تم النشر في: 19 مايو 2026
قراءة رواية رسائل ما بعد الموت كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية رسائل ما بعد الموت
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة رحاب قابيل
الفصل التاسع
تم النشر الثلاثاء
الفتاة التي لا يجب أن تتذكر
المطر كان يهطل بهدوء فوق المدينة.
لا عواصف.
لا انفجارات.
لا مطاردات.
فقط ليل عادي جدًا… لدرجة مخيفة.
السيارات تمر، الناس تتحرك، المحلات تُغلق أبوابها، والعالم يبدو طبيعيًا كأنه لم ينكسر قبل أيام.
أو سنوات.
أو ربما… قبل دقائق.
فتحت ليلى عينيها ببطء.
السقف الأبيض فوقها كان مألوفًا، لكن عقلها لم يكن كذلك.
ظلت تنظر أمامها عدة ثوانٍ دون حركة، تشعر بثقل غريب داخل صدرها… كأنها كانت تبكي منذ وقت طويل ثم نسيت السبب.
رفعت يدها نحو رأسها ببطء.
صداع.
حاد.
لكن ليس صداع تعب… بل صداع شيء يحاول الخروج.
دخلت والدتها الغرفة وهي تحمل كوبًا من الشاي.
وحين رأتها مستيقظة، ابتسمت فورًا:
– "أخيرًا صحيتي."
ليلى رمشت عدة مرات.
– "أنا… نمت قد إيه؟"
– "من امبارح."
جلست ببطء فوق السرير.
– "هو أنا كنت تعبانة؟"
– "إنتِ نسيتي؟"
ضحكت أمها بخفة:
– "أغمى عليكي في الشارع امبارح وخضتينا."
تجمدت.
الشارع.
الكلمة وحدها حرّكت شيئًا داخلها.
صورة سريعة جدًا مرت في عقلها.
ضوء أحمر.
صوت فرامل.
ويد تمسك يدها.
شهقت بخفة.
أمها اقتربت بقلق:
– "مالك؟"
– "مفيش… أنا بس…"
سكتت.
لأنها لم تعرف ماذا تقول.
نظرت حولها.
غرفتها نفسها.
كتبها.
ملابسها.
كل شيء طبيعي.
طبيعي أكثر من اللازم.
– "إيه تاريخ النهارده؟"
سألت فجأة.
استغربت أمها السؤال، لكنها أجابت:
– "19 أكتوبر."
انقبض قلبها.
لماذا؟
هي لا تعرف.
لكن التاريخ… أخافها.
بعد دقائق، كانت تقف أمام مرآتها.
تحدق في انعكاسها طويلًا.
تشعر أن هناك شيئًا ناقصًا.
أو شخصًا.
ثم فجأة…
لمحت شيئًا على رقبتها.
علامة صغيرة جدًا.
كأنها أثر حرق قديم.
رفعت يدها ولمستها ببطء.
وفي اللحظة التي لمستها فيها…
مرّت صورة خاطفة داخل عقلها.
رجل.
عيناه مليئتان بالخوف.
وصوته:
– "متسيبنيش."
تراجعت بسرعة.
أنفاسها تسارعت.
– "إيه ده…؟"
رن هاتفها فجأة.
قفز قلبها بعنف.
نظرت للشاشة.
رقم مجهول.
ترددت.
ثم ردّت ببطء:
– "ألو؟"
صمت.
ثم…
صوت أنفاس.
تجمّدت.
القلب بدأ يدق بعنف.
هي تعرف هذا الصمت.
تعرف هذا الإحساس.
لكن من أين؟
ثم جاء الصوت.
هادئ.
منخفض.
ومألوف بشكل مرعب.
– "ليلى؟"
شهقت.
يدها ارتجفت.
– "مين؟"
ثانية صمت…
ثم قال:
– "أنا آدم."
العالم توقف.
الاسم ضربها كأنه شيء كانت تعرفه… ونسيت أنها تعرفه.
– "إحنا نعرف بعض؟"
سكت الطرف الآخر.
طويلًا.
ثم خرج صوته أهدأ… وأكثر ألمًا:
– "كان نفسي تقولي لأ."
انقبض قلبها دون سبب مفهوم.
– "إنت مين؟"
ضحكة خافتة جدًا خرجت منه.
لكنها لم تكن ضحكة حقيقية.
– "حد… وعدك قبل كده إنه مش هيسيبك."
الصور بدأت تضرب عقلها.
ممر مظلم.
نار.
صوت انفجار.
ويد تمسك يدها بقوة.
أغمضت عينيها فجأة.
– "أنا… أعرفك."
قالتها دون وعي.
على الطرف الآخر…
ساد صمت طويل جدًا.
ثم سمعته يأخذ نفسًا مرتجفًا.
– "لازم أقابلك."
فتحت عينيها ببطء.
الخوف داخلها كان يصرخ:
لا.
لكن شيئًا أعمق… أقدم…
كان يقول:
روحي.
– "فين؟"
قال العنوان بسرعة.
ثم قبل أن يغلق…
قال جملة واحدة فقط:
– "ولو شفتي أي حاجة غريبة قبل ما تيجي… ما تخافيش."
انقطعت المكالمة.
ظلت ممسكة بالهاتف دون حركة.
ثم ببطء…
نظرت إلى المرآة مرة أخرى.
لكن هذه المرة…
لم تكن وحدها.
انعكاس رجل ظهر خلفها للحظة.
واقف.
ينظر إليها بصمت.
التفتت بسرعة.
لا أحد.
عادت تنظر للمرآة…
فاختفى.
لكن أسفل المرآة…
كانت هناك جملة مكتوبة ببخار خفيف لم يكن موجودًا قبل ثوانٍ:
"إوعي تثقي في النسخة دي."
تجمدت.
القلب سقط داخل صدرها.
– "نسخة…؟"
وفي نفس اللحظة…
رن الهاتف مرة أخرى.
لكن هذه المرة…
الاسم الظاهر على الشاشة كان:
ليلى.
ظلّت تحدّق في الشاشة كأنها تنظر إلى شيء لا يجب أن يوجد.
اسمها.
رقمها.
وصورتها القديمة أعلى المكالمة.
لكن الهاتف… كان في يدها.
إذًا من يتصل؟
رنّة أخرى.
ثم أخرى.
أصابعها بدأت تبرد.
عقلها يصرخ أن تغلق الهاتف، أن ترميه، أن تهرب من كل هذا…
لكن الفضول كان أقوى.
الخوف دائمًا أضعف أمام الرغبة في الفهم.
ردّت ببطء.
وضعت الهاتف على أذنها دون أن تتكلم.
صمت.
ثم…
صوتها.
بالضبط.
– "ما تروحيش."
تجمّدت.
حتى أنفاسها توقفت.
الصوت أكمل بسرعة، وكأنه يعرف أن الوقت قليل:
– "اسمعيني كويس، ما تروحيش لآدم."
ليلى همست:
– "إنتِ مين؟"
ضحكة قصيرة خرجت من الطرف الآخر.
مرهقة.
مكسورة.
– "كل مرة بتسألي نفس السؤال."
القلب بدأ يدق بعنف.
– "إنتِ… أنا؟"
ثانية صمت.
ثم:
– "للأسف."
رجعت خطوة للخلف حتى اصطدمت بالطاولة.
عقلها بدأ يرفض الواقع بالكامل.
– "لا… لا ده مستحيل…"
– "المستحيل إنك لسه ما فهمتيش."
صوتها الآخر كان مختلفًا.
أهدأ.
لكن فيه تعب سنين.
– "اسمعيني كويس، آدم كدب عليكي."
انقبض قلبها فورًا.
– "كدب في إيه؟"
– "في كل حاجة تقريبًا."
– "بس هو أنقذني—"
– "علشان محتاجك."
سكون.
– "محتاجني ليه؟"
الرد تأخر.
ثم جاء منخفضًا جدًا:
– "علشان إنتِ الوحيدة اللي تقدر ترجّعه."
الصور رجعت تضرب عقلها.
انفجار.
ممر مظلم.
صوت بيقول:
"لو أنا فضلت عايش… إنتِ هتموتي."
وضعت يدها على رأسها بتألم.
– "أنا مش فاهمة!"
الصوت على الهاتف ارتفع لأول مرة:
– "ركزي يا ليلى! ما عندناش وقت!"
شهقت.
نفس الجملة.
نفس النبرة.
كأنها سمعتها قبل كده.
– "إنتِ فين؟"
صمت.
ثم قالت النسخة الأخرى:
– "في مكان المفروض ما أوصلوش."
– "يعني إيه؟"
– "يعني إنك لو روحتي النهارده… كل حاجة هتبدأ من جديد."
القلب انقبض.
– "وإيه اللي هيبدأ؟"
صوتها الآخر خرج هامسًا:
– "موتك."
تجمدت.
وفي نفس اللحظة…
وصلتها رسالة.
الهاتف اهتز بين يديها.
نظرت للشاشة.
رسالة من رقم مجهول.
"لو ردّت عليكِ… اقفلي فورًا."
ارتعشت.
– "إنتِ شايفة الرسالة؟"
لكن الطرف الآخر لم يرد.
فقط صوت تشويش بدأ يعلو تدريجيًا.
– "ألو؟!"
ثم فجأة…
صوت جديد دخل على الخط.
صوت رجل.
هادئ.
بارد.
– "لقيتك."
شهقت ليلى.
النسخة الأخرى صرخت فورًا:
– "اقفلي! اقفلي دلوقتي!"
لكن قبل أن تتحرك—
الصوت ضحك بخفة.
– "متعبة نفسك ليه؟"
الصوت لم يكن غريبًا.
هي تعرفه.
لكنها لا تتذكر من أين.
ثم قال الرجل بهدوء:
– "في النهاية… هي بتيجي لنا كل مرة."
انقطع الخط.
سقط الهاتف من يدها.
الغرفة أصبحت أضيق.
الهواء أثقل.
والمرآة أمامها…
عاد البخار يتجمع عليها ببطء.
ثم بدأت الكلمات تظهر حرفًا حرفًا:
"هو مش آدم."
شهقت.
رجعت للخلف.
وفجأة—
دقّ الباب.
قفز قلبها.
صوت والدتها جاء من الخارج:
– "ليلى؟ في شاب تحت بيقول إنه مستنيكي."
سكتت.
– "اسمه آدم."
نظرت للمرآة مرة أخيرة.
الجملة ما زالت موجودة.
"هو مش آدم."
ثم…
رن الهاتف مجددًا.
لكن هذه المرة…
الاسم الظاهر على الشاشة كان:
سليم.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رحاب قابيل، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية