أندروميدا "آسر البشر" - الفصل 12 | سلوى فاضل

قراءة رواية (أندروميدا) "آسر البشر" كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: (أندروميدا)

آسر البشر

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( سلوى فاضل ) | الفصل ( 12 ) 


 غزل مستتر


دلفت إلى غرفتها هاربة، انتظرت حتى أعيد الجدار، وألقت نفسها على الفراش باكية، لا تعلم كيف تتحمل كل ما يحدث لها، من المفترض أن يسعدها ما علمت من فوبوس؛ لكن العكس ما حدث؛ فتلك المشاعر لن تجلب سوى العذاب والفناء. توقن من موتها بالنهاية؛ فثلاثتهم كمن يحارب طواحين الهواء، هي لا تهاب الموت من غدر منافسي راسخ قدر ما تهاب تقلبات راسخ وكلماته؛ فكلماته مسمومة وتدمي قلبها، لا تنكر إنها تنفصل عن جميع ألآمها بين ذراعيه؛ لكنها تصل إليهما بعد جلدات حروفه، تنعم بها لثوانٍ قليلة، ثم تصحو علي صقيع عالمها الجديد.

 وضعت كفها على صدرها وحدثت قلبها هامسة:
- أصمد رجاءً وتحمله؛ فهو يعاني مثلنا وأكثر، كلانا نتألم بصمت.

 كفكفت دموعها، ثم تحركت تعد ما كُلفت، تحاول تصفية ذهنها؛ حتى لا يعنفها وهو بتلك الحالة، لن تغضب إن فنيت على يديه؛ لكنها تخشى عليه مِن وخز ضميره إن هَلَكَت بين يديه.
لم يكن راسخ بأفضل حال منها، هو أيضًا بحالة تخبط قصوى، لم يمر بمثلها يوماً، لم يتوقع كلمات قائده كانسو، ظن إنه سيعنفه كما لم يفعل قبل؛ لكنه خالف توقعاته؛ بل أثنى على باسيفي وفعلها، وطلب منه المراعاة بعقابها.

مر الوقت سريعاً، ثم اجتمع ثلاثتهم من جديد، جاهدت باسيفي بكل طاقتها لتبدو بخير، وكذلك فعل راسخ، اتخذوا أحد زوايا المجلس مقر لاجتماعهم، فعّل فوبوس وضع الأمان والهالة، ثم بدأوا الاجتماع، تحصَّن راسخ بصرامة وحزم مُتَحفِّز، تعلم إنه يقاوم مشاعره يسن أسلوبه، ترجو قلبها الصُّمود:
- هل أعددت ما أمرت للاجتماع؟

 أخذت نفسٍ عميق على مهل وأجابت:
- نعم فعلت.
- اعرضيه.

تدخل فوبوس بالحديث:
- عفواً سيد راسخ، هل تسمح لي بالبدء؟

أومأ له سامحاً؛ فألقى عليهما ما يريد:
- لقد برمجتني سيد راسخ لأكن مكملاً لك، ومنذراً إن استدعى الأمر، وقد انضمت لنا باسيفي مؤخرا؛ ليكتمل طاقم العمل خاصتنا، بالبداية توافقت خطانا، وأن رافقها بعض الأخطاء والاضطرابات؛ لكن بالأيام القليلة الماضية ظهر بعض التَّوتر بينا ونما حتَّى أثَّر على العمل؛ لذا وجب علينا المُصارحة فالمرحلة التَّالية شديدة الحسَّاسية، يجب أن نشحذ طاقتنا ونوجهها في مكانها الصحيح؛ وإلا هلكنا جميعاً؛ وأفنيت البشرية بالتبعية.



رفعت رأسها فتلاقت الأعين تلألأت عبرات سجينة بمقلتيها؛ فدب داخله تناقض غريب، وخز ونصر؛ ألم وفرح يجهل سببه أو مسماه، تحدثت بنبرة ملأها الشَّجن والوجع:
- أعتذر عما بدر مني، أسأت وتجاوزت، بل تماديت كثيراً؛ أعدك سيدي ألَّا أكرر أخطائي.

حدثها بنبرة تبدو جامدة، ولا زال يثبت مقلتيه عليها:
- وإن شعرتِ بتخبط، وتصادمتِ بأمر يصعب عليكِ استيعابه أو فهمه، فما سيكون رد فعلك؟
- سأسألك سيدي، واستمع إلى كلماتك بإجلال وتوقير.
- وإن لم تفعلي باسيفي؟
- أستحق العقاب إذن.
- سأمنحك فرصة أخرى؛ فلا تضيعينها؛ فعقابي حينها سيكون وخيماً.
أومأت راسمة بسمة كاذبة ففضحتها أعينها التي أخفضتها هاربة، ضاع انتصاره هباءً، ساد الألم وبدأ الوخز يهاجمه، تحدث فوبوس:
- وماذا عنك سيد راسخ؟!

نظر له راسخ بعدم فهم لما يقصد، أو ربما أدعى ذلك؛ فاسترسل فوبوس موضحاً:
- أحياناً تتعمد إحراجها، تؤذيها بكلماتك، وتزيد بعقابك.

أبقت وجهها مخفضاً، واستمر صمتها، يصرخ قلبها به راجياً الرحمة؛ فتحدث راسخ:
- أنا أيضًا أعتذر باسيفي، هل تقبلين اعتذاري؟

أجابت وهي على وضعها:
- أقبل منك كل ما تفعل سيدي.
- إن قبلتي حقاً فعودي لمناداتي باسمي.

أجابت بصوتٍ مختنق:
- إنه أمرك سيدي، ولن أخالفه.
- رجِعت عنه إذن.

أومأت بصمت، فتحدث فوبوس:
- فلنقسم جميعاً، أن نكن يداً واحدة، نتجاوز بيننا عن الصغائر من أجل هدف أسمى.

أقسم ثلاثتهم، ثم بدأوا بالحديث باهتمام واكتراث، وتحدث راسخ:
- ستدمجين بمجتمعنا باسيفي، هل أنت مستعدة؟

 رهبة ضربتها إثر كلماته؛ لكنها أومأت مرحبة، وتساءلت:
- أجل؛ لكن أرجو التوضيح.
- سيتم الترتيب للأمر، على أن يكون التنفيذ بعد يومين؛ سيبدو للجميع كعقاب لكِ، ولكنه في الحقيقة دمج بين خلايا مجتمعنا.

شحبت وتساءلت:
- لمَ يجب أن يبدو عقاباً؟! ماذا لو فعلوا بي كما فعلوا بتلك الفتاة.

أجاب حاسماً:
- أنا فقط من أحدد عقابك، لن يتدخل أحد؛ فلا تخافي، وسيبدو عقاباً كي نتمكن من تغيير مكان دمجك كل فترة.

تحدث فوبوس متخللا الحوار:
- أريد تحديث لقاعدة بياناتي عن المشاعر؛ فلا قاعدة لدي.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

اجابه راسخ متسائلاً:
- هل بحثت بالبيانات المتاحة هنا؟
- فعلت ولم أي نتائج، تلك البيانات هامة جدا بالفترة القادمة، لأستطيع ضبط مؤشراتي وتقييم عملنا.

تحدثت باسيفي وقد اندمجت بالحوار:
- أعتقد يمكنا الاستعانة بها من الماضي، ستجدها بوفرة، فهناك أبحاث عدة على مدار الأزمنة المختلفة السابقة.

تساءل راسخ باهتمام، يود معرفة مسمى وماهية ما توغله:
- هل المشاعر معقدة وصعبة الفهم إلى هذا الحد؟! لم أتوقع هذا.

أجابت باسمة:
- هي السَّهل المُمتنع، تُصيبنا فتوجه أفعالنا وتصبح حافزًا للتقدم إن وجهناها بالطريق السليم، وإن فعلنا العكس غلبت الشَّهوة والأنانية؛ فتهلكنا.

- أي أنَّها توجه تعاملات الفرد مع الآخرين.
- نعم، هي فِطرة البشر، خُلقنا هكذا.

ابتسمت تصحح قولها:
- أعني بالسابق كانت طبيعة البشر، إن أحببنا شخصًا وددنا المكوث معه إلى ما لا نهاية والعكس صحيح، إن أحببنا عملنا تفوقنا به والعكس صحيح، هناك مشاعر إيجابية تبني، وأخرى سلبية تهدم وتخرب، وهكذا يمكننا الحديث إلى آخر العمر.

تحدث فوبوس موقِراً:
- من الضروري إيجاد قاعدة بيانات ضخمة.

أجابه راسخ:
- سنعمل على هذا فوبوس، وأعتقد وجب توفيرها قبل دمج باسيفي.

تحدثت متسائلة لتنبههم:
- ألن يلاحظ أحد هنا وجود تلك القاعدة الغريبة على عالمكم؟! خصوصا مع وجود من يتجسس علينا.

أيد راسخ رأيها:
- أنت محقة، لكنها أساسية وهامة كالماء والهواء؛ لا يمكن الاستغناء عنها.

تحدثت باسيفي:
- هناك حل واحد سيدي، هو متعب قليلًا ويستلزم تصريحًا أو عِدَّة تصاريح، لكنه بالنَّهايَّة سيتوفر قاعدة ضخمة وهائلة.

استمع لها فوبوس بإصغاء وتساءل راسخ:
- ما هو؟
- السفر عبر الزمن والبحث بزمني؛ فقاعدة البيانات هناك ضخمة وهائلة، ، مع الكتمان لن نُكشف.

لمعت عينيه بإعجاب وحَنِق مِن لقبٍ ألزمها به، أشاد بقولها:
- فكرة رائعة باسيفي، أخبريني الآن بما أعددت لهذا الاجتماع.

أخذت نفسٍ عميق ثم تحدثت:
- هناك بعض النقاط يجب التَّخطيط لها، هي غاية الصُّعوبة، تكاد تكون مستحيلة، تساءل فوبوس:
- مثل ماذا؟
- الكثير، أولًا: وجوب كسر بعض القواعد، أو بالأصح إلغائها تماماً، كقاعدة عدم التلامس؛ فهو ما يربط بين النفوس والقلوب،
ثانيًا: يجب رفع عدد حالات الزواج ومعدلاته، مع إقامة حفلات كبرى تضم جميع أفراد أندروميديا.
ثالثاً: إلغاء اختراعات نجم.
رابعاً: أن يكون سبيلنا الأخير إن فشلت جميع محاولاتنا؛ هو حث جميع الأفراد على القيام بثورة على النظام هنا، والاعتراض عليه.


صمت غلف المكان بعد قولها؛ فطالعتهما بريبة، وتحدثت برهبة من رد فعل راسخ:
- سأوضح السَّبب؛ فلا تحتد سيدي، رجاءً!

لم يخفى عليه تغيير وجهها والرعب الذي ضربها من رد فعله؛ هاجمه الوخز دون رحمة، وجب عليه تحمل مرارة الصَّبر فعليه الانتظار طويلًا حتى تعود لطبيعتها معه، فهي ما زالت تناديه سيدي، كم كره ذلك اللقب! تحاور معها عامداً دمجها بالحوار وصرف عقلها عن التوتر:
- ما سردتِه فيما لا يتجاوز الدَّقيقتين؛ يحتاج زمنًا فوق الزَّمن لإنجازه، يمكنك إعادة إحياء المشاعر، لكن لا يمكنك كسر إحدى قواعد أندروميديا.
- سيدي، إن اجتماعنا هذا كسر لأحد قواعدها، ودمجي تحايل على قوانينها، حتَّى إحياء المشاعر؛ هو هدم لأحد أركانها.

تجذبه بجنون، تتحدث بأحرف مغايرة لحالتها؛ فالذُّعر المرتسم على ملامحها يتناقض مع ثقتها بحديثها:
- مع صحة حديثك؛ فما نفعله مستترًا، لكن جميع ما عرضتِ سنجاهر به.
- لذا وصفته مستحيلًا؛ لكن بعض المستحيلات تتحقق بالإصرار.

هدأت حالتها قليلاً؛ فهو لم يعنفها حتى الآن ويتحاور بهدوء ورزانة، وهنا اشترك معهما فوبوس بالحوار:
- جميع النقاط تستحق الدراسة بعناية، ولكن يوجد مصطلح لم أفهمه بحديثك، أو بكلمات أدق جزء غير واضح.

شعرت بغرابة ما اردف؛ فأردفت متسائلة:
- ما هو هذا الجزء؟ لم اتحدث بأمور غريبة.

أجابها راسخ:
- بل فعلتِ.

تراجعت للخلف؛ وقد تملكتها الرهبة من رد فعله من جديد:
- ما هو؟ لم أتعمد، أقسم!

أخذ راسخ شهيق عميق، فذلك الوخز لا يتركه منذ بدء الاجتماع، متأكد أنه من جعلها ترهبه وتخشاه إلى هذا الحد. وتحدث فوبوس متسائلاً:
- ما علاقة الزواج بالأمر؟ فهو للتكاثر فقط، وتلك مهمة المنبوذين، وما تعني بمصطلح حفلات؟ أتقصدين اجتماعات؟

ارتسمت الدهشة والتعجب على وجهها:
- الحفلات التي أقصدها هي تجمع للبشر لإحياء ذكرى اجتماعية، أهدف بها تعميق العلاقة الموجودة بين الأفراد هنا. أمَّا الزَّواج فهو علاقة توطد الرَّوابط المجتمعية وليس للتكاثر فقط.

مع انتهاء حروفها رفعت وجهها لراسخ، تسأله عينيها عن معنى قول فوبوس؛ فأمعن النظر بمقلتيها الراجية بصمت، فاجابها بما لم يطفئ حيرتها:
- أخبرتك أن هناك أشياء ما زالتِ تجهليها، أتتذكرين؟!

أومأت في صمت؛ فاسترسل:
- منظمة أندروميديا ليست المنطقة السكنية الوحيدة بعالمنا، فهناك مكان أخر يعيش فيه بعض البشر وله قواعد مختلفة، سأخبرك لاحقًا عن بعض تفاصيله ليس الآن.

ثبت كلاهما نظره على الآخر بصمت ووجوم، لن يستطيع راسخ أن يطلعها على ماهية المنبوذين وما يُفْعل بهم؛ خوفاً عليها؛ فيكفيها الآن ما يفعله بها، بالإضافة لمواجهتها خطر غمسها بمجتمعه.
لحظات مرت ثم ازدرت باسيفي ما بفمها، وأومأت راضخة؛ فتحدث فوبوس متسائلاً:
- سيد راسخ، متى سنعمل للحصول على تصريح دائم للسفر عبر الزمن؟ وهل سنصطحب باسيفي معنا؟ ومن أي فئة سنبدأ غرسها.

أجابه راسخ وهو يرمق باسيفي بنظرات مقيمة لحالتها:
- سأذهب للسيد كانسو حالاً؛ لطلب الإذن، ولم أحدد بعد هل سترافقنا باسيفي أم لا، وكذلك لم أحدد بأي فئة سنبدأ.

بصوت مختنق، صوبت نظرها أسفل قدمها، ثم تحدث مقترحة:
- أعتقد سنحتاج الموازنة بين الفئات وقت الدمج؛ لذا أعتقد الأفضل البدء بصغار القادة ومع بداية استجابتهم نوازن بينهم وبين المعاونين.

استحسنا قولها؛ وسألها راسخ يجعلها تطيل حديثها؛ لتخرج من كآبة حالتها:
- لمَ؟
- لموازنة التَّأثير، فإن بدأنا بالمعاونين تعرضوا لعقاب مُجْحِف يثني عليه القادة، وإن ركزنا مع القادة دون المعاونين؛ سرت فوضى عارمة؛ لذا يجب الموازنة بينهما، كما أن التَّأثير على القادة هو الأصعب.
- أتعلمين أن البدء بالقادة به خطورة عظمى.

تلاقت الأعين، رأت الاهتمام بهما وأردفت:
- أقسمت على التضحية بنفسي في سبيل تحقيق غايتنا سيدي، ألا تذكر؟

اقترب منها بضع خطوات مع الحفاظ على مسافة آمنة؛ فوقفت محلها شاحبة، رأت بمقلتيه نظرة عجزت عن فهمها، فأطرقت رأسها، بينما أردف راسخ معترضًا:
- ألم أطلب منك ببداية الاجتماع التَّوقُّف عن تلقيبي «سيدي»؟

أطرقت رأسها وأجابت:
- للتوقير سـ...

كادت نطقها فقاطعها مانعاً:
-إياكِ وإعادتها.

تلاقت الأعين فرأي بخاصتها دموع حبيسة، اشعلت داخله نيران تلتهمه، فنطق بحدة خفيفة:
- اعتذرت لكِ؛ فاصْفحي، لا تبكِ وعودي كما كنت، أين دعاباتك التي لا أستطيع مجاراتها ويلازمني الفشل، لا تبكِ ولا تعيديها، فأنا لست سيدك.. أنا قائدك؛ والفارق بينهما عظيم، فلقب سيد قبل اسمي يعني التوقير، أما الياء ملاصقة له فتعني الملكية، وأنتِ لا تُمْلَكين.. فأنت باسيفي، لمَ لا تدركِّ قيمتك؟!!

وضعت راحتها على قلبها، تهدأ من قرع طبوله التي دبت به، وتحررت دموع الفرح، جلست محلها تطالعه غير مصدقه، يتساءل عقلها: هل أثنى عليها بكلماته؟ أم هيأ لها؟! بدت كلماته كغزل مستتر.
انتفض قلبه بين ضلوعه، ولا يعلم ما الذي يحدث داخله؛ لكنه خشى أن تعاودها تلك الحالة من جديد، فانخفض على أحد عاقبيه وجثى على الأخرى:
- ماذا أصابك؟ أعاودتك الحالة من جديد.
أومأت نافية، ورسمت بسمة على شفاهها.. أراحته، فتحدث فوبوس، الذي يسجل أفعالهما دون فهم لدلائلها:
- هل أنتهى الاجتماع؟

أفاقت باسيفي من حالتها، ابعدت ناظريها عن خاصة راسخ، احمر وجهها وتحدثت:
- لدي سؤال.
- اسمعك باسيفي.
- هو عن شامتي أو وشمي كما تراه، هل له علاقة بعالمنا هذا؟ وترى من أين حصلت عليها؟ فأنا لا أتذكر عنه سوى ما أخبرتك به سابقا.

انتشى من فحوى كلماتها، هي تثق بكلماته، صدقت ما أخبرها به، مكذبة ما اعتقدت فيه لسنوات، بأعين لامعة أجابها:
- نعم، وشمك شبيه بأندروميديا، مع بعض الاختلافات، يحيطها بعض الرموز غير المفهومة.
- هل استطيع رؤيته؟
- بالطبع، هو ملكك بالأساس.
نظرت إليه مبتسمة، مُحيّت آلامها واحتلتها غِبطة وسعادة، تتمنى أن يظل هكذا ما بقيَّ مِن عمرها، واسترسل راسخ:
- سيعطيك فوبوس نسخة منه.

تحدث فوبوس:
- النسخة الموجودة غير واضحة أحتاج لإعادة تصويره سيد راسخ، فلم تسمح لي سابقًا بإعادة التَّصوير.

تساءلت باسيفي مندهشة:
- لمَ لمْ تسمح له؟ وقد صورته بالمرة الأولى.
- بالمرة الأولى فعل فوبوس دون الرجوع إليّ، وكان سببًا لاختيارك؛ لذا لمْ أحذفه، ولم نعيد تصويره لأننا حظينا بكِ كاملة، ليس وشمك فقط، وسنفعل عندما تسمحي لنا.

اتسعت ابتسامتها، وأومأت له موافقة:
- متى؟

أجابها فوبوس:
- يفضل الآن، ولتساعدينا في فك شفرات تلك العلامات فلم أجد ما يساعد بقاعدة بياناتي.

ثبت راسخ نظره عليها، متعجب من موافقتها السريعة، لا يروقه كشف جسدها لتصوير أعلى ظهرها، الفكرة بدت له سيئة، وانتبه على استئذانها منه:
- اسمح لي بالعودة لغرفتي؟ لارتداء ما يناسب.

أومأ موافقاً؛ فأزال فوبوس الهالة ووضع الأمان، ثم فتح لها راسخ الجدار الفاصل بين الغرفتين، اختفت خلفه، وارتدت الملابس التي حضرت بها من زمنها، كانت تخفيها بغرفتها بمكان آمن، ثُمَّ دلفت إليهما متوجسة من رد فعل راسخ، فهذه الملابس الوحيدة التي تؤمٌِن ستر باقي جسدها مع اظهار الوشم بوضوح، ثبتت ناظريها عليه، تدعو ألا تنتهي حالته الودودة.
 طالعها بتدقيق يصور عقله كيف ستظهر وشمها دون غيره؛ استحسن فعلها، وراق له حالتها المترقبة ومراقبتها الخجلة له، وكأنها تسأله بصمت، تطلب موافقته، تحدث برضى وهيمنة:
- اقتربي بسملة.

ابتسمت بسعادة، عاودها الحنين، زارتها ذكريات قريبة، كانت حينها بائسة مخيفة؛ والآن باتت مُرضية سعيدة. أعاد فوبوس وضع الأمان والهالة، ثُمَّ صور الوشم صور عِدَّة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية


    حين غادر راسخ تخلص كانسو مِن التَّقْرير مخفيًا أثره، ثُمَّ أخرج أخر متوجهًا به للقائد الأعظم.
جناح القائد الأعظم أسطوري ولا تناسبه كلمة فخامة، يعُج بالأثاث الملكي ذو الألوان الذَّهبية ممزوجة باللَّون الأبيض ناصع البياض، تحف مرصُوصة بكل زاوية، الأسقف والجدران زُيِّنت بأرقى النُّقوش، معلق على جدرانه الكثير مِن الرُّسومات النَّادرة على مر الأزمنة السَّابقة، بطريقة جماليَّة غاية الفخامة، نجفٍ أرستقراطي، أسقف شاهقة الارتفاع، مساحته تعادل مساحة قصر مترامي الأطراف، ذو غرف مُتداخلة، أسطوري بكل تفاصيله، خُصص له أطقم عمل خاصة بزي مُميَّز، طلباتهم نافِذة وذات أولويَّة.

دلف كانسو باحترام شديد وعملية، حياه بتعظيم ثُمَّ تقدم منتصبًا أمامه، فحدَّثه القائد مِن خلف مكتبه المزخرف بنقوش مصنوعة مِن الذَّهب الخالص، سامحًا له بالجلوس وبعجرفة تحدث:

- ألا زلتم تهتمون بأمر المعاونين؟! وتصنعون لهم الأدوية، تُرى إن كانوا يعملون بكد ويلتزمون بما وجب عليهم، أكانوا تعرضوا لعقاب؟!
- لهم أهمية أيها القائد العظيم، يقدمون لنا سُبل الرَّاحة ومستلزماتنا؛ فالمنبوذين أصبحوا قلة ينجبون القليل وبعد استثناء المرضى وغير المناسبين يتبقى عدد زهيد؛ لذا يجب مداواة مَن يُعاقب؛ ليعود ويمارس ما دربناه لفعله.
- ما تفعله يلقى استحسان بعض كبار القادة لذا؛ فلا مانع لدي. علمت بحصول راسخ على معاونة عبر الزَّمن، لمَ لمْ تخبرني؟
- أخبرك بما يرقى لأن يقع على مسامعك؛ فلديك مهام جِسام، وهذا حدث أقل من أن تضيع وقتك الثمين لسماعه.
- تحسن القول كانسو، اترك التقرير وأرحل.
- حسناً، أخبرني راسخ بوجوب عقاب معاونته في حضوري؛ سأذهب إليه فور خروجي.

   يحمل كانسو من المهابة الكثير، وبكل تفاصيله، يتميز بلباقة شديدة بالحديث، شدة وصرامة مع مَن يدربهم من القادة، يتعامل مع الجميع بحيطة وحذر، لا يخرج أسرار قادته أصحاب المشاريع والأبحاث المميزة، لذا لم يخبر أحد عن مشروع راسخ.

اتجه الى جناح راسخ مباشرةً، بعد أن أرسل له يعلمه بحضوره إليه، وعلى أعتاب غرفته وقبل غلق الباب، تحدث:
- الجميع إلى غرفة العقاب.

انتفضت باسيفي، وكانت قد أبدلت ملابسها ببدلهم، راقبهم جميعًا، باسيفي توزع نظرات قلقة بينه وبين راسخ، تترقب ما سيلقيه عليهم، أمَّا راسخ وقف منتصبًا شامخُا ينتظر تعليماته، يرمق باسيفي بطرف عينيه، أشار لراسخ ليعطي الأمر إلى فوبوس ليفعل وضع الأمان والهالة، ثم تحدث كانسو:
- هل حددتم بأي قسم ستبدأ باسيفي؟
« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (سلوى فاضل)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل