا حتى وقعت عيناه على هاتف (نغم)، حك مؤخرة رأسه بتردد، فحديث (شيرين) الأخير ظل يتردد في ذهنه؛ (نغم) تعرف أشياء عن عمل (حازم)، أشياء قد لا يعرفها هو نفسه، كانت تلك الجملة معضلة، حاول فك شفرتها لكنه لم يستطع بالنهاية ..


تناول الهاتف بسرعة، وفتح تطبيق الواتساب الخاص بها، واتجه مباشرة إلى المحادثة بينها وبين (حازم)، توقفت أنفاسه حين وجد عدة ملفات Word أرسلتها له ..


دون تردد، أرسل جميع الملفات إلى نفسه عبر رقمه المسجل في هاتفها، ثم حذف المحادثة بالكامل من هاتفها، فهو صراحة منذ أن تعرف عليها لم يحدثها عبر ذلك التطبيق، فهي لا تسمح بذلك مجرد مكالمات بخصوص العمل وتجيب بعد عدة اتصالات، كان يتعجب حقيقة كون تلك الفتاة تعيش معهم بنفس العالم، فحوله الفتيات يسهل التعرف عليهم إلا تلك التي لم تكن تعطي له أي مجال للحديث سوى في العمل ..


توقفت يداه لحظة حين لاحظ صورتها في خلفية للهاتف، حدق فيها شاردًا لثوانٍ، ملامحها، نظرتها، ابتسامتها لم يشعر بنفسه سوا أنه وجد نفسه قام بأرسال الصورة إلى هاتفه ثم قام بحذف المحادثة للمرة الثانية، يعلم أن ما يفعله خطأ جثيمًا ولكن هل للحب قوانين؟!


 أعاد الهاتف إلى مكانه كيفما كان، ثم خرج من الغرفة واتجه إلى الغرفة الأخرى، قبل أن يراه أحد ..

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة


1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل