لسة دعوة سفر - الفصل 1 | فاطمة الألفي

قراءة رواية (دعوة سفر) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (دعوة سفر)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: (فاطمة الألفي) | الفصل: (1)


_البداية_

كان باب الشقة مواربًا مما زاد الريبة والشك في نفوس الجيران. حاول أحدهم طرق الباب لعل يستمع إليه من بالداخل، فيبدو الأمر مُقلقًا للغاية؛ فتلك المرة الأولى التي يجدون بها باب شقة الفتاة المصرية الساكنة بالعقار مفتوحًا. تساءل بعضهم لعلها نست غلقه قبل مغادرتها، بينما ظن الآخرون أنها ذهبت في عجالة. لكن أحدهم، مدفوعًا بالفضول والخوف، قرر فتح الباب بحذر وفضول ينهش عقله دعاه يقترب وهو يهتف مناديًا:

- "أنسة؟"

كانت معروفة بالبناية لأنها فتاة وحيدة، مصرية أتت للعمل. بعد برهة من الزمن، تفاجأ الجيران بتغير سلوكها وعودتها بعد منتصف الليل. تجنبها الجميع، والسيدات خفن على أزواجهن من وجودها، لذلك جميع الجيران مبتعدون عنها ولم تربطهم بها أي علاقة كانت من قريب أو بعيد. مؤخرًا، استاءوا غضبًا من معرفة فتاة أخرى أتت للعيش معها، مما زاد من خوفهم وقلقهم. الآن أصبحوا فتاتين ومن جنسية أخرى، كما أن سمعة الفتاة الأولى موصومة وعليها أقاويل عدة، لكن كل شخص هنا ينشغل بحياته فقط ولا يهتم لأمر الآخر.

دلف الشاب بخطوات حذرة يتفقد الوضع بالداخل، وخلفه بعض الجيران يتبعونه بقلق. كان ينادي باسمها، ولكن ما وجده كان أشد هولًا مما توقع. كانت الشقة تبدو هادئة بشكل غريب، لكن آثار الشجار كانت واضحة في كل ركن بالبهو. الأثاث كان مقلوبًا رأسًا على عقب وكأنها كانت تتصارع مع أحد، والوسائد متناثرة على الأرض، كما يوجد قطع زجاج مكسور على الطاولة، وكأن شيئًا ثقيلًا قد سقط عليها، والدماء متناثرة على الجدران، كما أنها تحمل آثارًا من الخدوش، وكأن هناك من حاول الدفاع عن نفسه.

كلما تقدموا خطوة إلى الداخل، كان يسمعون صوت انكسار الزجاج تحت أقدامهم، و الجدران تحمل علامات الصراع، وكأن معركة شرسة دارت هنا. على الطاولة، كان هناك مصباح مكسور وقاعدة حديدية ملطخة بالدماء.

تسمرت الأقدام وكأنها لُصقت بالأرض من هول ما رأوه من مشهد يقشعر له الأبدان. كانت الصدمة تملأ المكان، والرهبة تتسلل إلى قلوبهم، وهم يتساءلون عن مصير الفتاة وما حدث في تلك الليلة المشؤومة.


"الفصل الأول"

_قبل ذلك بشهر_

أستقلت مقعدها داخل الطائرة المتوجهة إلى مطار دبي الدولي، وبعد مرور نصف ساعة، أقلعت الطائرة من مطار القاهرة الدولي، وحلقت في السماء مُنطلقة تشق طريقها المنشود، رفعت أنظارها تطالع السُحب من خلال زجاج النافذة شاردة في حياتها القادمة، مودعة حياتها الماضية لتستقبل حياة جديدة وعالم جديد، تخطو خطوات نحو المجهول.

مرت ثلاث ساعات من تحليقها، إلى أن أعلنت لحظة الهبوط بمقرها المُعتاد،

 ترجلت من الطائرة بعد رحلة طويلة مرهقة، مستشعرة بأرضية المطار الصلبة تحت قدميها، الأضواء الفلورية الساطعة جعلت عينيها تشعران بشيء من الإجهاد، لكنها استجمعت قواها لتنهي أوراق مغادرتها. بمجرد الانتهاء، توجهت نحو سير الحقائب، حيث كانت حقيبتها تتحرك ببطء على الحزام الكهربائي وسط حقائب أخرى بألوان وأحجام متنوعة. سحبت حقيبتها ووضعته على الحامل المعدني، وبدأت تجره خلفها، الهواء كان مشبعًا برائحة المطار المميزة، مزيج من القهوة الطازجة ووقود الطائرات، الأعين كانت تتجول بين الناس، تبحث بحماس عن وجه مألوف وسط الزحام، رأتها غزل من بعيد، وركضت نحوها، شعور من السعادة الجارفة اجتاحها لحظة احتضنتها.

"سارة" تلك الفتاة الرقيقة الهادئة مثل الفراشة الناعمة ذات جمال أخذ ،بشرة بيضاء بعيون واسعة وبركتين من العسل الصافي تحدق بهما يظللهما أهداب كثيفة وأنف دقيق وشفتين كحبات الكرز الناضجة، ذات قوام رشيق ومتوسطة الطول، ترتدي حجاب تخفي خلفه سحر خصلاتها المسترسلة بلون الشكولاته اللامعة، في الخامسة والعشرين من عُمرها..

في مطار "دبي"

 عندما رأتها تخرج من بوابة الوصول، شعرت بسعادة غامرة وركضت نحوها. تبادلتا العناق والابتسامات، وبدأتا في الحديث عن كل ما فاتهن منذ آخر لقاء، كان المطار مليئًا بالناس، لكنهما كانتا في عالمهما الخاص، يتبادلان الضحكات والذكريات. كانت لحظة مليئة بالمشاعر والحنين، حيث شعرت كل منهما بالراحة والأمان بوجود الأخرى.

"غزل" ذات قوام ممشوق ،طويلة ، بشرة بيضاء وتضع مساحيق التجميل لتظهر جمالها الصارخ بعيون واسعة كأمواج البحر الثائر وأنف مستقيم وشفتين منتفختين ووجنتين ممتلئتين أثر حقن البوتكس وتضع حجاب شفاف وتظهر خصلات شعرها المصطبغ باللون النبيذي"

 رحبت بصديقتها في بلدتها الثاني، جلبت حقيبة ملابسها وسارت خلف صديقتها التي أستقلت سيارتها -الفورد- باللون الاحمر، تقودها إلى حيث المسكن الخاص بها وطوال الطريق لم تكف "غزل" عن جمال البلدة الساحر، وأنها تُلقب ب "أوربا الشرق" و"سارة"تنصت لها بأهتمام و شعرت بالحماس يتسلل إليها بأنها حصلت على مُرادها أخيرًا.

بعد برهة فتحت "غزل"باب الشقة؛ وقفت "سارة"متسمرة مكانها من هذا الاثاث الفاخر والتُحف الباهظة الثمن، والاضاءات الخفية المُبهرة للعينين، ولجت لداخل بدهشة وهي تجوب حول نفسها بين الغرف والأثاث العصري شقة أشبه بالقصور واسعة بها غرف نوم بطلاء مختلف وغرف أستقبال فسيحة بأثاث مُذهب فخم ومطبخ امريكاني وكل غرفة مُلحق بها مرحاض، والسقف المُعلق الذي يتدل منه النجف المُتلألأ بالكريستال، واللوحات الفنية المُثبته على الحوائط، أنتقت الغرفة المجاورة لغرفة صديقتها ثم وضعت بها حقيبتها وغادرت الغرفة لكي تجلس مع "غزل"تثرثان و تعيدان ذكرياتهما معًا.

بينما أعدت "غزل" الطعام، جلبت لها أكلتها المُفضلة_شطائر البيتزا الإيطالية_ وجلسن يلتهمون الطعام بشهية ويثرثرون، بدأت سارة بقضم أول قطعة من البيتزا، وتلذذت بالطعم الشهي وهي تبتسم.

 فجأة، تسللت إلى ذهنها ذكريات الجامعة، واستعادت لحظات جميلة وليالي المذاكرة التي قضتها مع صديقاتها.

كانت تلك الأوقات مليئة بالضحك والسهر والنقاشات الحماسية حول الدروس والمشاريع. تذكرت كيف كنّ يجتمعن في إحدى زوايا المكتبة، محاطات بأكوام من الكتب والأوراق، يحاولن التفوق في الامتحانات وتحقيق أحلامهن، وكيف كانوا يدعمون بعضهم البعض في اللحظات الصعبة.

عندما كانت سارة تروي قصصها عن الليالي المليئة بالمذاكرة والضحك، شعرت بالحنين لتلك الأوقات، وشعرت بأن تلك الذكريات قد أضافت لمسة من الدفء على اللحظة التي تعيشها الآن.

 ومع حلول الظلام أوت كل منهن لفراشها مودعة الأخرى لأن في الغد ينتظر "سارة" عملها الجديد..

❈-❈-❈

بدأ الفجر يلوح في الأفق عندما استيقظت "سارة" من نومها و شعرت بأشعة الشمس الدافئة تتسلل عبر ستائر نافذتها وتلامس وجهها بلطف، فتحت عينيها ببطء، محاولةً التكيف مع الضوء الجديد في الغرفة، كانت تشعر ببعض الثقل في جسدها أثر عناء السفر لكنها أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته بهدوء، محاولةً التخلص من آخر آثار النوم، نهضت تتوضئ وتُصلي فرضها ثم تنتقي ثيابًا خاصة لذهابها للعمل، وعندما أنتهت من لمساتها الأخيرة وهي تضع حجابها ،ألقت نظرة حول غرفتها الجديدة ، حيث كان أثاثها مألوفًا ومريحًا، غادرت الغرفة لتجد "غزل" تنتظرها مُستعدة للذهاب لعملها لبدء يوم جديد، وفي غضون ثلاثون دقيقة كانت تصف السيارة بجراج الشركة وتترجل منها هي وصديقتها، يدلفون هذه المؤسسة الضخمة.

 دخلت سارة الشركة لأول مرة مع صديقتها "غزل" وهي تشعر بمزيج من الحماس والتوتر، وهي تتجه بخطوات ثابتة نحو مكتبها التي أعدته مُسبقًا لإستقبالها، مُرحّبةً بها بإبتسامة دافئة، وبفضل "غزل" وخبرتها الطويلة في الشركة، كانت على استعداد لتقديم النصائح والمساعدة لصديقة عمرها. قادتها في جولة تعريفية بالمكاتب، موضحةً لها أماكن العمل وأسماء الزملاء، شعرت سارة بالامتنان للترحيب الحار والدعم الذي تلقته من "غزل".

في نهاية الجولة، جلست الاثنتان في مكتب سارة الجديد، قامت غزل بشرح عملها المطلوب بوضوح، مؤكدةً على أهمية التعاون والعمل الجماعي، ثم أصطحبتها إلى مكتب الشيخ" أبو طلال" صاحب الشركة

دلفت سارة إلى مكتب "أبو طلال" وهي تشعر بالتوتر والفضول معًا، فقد كان يجلس خلف مكتبه الفخم، ينظر إليها بنظرات حادة تملؤها الثقة، ابتسم لها بلباقة، مشيرًا لها بالجلوس

يتميز"أبو طلال" بملامح شرقية خمري البشرة، يرتدي الثوب الأبيض التقليدي الذي يعكس أناقة وبساطة في آنٍ واحد، مع "الشماغ"أو "العُقال" أو "الغترة" التي تلف حول رأسه بطريقة دقيقة وتضيف لمسة من الوقار. أحيانًا يُرتدى البشت فوق الثوب في المناسبات الرسمية، وهو عبارة عن عباءة سوداء أو بنية مزخرفة تبرز الهيبة والمكانة.

ملامحه واضحة، بشعر داكن وعينين سوداوين معبرة تعكس نظراته الثاقبة، هو نموذج للجاذبية فرغم عمره الذي تجاوز الخمسون بعامين إلا أن يظهر عليه ملامح الشباب.

 رحب بها؛ بدأ الحديث عن الأعمال، لكن نظراته لم تتركها أبدًا، وكأنها تدرس كل حركاتها وسكناتها ، أما عنها أنتابها شعورًا غير مريح، ونظرت لصديقتها كأنها تستمد القوة منها، ولكن وجدت "غزل" مُنشغلة بالحديث مع "أبو طلال" ولذلك حاولت الحفاظ على رباطة جأشها، مستعدة لمواجهة كل ما سيأتي، وتلك هي نقطة البداية في حياتها الجديدة هُنا، وفي انتهاء اليوم الأول من العمل ، شعرت سارة بالراحة والثقة أكثر، مدركةً أن لديها شخصًا يمكنها الاعتماد عليه في الشركة، وممنونة لصديقتها على هذه الفرصةالتي أعطتها إياها لتظل جانبها.

وأثناء العودة لشقة "غزل" حدثتها وهي تقود السيارة بتساءل:

-أية رأيك في الشركة؟

تبسمت لها وردت :

-أنا أهم شيء عندي وجودي معاكِ في نفس المكان

أرسلت لها غمزة مشاكسة وقالت ضاحكة: 

-ورأيك في الشيخ " أبو طلال"

بادلتها الضحكة ثم همست قائلة:

-من نظرتي الأولى أقدر أصدر حكمي عليه أن هو زير نساء

علت ضحكتهن سويًا وأكملت "غزل" قيادتها دون أن تعقب على حُكم صديقتها على رب عملهن..


❈-❈-❈

أسدل الليل ستاره، وكانت المدينة تغمرها هدوء وسكون، قررت "غزل"الخروج من المنزل بهدوء. قامت بتخفيف حركاتها قدر المستطاع، حرصًا على عدم إيقاظ "سارة" لكي لا تشعر بها ولا تعلم بأنها غادرت الشقة في هذا الوقت، فقد أتاها أتصالا هاتفيًا ولذلك أسرعت في خطاها دون أن تقلق صديقتها.

صفت سيارتها بمكان خالِ، هادئ، يبدو عليها بأنها تنتظر شخصًا ما 

مرت دقائق معدودة ثم لمحت قدوم "سيارة جيب سوداء" يترجل منها شابًا في مُقتبل العُمر، أعطته مبلغًا من المال وأعطته ورقة مدون بها ما تُريد أن يفعله مُقبال المال ، ثم تركته يفتح الورقة ويقرأ ما بها ليؤمي بالإيجاب وهتف متساءلا:

-متى التنفيذ؟

زفرت أنفاسها بهدوء ثم إجابته: 

-هبلغك أمتى وفين وإزاي لما تجي الأوامر .

أستقلت سيارتها ثانيًا تشق طريق العودة إلى منزلها


بعد مرور أسبوع من قدوم سارة والعمل مع صديقتها "غزل" في قسم المحاسبة المالية للشركة، حيث تخصصها في الجامعة فقد درست في كلية التجارة قسم محاسبة

كانت نظرات أبو طلال تزداد غموضًا، مما يجعل سارة تشعر بمزيج من الفضول والقلق، كان يشعرها بأنه يخفي أسرارًا كبيرة، وأن وراء ثقته الزائدة تكمن نوايا لا تعرف عنها شيئًا، مع مرور الوقت أصبحت تلك النظرات مصدرًا للإرباك لسارة، حيث كانت تتساءل ما إذا كانت تستطيع الوثوق به أم لا.

كانت كلماته مليئة بالإيحاءات الغامضة، وكلما تحدث، كانت سارة تشعر بأنها تقترب خطوة نحو كشف تلك الأسرار، لكنها في الوقت نفسه تتراجع خوفًا من ما قد تجده، كانت تشعر باضطراب داخلي، بين الرغبة في معرفة الحقيقة والخوف من ما قد تحمله تلك الحقيقة من صدمة وألم.


فقد كان يدعوها لاجتماعات خاصة، ويثني على عملها بطريقة تتجاوز المهنية. لم يكن يتردد في تقديم الهدايا الصغيرة، والعبارات المشجعة التي تحمل في طياتها إعجابًا واضحًا.

شعرت سارة ببعض التوتر حيال هذا التقرب، كانت ذكريات طفولتها تذكرها دائمًا بأن تكون حذرة من الوعود السهلة. كانت تحاول الحفاظ على مسافة بينهما، وعندما ترفض الهدايا بلباقة، كانت تستعيد في ذهنها نصائح والدتها حول الكرامة وعزة النفس.

ولكن صديقتها "غزل" أخبرتها بأنها طريقته في مُكافة العاملين معه بالشركة ،لكن "سارة" أصرت على موقفها ، وصوبت كل التركيز على عملها فقط ..

وذات يوم جلس أبو طلال داخل مكتبه الفخم، الذي يعكس شخصيته الغامضة والقوية، المكتب كان مزينًا بالأثاث الفاخر، وطلاء الجدران باللون الرمادي الفاتح، وكل شيء كان مرتبًا بدقة وكأنه يعكس نظام حياته الشخصي، الحوائط مزينة بصور قديمة وذكريات تحمل قصصًا غير معلنة، وخزانة الكتب كانت مملوءة بكتب قديمة وحديثة تعكس اهتماماته المتنوعة.

على مكتبه، كانت الأوراق مرتبة بعناية، والحاسوب الشخصي دائمًا في متناول اليد، مع العديد من الملفات المفتوحة على شاشته، ويوجد أيضًا مجموعة من الأقلام الفاخرة مرتبة بجانب دفتر ملاحظاته الجلدي، مما يوحي بأنه شخص يولي اهتمامًا كبيرًا للتفاصيل.

الإضاءة كانت مزيجًا من المصابيح الحديثة والشموع العطرية، مما يضفي جوًا من الفخامة والدفء في نفس الوقت، كانت تلك التفاصيل الصغيرة تعكس جوانب متعددة من شخصيته، مما يجعلك تشعر بأن كل رُكن في المكتب يحمل جزءًا من أسراره وأفكاره.

 يحاول أن يبدو ودودًا، بينما نادى سارة إلى مكتبه؛ بدأ حديثه بإطراء عملها وكفاءتها في قسم المحاسبة، ثم تطرق إلى النقطة الأهم، اقترح عليها الانضمام إلى فريقه الخاص والعمل عن قرب معه، تاركة قسم المحاسبة، كانت كلماته تحمل وعودًا بمستقبل مشرق وفرص كبيرة، ولكنه كان واضحًا أن هناك نوايا أخرى وراء هذا العرض. 

رغم شعورها الغريزي بالقلق والتوتر، أخذت لحظة لتجمع أفكارها، تأملت في الفرص المحتملة والمخاطر الكامنة وراء هذا العرض، أبقت تعبيرها محايدًا، محاولًا استيعاب كل جوانب العرض قبل أن تتخذ قرارًا مصريا عندما غادرت مكتبه تقازفت على عقلها كلمات والدتها التي كانت تحذرها دائمًا من الرجال الأقوياء الذين يقدمون وعودًا واهية.

غادرت مكتبه هائما على وجهها ينتابها الحيرة وحسمت أمرها متوجهة إلى مكتب صديقتها تقص عليها ذاك العرض .

إستقبلتها غزل ببسمة لطيفة وعينيها تلمعان بترحاب:

-نورتي مكتبي يا سو

جلست بالمقعد المقابل لها قائلة في ود:

-ده نورك أنت يا جميل

-ها مبسوطة في الشغل هنا ؟

ردت بتردد: 

-ده اللي جاية اتكلم معاكي فيه، مش عندي صبر أنتظر لما نروح البيت 

سالتها في قلق:

-في أية قلقتيني؟

سردت لها عن عرض رب عملها، والأخيرة تستمع لها بهدوء، تتذكر حواراتهن القديمة في الجامعة حيث كانت سارة دائمًا تبحث عن فرص جديدة وتخشى من فخاخ الواقع، كانت تشعر بالقلق على صديقتها ولكنها كانت تعلم أنها لديها القوة للتفكير بعقلانية واتخاذ القرار الصحيح.

-وماله دي فرصة حلوة قوي ليكِ، سارة فكري كويس وخليكي عملية، أي فرصة تجيلك بلاش تضيعيها من بين أيدك ، لازم تستغلي ده لمصلحتك، وأنتِ طول عمرك عندك طموح، فكري بعقلك والقرار في النهاية يرجعلك.

هتفت بجدية:

-بس أنا تخصصي محاسبة

ضحكت "غزل" وهي تُعقب:

-سو حبيبتي هو في حد بيشتغل بشهادته ، المهم المصلحة ،وأنتِ زكية وواثقة أنك قدها 

يراودها شعورًا لم تستطيع تجاهلة ولكن لم تخبر به صديقتها لكي لا تقلقها.

وعادت إلى مكتبها بذهن شارد إلى أن أستمعت لصوت طرقات أعلى باب مكتبها ، أذنت للطارق بالدخول.

دلف شاب يُدعى "يزيد" يتمتع بملامح وسيمة تلفت الأنظار، بشرته السمراء اللامعة تعكس الأصالة والجذور العربية العريقة، وعيناه الداكنتان تتلألآن كجواهر في ضوء الشمس، وشعره الأسود الكثيف ممشط بعناية، ولحيته المرتبة تبرز ملامح وجهه الرجولية، يرتدي الثوب الخليجي التقليدي، مما أضاف لمسة من الأناقة والجاذبية لمظهره، خطى بخطواته الواثقة داخل المكتب ، ينظر إلى حيث تجلس "سارة" ثم همس بأسلوبه المهذب الذي يعكس شخصيته القوية والجذابة:

-فاضية الحين، أبي نراجع الحاسبات معج

أجابته بتحفظ:

-أكيد فاضية، أتفضل ..

أتخذ مجلسه أعلى الأريكة وفتح الحاسوب الذي كان يحمله معه، ثم طلب منها أن ترافقه لاتمام العمل 

تركت مكتبها وجلست بالقرب منه وهي تصوب أنظارها على الحاسوب ولكن لا زال عقلها شاردًا بنقطة بعيدة، شعر هو بتشتتها، فقد أخطئت معادلة حسابية بسيطة، رغم كفاءتها الذي أعتداها منها منذ أن ولجت الشركة، أغلق الحاسوب وطالعها بنظرة صادمة قائلا:

-أش فيج؟ ليش ماانج مركزة؟

أبتلعت ريقها بصعوبة وحاولت إخفاء توترها ولكن ملامح وجهها لا تخفي ما بها من تخبط وعينيها تتحركان بسرعة كأنها تبحث عن مخرج، وظلت صامتة 

مما زاد التساؤل والإلحاح منه، علم بأنها تحاول التحكم في مشاعرها، لكنها تجد صعوبة في ذلك ، فهي فتاة رقيقة وهادئة ويطفو على تقاسيم وجهها ما تحاول إخفاءه ، هكذا هو يشعر منذ أن ألتقى بها وعملت معه بنفس القسم .

-أش فيج" سارة"؟ في مضايقات تعرضتي إلها؟

هزت رأسها نافية ثم همست بخفوت:

-أنا أسفة ممكن نكمل شغل

تبسم بخفة وقال:

-بكملها لحالي، واضح انج مرهقة، بتخطئي الحسابات

شعرت سارة بتورد وجنتيها بحمرة الخجل، وعينها تتجنب النظر مباشرة إلى عينيه ، حاولت إخفاء ابتسامتها المتوترة بينما شعرت بنبضات قلبها تزداد سرعة، وكأنها تبحث عن مكان تختبئ فيه من ملاحقته بمقتليه الداكنتين.

عاد يهتف بثبات:

-أحنا زملاء عمل ، فيجي نسولف إذا بالج مشغول بشيء.

كانت تعبيرات وجهها تظهر ارتباكها، كأنها تشعر أنها مُحاصرة من ذاك الشاب، ولكن نبرة صوته أسرت الطمأنينة داخل قلبها، لذلك أخبرته بسبب تشتتها وعدم تركيزها في العمل، شعرت بأن هناك شيئًا مختلفًا في طريقته، مما جعلها تثق به قليلاً.

أما عنه فقد كان يشعر بالضيق وكأن هناك ثقلًا يضغط على صدره، وحاول إخفاء مشاعره، لقد اعتاد على وجودها في العمل ورؤيتها دائمًا، والآن كيف لها أن تقبل هذا العرض وتفكر في مغادرته؟ بركان الغيرة والقلق كان يغلي بداخله.

هتف يزيد بجمود عكس ما داخله من مشاعر مُختلطة: 

-اش رايج؟

همست بحيرة وبصوت يحمل الكثير من الارتباك: 

-مش عارفة أخد قرار، مش متعودة أكون متسرعة في أي قرار بأخده

أومأ لها يزيد بتفهم، لكنه شعر بخيبة أمل عميقة، قرر تركها ومغادرة مكتبها، وهو يعزم على إنهاء العمل وحده، و شعر بشيء غريب يملأ صدره، شعور لم يذقه من قبل، وكأنه يفقد شيئًا ثمينًا لا يمكن تعويضه.


❈-❈-❈

بعد إنتهاء يوم عمل شاق، عادوا سويا إلى منزل "غزل" وطوال الطريق تحاول في إقناعها بالعمل ضمن مكتب "أبو طلال" ولكن "سارة" لا زالت لم تُعطي رأيها، فقررت صديقتها تركها تفعل ما يحلو لها..

كعادة كل ليلة، بعدما تتأكد من نوم صديقتها، تتلمس طريقها في الخروج في خفاء وحذر لكي لا تراها "سارة" ولا تشعر بغيابها .

أستقلت سيارتها تقودها بسرعة فائقة وأزاحت حجابها عن خصلاتها لتنساب خلفها في نعومة وتتطاير مع نسمات الهواء البارد التي تُداعب بشرتها ، ثم مدت كفها تشعل كاست السيارة لتصدح نغمات الموسيقي وهي تدندن مع كلمات الأغاني وتعتريها حالة من البهجة والمرح ..


أما عن "سارة" لا زالت مُستيقظة فقد أرهقها التفكير ولم تنم ، نهضت عن فراشها تسير أتجاه شرفة غرفتها،وقفت تنظر بعيناها تتأملان السماء المرصعة بالنجوم، و القمر كاملاً، يضيء بريقه الفضي كل شيء حولها، شعرت بسكينة غامرة وهي تنظر إلى هذا المشهد البديع، وكأنها تستطيع لمس النجوم بيديها، تلك اللحظة كانت تمنحها شعورًا بالراحة والهدوء، بعيدًا عن كل توترات الحياة؛ ليلة هادئة والسماء صافية تضيئها النجوم اللامعة، بينما هي تتأمل بصمت، لديها إحساس بالحنين يملأ قلبها، تستعيد تلك اللحظات الثمينة مع والدتها، حيث كانت تتحدثان عن الأحلام البريئة والآمال الكبيرة كانت تشعرها بالأمان والطمأنينة.

في تلك اللحظة، شعرت سارة بضغط القرارات الصعبة التي تنتظرها، لكنها أيضًا شعرت بقوة داخلية تنمو بداخلها، عرفت أن والدتها كانت دائمًا تدعمها وتؤمن بها، وأن السماء نفسها قد تكون شاهدًا على تلك اللحظات الحاسمة، أخذت نفسًا عميقًا، وقررت أنها مهما كانت صعوبة القرار المقبل، فإنها ستواجهه بشجاعة وقوة، تحمل معها ذكريات والدتها وأحلامها التي نسجتها تحت نفس السماء المرصعة بالنجوم.

❈-❈-❈

داخل قصر أبو طلال الفخم، وهو تحفة معمارية تجمع بين الأصالة والحداثة، عند دخولك البوابة الرئيسية، تستقبلك حديقة واسعة مزينة بأجمل أنواع الزهور والأشجار النادرة، مما يضفي جوًا من السكينة والراحة.

الواجهة الخارجية للقصر مبنية من الحجارة الفاخرة والزخارف الجميلة، مما يمنحه مظهرًا مهيبًا، الأبواب والنوافذ مزينة بالنقوش التقليدية التي تعكس تاريخ وثقافة المنطقة.

عند دخولك القصر، تستقبلك ردهة فسيحة بديكورات فخمة وأثاث راقٍ. الثريات الكريستالية تتدلى من السقف، وتضفي لمسة من الفخامة على المكان، الجدران مغطاة بأجمل اللوحات الفنية والتحف القديمة.

في الداخل، تجد العديد من الغرف الفسيحة، كل واحدة منها مصممة بديكور مختلف يتناسب مع استخدامات، وغرفة معيشة واسعة مزودة بأحدث التقنيات، المطبخ فخم ومجهز بأفضل الأجهزة الحديثة.

في الطابق العلوي، تجد غرف النوم التي تتميز بالراحة والفخامة، كل غرفة تحتوي على شرفة تطل على الحديقة الواسعة، مما يوفر مناظر طبيعية خلابة.

القصر يمتد إلى الفناء الخلفي، حيث تجد مسبحًا كبيرًا وحديقة خضراء يمكن الاسترخاء فيها، توجد أيضًا مناطق جلوس في الهواء الطلق، مما يجعله مكانًا مثاليًا لاستضافة الضيوف والتمتع بالطقس الجميل.

يعكس حياة الفخامة والترف التي يعيشها، ويعكس شخصيته القوية والغامضة في آن واحد. 

 عند دخولها، استقبلها بنظرة تحمل الكثير من الغموض والتسلط، جلست على أريكة وثيرة بينما كان أبو طلال يجلس أمامها على كرسي مرتفع، ووجهه يعكس مزيجًا من الثقة والتحدي.

بدأ الحديث بمجاملة خفيفة، لكنه سرعان ما انتقل إلى مواضيع العمل والأسرار المشتركة بينهم، كانت كلماته تتلاعب بمشاعرها، وهي حذرة للغاية، كانت تعلم أن تلك الليلة حافلة بالخطط والمكائد، ولكنها أيضًا كانت بداية لتحولات كبيرة ستطرأ على حياتها.

كانت تلك الليلة تجسيدًا للصراعات الداخلية والخارجية التي كانت تواجهها، وتعلمت أن تكون حذرة وواثقة بنفسها في كل خطوة تخطوها.


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الألفي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل