قراءة رواية رسائل ما بعد الموت كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية رسائل ما بعد الموت
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة رحاب قابيل
الفصل الأول
تم النشر الإثنين
الطرد
لم يكن الحزن الذي يسكن قلب ليلى يشبه الحزن الذي اعتادت أن تراه في وجوه الناس في الجنازات.
لم تكن تبكي كثيرًا، ولم تكن تصرخ أو تنهار كما يحدث في الأفلام، بل كان حزنها هادئًا، ثقيلًا، كأنه حجرٌ ضخم وُضع فوق صدرها، يمنعها من التنفس، لكنه لا يقتلها.
مرّت ثلاثة أسابيع على وفاة سليم، ثلاثة أسابيع فقط، لكنها كانت تشعر كأن ثلاثة أعوام قد مرّت فوق روحها.
كانت الغرفة هادئة، والستائر نصف مغلقة، والضوء الخافت ينساب على الأرض في خطوطٍ باهتة. جلست على طرف السرير، تمسك هاتفها، وتفتح صورها مع سليم واحدة تلو الأخرى، كأنها تخاف أن تنسى ملامحه إن توقفت عن النظر إليه.
مرّرت إصبعها على صورته وهمست:
– أنا مش عارفة أعيش من غيرك يا سليم…
ثم أغلقت الهاتف بسرعة، كأنها ارتكبت خطأ، وأسندت رأسها إلى الحائط خلفها، وأغمضت عينيها.
لكن الهدوء لم يدم طويلًا.
رنّ الهاتف.
فتحت عينيها ببطء، ونظرت إلى الشاشة.
رقمٌ غريب.
ترددت لحظات، ثم ردّت:
– ألو؟
– أستاذة ليلى؟
– أيوه.
– مع حضرتك شركة شحن، في طرد باسم حضرتك ولازم يتسلم النهارده.
– طرد؟ أنا ما طلبتش حاجة.
– الطرد مدفوع ومكتوب أنه يتسلم شخصيًا.
– من مين؟
– الحقيقة مش مكتوب اسم المرسل، بس الطرد بقاله فترة متأجل لحد المعاد ده.
شعرت ليلى بشيءٍ غريب، لكنها لم تهتم كثيرًا.
– خلاص ماشي، ابعته.
– خلال ساعة يكون عند حضرتك.
أنهت المكالمة، وظلت تنظر إلى الهاتف في صمت.
طرد؟ من قد يرسل لها طردًا الآن؟
الجميع كان يعرف حالتها بعد وفاة سليم، ولم يكن أحد ليفعل شيئًا كهذا في هذا الوقت.
هزّت رأسها محاولةً طرد الأفكار، لكنها لم تستطع.
❈-❈-❈
بعد ساعة تقريبًا، رنّ جرس الباب.
خرجت من غرفتها ببطء، وفتحت الباب، فوجدت شابًا يحمل صندوقًا صغيرًا مغلفًا بعناية.
– آنسة ليلى؟
– أيوه.
– اتفضلي، إمضي هنا.
وقّعت دون أن تسأل كثيرًا، وأخذت الصندوق وأغلقت الباب.
وقفت في الصالة تنظر إلى الصندوق في صمت.
كان صغيرًا، مربعًا، مغلفًا بورقٍ بني، ومربوطًا بشريط أسود.
شعرت بانقباضٍ في قلبها دون سبب واضح.
جلست على الأريكة، ووضعت الصندوق أمامها على الطاولة، وظلت تنظر إليه طويلًا، كأنها تخشى فتحه.
همست لنفسها:
– أنا مالي متوترة كده ليه…؟ مجرد طرد وخلاص.
لكن إحساسًا داخليًا كان يقول لها إن هذا الصندوق ليس عاديًا.
مدّت يدها ببطء، وفكّت الشريط الأسود، ثم بدأت تمزّق الورق المغلف.
ظهر صندوقٌ أبيض أنيق.
فتحته.
وتجمّدت.
داخل الصندوق كان هناك هاتف محمول جديد وظرفٌ أبيض.
توقّف عقلها للحظة، ثم مدت يدها إلى الظرف وفتحته ببطء.
سقطت أنفاسها عندما رأت الخطّ المكتوب داخل الورقة.
كانت تعرف هذا الخط جيدًا، حفظت شكل حروفه عن ظهر قلب… إنه خط سليم.
ارتجفت يدها، وجلست ببطء، وبدأت تقرأ:
"ليلى…
لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى أنا غالبًا مش عايش دلوقتي.
قبل ما تخافي أو تستغربي، لازم تعرفي إن كل حاجة أنا عاملها دي علشانك.
الموبايل اللي في العلبة عليه تسجيلات صوت ليا،
التسجيلات دي هتوصلك في مواعيد محددة.
اسمعي كل تسجيل في معاده بالظبط،
ومهما حصل…
متثقيش في أي حد حواليكي."
وقفت عيناها عند الجملة الأخيرة طويلًا:
"متثقيش في أي حد حواليكي."
شعرت ببرودةٍ تسري في جسدها.
أمسكت الهاتف الجديد ببطء، وفتحته. كان بلا قفل.
دخلت إلى تطبيق التسجيلات الصوتية، فوجدت تسجيلًا واحدًا فقط. اسمه:
"اسمعي ده بعد ما أموت"
وضعت يدها على فمها، وبدأت دموعها تنزل ببطء.
همست:
– إيه ده يا سليم…؟ إيه اللي إنت عاملُه ده…؟
وظلت تنظر إلى زر التشغيل طويلًا، كأنها تخشى الضغط عليه.
ثم أخيرًا… ضغطت.
❈-❈-❈
انطلق صوته من الهاتف، واضحًا، هادئًا، كأنه يجلس بجوارها.
– ليلى… لو إنتِ سامعة التسجيل ده، يبقى أنا مت.
بس قبل ما تعيطي أو تزعلي، ركزي في اللي هقوله كويس، لأن اللي جاي أهم من أي حاجة.
بدأت ليلى تبكي بصمت، وهي تسمع صوته.
– أنا عارف إنهم قالوا لك إني مت في حادثة،
بس الحقيقة…
أنا ما متّش في حادثة… أنا اتقتلت.
شهقت ليلى بقوة، وكادت تسقط الهاتف من يدها.
– أيوه، اتقتلت.
بس أنا قبل ما أموت كنت عارف إن ده ممكن يحصل، علشان كده سجلت لك رسايل كتير، كل رسالة في وقت معين.
لو مشيتِ ورا اللي هقوله بالحرف، ممكن تعرفي مين قتلني…
وممكن كمان تعرفي أنا اتقتلت ليه.
كانت دموعها تنزل بلا توقف.
استمر صوته:
– أهم حاجة دلوقتي…
متثقيش في حد.
حتى أقرب الناس ليكي.
خصوصًا…
وفجأة توقف التسجيل.
نظرت إلى الهاتف بصدمة، وضغطت تشغيل مرة أخرى، لكنه انتهى بالفعل.
– لأ… لأ كمل… كمل يا سليم!
❈-❈-❈
جلست ليلى على الأرض، وظهرها للحائط، والهاتف في يدها، وعقلها يدور بعنف.
سليم مقتول؟
مين ممكن يقتله؟
وليه؟
وإيه التسجيلات اللي هتوصلها بعد كده؟
رنّ الهاتف فجأة، ونظرت إلى الشاشة.
رسالة جديدة وصلت:
"التسجيل التاني هيوصلك يوم 15 الساعة 8 مساءً.
لو سمعتِه قبل المعاد… هتندمي.
ولو حد غيرك عرف بوجود الموبايل… هتبقي في خطر."
شعرت بأن قلبها يسقط في داخلها.
– أنا دخلت في إيه يا سليم…؟
❈-❈-❈
جلست ليلى في هدوء، تحاول جمع أفكارها، لكن كل شيء حولها كان يبدو مريبًا.
فجأة، لمحت شيئًا على طاولة المكتب.
ورقة صغيرة مطوية… كانت غير موجودة من قبل.
اقتربت بحذر، فتحتها… وقرأت:
"خلي بالك من كل الناس اللي حواليكي.
متفتحيش الباب لأي حد، حتى لو شكله مألوف.
الساعة 8، التسجيل التاني… كل حاجة هتتضح."
ارتعشت، نظرت حولها… كل زاوية في الغرفة صارت مظلمة أكثر من قبل.
– الساعة 8… يبقى… باقي كام ساعة؟
نظرت إلى الساعة على الحائط، كانت 6:15 مساءً.
– ساعتين ونص… ساعتين ونص…
همست لنفسها:
– ساعتين ونص… وانا لو خرجت دلوقتي ممكن يحصل أي حاجة…
❈-❈-❈
جلست مرة أخرى على الأرض، وأخرجت صندوق ذكرياتها مع سليم:
الساعة القديمة، تذكرة السينما، الورقة التي كتبها لها، خاتم الخطوبة.
كل قطعة كانت تذكرها بالحب الذي فقدته فجأة، وبالرعب الذي يحيط بها الآن.
أمسكت بالساعة القديمة، وأغمضت عينيها، وتذكرت اليوم الأخير معه:
في السيارة، وهو يقود بسرعة أقل من المعتاد، يتلفت كثيرًا في المرآة الخلفية.
– إنت شايف حاجة؟
– مفيش… ركزي في الطريق.
– إنت مش طبيعي، إيه اللي مضايقك؟
– هتعرفي قريب…
أمسك يدها فجأة وقال:
– لو حصل لي أي حاجة… متثقيش في أي حد بسهولة.
كانت آخر الكلمات قبل الحادث.
ورغم مرور ثلاثة أسابيع، كانت عالقة في ذهنها كما لو لم تمر إلا دقائق.
❈-❈-❈
بدأت تشعر بضرورة معرفة الحقيقة، لا يمكنها الانتظار للساعة 8 مساءً.
قررت التحرك، وفتحت الخزانة لتبحث عن أي شيء قد يساعدها، فتذكرت أن سليم كان يحتفظ بمفكرة صغيرة يسجل فيها ملاحظاته اليومية، ربما تحتوي على دليل.
بحثت بعناية، ووجدت المفكرة تحت كومة كتب قديمة.
فتحتها، وبدأت تتصفح.
صفحات مليئة بأسماء، أرقام، ملاحظات غامضة، وملاحظات عن أشخاص يعرفهم.
قفز قلبها عندما وجدت صفحة تحمل اسم أحد زملاء سليم: مروان، ومعه خط غامض:
"مش فاهم ليه بيقرب مني… لكن هحافظ على السر."
همست لنفسها:
– مروان… مين ده؟
صفحت إلى الأمام، ووجدت المزيد من الأسماء، مع علامات استفهام وتعليقات غريبة.
– كل واحد فيهم… ليه متسجلين؟
بدأت تشعر أن سليم كان يعرف شيئًا… شيء كبير.
❈-❈-❈
بينما هي منهمكة في القراءة، رن الهاتف فجأة، للمرة الرابعة.
ارتجفت، ورفعت السماعة:
– ألو؟
صوت هادئ، لكنه غريب:
– ليلى… أنا عارف إنك بتفتشي، بلاش تمسكي حاجة متخصكيش…
– مين؟
– اهدي، ركزي… أو هتندمي…
انقطع الخط فجأة.
جلست ليلى صامتة، تتنفس بصعوبة.
– مين ده؟ إيه اللي بيحصل؟
❈-❈-❈
الساعة اقتربت من السابعة والنصف مساءً، بقي أقل من ساعة لتبدأ "التسجيل التاني".
قررت ليلى أن تعد نفسها، وضعت الهاتف أمامها على الطاولة، جلست، وأغمضت عينيها، تتخيل صوت سليم يقول لها كل شيء، تتخيل كل خطوة ستتخذها.
لكن فجأة، سمعت حركة خفيفة في الصالة.
قفزت من مكانها، الهاتف في يدها، وصرخت:
– مين؟!
صمت مطبق.
اقتربت ببطء، كل خطوة تصدر صريرًا في الأرضية الخشبية.
وصلت إلى الصالة، نظرت حولها… لم يكن هناك أحد.
ثم لمحت في الزاوية ظلًا يتحرك بسرعة، وكأنه شيء يختبئ.
قفز قلبها، ولم تستطع أن تتنفس، وصرخت مرة أخرى:
– مين هناك؟!
لكن لم يأتِ أي رد.
– يمكن… يمكن تخيل…
لكن شعورًا داخليًا أخبرها أن الخطر حقيقي، وأن كل شيء حولها سيبدأ في الانكشاف من الآن.
❈-❈-❈
الساعة الآن 7:59 مساءً، أقل من دقيقة لتبدأ اللحظة الحاسمة، لتبدأ الحقيقة في الظهور.
أمسكت الهاتف بيد مرتجفة، قلبها يقفز من الخوف، وهي تقول بصوت منخفض، لكنه مفعم بالرعب:
– يا رب… خلي كل حاجة تبقى تمام…
وفجأة، بدأ الهاتف يرن، لكن ليس كالعادة…
رنين غريب، لا يشبه أي نغمة، كأنه صدى صوتي، صوت يهمس لها من داخل الهاتف:
– ليلى… افتحي… لازم تسمعي…
قفزت من مكانها، الهاتف في يدها، عيناها متسعتان، وكل جسدها يرتجف.
– مين… مين اللي…؟
وفجأة، انطفأ الهاتف، وغابت كل الأصوات، وغاصت الشقة في صمت قاتل، صمت جعل قلبها يوشك على الانفجار.
يتبع