رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 9 - الأحد 1/2/2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل التاسع
تم النشر الأحد
1/2/2026
كانت جيهان في غاية الرقة والجمال رغم بساطة ثيابها التي اختارتها بعناية لتناسب وقارها؛ فقد أضفى عليها الحجاب هيبة وجمالاً خاصاً جعل الأنظار تلتفت إليها فور دخولها القاعة. سارت بخطوات واثقة، يرافقها تامر وسميرة، واتجهوا جميعاً إلى الطاولة التي يجلس عليها عدنان، الذي بدت عليه علامات الراحة لرؤيتهم. سلموا عليه بحفاوة، ثم استجمعوا ثباتهم واتجهوا نحو الكوشة لمباركة يوسف ونور على زيجتهما الثالثة.
كان يوسف ينظر لجيهان بذهول، لم يستطع إزاحة عينيه عنها؛ فجمالها الهادئ وكبرياؤها الملموس جعلاه يشعر بضآلة موقفه. أما نور، فلم تستطع إنكار توترها من نظرات سميرة الحادة التي كانت كالنصال تخترقها.
حين اقتربت سميرة من نور لتبارك لها، لم تكتفِ بالكلمات، بل سلمت عليها بغيظ مكتوم وضمتها بقوة مبالغ فيها، ثم همست في أذنها بنبرة حملت وعيداً لم يسمعه غيرهما:
ـ ألف مبروك يا عروسة.. بس اعملي حسابك، عيشتك في بيت يوسف القاضي هتكون مختلفة تماماً عن اللي في خيالك، والوقت بيننا.
تصلبت نور في مكانها وشعرت برعشة خوف رغم محاولتها الابتسام أمام الكاميرات، بينما انسحبت سميرة ببرود لتقف بجانب جيهان التي اكتفت بابتسامة رسمية باردة وكلمات مقتضبة باركت فيها ليوسف، دون أن تمنحه فرصة للنظر في عينيها لفترة طويلة.
انتهت المباركة وعادوا إلى طاولتهم، تاركين يوسف في حالة من التشتت ونور في حالة من الغيظ والقلق مما تخبئه لها الأيام داخل ذلك المنزل.
بدأت الموسيقى الصاخبة تملأ القاعة، ونهض يوسف ليرقص مع نور التي كانت تتمايل بانتصار، وكأنها تعلن ملكيتها له أمام الجميع. في تلك اللحظة، كان كره سميرة لهما يزداد ويشتعل بداخلها، بينما اختارت جيهان الطريق الأصعب؛ غضت بصرها تماماً عما يحدث حولها، وكأنها تعزل نفسها في عالم موازٍ لا وجود فيه ليوسف أو عروسه.
لكن أصوات الموسيقى المزعجة وضجيج الفرح الزائف بدآ يضغطان على أعصابها بشكل لم تعد تحتمله، شعرت بضيق يتسلل إلى أنفاسها، فمالت على أذن عدنان وقالت بصوت هادئ ومثقل:
ـ عمي.. أستأذنك إني لازم أمشي دلوقتي، أنا بجد مش قادرة أفضل دقيقة واحدة كمان، خايفة الفرح ده يتقلب لشيء تاني خالص لو فضلت.
نظر إليها عدنان بعينين يملؤهما الأسى، وشعر بمدى الألم الذي تداريه خلف قناع الثبات، فقال بتعب:
ـ وأنا كمان يا بنتي تعبت ومحتاج أرتاح.. يلا بينا كلنا.
غادروا القاعة في صمت مهيب، تاركين خلفهم صخب الزفاف. وصلت سميرة وجيهان إلى المنزل، وبمجرد دخولهما، لم تنبس أي منهما بكلمة؛ فالحزن الذي يسكن القلوب اليوم أكبر من أي مواساة. صعدت كل واحدة منهما إلى غرفتها لتواجه ألمها بمفردها، ألمٌ لا يُحكى ولا يُحتمل.
أما عدنان، فقد عاد إلى منزله وجلس وحيداً، ولأول مرة يشعر بمرارة حقيقية وندم ينهش صدره من أجل جيهان. نظر إلى الفراغ وهو يفكر في حالها؛ كيف ألقى بها في هذه التهلكة؟ وكيف أجبرها على تحمل هذا الوضع المهين؟
همس لنفسه بوجع:
ـ سامحيني يا بنتي.. لو كنتي بنتي من صلبي، مكنتش هقبل إن يوسف يتجوز عليكي أبداً مهما كان السبب.. أنا اللي جنيت عليكي.
ساد السكون البيوت، لكن العواصف كانت تشتعل في الصدور؛ فليلة الزفاف التي انتهت بالنسبة ليوسف ونور، هي بداية لحر.ب باردة وطويلة الأمد داخل جدران منزل عائلة القاضي.
بعد انتهاء الحفل، توجه يوسف ونور إلى جناحهما الفاخر في أحد فنادق القاهرة المطلة على النيل. كان الجناح هادئاً تماماً، بعيداً عن صخب المعازيم وضجيج الموسيقى الذي كان يملأ القاعة قبل قليل.
دخلت نور الجناح وهي تشعر أنها ملكت العالم أخيراً، التفتت إلى يوسف بابتسامة ناعمة وهي تمسك يده وقالت بهدوء:
ـ مش مصدقة يا يوسف إننا أخيراً لوحدنا.. وإن اليوم ده خلص وإحنا مع بعض.
رغم التشتت الذي كان يشعر به طوال الحفل والندم الذي كان ينهشه كلما تذكر نظرة جيهان، إلا أنه حاول في هذه اللحظة أن يمنح نور اهتمامه، فهي الآن زوجته وهذا حقها. نظر إليها بابتسامة هادئة وحاول إبعاد الأفكار الأخرى عن رأسه، ثم اقترب منها ورفع يدها ليقبلها برقة قائلاً:
ـ مبروك يا نور.. إن شاء الله تكون بداية حياة هادية ومستقرة لينا.
ساعدها يوسف في نزع رداء الزفاف الثقيل بحنو، بينما كانت هي تنظر له بعينين يملؤهما الحب، وكأنها تريد أن تنسيه كل ما مر به في الشهر الماضي. استندا معاً إلى شرفة الجناح المطلة على النيل في تلك الساعة المتأخرة من الليل، حيث كان الهواء بارداً ومنعشاً.
همست نور وهي تضع رأسها على كتفه:
ـ أنا هخليك تنسى كل التعب اللي شفته يا يوسف.. هنبدأ من جديد، والبيت اللي هنعيش فيه هيكون كله سعادة لينا وبس.
لف يوسف ذراعه حولها وهو يتأمل أضواء المدينة المنعكسة على صفحة النيل، وشعر للحظة بسكـ.ـينة كان يفتقدها، محاولاً إقناع نفسه بأن هذا الاختيار هو ما سيجلب له الراحة، دون أن يدري أن العاصفة الحقيقية ستبدأ بمجرد عودتهما إلى المنزل ومواجهة الواقع الذي ينتظرهما هناك.
نام يوسف ونور ليلتهما الأولى في الفندق، وفي الصباح استيقظا على ضوء الشمس الذي يتسلل من بين الستائر ليعلن عن بداية حياة جديدة. جلسوا معاً لتناول وجبة الإفطار في الجناح، وبينما كانت نور ترتشف قهوتها، بدأت ملامحها تتبدل لتظهر أولى علامات التذمر، وقالت بنبرة عتاب:
ـ يوسف، إحنا مش هنلحق نحجز لمكان نسافر فيه؟ يعني معقول مفيش شهر عسل حتى لو أسبوع واحد؟ أنا كنت متخيلة إننا هنطير على طول بعد الفرح.
تنهد يوسف وهو يضع شوكته جانباً، ونظر إليها بجدية قائلاً:
ـ نور، إنتي عارفة الظروف.. أنا عندي صفقات مهمة جداً الفترة دي وفي بدايتها، والمشروع اللي جيهان بدأت فيه لازم يكمل تحت عيني. وبعدين والدي لسه تعبان وصحته مش مستقرة، مقدرش أسيبه وأسيب الشركة في وقت زي ده وأسافر.
حاولت نور إخفاء ضيقها لكن صوتها خانه وهي ترد:
ـ بس ده حقي يا يوسف، وأي عروسة مكانتـ...
قاطعها يوسف بهدوء ولكن بحزم:
ـ حقك محفوظ يا نور وهعوضهولك، بس دلوقتي الشغل والبيت أولى. يلا بينا نغير هدومنا عشان نلحق نروح الفيلا، مش عاوزين نتأخر أكتر من كده.
قامت نور لتبديل ثيابها وهي تشعر بالضيق؛ فمنذ اللحظة الأولى بدأت تشعر أن ظل جيهان والعمل يطاردانها حتى في صباحيتها. ارتدى يوسف ثيابه واستعدا للمغادرة، والتوتر بدأ يتسلل إليه وهو يفكر في مشهد دخولهما الفيلا الآن، وكيف ستقابلهم سميرة وجيهان.
تحركت السيارة نحو الفيلا، وكلما اقتربا، زاد نبض قلب يوسف، بينما كانت نور ترسم على وجهها ابتسامة نصر مصطنعة لتواجه بها الجميع، معلنةً عن بداية عهدها في مملكة آل القاضي.
❈-❈-❈
في فيلا "آل القاضي"، كان الصباح هادئاً بشكل يوحي بما قبل العاصفة. استيقظت جيهان مبكراً، ولم تسمح للحزن أن يكسر روتينها؛ أعدت الإفطار بنفسها وطلبت من سميرة مشاركتها في الحديقة، حيث الزهور والهواء النقي الذي يبعث على الراحة.
جلست سميرة وهي تنظر لجيهان بتعجب؛ فملامح جيهان كانت صافية وهادئة بشكل لم تتوقعه. لم تستطع سميرة الصمت أكثر، فسألتها بحيرة:
ـ يا جيهان.. أنا مش فاهمة إيه الهدوء اللي إنتي فيه ده؟ إنتي مشيتي من الفرح إمبارح وإنتي مش طايقة تسمعي صوت الموسيقى، والنهاردة قاعدة بتفطري ولا كأن في حاجة حصلت! يوسف ونور زمانهم على وصول، إزاي قادرة تكوني كدة؟
وضعت جيهان كوب الشاي من يدها، ونظرت لسميرة بعينين يملؤهما الذكاء والصبر، وقالت بصوت منخفض خفض وواثق:
ـ يا سميرة، الغضب والانفعال دلوقتي مش في صالحنا أبداً. نور داخلة البيت ده وهي مستنية تشوفنا منهارين أو بنصر.خ، عشان تطلع هي في صورة الضحية الرقيقة وتكسب يوسف لصفها تماماً. الانفعال هو اللي هيخليها تاخد يوسف مننا بطريقة سهلة.. وده اللي أنا مش هسمح بيه.
أكملت جيهان وهي ترسم ابتسامة باهتة على وجهها:
ـ إحنا لازم نظهر الابتسامة والهدوء التام قدامها. حتى لو نا.ر قايدة جوانا، لازم يشوفوا إن وجودها زي عدمه، وإن حياتنا مستقرة ومكملة. الهدوء ده هو اللي هيجننها وهيخليها هي اللي تغلط وتكشف وشها الحقيقي قدام يوسف.. فاهمة قصدي؟
اقتنعت سميرة بكلام جيهان رغم صعوبته، وقالت وهي تتنهد:
ـ عندك حق يا بنتي.. الكيد بالهدوء أصعب بكتير. هحاول أمسك أعصابي علشان خاطرك وعلشان البيت ده يفضل فيه صوتنا إحنا.
وفي تلك اللحظة، سُمع صوت محرك سيارة يوسف وهو يدخل من بوابة الفيلا.. أخذت جيهان نَفساً عميقاً، وعدلت من جلستها بوقار، بينما وقفت سميرة بجانبها وهي تترقب دخول "العروسين" لبدء أول فصول المواجهة الباردة.
دخل يوسف ونور من الباب الرئيسي، ليروهما جالستين في الحديقة بكل رقي.
استجمعت سميرة شتات نفسها وتذكرت نصيحة جيهان، وبمجرد أن رأت يوسف يدخل من الباب، نهضت بسرعة ورسمت على وجهها ابتسامة عريضة. وبحركة ذكية ومقصودة، أزاحت نور جانباً بخفة وهي تتجه نحو يوسف، ثم ضمته بقوة قائلة:
ـ أهلاً يا حبيبي.. نورت بيتك يا يوسف، ألف مبروك يا غالي، البيت كان ناقصه وجودك...
تصلب يوسف في مكانه من شدة التعجب؛ فمنذ شهرين كانت سميرة هي أكثر من يقف ضده ويها.جمه بضراوة، والآن تستقبله بهذا الحنان المفاجئ! شعر في أعماقه أنها تخطط لشيء ما أو أن هذا الهدوء هو "الهدوء الذي يسبق العاصفة"، لكنه لم يستطع أن يظهر شكوكه أمام نور التي كانت تقف وهي تشعر بالحنق من تجاهل سميرة التام لها.
التفت يوسف نحو جيهان، التي كانت لا تزال تجلس في الحديقة بوقارها المعتاد، تتابع المشهد ببرود قاتل. اتجه إليها وسألها بنبرة تحمل نوعاً من التحدي والارتباك في آن واحد:
ـ وإنتي يا جيهان؟ مش هترحبِي بينا ولا إيه؟
رفعت جيهان عينيها إليه بابتسامة هادئة وقالت بنبرة واثقة:
ـ أنت صاحب البيت يا يوسف، والواحد مبيرحبش بصاحب البيت في بيته.. وسميرة قامت بالواجب ورحبت بيكم بالنيابة عننا كلنا.
شعر يوسف أن كلمات جيهان رغم هدوئها إلا أنها تضع حدوداً فاصلة لا يمكنه تجاوزها. تنحنح يوسف محاولاً كسر التوتر وقال وهو يوجه كلامه للجميع:
ـ طيب، إحنا هندخل دلوقتي.. هطلع أبدل هدومي أنا ونور، ونرتاح شوية، وهننزل نقعد معاكم.
دخل الجميع إلى ردهة الفيلا، وصعد يوسف ونور إلى الطابق العلوي. كانت نور تشعر بضيق شديد من هذا الاستقبال؛ فبدلاً من أن تجد جيهان منكسرة وسميرة غاضبة، وجدت جداراً من الهدوء والابتسامات الغامضة التي بدأت تثير أعصابها منذ اللحظة الأولى.
صعدت نور مع يوسف إلى غرفتهما، وأبدت إعجابها الشديد بتنسيق الغرفة وفخامتها، ثم بدلت ثيابها ونزلت معه للجلوس في الطابق السفلي. في هذه الأثناء، كانت جيهان مشغولة في المطبخ بإعداد وجبة الغداء، بينما كانت سميرة تتابعها بهدوء تام، منفذةً اتفاقهما على التزام الصمت والرزانة.
في المساء، هبط يوسف برفقة نور التي كانت تمشي بجانبه وهي تشعر بتوجس وخوف من نظرات سميرة التي كانت تلاحقها بصمت مريب. جلس الجميع حول المائدة وبدأوا بتناول الغداء الذي أعدته جيهان، وفي تلك الأثناء وصل تامر.
طلب تامر من يوسف أن يتحدثا في أمر عاجل، لكن يوسف أصر عليه قائلاً:
ـ تتغدى معانا الأول وبعدين نتكلم.
وبالفعل جلس تامر وتناول معهم الطعام وسط أجواء مشحونة بالصمت. وبمجرد أن انتهوا من الغداء، قال تامر بلهجة حاسمة:
ـ يوسف، أنا محتاج جيهان تنضم لينا دلوقتي.. المشروع الجديد اللي هعرضه عليكم هينقل الشركة لمكانة تانية خالص، ولازم جيهان تكون موجودة لأنها هي اللي هتدير التفاصيل دي.
وافق يوسف على الفور، ليتوجه الثلاثة إلى المكتب، تاركين نور في حالة من الغيظ والذهول وهي ترى جيهان تذهب مع زوجها وتامر لمناقشة مستقبل الشركة، بينما بقيت هي وحيدة مع سميرة ونظراتها التي لا ترحم.
دخل يوسف وجيهان وتامر إلى غرفة المكتب، وأغلق يوسف الباب خلفهم، مما جعل الصمت يسيطر على الصالة بالخارج حيث بقيت نور مع سميرة.
داخل المكتب، بدأ تامر بفتح ملف كبير ووضعه أمام يوسف وجيهان، وقال بحماس:
ـ المناقصة دي يا يوسف مش مجرد مشروع بناء عادي، دي مدينة سكنية ذكية متكاملة بتمويل ضخم. المناقصة دي لو رسيت علينا، شركة "القاضي" مش بس هترجع لسابق عهدها، دي هتبقى في الصدارة وتنافس شركات عالمية.
نظر يوسف للأوراق بانبهار، لكنه سرعان ما التفت إلى جيهان التي كانت تدقق في المخططات الهندسية وجداول البيانات بتركيز شديد. سألها يوسف باهتمام:
ـ إيه رأيك يا جيهان؟ إنتي اللي أعدتي بناء الموقع الأخير وعارفة قدراتنا الحالية، نقدر ندخل في حجم الشغل ده؟
رفعت جيهان نظرها عن الأوراق، وقالت بصوت هادئ وواثق:
ـ المشروع فرصة ذهبية، لكنه سهل ممتنع. علشان ننجح فيه لازم نغير استراتيجية الإدارة تماماً. أنا شايفة إننا لازم نعتمد نظام "الجودة الشاملة" من أول يوم، وتامر يكون مسؤول عن التعاقدات وأنا هشرف على التنفيذ الفني والرقابة بنفسي. لو وافقت يا يوسف، أنا مستعدة أحط الجدول الزمني من الليلة.
ابتسم يوسف بشعور من الفخر والارتياح، ورد فوراً:
ـ أنا موافق طبعاً، وجودك في المشروع ده هو اللي بيخليني أوافق وأنا مغمض. ابدأي يا جيهان فوراً، والميزانية والشركة كلها تحت تصرفك وتصرف تامر.
كان يوسف ينظر لجيهان بتقدير كبير، وكأنه يكتشف قوتها من جديد، بينما كان تامر يشعر بالانتصار لأن خطته بدأت تكتمل.
في الخارج، كانت نور لا تزال جالسة، تشعر بنير.ان الغيرة لأنها تسمع صوت نقاشهم الجاد ولا تفهم منه شيئاً، وسميرة تراقب تعابير وجهها بابتسامة صامتة.
بعد أن دخل يوسف وتامر وجيهان للمكتب، بدأت نور محاولتها لزعزعة علاقة سميرة بجيهان، فقالت لها:
ـ يا سميرة، أنا مستغربة جداً.. إنتي ليه قاعدة في البيت وجيهان هي اللي بتخرج وتشتغل؟ إنتي كمان من حقك تعملي وتخرجي زيك زيها بالظبط.
ردت عليها سميرة ببرود وثبات:
ـ أنا مبحبش مهنة التدريس يا نور، ويوسف مستحيل يقصر معايا في أي حاجة، فأتعب نفسي ليه؟
شعرت نور بالخيبة لأن سميرة لم تنجرف خلف كلامها، ولكنها قررت أن تضع "سمّها" الأخير، فقالت لها بخبث:
ـ براحتك يا سميرة.. بس خلي بالك، وجود جيهان مع يوسف وقت طويل جداً في الشغل ده، هيخليه يهتم بيها أكتر منا إحنا الاتنين، وممكن ترجع تسحبه لصفها تاني.. القرب في الشغل بيعمل أكتر من كدة.
بعد أن قالت نور لسميرة إن تواجد جيهان مع يوسف سيجعله يهتم بها أكثر منهما، لم تكتفِ بذلك بل مالت عليها أكثر وقالت بخبث:
ـ إنتي مش خايفة يا سميرة؟ الشغل ده حجة عشان يفضلوا مع بعض طول الوقت.. وبكرة تشوفي، جيهان هتمسك كل خيوط الشركة، ويوسف مش هيشوف غيرها، وإحنا يدوب هنبقى كمالة عدد في البيت ده.
بدت ملامح سميرة متصلبة، لكنها حاولت رسم الهدوء وردت بنبرة جافة:
ـ يوسف طول عمره بيثق في جيهان في الشغل يا نور، ده مش جديد.. وأنا قولتلك، أنا مبحبش وجع الدماغ.
نظرت إليها نور بتفحص وقالت وهي تضغط على الكلمات:
ـ ماشي يا سميرة.. بس السجن الحقيقي هو لما تحسي إنك مالكيش لازمة في حياة جوزك، وإن في واحدة تانية هي اللي بتشاركه نجاحه وطموحه.. أنا بقولك كدة عشان إحنا دلوقتي في مركب واحدة، ولازم نكون إيد واحدة عشان جيهان متسحبش البساط من تحتنا.
ساد الصمت بينهما، وكانت نظرات سميرة تائهة في الفراغ وكأن كلمات نور بدأت تجد صدىً في مخاوفها القديمة، بينما كانت نور تراقبها بانتصار، منتظرة اللحظة التي يخرج فيها يوسف من المكتب لترى أثر "السم" الذي وضعته.
انفتح باب المكتب وخرج يوسف وتامر وجيهان، وكان الحماس بادياً على وجه يوسف، بينما كانت جيهان تمسك بملفها بجدية. التفتت جيهان نحو تامر ويوسف وقالت بهدوء وثبات:
ـ يا جماعة إحنا لسه قدامنا أسبوع على ميعاد المناقصة، وأنا مش هقدر أخد خطوة من غير ما أعمل دراسة جدوى دقيقة الأول.. لازم نعرف كل كبيرة وصغيرة، والأهم إننا لازم نعرف معلومات عن الشركات المنافسة اللي داخلة معانا عشان نعرف نقط ضعفهم.
أومأ يوسف برأسه موافقاً، فأكملت جيهان بلهجة حاسمة:
ـ وطبعاً، قبل أي قرار نهائي، لازم نطلع عمي على كل التفاصيل وناخد موافقته.. هو شريك أساسي ولازم يكون في الصورة.
قال يوسف بتقدير:
ـ كلامك صح يا جيهان، رتبي إنتي الأمور دي وأنا معاكي في كل خطوة.
في هذه الأثناء، كانت سميرة تجلس في مكانها، لكنها كانت في عالم آخر تماماً. كانت شاردة، وعيناها مثبتتان على جيهان وهي تتحدث بذكاء وسيطرة، بينما كلمات نور الخبيثة تتردد في أذنيها كطنين النحل: "جيهان هتمسك كل خيوط الشركة.. يوسف مش هيشوف غيرها.. إحنا كمالة عدد".
بدأ الشك يتآكل بداخل سميرة، ونظرتها التي كانت هادئة في الصباح تحولت الآن إلى نظرة حائرة ومليئة بالتوجس. لاحظت نور هذا الشرود فابتسمت بداخلها، مدركة أن سمّها بدأ مفعوله.
التفت يوسف لنور التي كانت ترقبه بضيق، وسألها محاولاً تلطيف الجو:
ـ مالك يا نور؟ قاعدة كده ليه وشك مش عاجبني؟
ردت نور وهي تنظر لجيهان بتحدٍ مستتر:
ـ مفيش يا يوسف.. بس مكنتش متخيلة إن أول يوم لينا في البيت هتقضيه كله في المكتب وتسيبني لوحدي، كأني غريبة في البيت.
ردت جيهان بابتسامة هادئة لكنها تحمل ثقة كبيرة:
ـ حقك علينا يا نور، بس معلش الشغل مابيعرفش مواعيد، والمناقصة دي هي اللي هتحدد مستقبلنا كلنا.. ولا إيه يا يوسف؟
يتبع...
