قراءة رواية (ظل أبيض) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (ظل أبيض)
"حينما تكون للروح كلمة مسموعة"
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: (نور إسماعيل) | الفصل: (1)
ثَمَّةَ لحظاتٌ في حياة الإنسان يعجز فيها عن فهم ما يحدث حوله، لحظاتٌ تتسلَّل إلى عمره دون استئذان، فتبعثر أفكاره، وتزلزل يقينه، وتضعه وجهًا لوجه أمام حقيقةٍ لم تخطر له يومًا على بال. يعيش المرء أحيانًا وهو يظن أن الأمور تسير وفق ما خطَّط لها، وأنه يمسك بزمام حياته، ويعرف خباياها، ويدرك ما يدور في أركانها المظلمة قبل أن يتسلَّل إليها الضوء، فيطمئن إلى معرفته، ويستكين إلى ما يعتقد أنه حقيقةٌ ثابتة لا تقبل الشك، وينسى، في غمرة ذلك كله، أن الحياة أكثر اتساعًا من حدود إدراكه، وأن خلف كل بابٍ مغلق أسرارًا قد لا تُكشف إلا حين يشاء القدر.
يعيش الإنسان وهو يعتقد أنه يعرف كل شيء؛ يعرف الوجوه التي تحيط به، ويحفظ نبرات الأصوات التي اعتاد سماعها، ويُميِّز الصدق من الكذب، والوفاء من الخيانة، ويظن أن بإمكانه قراءة ما تخفيه العيون، واستنباط ما تعجز الألسنة عن البوح به. يضع لكل إنسان مكانًا في قلبه، ولكل حكاية نهايةً يتوقعها، ولكل طريقٍ وجهةً يظن أنه يعرفها، ثم يمضي مطمئنًّا إلى ظنونه، كأنما امتلك مفاتيح الغيب، وكأن الأيام قد أقسمت له ألَّا تفاجئه بما لم يحسب له حسابًا.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
لكنَّ الحياة لا تمنح أحدًا عهدًا بالبقاء على حاله، ولا تُخبرنا مسبقًا متى ستنقلب الموازين، ولا أيُّ لحظةٍ ستختار لتسحب من تحت أقدامنا الأرض التي اعتدنا الوقوف عليها. قد يكون كل شيءٍ هادئًا من حولنا، وقد تبدو الأيام متشابهةً إلى الحد الذي يجعلنا نؤمن بأن الغد لن يختلف كثيرًا عن الأمس، ثم يحدث ما لم يكن في الحسبان، فتتغيَّر الحياة في لحظة، وتنشقُّ ستائر الحقيقة عن مشاهد لم نكن نعرف بوجودها، وتسقط الأقنعة التي طالما حسبناها وجوهًا حقيقية، ونكتشف أن ما كنا نراه بأعيننا لم يكن سوى جزءٍ ضئيل من حكايةٍ أكبر بكثير مما تصوَّرنا.
وفجأةً، دون مقدماتٍ واضحة، ودون فرصةٍ كافية لالتقاط الأنفاس أو استيعاب ما يجري، تنقلب الأشياء رأسًا على عقب. تتبدَّل المواقع، وتتغيَّر الحقائق، وتصبح الإجابات التي طالما وثقنا بها أسئلةً جديدة، ونجد أنفسنا في مواجهة واقعٍ لا يشبه ذلك الذي ألفناه. نمدُّ أيدينا إلى ما اعتدنا الإمساك به، فلا نجد سوى الفراغ، ونحاول التمسُّك بما ظننَّا أنه ثابت، فإذا به يتداعى من حولنا كجدارٍ أنهكه الزمن، ولم يبقَ فيه ما يقوى على مقاومة العاصفة.
وفي خضمِّ تلك الفوضى، لا يعود الإنسان واثقًا حتى من الأشياء التي كان يعدُّها من المسلَّمات. يبدأ في مراجعة كل ما مرَّ به، يستعيد الكلمات القديمة، ويستحضر الوجوه التي عبرت حياته، ويعيد ترتيب الذكريات في عقله، باحثًا عن إشارةٍ صغيرة، أو تفصيلٍ عابر، أو كلمةٍ قيلت في غير موضعها، لعلَّه يجد فيها ما يفسِّر هذا الانقلاب المفاجئ. يتساءل في حيرة: كيف لم أنتبه؟ كيف مرَّ كل ذلك أمام عينيَّ ولم أره؟ كيف كنت قريبًا إلى هذا الحد من الحقيقة، ومع ذلك كنت أبعد الناس عنها؟
ولعلَّ أقسى ما قد يواجهه الإنسان ليس أن يجهل الحقيقة، بل أن يكتشف أنه عاش طويلًا وهو يظنُّ أنه يعرفها. أن يكتشف أن يقينه كان ستارًا يحجب عنه الرؤية، وأن ثقته التي احتمى بها لم تكن سوى بابٍ مفتوحٍ للدهشة والخذلان، وأن بعض الأشياء التي بنى عليها عمره لم تكن كما تخيَّلها قط. عندئذٍ، لا يكون الألم في الحقيقة وحدها، وإنما في كل ما سبقها من أعوام، وفي كل شعورٍ منحه لمن لا يستحق، وفي كل قرارٍ اتخذه استنادًا إلى وهمٍ حسبه يقينًا، وفي كل فرصةٍ ضاعت منه لأنه لم يكن يعرف ما ينبغي له أن يعرفه.
غير أن القدر، حين يقرِّر أن يكشف للإنسان وجهًا آخر من حياته، لا يستأذنه، ولا ينتظر استعداده، ولا يمنحه رفاهية الاختيار بين أن يعرف أو يظلَّ غارقًا في جهله. إنه يأتي أحيانًا كعاصفةٍ لا تُبقي شيئًا في موضعه، تهدم ما ظننَّاه حصينًا، وتزيح الستائر عن أسرارٍ طال اختباؤها، ثم تتركنا وسط الركام، نحدِّق في ما تبقَّى من أعمارنا، ونتساءل إن كان في وسعنا أن نعيد بناء ما تهدَّم، أم أن بعض الخسارات لا تمنح أصحابها فرصةً أخرى للتعويض.
وهناك لحظاتٌ لا تتغيَّر فيها الحياة من حول الإنسان فحسب، بل يتغيَّر فيها هو نفسه، وتتبدَّل علاقته بكل ما يعرفه. لحظاتٌ يتوقَّف فيها عن كونه ذلك الشخص الذي اعتاد التفكير والتخطيط والاختيار، ويصبح عاجزًا عن تحريك إصبعٍ واحد، أو النطق بكلمةٍ واحدة، أو حتى التعبير عن الرعب الذي يمزِّق أعماقه. لحظاتٌ يفقد فيها السيطرة على جسده، فيغدو جسدًا مسجًّى لا حول له ولا قوة، ساكنًا في أعين الآخرين، بينما تدور في أعماقه عوالم لا يعلم عنها أحدٌ شيئًا.
جسدٌ يرقد بلا حراك، كأن الحياة قد انحسرت عنه، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة التي سقط فيها كل شيء. عينان أُغلقتا عن رؤية العالم، وشفاهٌ صمتت بعدما كانت تنطق بما تشاء، ويدان عجزتا عن الوصول إلى أقرب الأشياء إليهما. جسدٌ تحاصره السكينة من الخارج، بينما قد تكون روحه في مكانٍ آخر، تخوض معركةً لا يسمع صراخها أحد، وتكتشف من الأسرار ما لم تستطع اكتشافه طوال سنوات عمرها.
فأيُّ مفارقةٍ أشدُّ غرابةً من أن يصبح الإنسان عاجزًا عن الحركة، في الوقت الذي تبدأ فيه رؤيته الحقيقية للأشياء؟ أن يفقد القدرة على التدخُّل في حياته، في الوقت الذي تتكشَّف له فيه تفاصيلها الخفية؟ أن يصبح أسير جسده، بينما تنطلق روحه في رحلةٍ تتجاوز حدود المكان، وتعيد النظر في كل ما مرَّ بها، كأنها لم تبدأ في الفهم إلا بعدما فقدت القدرة على التغيير؟
هناك، في تلك المسافة الغامضة بين الجسد والروح، حيث تتلاشى الأصوات المألوفة وتبتعد الوجوه، قد يجد الإنسان نفسه أمام حقائق لم يكن مستعدًّا لمواجهتها. تنكشف له خيوط الحكايات التي ظنَّ أنها انتهت، وتتضح له أسباب مواقفٍ حيَّرته طويلًا، وتظهر أمامه وجوهٌ أخرى لأشخاصٍ حسب أنه يعرفهم حق المعرفة. قد يفهم أخيرًا لماذا حدث ما حدث، ولماذا اتُّخذت بعض القرارات، ولماذا تبدَّلت مشاعرٌ كان يظنُّها ثابتة، ولماذا خذله من وثق بهم، أو ابتعد عنه من أحبَّهم، أو ضاعت منه أشياء ظلَّ يبحث عنها في الاتجاه الخطأ.
وربما يرى في تلك الرحلة ما لم يكن يراه حين كان حاضرًا بين الناس؛ يدرك قيمة كلمةٍ تجاهلها، ويفهم مغزى صمتٍ أساء تفسيره، ويكتشف أن وراء بعض القسوة خوفًا لم يُفصح عنه صاحبه، وأن خلف بعض الابتسامات وجعًا لم يجد من يلتفت إليه، وأن أشياء كثيرةً كان يراها واضحةً لم تكن سوى صورٍ ناقصة لحقيقةٍ أكبر.
وربما تكون الصدمة الأعظم أن يكتشف الإنسان أنه كان قادرًا على إنقاذ أشياء كثيرة لو أنه عرف الحقيقة في وقتها. لو أنه أصغى حين كان ينبغي له أن يصغي، وسأل حين كان الصمت يفتح أبواب الشك، وتأنَّى حين دفعه الغضب إلى اتخاذ قراراتٍ متعجِّلة، ومدَّ يده حين كان الطرف الآخر ينتظر منه إشارةً واحدة تثبت أنه لم يكن وحيدًا. كم من علاقةٍ انتهت بسبب سوء فهم، وكم من قلبٍ انكسر لأن صاحبه عجز عن التعبير، وكم من فرصةٍ ضاعت لأن الحقيقة تأخَّرت قليلًا عن موعدها!
وهنا، تصبح المعرفة نفسها نوعًا من العذاب؛ فما قيمة أن تعرف الحقيقة بعدما يفوت أوان إصلاحها؟ وما جدوى أن تفهم دوافع الآخرين بعدما تنقطع الطرق بينك وبينهم؟ وما نفع أن تدرك أنك أخطأت في حق إنسانٍ لم يعد قادرًا على سماع اعتذارك، أو أن تعرف أنك ظلمت قلبًا لم يعد ينتظر منك إنصافًا، أو أن تكتشف أنك أحببت شخصًا على نحوٍ لم تفهمه إلا بعدما أصبحت المسافة بينكما أبعد من أن يقطعها الكلام؟
إنَّ الندم شعورٌ ثقيل، لكنه يصبح أشدَّ وطأةً حين يُحاصر الإنسان داخل عجزه. حين تتزاحم الكلمات في صدره، فلا تجد طريقًا إلى شفتيه، وحين يشتعل قلبه بالرغبة في تصحيح خطأٍ واحد، فلا تمتدُّ يده إلى شيء. يريد أن يصرخ، أن يحذِّر، أن يعتذر، أن يوقف ما يحدث، أن يعود إلى لحظةٍ بعينها ويختار طريقًا آخر، لكنه لا يملك من أمره شيئًا. يصبح شاهدًا على حكايته، بعدما كان يظن نفسه بطلها الذي يوجِّه أحداثها كيف يشاء.
ولعلَّ هذا هو الامتحان الأصعب للروح؛ أن تعرف ولا تستطيع أن تفعل، وأن ترى ولا تستطيع أن تشير، وأن تفهم ما يجري بينما يستمرُّ العالم في الدوران دون أن ينتبه إلى وجودك. أن تكون حاضرًا في مكانٍ لا يستطيع أحدٌ أن يراك فيه على حقيقتك، وأن تحمل من الأسرار ما قد يغيِّر مصائر الآخرين، لكنك لا تملك وسيلةً لإيصالها إليهم.
ومع ذلك، تظلُّ هناك نافذةٌ صغيرة يتعلَّق بها الأمل؛ نافذة العودة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
العودة إلى الجسد، إلى الحياة، إلى الأصوات التي افتقدتها الروح، وإلى الوجوه التي تركتها خلفها دون وداع. العودة إلى العالم الذي لم تنتهِ حكايته بعد، وإلى الأيام التي ربما لا تزال تخبِّئ فرصةً أخيرة للتصحيح. فماذا لو عادت الروح بعدما عرفت كل شيء؟ ماذا لو فتحت العينان من جديد، واستعادت اليدان قدرتهما على الحركة، وعاد الصوت إلى الحنجرة، وعاد الإنسان إلى الحياة محمَّلًا بأسرارٍ لم يكن يعرفها من قبل؟
هل ستكون العودة بدايةً جديدة، أم أنها ستأتي متأخرةً إلى حدٍّ لا ينفع معه الندم؟ هل يستطيع أن يكشف الحقائق التي ظلَّت مدفونةً تحت ركام الأكاذيب؟ هل سيتمكَّن من مواجهة الذين خدعوه، وإنصاف الذين ظلمهم، واحتضان الذين فرَّط فيهم، وإصلاح ما أفسدته قراراته حين كان يسير معصوب العينين؟ أم أنه سيعود ليجد أن الحياة لم تنتظره، وأن الأبواب التي كان يستطيع فتحها قد أُغلقت إلى الأبد، وأن الأشخاص الذين كان يبحث عنهم قد غادروا أماكنهم، وربما غادروا حياته دون رجعة؟
ماذا لو عاد ليكتشف أن الحقيقة التي عانى كي يعرفها لم تعد قادرةً على تغيير شيء؟ وأن الاعتذار الذي ظلَّ يتمنَّى تقديمه لن يجد أذنًا تسمعه، وأن الكلمات التي ادَّخرها في قلبه لن تجد من يستحقُّ أن يسمعها، وأن اليد التي اشتاقت إلى الإمساك بيدٍ أخرى لن تجد سوى الفراغ؟ أيُّ وجعٍ يمكن أن يفوق أن تُمنح فرصة العودة، ثم تكتشف أن ما عدت من أجله لم يعد موجودًا؟
لكن، في المقابل، ماذا لو كانت العودة هي الفرصة التي لم يكن يحلم بها؟ ماذا لو عاد وفي يده من المعرفة ما يكفي لتغيير مسار الحكاية، وفي قلبه من الندم ما يجعله أكثر رحمةً، وفي روحه من النضج ما يمكِّنه من رؤية الناس بعيدًا عن ظواهرهم؟ ماذا لو أدرك أن الحياة لا تمنحنا دائمًا فرصةً لمحو أخطائنا، لكنها قد تمنحنا فرصةً لنصبح أشخاصًا أفضل، وأن بعض الحقائق لا تأتي لتعيد الماضي، بل لتمنعنا من تكرار مآسيه؟
فربما لا تكون العودة نهاية الرحلة، بل بدايتها الحقيقية. وربما يكون انكشاف الأسرار هو أول الطريق نحو النجاة، مهما كان الثمن الذي دُفع في سبيل المعرفة. وربما يتعلَّم الإنسان أخيرًا ألَّا يؤجِّل كلمة حبٍّ يستطيع قولها اليوم، وألَّا يترك سوء الظنِّ يهدم ما بناه العمر، وألَّا يستهين بوجع الآخرين، وألَّا يتعامل مع وجود من يحبهم كأنه أمرٌ مضمون لا يمكن أن يتغيَّر.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
فالحياة، مهما بدت طويلةً، أقصر من أن نهدرها في الخصام، وأثمن من أن نضيِّعها في العناد، وأعقد من أن نختزلها في أحكامٍ متسرِّعة. وما نظنُّ أننا نعرفه اليوم قد ينكشف لنا غدًا على صورةٍ أخرى، وما نراه نهايةً قد يكون بدايةً لشيءٍ لم نفهمه بعد، وما نعتقد أنه خارج سيطرتنا قد يكون درسًا قاسيًا يعلِّمنا كيف نرى أنفسنا والعالم من حولنا بعيونٍ مختلفة.
ومع ذلك، يبقى السؤال معلَّقًا في فضاء الحكاية، كصرخةٍ لا تجد من يجيب عنها، وكبابٍ مواربٍ على المجهول، وكخيطٍ رفيع يفصل بين الأمل والفقد، وبين النجاة والندم، وبين فرصةٍ أخيرة ونهايةٍ لا رجعة بعدها.
ترى، حين تعود الروح إلى جسدها، هل ستعود معها القدرة على كشف الحقائق، وإزاحة الستار عن الأسرار، وتصحيح الأخطاء التي غيَّرت مجرى الحياة؟ أم أنها ستفتح عينيها على عالمٍ لم يعد يشبه العالم الذي تركته، وتكتشف أن الحقيقة وصلت أخيرًا، لكنها وصلت بعد فوات الأوان؟
وهل يستطيع الإنسان، حين يعرف الحقيقة كاملةً، أن يغيِّر بها مصيره، أم أن بعض الحقائق لا تأتي إلا لتكشف له حجم ما خسره، وتجعله يدرك أن هناك أبوابًا، إن أُغلقت، فلن تُفتح مهما طرقها الندم؟
لعلَّ القدر وحده يعرف الإجابة، ولعلَّ الأيام تخبِّئ في طيَّاتها ما لا تستطيع العقول توقُّعه. أما نحن، فلا نملك سوى أن ننتظر اللحظة التي يعود فيها الجسد إلى الحياة، أو تعود فيها الحقيقة إلى النور، لنكتشف معًا ما إذا كانت الحكاية لا تزال تحتمل فصلًا جديدًا، أم أن آخر فصولها قد كُتب بالفعل، ولم يبقَ لنا سوى أن نقرأه بقلوبٍ مثقلةٍ بالأسئلة، وأرواحٍ تخشى أن تكون قد فهمت كل شيءٍ بعدما انتهى كل شيء.
فبعض الحكايات لا تنتهي حين يصمت أصحابها، وبعض الأرواح لا تتوقَّف عن البحث لمجرَّد أن الأجساد سكنت، وبعض الحقائق تظلُّ حبيسة الظلام حتى تأتي اللحظة التي يقرِّر فيها القدر أن يكشفها.
لكنَّ السؤال الأهم يظلُّ قائمًا: حين تنكشف الحقيقة أخيرًا، هل تكون خلاصًا للروح، أم حكمًا عليها بأن تعيش إلى الأبد مع ما عرفت، وما عجزت عن تغييره؟
❈-❈-❈
(مُهاب)
قد لا أكون صديقاً جيّداً في كثيرٍ من الأحيان ؛ لكنّني أحفظُ الودّ وأكتمُ السرّ مهما طالت المسافاتُ بيننا
قد لا أكون صديقاً تستطيع الاتّكاء عليه طوالَ الوقت
لكنني- من بعيدٍ - أفرحُ لأجلك أحزنُ إن أصابكَ سوءٌ، وأدعو
لك دوماً بالخيرِ..
حديثي قليلٌ، لكنّك ستجدُني دوماً هُنا أجيدُ الاستماع لك باهتمام وأسبّ الحظّ معكَ.. لأجلك.
تأنقت كعهدي كلّ صباحٍ أمام المرآة قمت برش بعض زخاتٍ من العطر المفضل لي، ربطت رابطة العنق، رأيت هندامي كاملاً ومن ثمّ سمعت صوت طرقاتٍ على الباب
_مُهاب بيه، والدة حضرتك وفارس بيه مستنينك عالفطار
_أنا نازل أهو
سِرت بالرُدهة ومنها إلى الدرج، هبطت من عليه لأنضمّ إليهم على طاولة الإفطار، قبّلت يد ورأس أمي وصافحت شقيقي فارس وجلست
_إيه يا مُهاب هتروح الشركة على طول ولا عندك مشوار الأول
_لاء الشركه يا أمي
تدخل فارس متحدثاً يوجه حديثه إليّ :
_بس إحنا عندنا مشوار الأول يا مهاب
عقدت حاجبيّ وأردفت له بتساؤلٍ إثر تناولى طعامي :
_موضوع إيه ؟
_موضوع بيع الڤيلا يا مهاب نسيت ولا إيه، الفيلا بتاعتك المقفولة في زايد
تركت طعامي وتحدثت له بهدوء مبتسماً :
_فارس أنا مش هبيع الڤيلا، وسبق وقولتلك قبل كدا
أنهيت طعام الإفطار ونهضت مترجلاً إلى الخارج، استقليت سيارتى وانطلقت.
❈-❈-❈
(نسمة)
من أجمل المشاعر على الإطلاق؛ أٔن تجد شخصاً واحداً في هذا العالم تستطيع التحدُّث معه في أي شيء
أن تخبره بكل شيء دون أن تتجمَّل وأن تفكِّر ، أن تروي له كل أفكارك مهما كانت سخيفة ومخزية ومؤلمة، دون أن تراودك أطياف القلق من تغير نظرته عنك، أن يمنحك القدرة لتحُب نفسك بكل نواقصك أكثر.
وهذا كله وجدته بحبيبي مهاب، أينعم أنا مازلت أعمل تحت يده في شركته الخاصة ولكن _كيوبيد_ قد علم طريق قلبينا رمى سهامه.
لا أعلم متى بدأت قصة حبنا ولكنها أجمل قصة حب عرفها التاريخ من وجهة نظري ، يحبني بجنونٍ وأعشقه حدّ السماء، وغداً لن أصبح مجردَ موظفةٍ بشركته بل سأصبح زوجة صاحب الكيان كله..
دلف بخطواته الواثقة وقام بإلقاء السلام على كل الموظفين، استقبلته أنا بابتسامةٍ مشرقة وتبعت خطواته إلى أن وصل إلى مكتبه :
_صباح الخير يافندم
_صباح الخير يانسمة ، أخبار الشغل إيه؟
_أكيد كويس طول م حضرتك مديرنا
أشار إلى مساعده الأستاذ قاسم أن ينصرف الآن فتبقيت أنا وهو بمفردنا.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
اقتربت من مكتبه متحمسةً وأردفت له بعدما شبّكت أناملي بأنامله:
_صباح الخير يا حبيبي
_صباح الفل يا أحلى نسمة ،يانسمة شوق فليل محبة ياغنوة بتحلى حبة حبة
يا حلم جميل ما بيعديش
ابتسمت له ابتسامةً واسعة فأردف لي متذمراً وهو يشير إلى شفتيّ :
_إيه الروچ الفاقع دا ياهانم؟؛
_إيه بس ماله؟
نظرت إلى إنعكاس شاشة هاتفي وعدّلت من وضع الحُمرة خاصتي مع قولي :
_طب كدا أحسن؟
_روچ أحمر ممنوع، واليونيفورم يوسع شوية.. نسمة!
_عيون نسمة
_متخلنيش أقلب عالوش التاني
سمعنا صوت طرق الباب فشرعت بالخروج وودّعته بقبلاتي في الهواء وعُدت إلى مكتبي ثانية وأنا في قمة نشاطي ككل يوم.
❈-❈-❈
(فارس)
لا يهمُّني إذا سبقَني أحدٌ في شيءٍ، بل لا يعنيني الركبُ كلُّه.
أنا هُنا
لي طريقي، خُطواتي، أحلامي، أسيرُ وقتما أريدُ ، كيفما أريدُ أرفضُ هذا، وأقبلُ ذاك أتأخرُ، أتوقَّفُ، أغيِّرُ وجهتي تماماً !
عيني لا تلحظُ إلا خُطاي، وعقلي لا يسعُ أكثر من شأني.
يقولون عنّي بأنّني أناني ولا أحب سوى ذاتي، أعترف كوني أضع نفسي فيةالمقام الأول والبقية تأتي.
ولكن من مِنّا لا يحب نفسه؟
لم أكترث لما أبلغني به شقيقي مهاب في الصباح، أنا على موعدي مع هؤلاء مشتري الڤيلا وسأقوم بإنهاء جميع الأمور اليوم..
❈-❈-❈
(هيثم)
يقول نيتشه :أحياناً لايريد الناس سماع الحقيقة، لأنهم لايريدون رؤية أوهامهم تتحطم!
أنا أغلقت عينيّ وأذنايّ عن الحقيقة وأصبحت أنجرف خلف التيار علّني أنسى.
أنا هيثم، صديق مهاب المقرب والوحيد، وأيضاً أعلم بقصة حبه المفعمه بنسمة _موظفته بالشركة_ تلك العلاقة التي لن ترضى عنها والدته أو شقيقه فارس.
ولكن مهاب إعتاد منذ صغره أن يفعل مايحلو له دون الاكتراث لما يقوله أو يفعله الآخرون، اليوم هو عيد ميلاد نسمة.
طلب منّي مهاب _نظراً لأنه مشغول_ أن أرتب له أمور الحفل في إحدى قاعات الحفلات الشهيرة، وبالفعل
قمت بدعوة مطرب نسمة المفضل، لأنّي في نفس الوقت صديقها هي أيضاً وأعلم عنها ما لا تعرفه أمّها عنها!
اتفقت مع مطرب الحفل، ومحل الكيك كي يعدّ لها قالباً متميزاً مطبوعاً عليه صورتها كما أشار لي مهاب.
قمت بدعوة أصدقائها وأصدقاء مهاب، وخططت كما أخبرني هو، أن أستدرجها لمكان الحفل دون أن تعلم.
❈-❈-❈
(مهاب)
يوم حفل عيد ميلاد نسمة، واضحٌ أنّها جهود هيثم الذاتية فقد فاق الحفل التوقعات ، من ترتيبِ أجواء الحفل للمكان لقالب الكيك وأخيراً أتت نسمة!
_كل سنه وانتِ طيبة ي أحلى نسمة
_كل دا عشاني يا مُهاب دا كتير أوي عليا
_مفيش حاجه تكتر على حبيبة قلبي
أمسكت بمكبر الصوت ومع عزف الموسيقى غنيت لها أغنيتي المعتادة والتي أحفظها عن ظهر قلب :
_يا نسمة شوق في ليل محبة
يا غنوة بتحلى حبة، حبة
يا حلم جميل ما بيعديش
بشوفك تحضنك عينيّ
يسلم قلبي مش إيديّ
وروحي تروح مترجعليش
تراقصت أمامي ومن ثم معي ، وتراقص كل من الحفل خاصة عندما بدأ مطربها المفضل بالغناء..
كان حفلاً ممتعاً للغاية، قدّمت لها فيه خاتم الخطبة وقد شهقت هي من هول المفاجأة
_بتعملي بوربوزال يا مهاب يوم عيد ميلادي ! مش معقول مش مصدقة نفسي
_لاء صدقي ي نسوم، مبروك ي حلوين
قالها هيثم، فقمت بتلبيسها الخاتم ومن ثم احتضانها بقوة ودرت بها في مكاني ليصفق كل من كان حولنا.
إنتهى اليوم، وفي عودتي كنت أهاتفها كما اعتادت وأنا أقود السيارة :
_كان يوم حلو عشان بتاعك ي قلبي
_الخاتم وااو بجد ي مهاب بجد تحفة وشكله غالي أوي
_مفيش حاجه تغلى عليكِ
_هتفضل تحبني كدا على طول؟
_ولحد ما أموت
أخذنا كلام الغرام والهيام، ولم أنظر بجانبي إلى تلك الشاحنة التي سرعان ما أتت وصدمتني صدمةً جعلت السيارة تطير في الهواء وتعود ثانيةً لترتطم بالأرض فيتهشم جسدي ورأسي وأفقد وعيي وأنا أنزف الدماء الذي سال من رأسي وجسدي على الأرض..
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (نور إسماعيل)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
