أحفاد إلياس - الفصل 30 | زينب سعيد القاضي

قراءة رواية (أحفاد إلياس) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: (أحفاد إلياس)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( زيب سعيد القاضي)|الفصل: (30)



وسط غيمات المطر ظهرتي إنتِ، كأنّكِ النور الذي أضاء عتمة الشتاء، أو قطرة ندى حييّة استقرت على وردة جافة فأحيَتْها. مع رذاذ المطر، هطلتِ على قلبي فرحاً غامرًا، وغسلتِ بغيابكِ الموحش كل أثر للانتظار الطويل. كنتِ البرق الذي خلب الألباب بجماله، والدفء الذي هزم برد الأيام القارسة. يا من أزهرت بحضورها ربيعاً وسط سماء رمادية، تبللتِ بالغيوم فازددتِ سحرًا، وبقيتِ هنا بين نغمات الرعد وحنين المطر، قصة عشق لا تُنسى. وصرتُ أرتل اسمكِ مع كل قطرة تسقط على النافذة، كأن المطر لغة لا يفهمها سواي وسواكِ. تحدثني الريح عنكِ فترتجف روحي شوقًا، وتزف لي الغيوم عطركِ العالق في طيات الحنين.

فيا ليت هذا المطر يدوم طويلًا، وليت السماء لا تفرغ من سحبها الحنونة، حتى أظل أنظر إليكِ بين غيمات المطر، وقصة لا تنتهي فصولها. ويبقى اللقاء المعلق على أطراف الغيم حقيقةً لا مجازًا، نسير معًا أسفل شمس غائبة وظل دافئ، لا نبالي ببرودة الطقس ولا بصوت الرعد العاتي،

فوحدكِ كنتِ المأوى، ووحدكِ كنتِ الوطن والجهات كلها.

واليوم كلما هطل المطر وتجمعت السحب، عاد بي الرفيق القديم إلى تلك اللحظة الأزلية، حيث توقف الزمان برهة،

وظهرتِ أنتِ لتعيدي صياغة الكون من جديد.


أوس♥️مرام

❈-❈-❈

أشرقت شمس الصباح وأسدلت بنورها الساطع معلنة عن بداية صفحة جديدة في كتاب الحياة ونكتبه نحن بأيدينا.


تململت مرام في غفوتها واستيقظت بتكاسُل شديد، اعتدلت في جلستها فوق الأريكة وبدأت تتمطأ بنوم، وبعدها نهضت بتثاقل شديد ألقت نظرة على أوس وجدته مستغرقًا في نومه تبسمت بحنو وتوجهت إلى غرفة الملابس وأحضرت ثياب لها وبعدها توجهت إلى المرحاض لأخذ حمامها الصباحي أغلقت الباب خلفها بحذر شديد حتى لا تقلق منام أوس.


بعد مرور نصف ساعة خرجت من المرحاض مرتدية بچامة ستان من اللون الوردي وتركت العنان لخصلات شعرها الطويل المسترسل خلف ظهرها ويصل إلى نهاية ظهرها.


تنهدت بارتياح عندما وجدت أوس لا يزال غافي توجهت إلى المكان المخصص للصلاة وقامت بفرش سجادة الصلاة وارتدت إسدال الصلاة وقامت بتأدية الصلاة بخشوع تام.


وفور أن انتهت نهضت بخفة وطوت المصلية ووضعتها جانبًا وتوجهت إلى الشرفة وقامت بفتح الستائر وما أن اسدلت أشعة الشمس داخل الغرفة حتى تململ هذا الغافي فوق فراشه وفتح عينيه بصعوبة.


انتبهت مرام إليه وتحركت بخفة تجاهه:

– صباح الخير.


أجاب بصوت متحشرج من أثر النوم:

– صباح النور.


حاول أن يعتدل لكن لم يقدر بمفرده فمدت يدها إليه سريعًا وعاونته بعد أن وضعت الوسادة خلف ظهره:

– مرتاح كده؟!


أومأ بايجاب:

– الحمد لله.


تساءلت باهتمام:

– محتاج حاجة طيب؟! 


رد بوهن:

– لا محتاج أفوق بس شوفيلي نوح هنا عايزة أعرف أقدر أخد شور ولا لا وهاتي زين عشان أشوفه.


حركت رأسها بإيجاب:

– حاضر.


أغمض عينيه بحزن وأردف:

– زين بيصعب عليّ أوي عشان دائمًا لوحده بإذن الله ربنا يكرمنا ونجيب أخ أو أخت ليه.


تبسم بحنين واسترسل بإبانة:

– بصراحة نفسي في بنوته تكون شبهك أوي بس إللي يجيبها ربنا كويس.


ابتلعت ريقها بتوجس، وتساءلت بحذر:

– هو إنتَ عايز نخلف؟!


قطب جبينه بحيرة وتساءل:

– أكيد هي دي محتاجة سؤال؟! أنا نفسي في أولاد كتير يكونوا أخوات لزين، هو إنتِ مش عايزة تخلفي مني ولا إيه؟!


هزت رأسها سريعًا نافية:

– لا لا بس يعني قدر أنا طلعت مش بخلف وقتها ممكن تطلقني؟!


اتسعت مقلتيه مرددًا بعدم استيعاب:

– أطلقك؟! أكيد لا طبعًا إيه الهبل إللي بتقوليه ده الخلفة بتاع ربنا لو أراد يرزقنا الحمد لله لو ما أردش خلاص ربنا يبارك في زين.


صمت لثوانٍ واستطرد متسائلًا:

– ليه بتقولي الكلام ده؟! هو إنتِ عندك مشكلة في الخلفة؟! إللي أعرفه إنكم كنتوا مأجلين الخلفة.


هزت رأسها بإيجاب:

– لا مفيش مشاكل بس حبيت أسألك بس عادي يعني..


أخذ نفس عميق واسترسل حديثه بجدية:

– تمام يا مرام تمام المهم حاولي النهاردة تشوفي لو حاجة نقصاكي عشان الفرح لو حابة تجيبي فستان جديد.



صمتت لثوانٍ وهتفت مازحة:

– مممممم هو أنا عندي فساتين كتير بس لو إنتَ مش ممانع أجيب الفستان الأسود إللي كان عاجبني.


خطف الوسادة من جواره وألقاها في وجهها:

– هقتلك يا مرام هقتلك هتشليني يا شيخة أقولك مش هنحضر الفرح …


انفرجت ضاحكة على ردة فعله وهي تضم الوسادة التي ألقاها في وجهها وتمتمت بمرح:

– لا لا خلاص يا باشا كنت بهزر معاك.


هتفت بخفة:

– هروح أجيب زين وأشوف دكتور نوح تفطر هنا؟! ولا هتقدر تنزل تحت؟!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

هز رأسه بنفي:

– لا هفطر هنا مش قادر أنزل السلم.


تنهدت بضيق:

– أنا شايفة إنك استعجلت في خروجك من المستشفى.


تحدث بنبرة هادئة:

– كان لازم أخرج يا مرام لو مخرجتش فرح آصف وإلياس هيتأجل.


مطت شفتيها بعدم رضا:

– وإنتَ شايف إنك هتقدر تحضر كده؟! أوس إنتَ مش قادر تقوم من على السرير.


زفر بنفاذ صبر:

– يا بنتي من هنا لوقت الفرح أكون شديت حيلي شوفي نوح بس عايز أخد شور أنا قرفان من ريحة المستشفى 

دي.


أومأت بتفهم:

– حاضر.

❈-❈-❈

توقفت سيارة أمام الفيلا الخاصة بعائلة موچ، ظل حاليًا لدقائق معدودة وبعدها هبط من السيارة وتوجه إلى الداخل، ضغط على زر الجرس وثوان وفتحت له الخادمة وقادته إلى الداخل جلس على أحد المقاعد وهو ينظر في الأرض بشرود تام.


قاطع شروده صوت خطوات تقترب منه رفع رأسه وجد موچ أمامه بعد أن هبطت الدرج مرتدية ملابس محتشمة كعادتها وتضع الحجاب فوق رأسها بإحكام وعلى الرغم من ذبول وجهها إلا أن هذا لم يقل من جمالها، نهض من مكانه واستقبلها. وتحدث دون أن يمد يده بالسلام فهي لا تحل له بعد:

– عاملة إيه يا موچ؟


ردت بهدوء:

– الحمد لله.


جلست على المقعد وجلس هو في المقعد المقابل، وهتف بتساؤل:

– الحاجة وصلتك؟! 


تبسمت ساخرة وأردفت:

– أه وصلت قبل ما أنا أوصل شوفت؟! آصف ما تجيب من الآخر تريح نفسك وتريحني معاك إنتَ عايز تتجوزني ليه؟! عايز تنتقم مني؟! أنا خلاص كلها أيام وبقضيها وهموت يعني خلاص خلصت.


ظل يستمع إليها بصمت تام حتى انتهت من حديثها، واتكأ هو بظهره إلى الخلف واضعًا ساق فوق ساق وتحدث بنبرة هادئة:

– لو عايز يا موچ انتقم مش هنتقم من واحدة ما بالك لو الواحدة دي حب عمري؟! حقي هاخدوا من راجل مش منك.


قطبت جبينها بحيرة وتساءلت:

– طيب عايز تتجوزني ليه؟! آصف أنا عندي كانسر يعني هموت إنتَ ليه مش مستوعب ده؟! وارد جدًا العملية متنجحش وأموت.


قلب عينيه بملل:

– وارد أنا أموت قبلك؟! الأعمار بيد الله فاهمة ده ولا مش فاهمة؟! هو أي حد مريض لازم يموت؟! بطلي التخاريف دي لو سمحتي.


زفرت بضيق وتمتمت بنفاذ صبر:

– أمال عايز تتجوزني ليه؟!


أجاب بسخرية:

– وأنا كنت عايز اتجوزك زمان ليه؟! 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ابتلعت غصة مريرة في فمها، وغمغمت قائلة:

– عشان كنت بتحبني.


تبسم بمرارة وأجاب:

– إنتِ جاوبتي بنفسك.


أتسعت مقلتيها بصدمة ورددت:

– لسه بتحبني بعد كل إللي حصل.


نهض من مكانه وتحدث بثقة:

– وإلا مكنتش فكرت اتجوزك بعد إذنك لازم أمشي عندي شغل لو احتاجتي حاجة كلميني.


تحرك بضع خطوات حتى أوقفته بصوتها:

– سامحني يا آصف.


تيبست قدميه وأجاب دون أن ينظر إليها:

– سامحتك من زمان يا موچ إللي بيحب ميقدرش يزعل من إللي بيحبه بعد إذنك.


غادر سريعًا دون أن يستمع ردها، بينما تهاوت هي على المقعد دافنة وجهها بين كفيها مرددة بصوت متحشرج:

– حسبي الله ونعم الوكيل. حسبي الله ونعم الوكيل. منك لله إنتَ السبب ويمكن ربنا ابتلاني بالمرض ده عشان أفوق قبل فوات الأوان.

❈-❈-❈

يجلس برفقة والده في الحديقة يطرق بيده على الطاولة بخفة، بينما والده يطالعه بنظرات خبيثة مما جعله يمعتض ويتسأل بنفاذ صبر:

– هو في إيه يا بابا؟! مالك هتفضل تبص ليّ كده كتير؟!


تبسم والده بخبث وقال:

– طيب وفيها إيه دي بس؟!


قلب عينيه بملل وردد:

– هو في إيه يا بابا؟! هات من الآخر أو سمحت.


هتف والده بحماس:

– طيب هتكلم أنا طالما إنتَ مش عايز تتكلم ناوي تفرحني بيك إمتى؟!


قطب جبينه بحيرة:

– أول مرة حضرتك تكملني في موضوع الجواز؟!


تبسم الآخر وهتف بنبرة هادئة:

– الأول كنت سايبك على راحتك لأنك مكنتش بتفكر في الموضوع حاليًا لكن طالما فكرت واختارت يبقى خير البر عاجله.


اتسعت عين عمر مرددًا ببلاهة:

– نعم أنا فكرت واختارت مين قال كده؟!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أشار إلى نفسه بزهو:

– أنا شوفتك بعيني.


طالعه بعدم تصديق:

– شوفتني؟! بابا أنا مش فاهم حاجة لو سمحت أتكلم على طول.


تنهد بنفاذ صبر وقال:

– أنا شوفت وإنتَ قاعد مع نوران وفهمت إن عينك منها.


انتفض من مقعده كالملسوع وردد بصدمة:

– نعم نوران؟!


أومأ بايجاب:

– أيوه وبصراحة كده يا زين ما اختارت أدب وجمال وأخلاق وأنا وأمك موافقين كمان.


كتف ذراعيه فوق صدره وتحدث بنبرة حادة:

– موافقين على إيه؟! هو عشان وقفت معاها ولا قعدنا سوا يبقى في بينا حاجة؟! لا طبعًا إيه إللي حضرتك بتقوله ده؟! وإزاي يخطر على بال حضرتك من الأساس؟! بقى دكتور عمر إلياس يبص لخدامة؟! يعني يوم ما أفكر اتجوز تبقى خدامة؟!


انتفض والده من مكانه وصاح بحدة:

– أخرس خالص إيه الهبل إللي بتقوله ده؟! أنا بجد مش مصدق أنا مصدوم بجد إزاي بتفكر في الكلام ده يا متعلم يا بتاع المدارس يا دكتور يا محترم؟! عارف لو جدك سمعك بتقول الكلام ده مش بعيد يطردك بره البيت وبعدين مين دي إللي خدامة؟! لا مش خدامة يا محترم نوران تعتبر واحدة مننا ومتربية على إيدنا كمان يا خسارة يا عمر يا ألف خسارة أنا مصدوم فيك.


تركه ورحل بعصبية شديدة من صدمته بتفكير نجله العميق، بينما تهاوى عمر على مقعده متنهدًا بضيق، غافلًا عن الأعين التي تقف بالقرب منه وعلى ما يبدوا أنها استمعت إلى الحديث منذ البداية تحركت بصعوبة عائدة بأدراجها إلى الداخل وهي تجاهد بصعوبة حتى لا تهبط دموعها وتفضحها الآن.

❈-❈-❈

استيقظت وتين من نومها على صوت طرق على باب الشقة، نهضت بتثاقل وارتدت إسدالها وتوجهت إلى الخارج وفتحت باب الشقة وجدت إلياس يقف أمامها مرتدي حلته وبكامل أناقته كما اعتادت عليه يقف مستندًا على الجدار مكتفًا ساعديه فوق صدره.


قطبت جبينها بحيرة وتساءلت:

– إلياس؟! 


أومأ بابتسامة:

– حبيت أصبح على الجميل.


توهجت وجنتيها بخجل، وهزت رأسها بيأس:

– هو إنتَ إزاي بتتحول كده بجد؟! هو مش كنا بنتخانق إمبارح؟!


أشار إلى نفسه بصدمة مصطنعة:

– أنا اتخانقت معاكِ؟! أنا فتحت بوقي؟!


عضت شفتيها بخجل ورددت:

– طيب أنا إللي اتخانقت ممكن أعرف جاي على الصبح ليه؟


تبسم ساخرًا:

– جاي أبيع لبن.


جارته في سخريته:

– وإللي بيبيع لبن بيلبس بدلة إللي أعرفه بيلبسوا جلابيب معرفش أنهم غيروا اليونيفورم.


غمز عينيه اليسرى بمكر:

– نحن نختلف عن الآخرين يا توتا المهم يلا اجهزي عشان نتحرك وشوفي مرات عمك تجهز عشان تيجي معاكِ.


قطبت جبينها بحيرة وتساءلت:

– ليه؟! هنروح فين؟!


تبسم بخبث وقال:

– يعني بالعقل لو هخطفك مش هخطف مرات عمك معاكِ.


ابتسمت رغمًا عنها ورددت:

– طيب ما تاخد مرات عمي معاك وتسبني أنا في حالي.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ضرب كف بكف، واستطرد قائلًا بنبرة ساخرة:

– هو أنا ناقص بلاوي؟! يلا يا بنتي جري عجلك ورايا شغل هستنى تحت متتأخريش.


غادر من أمامها وهبط الدرج بخفة، بينما أغلقت هي الباب وما أن التفتت خلفها حتى أتسعت عيناها بصدمة ووضعت يدها على قلبها وهي تردد:

– بسم الله الرحمن الرحيم. بسم الله الرحمن الرحيم.


تذمرت الأخرى ووضعت يدها على خصرها بضيق:

– مالك يا أختي كأنك شوفتي عفريت.


استردت أنفاسها بصعوبة وقالت:

– هو مش كنتِ نايمة؟! صحيتي إمتى ولبستي كمان؟!


هتفت بحماس:

– أنا كنت صاحية ومكسلة أفتحت لكن أول ما سمحت صوت الباشا خرجت جري أشوف جاي ليه وأول ما قال هياخدنا في مشوار لبست العباية وقتي يلا يلا روحي ألبسي خلينا نمشي وبقولك إيه خليه يفطرنا أحسن أنا على لحم بطني.


هزت رأسها بيأس وتوجهت إلى غرفتها كي ترتدي ملابسها بصمت تام حتى لا تنفجر بها الآن ويحدث ما لا يحمد عقباه.

❈-❈-❈

ركضت تجاه الغرفة التي تمكث بها، ولجت داخل الغرفة وأغلقت الباب خلفها وألقت نفسها فوق الفراش وانفجرت باكية على حبًا أرهق قلبها عشقًا، ولم ترى منه سوى الحزن وجرح القلب.


ظلت وسادتها تتشرب دموعها الحرّى كأنها تروي بستانًا من خيبة الأمل، بينما تقاطعت أنفاسها مع شهقات مكتومة كادت تخنق صدرها. أتتها طيف ذكرياته اللامعة، تلك الوعد البراقة التي خذلتها، والكلمات المعسولة التي تبخرت عند أول اختبار حقيقي للحب.


مررت أصابعها المرتجفة على خصلات شعرها المبعثرة، ثم رفعت رأسها ببطء لترمق الغرفة المعتمة من حولها؛ كل زاوية فيها باتت تذكرها به، وكل ومضة ضوء تذكرها بوعوده الكاذبة.


رفعت عينيها المحمرتين نحو المرآة المعلقة قبالة الفراش، فرأت فيها ملامح فتاة أنهكها الانتظار وأضناها التعلق بسراب. أخذت عميقًا من الهواء وكأنها تحاول استعادة جزء من كرامتها المبعثرة، ومسحت دموعها بكف يدها بقوة. 


وقفت على قدميها المرتجفتين، وخطت نحوَ النافذة بخطوات بطيئة لكنها أثقل بكثير من ذي قبل؛ فتحت الدرفات لتسمح لنسيم الصباح أن يلامس وجهها المحترق، وتلفظت بصوت خافت يشبه الهمس:

–كفى لقد أخذتَ مني كل شيء، ولن أسمح لك بأن تأخذ ما تبقى من روحي.

❈-❈-❈

في الفيوم وتحديدًا في بيت من المسلح مكون من دور أرضي كان يجلس سعد عم نوران برفقة زوجته اعتماد ونجله عادل يتناولون الإفطار.


تساءلت اعتماد بفضول:

– هي لسه بردوا المخفية بنت أخوك في مصر؟!


امتعض وجهه ورد:

– أيوه داهية لا ترجعها.


تذمر عادل بضيق:

– ما قلت ليك جوزها ليّ يا أبا .


تبسم ساخرًا:

– مش لو كنت فلحت في العلام كنت عرفت أجوزها ليك يا مخفي الاسم والصورة لكن أعمل إيه مليش وش أجوزها ليك أنا معرفش عاملة إيه للباشا الكبير ده بيأكلها أحسن أكل ويشربها أحسن شرب ولا لبسها ولا ولاد الزوات وإحنا هنا مش لاقين نأكل.


هتفت زوجته بخبث:

– الباشا بردوا ولا حفيد الباشا.


أتسعت عينيه وردد بصدمة:

– بتقولي إيه يا ولية إنتِ؟!


ردت بكيد:

– بقول يا أخويا إللي كل الناس بتقوله الباشا الصغير قاعد هنا على طول ليه؟! إلا إذا .


تساءل بترقب:

– إلا إذا إيه يا ولية ما تنطقي بدل ما أقوم أجيبك من شعرك؟!


– بصراحة بقى الناس بتقول على بنت أخوك أنها شمال وماشية مشي بطال مع البيه الصغير وإنه بيجي هنا مخصوص عشان ياخد مزاجه منها؟!


ألقت جملتها دفعة واحدة مما جعله ينتفض من مكانه ويجذبها من شعرها بعنف:

– إنتِ اتجننتي يا ولية؟!


لم تبالي بوضعها وأكملت بإشعال النيران في قلبه:

– بقول إللي كل الناس بتقوله هو إنتَ شايف بنت أخوك خدامة عندهم بحق وحقيقي؟! ليه مش شايف لبسها ولا كأنها هانم من الهوانم وده كله مش هيكون لوجه الله أكيد في مقابل وهي حلوة وصغيرة.


ترك زوجته بصدمة وأنحنى برأسه بحزن، أكمل نجله حديث والدته بخبث شديد:

– أيوه يا أبا أمال إنتَ فاكر إيه؟! هو في حاجة لوجه الله ويمكن ده السبب إللي مش راضية تتجوزني عشانه؟!


أغمض عينيه بخزي وردد:

– يا فضيحتك بين الخلق يا سعد يا فضيحتك بين الخلق بنت أخوك جبيتلك العار.


انتفض من مكانه بعزم وتحدث بنبرة حادة:

– أنا لازم أقتلها وأغسل عاري بأيدي.


تحرك سريعًا تجاه المطبخ وأحضر سكين حاد، وركض تجاه باب المنزل وزوجته ونجله يحاولون اللحاق بهم بهلع، لكن ما أن فتح الباب حتى تصنم جسده وهو يرى هذا الكهل وبرفقته شاب في مقتبل العمر..


تراجع الرجل على الفور إلى الخلف ومن بعده نجله، سحب عادل السكين من يده بلهفة وتحدث:

– أهلًا أهلًا يا باشا أتفضل أتفضل.


استنكر عبد الله حديثه وردد باستياء:

– ندخل فين وأبوك طالع علينا بالسكينة.


تدخلت اعتماد على الفور:

– حقك علينا يا بيه أتفضل أتفضل.


زجرت زوجها بعنف:

– مش هتقول للباشا يتفضل يا راجل.


تنحى جانبًا وأشار له بالدخول:

– أتفضل يا باشا.


رمق وليد نظرة حارقة ودلف إلى الداخل وهو يطالع المنزل باحتقار شديد، أرشدهم عادل إلى حجرة الضيوف وجلس بها عبدالله وهو ينظر للغرفة بإزدراء، حدق بنجله بضيق:

– شايف آخرة نشوفية دماغك؟!


همس لوالده بخفوت:

– خلاص بقى الناس جاية.


صمت على مضض دلف سعد إلى الغرفة ومن خلفه نجله عادل جلسوا برفقتهم بعد أن قاموا بالترحيب بهم بحرارة.


تساءل سعد بفضول:

– خير يا باشا إيه سر الخطوة العزيزة دي؟!


رمق وليد بنظرة حادة، وبعدها توجه بنظراته إليه وتحدث بنفاذ صبر:

– أنا جاي النهاردة أخطب إيد نوران بنت أخوك لابني وليد.


بهت وجه سعد بينما تجاوز عادل صدمته وردد بعدم تصديق:

– نوران بنت عمي؟!



أومأ وليد بتأكيد:

– أيوه هي.


ضيق عادل عينيه بمغزى:

– وحضرتك شوفتها فين يا باشا مش حضرتك كنتخفي بلاد بره ولسه راجع؟!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

قلب عينيه بنفاذ صبر وقال:

– شوفتها بالصدفة وسألت عنها ولما عرفنا هي مين عملنا بالأصول وجينا نطلب إيدها في مشكلة؟!


تحدث سعد بتلبك:

– ها لا ربنا ميجبش مشاكل بس أصل البت يعني……


– موافقين يا باشا هو إحنا هنلاقي ليها عريس أحسن من الباشا ابنك.


قاطعته زوجته بعد أن اقتحمت جلستهم حاملة بين يدها صينية صغيرة مرتص فوقها أكواب الشاي الساخنة التي يتصاعد منها البخار.

❈-❈-❈

مر ما يقارب من النصف ساعة وهو يجلس في سيارته ينظر إلى مدخل العقار تارة وتارة أخرى ينظر في ساعته، حتى وجدها تخرج من العقار برفقة زوجة عمها اتسعت ابتسامته والتي سرعان ما انمحت وهو يجدها تتوجه إلى المقعد الخلفي تاركة لزوجة عمها المقعد الأمامي والذي لبت الدعوة سريعًا وصعدت جواره راسمة على وجهها ابتسامة بلهاء:

– صباح الورد يا باشا.


رد باقتضاب بينما تركيز عينيه مع المرآة الأمامية يطالع الجالسة بالخلف بنظرات مشتعلة:

– صباح النور.


أدار عجلة القيادة وبدأ في قيادة السيارة بصمت تام، مما جعلها تتعجب وتتساءل:

– إحنا رايحين فين؟!


قلب عينيه بملل وردد:

– رايحين القصر.


أطلقت زوجة عمها الزغاريد بسعادة:

– لولولولولولولولوي يا حلاوة يا ولاد.


تجاهلت هي ما فعلته زوجة عمها وتساءلت بعدم فهم:

– رايحين نعمل إيه؟


أجاب ببساطة:

– تشوفي الجناح بتاعنا وترتبي حاجتك.


رددت بعدم استيعاب:

– حاجة إيه؟! أنا موديتش حاجة؟!


رد باختصار:

– لما تروحي هتفهمي كل حاجة.


زفرت بضيق وقالت:

– هو مفيش حد غيري يجهز الحاجة؟!


تبسم بخفة وردد:

– أكيد في بس عشان تبقي عارفة مكان كل حاجة إنتِ مجرد هتشرفي على إللي موجودين.


تنهدت بقلة حيلة وقالت:

– تمام.


تحمحمت زوجة عمها بحرج وغمغمت قائلة:

– احم هو مش هنفطر يا باشا إحنا نزلنا على لحم بطننا.


رد دون أن يلتفت لها:

– أنا موصي يجهزوا ليكم الفطار هناك أطمنوا.


عاد بنظراته إلى الخلف:

– غنى هتبقى معاكم وماما موجودة لو احتاجتم حاجة.


رمقته متسائلة:

– إنتَ هتسيبنا لوحدنا؟


تبسم ساخرًا وأردف:

– لا هقعد معاكم، أكيد هروح شغلي يا وتين عندي قضايا لازم تخلص وبعدين متخافيش أهلي ناس طيبين شيلي إنتِ الحواجز إللي إنتِ حطاها وصدقيني الوضع هيبقى أحسن.


لم ترد عليه، مما جعله يحرك رأسه بيأس وينتبه لقيادة السيارة بصمت تام.


بعد مرور ساعة كاملة توقف بسيارته أمام بواب القصر الداخلية بعد أن فتحت له الحراسة البوابة الخارجية هبط من السيارة أولًا يليه زوجة عمه الذي هبطت بسعادة، بينما وتين فكانت في المؤخرة هبطت على مضض.


وجد والدته وزوجة عمه في انتظاره مؤكد أنها أوامر من جده الحبيب تنهد بارتياح ورسم ابتسامة جذابة على ثغره وتوجه إلى والدته الحبيبة مقبلًا يديها بحب:

– ست الكل.


ربتت على ظهره بحنان:

– حبيبي الغالي.


استقام بوقفته وقبل أن يمهد الترحاب بينهم كانت اقتحمت زوجة عمها المكان واقتربت من والدته وقامت بضمها وإغراقها بوابل من القبلات، وبعدها توجهت إلى زوجة عمه وفعلت المثل.


أشار بعينيه إلى وتين أن تقترب فاقتربت على مضض ومدت يدها بالسلام إلى هالة والتي بدورها ضمتها برفق كما جعل ابتسامة إلياس تتسع وهو يطالع والدته الحبيبة بنظرات ممتنة، وبعد أن اطمئن على أن الأجواء هادئة وبخير استأذن منهم وغادر متوجهًا إلى عمله.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

قادتهم هالة إلى الداخل بعد أن ودعت نجلها الحبيب بنظرات حانية، حسنًا تعلم أنها لا تتقبلها لكن لأجل نجلها ستتحمل كل شيء طالما هذا اختياره وهذه رغبته فلن تقف مكتوفة اليد أمام سعادتهم.

❈-❈-❈

غرفة مغلقة، وجدرانها متشققة الظلام يحيط به من كل إتجاه لا ينير الغرفة سوا نافذة معدنية في أعلى الحجرة كما لو كان المكان أشبه بزنزانة مصغرة، ووسط كل هذا يجلس فوق مقعد خشبي مقيد اليد والقدمين ويوضع على فمه لاصق يحاول جاهدًا أن يزيله حتى يصرخ بأعلى صوته حتى ينقذه أحد من هذا المكان البشع….


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (زينب سعيد القاضي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

3 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل