قراءة رواية ثلاثة على واحد كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ثلاثة على واحد
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة هاجر التركي
الفصل الأول
تم النشر يوم الجمعة
23/1/2026
الساعة الثامنة صباحًا بتوقيت القاهرة، ارتفعَ صوت القارئ من المذياع، يتلو آيات القرآن بتلاوةٍ عطرة، أصوات البائعة في الشوارع تتكاثر كُلما مرت الدقائق، اليوم هو الأحد بداية الأسبوع، الجميع يهرولون إلي أعمالهم بعد أنتهاء الأجازة، والأطفال إلي مدارسهم....
دفعت السيدة "أحلام " باب غُرفة حفيدها، وكما توقعت كان لا يزال نائمًا... أنتقلت سريعًا، تفتح ستائر الشُرفة، لتسمح لأشعة الشمسِ بالدخول إلي الغُرفة، مكونة بقعة من الضوء علي السجادة الرمادية..
_"ياسين؟ أصحي يا حبيبي ".
جلست علي طرف الفراش، تُحركه بلطفٍ:
_" يا واد أصحي بقا متغلبنيش معاك... أنتَ مش صغير".
ضربته بخفةٍ علي ذراعهِ الذي وضعه علي عينيه يحجب عنهم ضوء النهار، لقد أستيقظَ، لكنه يستمتع بمُضياقتها حتى ينتهي به الأمر مستيقظًا بفعل كفً علي وجههِ...
_"صباح الفُل يا ست الكُل".
_"الساعه داخلة علي تسعة، مُش عندك شُغل".
أعتدلَ يجلس نصف جلسهٍ، فركَ عينيهِ يزيل عنهم أثر النوم، حمحمَ أولاً يحك مؤخرة عنقهِ بتوتر، قبل أن يقول خافضًا عينيهِ:
_"لا ماهو... أصل يعني،مفيش شغل النهاردة... بصي يا تيتة من الآخر أنا أترفدت".
شهقة عالية خرجت منها، تزامنًا مع ضربها لمقدمة صدرها بحركة شعبية، قبل أن تقول موبخة:
_"ينهار أبيض، ليه يا ياسين؟ عملت إيه؟ دا رابع مرة تترفد يا أبني".
تنهد بأحباط، ما باليد حيلة، سبع صنائع، والبخط ضائع كما يقولون، حظهِ العثر يصاحبه منذ تخرجه من كلية الحاسبات والمعلومات، وقد كان يظن أن هذا المجال سيفتح له ابواب الهنا من وسعٍ، وبعد تخرجه سيجد الشركات تتهاتف عليهِ.. لكنه أصتدمَ بالواقع، لينتهي به المطاف عاطل عن العمل... وليس ذلك فقط، بل بسجل حافل من الرفد من ثلاثة شركات... احمم بل أصبحوا أربعة الآن.
_"مليش نصيب يا تيتة بقا ".
ضيقت عينيها عليه بشكٍ، أنه حفيدها، تربي في حضنها منذ أن كان طفلاً، لا داعي للمراوغة، هي تعرفه أكثر من نفسهِ:
_" ايوه برضو مقولتليش، أترفدت ليه المرة دي؟ ياتري مسكت في خناق مين؟ ".
أبتسمَ بسماجة مؤيدًا اخر حديثها:
_" بنت حلال، عرفتِ منين إني أتخانقت... بس عمومًا المرة دى أنا مُش غلطان، ياتيتة أنا والله مخلص في شغلي وبجتهد حتى ولو كان المرتب ملاليم، يجي واحد بقا من بتوع مامي وبابي والواسطة، يقعد يشوف نفسه عليا، وهو تلاقيه خد شهادة التخرج وهو على السرير في بيتهم،شاف نفسه عليا،عرفته مقامه،فبالتالي أترفدت ".
ربتت علي كتفهِ تواسيه، وبداخلها تود صفعهِ، لا يُعمر في وظيفة ابدًا، حقًا لقد تعبت حتى أتت له بذلك التوظيف في شركة معروفة مثل هذه، تحديدًا لأنه يفتقر إلي الواسطة بالرغم من أنه مهندس برمجة بارع، وكان الثاني علي دفعته.
_" طيب إيه رأيك أخلي رانيا تكلم طارق يعني.... ".
قاطعها برفض تام وقد تهجم وجهه:
_" لا يا تيتة، مية مرة اقولك الموضوع ده بالذات لا".
_"ليه بس يا حبيبي، دا والله عمك طارق كويس جدا وبيحبك أوي، وليه معارفه كتير وناس واصلة، أكيد هيلاقيلك شغل في مكان كويس يقدروك ويقدروا مجهودك وذكائك.".
هز رأسهِ نافيًا بحزمٍ، الموضوع منتهي، ازاح الغطاء من فوقهِ ونهضَ، متحفزًا، والضيق قد أحتلَ صدرهِ، سحبَ نظارته الطبية يرتديها، نهضت هي خلفهِ تراقب ردات فعلهِ.
_"قُولت إيه يا حبيبي؟ ".
_" حضرتك عارفة ردي يا تيتة، أنا مش حابب، ياريت تحترمي رغبتي، مش عايز يبقي ليا صلة بالعيلة دي ".
زفرت الأخري غيظًا من عنادهِ وراسهِ اليابس:
_" ليه بس يا أبني؟ دا أبو أخواتك برضو، وجوز أمك، يبقي ملكش صلة ازاي بس. ".
_" بعد أذنك ياتيتة، أنا مش عايز أتكلم في الموضوع ده تاني، أذا كان علي الشغل، متلقيش أنا هنزل النهاردة أدور علي شُغل، وربنا مش بينسي حد ".
تركها مغادرًا الغرفة بأكملها، ومزاجه سيئ، قاصدًا المرحاض، ليأخذ حمامًا قبل أن يخرج، للبحث عن عملٍ، والذي يعلم بأن عملية البحث عن عملٍ ستمتد لأسابيع..........
نعم جدتُه لا تُحمله فوق طاقتهِ، معاش جدهِ رحمه الله يكفيهم نظرًا لكونه كان موظفًا، وهذا أكثر ما يضايقه، هو الرجل، من المُفترض أن يتكفل بكافة أحتياجات المنزل، وأدوية جدته، لا يعلم لماذا كل الأبواب تُغلق في وجهه من كل ناحية؟
يريد عملاً ثابتًا، حتى وإن كان بمرتب بخسٍ لا يتناسب مع جهدهِ، هو راضيًا، خرج من غرفتهِ بعد أن أرتدي ملابسه، تقابل مع جدته التي نظرت له بحُزن، تشفق علي حاله وسوء حظهِ.
وكانت هذه النظرات أكثر ما يشعره بالهم والحزن، دومًا ما يشعر أنها تحمل همه أينما ذهبت، تمني لو كأن معه مالاً، لكنا أنعمها في عيشةٍ هنيئة أفضل من هذه.
كاد يتخطاها ويخرج، لولا صوتها الحاني اوقفه:
_" ياسين، متزعلش يا حبيبي فداك ألف شُغل، هما الخسرانين، كانوا هيلاقوا فين مهندس شاطر وأمين زيك، أن شاءلله يا حبيبي ربنا هيعوضك ".
أستدار لها بوجه مبتسم، يقبل كفها ورأسها، جذبته لأحضانها بحنان بالغ تربت علي ظهرهِ برفقٍ:
_" متحرمش منك، ربنا يرزق ويفتحها عليك من وسع يا ياسين يا أبن رانيا، وأشوفك متهنى ومبسوط، ويبعد عنك ولاد الحرام ".
_"والله أنا ماشي بدعواتك دي.. ربنا يخليكِ ليا".
احتضنت وجهه بين يديها النحيفتين:
_" متزعلش روق كده، أنا عملالك رز بلبن سُخن إنما إيه، هتأكل صوابعك وراه. متنزلش جعان يا حبيبي ".
❈-❈-❈
تَمددت في جلستها لترتخي عضلات جسدها المُتشنجْة، ارتفعت أناملها المُلطخة بالألوان ، تُدلكُ رقبتها بخفة تُخفف حدة الألم بهم، بعد أن حركتها يمينًا ويسارًا، تنهدت بعُمق، من ثُم زفرت الهواء براحة....
وكأنها ربحت معركة طاحنة، هي بالفعلِ معركة، معركة بينَ فُرشاتها، والأوراق البيضاء التي كانت تنتظرُ أن تخطو أناملها لتملؤها بالفن الراق، وقد لَبت نداء الفنُ لها بصدرٍ رَحبْ.
تأملت النتيجة النهائية للوحتها التي عكفت عليها أسبوعين مُتواصلين، حتى أصبحت كما هي الآن، أبتسمت بأتساعٍ أبتسامة نصر، لقد أنتصرت علي نفسها هذه المرة وأخرجت أروعُ ما بها، حتى ظهرت النتيجة مُرضية تمامًا لغرورها كـ فنانة تعرفُ تمامًا قَدرُ نفسِها، ومدي قيمة ما تُقدمه....
تنهدت ببطء، ولا زالت تُراقب لوحتها بعينين غارقتين في تأملٍ صامت، وكأنها تحاول النفاذ عبر الألوان إلى ما وراءها.
ألوانها زاهية، منفتحة على الحياة، مشرقة كصباحٍ جديد، ولكن التناقض كان جليًا بينها وبين صاحبتها. اللوحة أمامها تفيض بالحياة، أما ملامحها فعلى العكس، يكسوها هدوء يشوبه شحوب خفيف، كأنها مستغرقة في صراعٍ داخلي. كانت تتساءل، كيف لها أن تصنع شيئًا بهذا الدفء، بينما داخلها يموج بصقيعٍ لا يراه أحد؟
كانت بارعة جدًا في التنقلُ بعشوائية بينَ أحلامها الوردية التي تُجسدها في لوحاتها، وبينَ أوهامها السوداوية، دون أدني احترام لتفاوت الألوان ومدي الفرق الشاسع في الاحساسِ بينهم
أنقطعت الموسيقي الهادئة التي كانت تستمعُ لها بإندماج تام عبرَ سماعتها اللاسلكيّة، تستعينُ بها لتُصفي ذهنها، لتحلُ محلَها رنين هاتفها، تركت الفُرشاه من بينَ يديها في موضعها، ألتقطت محرمتها المُلطخة فعليًا، مسحت بها يديها سريعًا قبل أن تستقبل المُكالمة بإبتسامة واسعة أحتلت ثُغرها المطلي باللون الوردي الفاتح:
_"لسة كُنت هرن عليكِ حالاً! ".
أستشعرت" أمينة "نبرتها المُغلفة بالحماسِ الواضحِ، أرتفعت ضحكاتها تقول بعبثية:
_" شُوفتِي بقا أنِي حاسة بيكِ؟...باين أنك مبسوطة أوي، قوليلي أي اللي باسطك كده فرحيني معاكِ؟ ".
القت نظرة سريعة علي اللوحة المُكتملة، بعيون لامعة منبهرة بما صنعت يداها، قبل أن تردَ بغرورِ مصطنع:
_" أنتظروني وأنا بكسر الدُنيا الشهر الجاي في المعرض".
جاءها الردُ سريعًا عبارة عن صرخات حماسية صاخبة من صديقتها التي بدأت تُحييّها بشغف وسعادة:
_"بجد؟..... أيوه بقا عايزاكِ تكتسحي الكُل، خلصتِ كام لوحة؟ ".
_" لحد الآن تلاتة، ومُمكن يزيدو".
حيتها بأنبهار، تدعمها عبرَ كلماتها الحماسية المتفائلة:
_"كُنت مُتأكدة أصلاً أنك هتقدري تعمليها زي كُل سنة، مُش شويه مشاكل اللي هتوقف نجاحك".
سمعت تنهيدة هادئة تحملُ بينَ طياتها حُزن دفين، قبل أن تَردُ بنبرة تحولت فجأة من الحماس، إلي الأنطفاء:
_"وهي دي أي مشاكل يا أمينة؟ أنتِ مش عارفة أنا قلبي أتقبض ازاي لما سمعت طنط بتتكلم في موضوع جوازه".
حاولت التخفيف عنها، أجابت بمرح:
_"يا هبلة هو عيل صُغير مامته هتشوفله عروسة، عادي يا قلبي كلام ستات، هي الأمهات كده، طيب اقولك أنا ماما بتخطب لعمران اخويا في اليوم خمس عرايس.. ".
