قراءة رواية ثلاثة على واحد كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ثلاثة على واحد
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة هاجر التركي
الفصل الرابع
تم النشر يوم الإثنين
2/2/2026
وقف ما يُقارب النصف ساعه أمام خزانتهِ، يحاول أنتقاء ملابس جيدة، مناسبة للعمل الجديد، لكنه جرب عدة ثياب، لكنها لم تروقه، أو تحديدًا لم تروق لشخصيتهِ الجديده.. المليونير، وهذا قد لفت نظره لشئ، عليه شراء ثياب جديدة تليق بهِ وبمكانته الجديدة.
لم يكن "ياسين" يومًا من محبي الموضة والركض خلف كل جديد، فقط يرتدي ملابس نظيفة مهندمة تليق بهِ والوان تليق بهِ، ليس إلا، حتى عندما كان طالبًا بالجامعة، ملابسه الوانها متناسقة لكنها بسيطة، وتقريبًا هذا أكثر شئ جعله مميزًا وسط دفعتهِ، مختلفًا عن التافهون الذين يتنفسون الموضة، حتى نسيوا أنهم رجالاً، إلا من رحمَ ربي.
أضافةً إلي هالة الطالب المثالي، التي كانت تحاوطه، أعطته تميزًا لم يكن يريده لا تظلموه، "ياسين" لا يحب الصداقات الكاذبة ولا التفاف الفتايات حولهِ..
التقط أفضل شئ نال أعجابه حتى الآن وأرتداه سريعًا، مصففًا شعرهِ بعناية، أرتدي ساعته الجلدية، قليلاً من العطر... لا بل كثيرً، وكثيرًا، هو مليونير.
ودعته جدته بسيلاً من القُبل، والداعوات، نصف ساعه وكان قد وصلَ إلي الشركة، رفعَ بصرهِ، وعيناه تصرخ أعجابًا ببراعة التصيميم الهندسي للشركة من الخارج، وماذا عن الداخل؟ بالتأكيد لا يقل روعةً عن الخارج.
❈-❈-❈
كان يسير في الممر المؤدى إلي مكتب رئيس الشركة السيد"زُهير النقاش "، بعد أن أستقبله سكرتيره الخاص بترحاب أرضي غروره، اطرقَ بخفة علي الباب الزُجاجي، سمعَ صوتًا مرحبًا يناديه من الداخل...
_" منّور الشركة كُلها يا بش مهندس ".
_" دا بنورك يا دكتور زُهير".
جلس "زهير" علي مكتبهِ، وأشار له بالجلوس، انتبه لهيئتهِ المرتبة جدا اليوم، فأثني عليهِ مادحًا:
_"بس إيه الشياكة دي يابش مهندس؟ ".
أنتفخ صدرهِ بتفاخرٍ، عدلَ من هندام ربطة عنقهِ، يقول بأبتسامة:
_" دا أقل حاجة عندي والله ".
_" أن شاءلله هتنبسط من الشغل معانا، آه بمناسبة الشغل، حاتم هيوصلك لمكتبك، ويفهمك الشغل ماشي ازاي، ومن النهاردة تقدر تبدأ الشغل اللي أتفقنا عليه، موفق أن شاءلله ".
حياه سريعًا، مغادرًا مع المدعو" حاتم"، وكان بداخله سعيدًا بكل شئ يحدث، لأول مرة يلعب الحظ معهُ..
أستغرق ساعتين متواصلتان في أنجاز بعض الأعمال المُكلفة له بعد أن شرح له "حاتم"بعض النقاط الهامة ، كان متحمسًا، لذا لم يشعر بأي تعب حتى بعد جلوسه طويلاً علي المقعد دون حركة.
قطعَ تركيزه رنين هاتفه، التقطته سريعًا، وكان سيتجاهل المُكالمة، كونها من رقم غير مسجل لديه، أذن ليس بالضرورة الرد...
وضعَ الهاتف علي أذنهِ دون أهتمام، بينما عينيه علي حاسوبه، أتاه صوتًا أنثوي، للحظة شعر أنه مألوف علي مسامعهِ:
_" الوو.... باش مهندس ياسين؟ ".
_" أيوه أنا، مين؟ ".
سألها بينما قلبهِ بدأ بالنبض، ولا يُصدق أنها هي، حتى أتاه صوتها تقول بنبرة بدت متوترة وقد قطعت الشك باليقين:
_"أنا أحممم، أنا وصال".
بأقل من ثانية، أبعدَ الحاسوب من أمامه، ونهضَ يتجول في الغُرفة:
_" أهلاً يا آنسة وصال".
دامَ الصمت بينهم لثواني، حتى قطعته بكلماتها المُعلثمة نوعًا ما:
_"أنا أسفة لو كنت بكلمك في وقت مُش مناسب".
نفي سريعًا:
_"أنا فالشُغل، بس مش مهم الشُغل أكيد".
تبًا غبي، ماذا قال؟ حقًا معتوه، ولا شك أن هناك أبتسامة نمت على ثغرها الآن، حمحمَ يقول بنبرة جدية:
_"ولا يهمك يا آنسة وصال، خير إن شاءلله ".
توترت علي الطرفِ الآخر، نظرت إلي" أمينة"الجالسة أمامها تتابع مجري المحادثة ببسمة متسعة، حيث أجبرتها علي فتحِ مُكبر الصوت لكي تستمع، لكزتها في مرفقها سريعًا مستغيثة، لقد نسيت ما أخبرتها به قبل قليل، الكلمات تبخرت:
_"خير إن شاءلله، أنا بس... يعني بما أنك مُهندس برمجة، من يومين كده اللاب توب بتاعي فيه حد حاول أنه يعني ".
وجدها متوترة، وتكاد تبكي، فعاونها موضحًا:
_" حاول يهكرهه تقصدي؟ ".
_" لا مش بالضبط بس أنا مش عارفه أتحكم فيه، ولقيت كذا حاجة متغيرة فيه، ودا عليه كل شغلي، وبصراحة مش مأمنة أني أسيبه لأي حد كده ".
أذن هي تثق بهِ، جيد، لقد قالت ذلك بطريقة غير مباشرة، كاد يرقصُ فرحًا، لولا وجود الموظفون حوله، وبالطبع لا يريد أن تنتشر شائعة عليه بأنه أُصيب بالجنون،في أول أيام عمله:
_" تمام، أنا ممكن أشوفلك الموضوع دا بنفسي، أهم حاجة سيبي اللاب توب، متحاوليش تعملي فيه اي حاجه علشان الموضوع ميتعقدش أكتر".
_"هتعبك معايا؟ ".
سألته بتردد، نفي ذلك سريعًا:
_" لا ولا تعب ولا حاجة دا شُغلي، عندك حاجه كمان ساعتين؟ ".
لم تجد رد، فنظرت إلي الاخري التي تبتسم بأتساع، فمنحتها ايماءة موافقة، وسريعًا منحته ردًا:
_" لا".
_"كويس، ممكن أقابلك في أي مكان مناسب ليكِ، وأستلمه منك وأشوفه".
نظرت الي"أمينة "مرة اخري، فرفعت لها أصبعها بعلامة جيد:
_" تمام هبعتلك اللوكيشن ".
أغلقت الهاتف والقته بعيدًا، متنفسة براحه وكانها كانت في سباقٍ، غمزت لها الاخري تقول بمُشاكسة:
_" شوفتي الموضوع سهل ازاي، إيه حصل بقا، مكدراني جمبك بقالنا ساعة بحفظ فيكِ هتقولي ايه، وفي الآخر مقولتيش حاجه ".
_" يوه يا أمينة أنا أتوترت أوي لما سمعت صوته، وكُنت محرجة أوي وهموت من الكسوف، هيقول ايه عليا دلوقتي ".
رفعت لها حاجبها:
_" لا والله؟ هيقول عليكِ إيه يعني؟ دا شغلة، وبعدين ما أنتِ فعلاً اللاب توب بايظ، مش بتكذبي عليه".
اشاحت بعينيها بعيدًا بتخبطٍ:
_"مش عارفه بقا، أنا أصلا مش عارفي اول ما كلمني قلبت زي القطة البلدي ومعرفتش انطق، مع إني لساني مبرد أصلا ".
_" مبرد آه أنتِ هتقوليلي... فُكك بقا اللي حصل حصل وعدت علي خير، قومي بقا يا بطة نشوف هنلبس إيه علشان المُقابلة".
تزامنًا مع كلماتها الأخيرة، نهضت، تفتح خزانتها علي اخرها، تنتقي بحيرة الملابس المُناسبة لمقابلة كتلك أخرجت لها فستانًا أزرق اللون طويل وباكمام قصيرة، أستنكرته هي سريعًا تلقيه في وجهها:
_"فُستان يا أمينة، هو أنا رايحة حنته يا حبيبتي؟ ".
طرقت بأصبعها أسفل ذقنها بحيرة، من ثم بدأت مرة اخري بالبحث في الخزانه، حتى أستقرت علي سترة باللون البُني الداكن، مع سروال واسع باللون الكريمي الفاتح...
❈-❈-❈
كانت الشقة معتمة إلا من اضاءة بيضاء قوية تأتي من حاسوب" ياسين "الذي كان يجلس علي السُفرة في الصالون الصغير، وأمامه الحاسوب مفتوح، ويظهر منه خطوطًا خضراء، متداخلة غير مفهومة... إلا له، كان هذا سيستم شركة" العدوي"، منذ الساعتان وهو يجلس نفس الجلسة، حتى شعر بتيبسٍ في عضلات جسدهِ.
الأختراق كان صعبًا، حقًا لازال لايصدق أن مخترعة شفرة الأمان تلك، فتاة، يالها من بارعة.... فتاة تُنزع لها القُبعة علي مهارتها في الشفرات والبرمجة، أرتشف قليلاً من كوب القوة الذي برد.
عبث قليلاً بالحاسوب، يجرب عدة طُرق، وأدهي الطُرق لكن لا فائدة، الآن تأكد أنها مهمة صعبة حقًا، تستدعي تركيزًا عاليًا.
لذا نهض، واغلق الحاسوب، غدًا سيُكمل، لقد شعرَ بالأرهاق الشديد، والتعب، وعيناه تنغلقان لا أراديًا من شدة النُعاس... أستمر علي محاولاتهِ لعدة أيام مُتتالية بلا جدوى أيضًا
❈-❈-❈
جلسَ يُدندن بالحان شعبية رديئة،بينما يعبث بمحتوي مكتبة"ياسين "يقرأ من كل كتاب أول سطرين، من ثم يلقيه بملل بجانب اخوتهِ المتراصين بأهمال من قِبل الآخر، والملل بدأ يزحف إليه، زفرَ مُتاففًا يُلقي الكتاب من يده بأهمال..هاتف" ياسين "لم يكف عن الرنين منذ وقتٍ، وعندما أزعجه، قام بأغلاقه دون النظر حتى للمُتصل.
_" أيه رأيك؟ ".
خرجَ من المِرحاض،ينظر إلي نفسهِ من كل الجهات، يتفقد مظهر الملابس الجديدة عليهِ، نهضَ" محمد"مُقتربًا منه، أطلقَ صفيرًا بأعجاب:
_"جامد.. آخر شياكة، لف بِروتة كده ".
بالرغم من أستغربه من كلماته المعتوهة مثله، إلا أن أخذ يدور حولَ نفسهِ بحماس، يُريه الملابس كيف تبدو عليه من جميع الجوانب، صفقَ بخفةٍ، يقول بتفاخرٍ:
_" سقفة ليا علي ذوقي العبقري، آخر شياكة يابا توب التوب.... ".
_" فعلاً طلع حلو، مكانش عجبني في المحل".
زفرَ بمللٍ، حقًا دقيقة اخري وسيقفز من الشُرفة، اليسَ كافيًا أنه سحبه كالأبلي معه منذ الصباح، يتجول علي المحلات والمتاجر، حتى تورمت قدميه، ولم يكتفي بذلك، بل أجبره علي الجلوس هنا، يتابع عرض الأزياء القائم علي شرف"ياسين"، هذا الطقم الحادي عشر.... حقًا يشفق علي الفتايات أثناء التسوق، الأمر فعلاً متعب وممل.
_"تمام، يلا أنجز بقا وأقلع... أنا مستعجل".
ولسوء حظه، قال ذلك تزامنًا مع دخول السيدة"أحلام" تحمل بين يديها صنية ممتلئة بما لذ وطاب، جحظت عينيها، تنظر لهم بشكٍ، تطلق علامات أستفهمام، هل ما سمعته صحيحًا؟
تركت الصنية جانبًا، وأقتربت منهم وما زالت عينيها تتجول عليهم لتسألهم بحاجب مرفوع وعيون ضيقة:
_"أنتو بتعملوا إيه؟ بتعمل في الواد إيه؟ ".
أتسعت عيناي" مُحمد" يقول مستنكرًا:
_"هعمل فيه إيه.... اسأليه هو بيعمل فيا إيه من الصُبح".
أشار إلي الآخر بأصبعهِ، فنقلت أنظارها إلي حفيدها تسأله سريعًا:
_"بتعمل فيه إيه؟ أنطق؟ ".
_" بديله حُقنة ".
فزفرًا بغيظ مُكملاً:
_" هعمل فيه إيه يا تيتة، هو قرفان بس علشان مكدره هنا بقالي ساعتين علشان يقيم اللبس الجديد".
وعلى ذِكر الملابس الجديدة، اخذ يدور حول نفسه يسألها بحماس:
_"مقولتيش ايه رأيك ".
زفرت الهواء براحةٍ، الحمدلله، حفيدها ليسَ منحرفًا:
_" جميل، ولونه حلو فيك، أول مرة تلبس اللون دا".
قفز "محمد" في الحديث:
_"شوفت مش قولتلك، انا اللي أختارته يا تيتة، حاجة فِخمة فِخمة يعني لزوم الشغل الجديد والواجهة والمنظرة".
رمقته بنظرة مشمئزة،قبل أن تستدير مغادرة، وقبل خروجها أشارت لصنية الطعام:
_" الأكل أهو... متسبهوش يبرد".
اغلقت الباب خلفها بعنف، ضرب كافًا بكفٍ مستعجبًا:
_"هي مالها الحجة؟ أول مرة تشوفنا مع بعض يعني؟ ".
_" فُكك، هدخل أغيّر ونأكل... أستناني ها، مدخلش وأخرج الاقي الأطباق نضيفة".
تجاهله، يقترب من الصنية:
_"لا عيب عليك أنا هقعد جمبه ابصله بس... آه صح تلفونك مبطلش رن من لما دخلت".
سريعًا قال:
_"مين؟ ".
_" حسين سمسار... وتقريبًا كده وصال".
جحظت عينيه بتفاجو، هل أتصلت به؟ وهذا الأخرق تجاهل أتصالها:
_"أنتَ غبي ياض؟ مردتش ليه".
أجابه ساخرًا:
_"آه، أرد اقولها معلش اصل ياسين عنده بروڤة، هيخرج وأخليه يكلمك".
حديثه منطقي، لكن كان فعل أي شئ أو نادىٰ عليه مثلاً، تجاهلَ نزع ثيابه، وجذب الهاتف سريعًا، وجدَ منها رسالة علي تطبيق "الواتساب".
[أتصلت بيك ومردتش، شكلك مشغول، كنت بس عايزة اسأل اللاب توب خِلص].
اللاب توب، تبًا لقد نسى أمره تمامًا.. حيث التقي بها قبل يومين واعطته له، وللآن لم يقترب منه، نسي أمره بسبب أنشغالهِ في العمل، بعث لها برسالة قبل أن يغلق الهاتف وينهض باحثًا عن اللاب توب.
[معلش مكنتش سامع التليفون، أعتبريه خِلص، بُكره أن شاءلله هسلمه لآدم].
كانت هذه فرصة للقاء بها مرة اخري بحجة اللاب توب، لكنه تراجع في النهاية، لا يريد أن يُتعب قلبه وعقله في الأنشغال بالتفكير في الفروقات بينهما، مادية كانت أم أجتماعية...
في كل مرة يلتقي بها، يشعر بالفجوة بينهم، فجوة طبقية، بالرغم من أنها رقيقة وبسيطة جدا في تعاملها معه....هكذا افضل، يبعتد لكي لا يُعلق قلبه أكثر... وبالفعل هذا ما حدث، في اليوم التالي انتهي منه، وسلمه لأخيه مع توصيات قليلة حول كيفية استخدامه بحرص
❈-❈-❈
غُرفة واسعة يطغو عليها الطابع الأنثوي الرقيق، بألوانها الفاتحة واثاثها الراقي، كل شئ بالغرقة كان راقيًا، مختارًا بعناية وحرص... ولمَ لا، أنها غُرفة" أروي"أصغر حفيدة انثي في العائلة ومُدللتهم جميعًا.
استلقت علي سريرها ذو الاغطية البيضاء، خصلاتها السوداء مرفوعة للأعلي بفوضوية لطيفة، فرفت شفتيها بتفاجؤ تعليقًا علي ما قالته لها صديقتها عبر الهاتف، قبل أن تسألها:
_"دا بجد؟ اوف مش متخيلة أن مشهد عظيم زي دا فاتني، كان نفسي أكون موجوده واشمت فيها ".
الهاتف علي أُذنيها، تضعه بينها وبين كتفها، تنحني للأمام، تضع طلاء الأظافر الأحمر علي أظافر قدميها، أستمعت لكلمات صديقتها بينما تروي لها أحداث ليلة امس التي فاتتها، ولم تكن أي أحداث.... بل حدث الموسم.
أرتفعت ضحكاتها بغنغٍ معقبة:
_" أممم علي قد ما أنا مبسوطة انهم سابوا بعض، بس كانوا لايقين علي بعض الاتنين من نفس صفيحة الزبالة ".
طرقت الخادمة الباب بخفة، سمحت لها بالدخول، لفتَ نظرها أنها تحمل باقة ورود كبيرة جدا من اللونين الوردي والابيض، عقدت حاجبيها بأستغراب تسألها:
_" مين اللي جاب الورد دا؟ ".
_" حد سابه علي الباب، ومكتوب عليه أسمك ياهانم".
_"اممم طيب طيب سبيه عندك".
بالفعلِ تركته وأستدارت مغادرة، سألتها صديقتها عبر الهاتف:
_"مين جابلك ورد؟ ".
_" مش عارفه استني أشوف، باين عليه كارت".
تركت قنينة الطلاء الصغيرة، ونهضت سريعًا، انحنت تحتضنه، كان كبيرًا جدًا، ورائحته ذكية، نوعها المفضل، سحبت الكارت تقرأ بعينيها، ثواني وأنفجرت ضاحكة بصخبٍ تعجبت له الأخري، فأخذت تسألها بفضول:
_"ايه ايه؟ مين باعته؟ ".
لوت ثغرها بغرورٍ، وأنتفخَ صدرها بتكبر، ابعدته، بينما ظل الكارت بين يديها:
_" تخيلي مين؟ ".
_" مش عارفه ، مين؟ ".
_" أكرم".
وكان ردها عبارة عن شهقة متفاجئة، تصرخ بصياح:
_"بتهزري... أكرم بجد، ينهاري، مش متخيلة بجد، لسه مفركش أمبارح، وتاني يوم بيبعتلك ورد، مش بيضيع وقت".
بالرغم من أنها حركة لا تخرج سوى من إنسان برأس قنفذ، إلا أنها أعجبتها وارضت غرورها، أن يعود لها نادمًا يتودد لها كي ترضي عنه وتسامحه... وبالطبع سترفضه وكأنه حُسالة لا داعي حتى للألتفات لها
_"عادي يا بنتي، حركة متوقعة من حيوان زيه ".
بعد نصف ساعة من الحديث، محتواها كله يدور حولَ سُباب ونميمة علي" أكرم"، وتاريخه السيئ، انهت المكالمة، تنظر إلي باقة الورد مرة اخري، حملتها، مقتربة من سلة المهملات ترفعها نحوها، تدندن قبل أن تلقي الباقة بداخلها بالرغم من حجمها الكبير:
_"أي حاجة من ريحته شايلها وليها مكان مخصوص".
❈-❈-❈
يُقال أن عندما تكون مستفاد من الباطل، يصعبُ عليكَ قول الحق، وهذا ما أنطبق عليهِ تمامًا، عِندمَا تجاهل ذلك الجزء بداخله، والذي اخبره مرارًا عن عواقب الاندفاع دونَ تفكير جيد...كانَ قد أتفق بينه وبين نفسه علي أن يحتفظ بالأموال كما هي دونَ المساس بها، تحسبًا لأي شيء غير أخلاقي يكتشفه فيما بعد،فيعيد الأموال وعفي الله عما سلف.
وبرؤيتهِ الآن خارجًا من عقار راقي في منطقة راقية في القاهرة الجديدة، يحملُ بينَ يديه أوراق، وعلي وجههِ رُسمت أبتسامة مُشرقة كأشراقة يومهِ من بدايته، حينما أتصلَ به السمسار يُخبره بالبشري المنتظرة منذ فترة طويلة.
علي ما يبدو أن القرار الذي اتفق عليه في قرارة نفسه، ما هو إلا مخدر مؤقت للجزء القلق بداخلهِ... وقفَ علي بُعد مسافة قصيرة من بوابة العقار، وعينيه البُنية تلمعُ ببريق سعيد، مُتفقدة المنطقة بحماس.
البنايات بعيدة نسبيةً عن بعضها العض، غير متلاصقة علي عكس مكان سكنهِ حيث البنايات تلتصق في تلاحم وكانها تتكاتف، الشوارع هادئة مغايرة تمامًا لشوارعهم المُزدحمة بالمارة.
الهواء نقي يبعثُ في الروحِ شيئًا من الهدوء والراحة النفسية، أغمضَ عينيهِ لدقيقة ممتنًا، يتخيل حياتهِ المُستقبلية في مكان يليق بهِ.
_"ألف مبروك يا بش مهندس.. ربنا يجعلها قدم السعد عليك أن شاءلله ".
أبتسمَ حارس العقار، بملامحه السمراء، منحه الآخر أبتسامة قصيرة قبل أن يدفع بيديه في جيب سرواله الأسود يخرج حفنة من النقود، ومررها له قائلاً بتوصية:
_" خُد يا حسين، حلاوة الشقة، عايزك بقا تجيب أي حد ينظفها كويس جدا قبل العفش الجديد ما يتنقل فيها".
التقت منه النقود بسعادة، خافضًا راسه في طاعة يقول:
_"عنينا ليك يا بش مهندس، العُمارة هتنُور والله، إلا انتَ هتسكن أمتا".
أن كان الأمر يتوقف عليهِ، فهو يريد أن ينتقل الآن قبل الساعة القادمة، إلا أن الأمر كله يتوقف علي جدته، لا يضمن موافقتها علي ترك المنزل الذي عاشت به فوق الاربعون عامًا، مع جيرانها الذين أصبحوا جزءًا لا يتجزء من روتينها اليومي.
اخرج تنهيدة قصيرة، متمنيًا بداخله أن ينجح في أقناع جدته، قائلاً بهدوء قبل أن يرتدي نظارته الشمسية أستعدادًا للمُغادرة:
_"مش عارف لسه يا حسين، بس إن شاءلله قُريب يعني، اهم حاجة أنتَ تعمل اللي قولتلك عليه ".
أنسحبَ مغادرًا بعد وابل من التوصيات علي تنظيف الشقة قبل انتقال الأثاث الجديد لها.
❈-❈-❈
قطعَ المسافة الفاصلة بينَ الشارع الأساسي ومنزلهُ سيرًا علي الأقدام، بعد أن أنزله سائق التكسي، متعللاً بأن الشارع من الداخل ضيق ومزدحم، حقيبته السوداء القماشية يحملها بحرصٍ... وقد منع نفسه عدة مرات من فتحها وتفقد عقد الشقة الجديدة، غير مصدقًا أنه بالفعل حقق حلم انتظره طويلاً، وهو أمتلاك منزل له وحده.
بالرغم من أن جدته تمتلك تلك الشقة الواسعة، إلا أنه لم يعتبرها في يومٍ ملكًا له، متجاهلاً أنه الوريث الوحيد لها بعد وفاة خالهِ" تامر"دون الأنجاب، هو وزوجته في حادث سير مؤلم مُنذ عشر سنوات تقريباً.. لم يفكر يومًا في بيعها وشراء أخري في منطقة ارقي.
لأنه يعرف مدي تعلق جدته بها وبالمكان كُله، وسعي جاهدًا لشراء واحدة من ماله الخاص بعد تخرجه من الجامعة.
ولكن تحطمت آماله علي صخرة البطالة، ولم يستطع حتى أدخار ثلث ثمن شقة غرفة وصالة، وصلَ إلي قُرب المنزل... توقفَ في مكانهِ متخشبًا، فور رؤيتهِ لسيارة الأسعاف الكبيرة تقف في منتصف الشارع، وامام البناية خاصتهم تحديدًا.
هرولَ مُسرعًا وقد وقعَ قلبهِ بين أقدامه وأخذ عقله يُمرر له سناريوهات سيئة أرعبته، دفعَ الواقفون علي بوابة العمارة، يهرول إلي الأعلى وقد تأكد من شكوكهِ، حينما وصل للطابق الثاني، تزامنًا من نزول بعض الممرضين ومن خلفهم"مُحمد"، وجدته راقدة مُغمضة العينين لاحول لها ولا قوةٍ وفي طريقهم للأسفل حيث عربة الأسعاف.
أنقبض فكهِ، يصيحُ فازعًا:
_"مالها تيتة يا محمد... حصل ايه؟ ".
_" أنتَ كنت فين يا ياسين، برن عليك مش بترد ليه؟ ".
أقتربَ من وجه جدته النائمة، وقد كان شاحبًا باللون الأصفر، يتفقدفها بهلعٍ، قبل أن ينقل بصرهِ للفتي أمامه:
_" تيتيه مالها؟ حصلها إيه؟".
أبعده الفتي عن طريقهم، قائلاً بينما يُكمل نزول السُلم:
_"غيبوبة سُكر، لازم تتنقل المستشفى حالاً، بعد أذنك وسع الطريق".
❈-❈-❈
ساعة كاملة من الأحداث السريعة المُتداخلة، من لحظة وصوله للمنزل وتفاجئه بما حدث، مرورًا بنقلها إلي أقرب مستشفى خاصة، بعد أصرار من"ياسين "علي عدم نقلها لمستشفي حكومية، أنتقلاً إلي أستقبال الأطباء لها ونقلها إلي العناية بصورة فورية نظرًا لتدهور حالتها الصحيّة.
جلسَ متكورًا علي نفسه في مقعده في ممر الأنتظار، كان صامتًا شاردًا، فقط الهدوء يطغو علي الجو العام للمُستشفي نظرًا لسلامة وراحة المرضي، مر علي دخولها لغرفة العناية ربع ساعه أو أكثر...
لم يشعر" بمُحمد"الذي جلسَ بجواره، إلا بعد أن شعرَ بيده تربت في مواسة علي كتفهِ، قائلاً في هدوء:
_"دفعت الفلوس تحت، دول عالم كُفار يا أخي، مش قادرين يستنوا لما نطمن عليها حتى، لا الفلوس قبل كل حاجة، هو أحنا هنطير".
رفعَ له رأسه، يمنحه ايماءة قصيرة ليس إلا قبل أن تنتقل عينيه إلي والداته، وزوجعها يهرولان اليهم.. ابتسامة ساخرة نمت على طرف شفتيه وهو يراقب ملامح الذعر البادية علي وجهها، حتى أقتربت منهم، تقول في تأثر شديد بالواقعة:
_"طمني يا ياسين، ماما مالها، إيه حصل لها؟ أنا لسه مكلماها من يومين وكانت كويسه وبتاخذ العلاج بأنتظام".
_"أن شاءلله خير، الدكتور لسه مطلعش من جوا".
نطق في تحفظٍ، مبتعدًا ببصره عنهم،معلقًا اياه بالغُرفة الموصد بابها أمامه، الذي يحتفظ بداخله بقطعة من روحهِ، لاحظت"رانيا"تجاهله لها، فرفعت بصره بحزن إلي زوجها الذي ربت علي ظهرها بخفوت يخبرها بأن لا بأس من خلال نظراتهِ قبل أن ينطق بهدوء:
_"معلش، أعصابه تعبانة، تعالي اقعدي لحد لما الدكتور يُخرج ويطمنا".
بعد عدة دقائق أنقضت في ترقبٍ من الجميع، خرج الطبيب، أول من أنتفض مقتربًا من كان "ياسين" يسأله بصوتٍ مبحوحٍ وزجه شاحب:
_" طمّني يا دكتور… هي عاملة إيه؟ فاقت؟! ".
نزع الطبيب نظارته الطبية يُجيبه بنبرة مهنية لكن هادئة مُطمئنة:
_" إحنا استقبلناها في حالة غيبوبة سُكّر. النسبة كانت عالية جدًا، وده سبب فقدان الوعي"
_"يعني إيه… دي حاجه خطر يعني يا دكتور".
كانت تلك كلمات"رانيا "، بعد أن قطعت المسافة الفاصلة بينها وبين الطبيب، حتى اصبحت مقابلة له.
_" أي غيبوبة خطر، بس إحنا لحقناها الحمد لله. دلوقتي هي تحت الملاحظة في العناية، واخدة محاليل وإنسولين، وبنراقب الضغط والتنفس"
_"طيب هتفوق إمتى؟"
انهي الطبيب النقاش بكلماتهِ الحاسمة:
_"مفيش وقت محدد. ممكن ساعات، ممكن يوم… حسب استجابة جسمها".
من ثم أنصرف من بينهم في هدوء.
❈-❈-❈
بتؤدة وحذر، انحني "ياسين" يضم جسدها الواهن إليه، ويده الحُرة أنتقلت لتُضبط من وضعية الوسادة أسفل ظهرها، في غرفتها بداخل شقتهم.
متنفسًا براحةٍ غمرته فقط لرؤيتها بصحة جيدة، وعادت الروح للمنزل مرة اخري، بعد أن شعر اليومين الماضيين في غيابها، بأن المكان من دونها يحمل طاقة سلبية.
انحني يُقبل كفها، بحنوٍ ربتت علي خصلاتهِ الناعمة تبعها ابتسامتها الباهتة قليلاً:
_"متحرمش منك يا ياسين ".
_" أنا اللي متحرمش منك يا تيتة، مش عارفه اليومين اللي فاتوا عدوا عليا ازاي ".
سحب كُرسيًا ليجلس بجوارها، يدثرها بالغطاء بحرص:
_" بس أنا زعلان منك ياتيتة، وبعدين أنتِ مش كبرتي علي الكدب حِلم العُمر، هو ده اللي بتأخدى علاجك في مواعيده".
نطقَ بنبرة مازحة، يعاتبها بلطفٍ، نكست هي رأسها أرضًا وقد ظهر الحُزن علي وجهها المُصِفر فعليا لعدم التماسها الشفاء الكامل، تتبسم بسمة باهتة:
_"ماهو... خلص بقاله أسبوع، يعني وأنا نسيت أجيبه".
وضعت أصبعها تغطي ثغرها بتلقائية، وكانها تحاول اعاقة الكلمات الكاذبة، أبتسمَ لها بأتساع يقول:
_"لا أنتِ بقيتي بتنسي كتير علي فكرة... وعلشان متنسيش تاني أنا جبتلك علاجك كله كامل، والاصلي مش البديل الرخيص".
اشار إلي الحقيية البلاستيكية، قبل أن يلتقطتها يفتحها أمامها:
_"يكفيكِ شهرين قُدام، علشان ميبقاش عندك حجة ياست الكُل".
_"بس دول غاليين أوي يا ياسين، كده يبني هتضيع القرشين اللي معاك علي العلاج".
_"فداكِ ياسين وفلوس وحياة ياسين كمان ياتيتة".
أدمعت أعيُنها للحظةٍ، مُتاثرة بمرور ذكري خاطفة لولدها"تامر"رحمه الله، كان حنونًا عليها للغاية، غادر وتركها، ولكن الله عوضها بحفيدها...لا تدري ماذا سيكون مصيرها أن كان "ياسين" أختار العيش بصُحبة أمه واخوته في منزل الزوجية، لكانت الان ماتت وحيدة بأزمة ولم يدري بها احدهم إلا بعد أن تتعفن جثتها وتفوح رائحتها.
_"أنا عملتلك شُربة خُضار انما إيه هترجعك شباب عشرين سنة ياماما".
ببسمة واسعة أقتربت منهم"رانيا"تحمل صنية طعام صغيرة ممتلئة بالاطعمة الصحية المغذية، حمحمَ الاخر وأبتعد عند جدته يسمح لها بالجلوس بجوارها كي تُساعدها في تناول طعامها...
ترك الغُرفة بأكملها مغادرًا باتجاه الشُرفة المتصلة بالصالة المتوسطة، انطلقت عيناه تتابع المارة والشارع المُزدحم بهدوء... حاول أقناع عقلهِ بحُجة الشعور بالاختناق والملل، لذا لجأ إلي الشُرفة.
ولكنه مهما حاولَ تزييف الحقيقة بداخله، إلا أنه يصتدم بها في النهاية مرغمًا علي مواجهتها، والتي تنتهي بالنوم بعد أصابة رأسهِ بالصُداع نتيجة التفكير المُفرط...
قطعَ شروده صوت أشعار من هاتفه الذي تجاهله تمامُا اليومين المنصرمين، وكانت رسالة نصية من "زهير" يطمئن فيها على احوال جدته الصحية، مقترنة بسؤال قصير عن سير الأمور في العمل المكلف له.
اغلق الهاتف، نظرة أخيرة القاها علي الأسفل، قبل أن يستدير، متفاجئًا بظهورها أمامه، متوترة تقول بنبرة حذرة وكانها تخشي ردة فعله:
_"مش هتأكل يا ياسين، أنتَ مأكلتش زي الناس بقالك يُومين، أنا عاملة أكل كتير يكفينا كلنا".
سريعًا ما خرجَ يضبط هندام ملابسه، قاصدًا باب المنزل، قبل أن يقول سريعًا بلهجة عجلة:
_"مش جعان، لازم أنزل عندي شُغل ضروري".
لم ينتظر سماع ردها من عدمه، بأقل من ثانية كان بالخارج مغلقا الباب بينهم، استندَا عليه متنهدًا بقوةٍ، قبل أن تفر دمعة هاربة مسحها سريعًا يُواصل سيره للأسفل.... بسبب انشغاله بمرض جدته المفاجئ، تجاهل العمل ليومين، بعد أن اخبر "زُهير" بالأمر وسمح له بيومين راحة.. وقد انتهو بدليل أنه سأله الآن عن تقدمه فيما يقوم به.
يُتبع..
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة هاجر التركي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