ضحكت بخوفت، تنهض من مكانها بعد أن أغلقت علبة الأدوات وتركتهم جانبًا:
_" تفتكري؟ ".
_" أفتكر آه، فكِ كده وروقي، عايزين نشوف أبداع قريب يا فنانة ".
أنهت مكالمتها، القت بالهاتف باهمال علي الفراش.. الساعة أقتربت من الثانية عشر صباحًا، لديها موعد الساعه الواحدة مع منسق المعرض، لمتابعة سير الأمور بنفسها. أذن لتستعد الآن.
.
كانت على وشك الدخول إلى المرحاض المُلحق بغرفتها لتستعد لمغادرة المنزل، إلا أن أصوات شجار عالية أتت من الحديقة، فشدّت انتباهها وغيرت وجهتها نحو شرفة غرفتها المطلة فعليًا على الحديقة، لتتقصّى مصدر الصراخ العالي.
❈-❈-❈
خرجَ من البناية، يسير في شارعهم المُزدحم بلا وجهة محددة، فقط يسير شاردًا يركل الحصي أسفلهِ بتشويش، عقلهِ منشغلاً.. من أينَ يبدأ رحلة البحث؟ حقا لا يعلم..
_" يابش مهندس... ياسين، واد يا يا ياسين! ".
لم ينتبه لصديقهِ الذي يهرول خلفه يحاول اللحاق به، مناديًا عليه، لكنه كان بعالم آخر تقريباً، حتى اقترب منه يصيح بصوت عالي:
_" يا أطرش، ياسين؟ ".
أنتبه، فأستدار بعفوية لمصدر الصوت، وصل له" محمد "أخيرًا يلهث من الركض،يسبُه بعدة شتائم:
_" إيه، أطرشيت بدري ولا إيه؟ بقالي ساعة بنادي عليك".
تنهد، يُجيبه بهدوء:
_"معلش يا محمد مكنتش مركز".
لاحظَ تغيره، والضيق الذي يعتلي ملامحه، وضع يده علي كتفهِ يسأله بقلق:
_"مالك ياض؟ أنتَ كويس؟ ".
_" مفيش، الحمدلله ".
لم يصدقه بالطبع، فهيئتهِ المتغيرة تصرخ بعكس ما يدّعي:
_" مالك بجد؟ هتخبي علي أخوك".
_"ولا أخبي ولا نيلة، أترفدت ياسيدي من الشركة الجديدة "
ظهر الأسف علي وجه صديقه، ربت علي ظهرهِ مواسيًا بمرح:
_"وأنا اللي قولت حد مات، ياعم فداك، خدت الشر وراحت ".
رُغمًا عنه وجدَ نفسه يبتسم، فضحك الآخر يمازحه، يحاول أن يخفف عنه:
_" ياعم الشركات كتيره علي قفا من يشيل، متشلش هم أنتَ... تعالي تعالي أعزمك علي كباية سحلب تعالي ".
سحبه حيث القهوة الشعبية في منطقتهم، والتي يعمل بها" محمد "مع والداهُ،سحب له كرسيًا، ونادي بملئ صوتهِ:
_" واد يا كنكة... كبايتين سحلب للهندسة وأتوصي بيهم".
اتاه رد الصبي سريعًا من الداخل:
_"عنيا يا معلمي، أحلي كبايتين سحلب للهندسة بتاعنا اللي مشرفنا ورافع راسنا".
أبتسمَ"ياسين"بسُخرية، الجميع هُنا يحبونه ويرونه شيئًا ذا قيمة، ويتفاخرون به كونه مهندسًا، بينما حقيقةً هو عاطل عن العمل، لا يساوي شيئًا في المجتمع الحديث... فقط لأن حارته البسيطة يتغلب عليها الجهل قليلاً، لذا فالمتعلمين هنا يلقون أهتمام وأحترام كبير.
عدلَ أطار نظراتهِ البيضاء، يعبث بساعة يدهِ، ومازال وجههِ عابسًا، لفت نظره "محمد" بسؤالهِ:
_"هو مش جوز والداتك بتقول أنه مهندس كبير، طيب متخليه يتوسط لك في شغلانة، ياصاحبي كل حاجة ماشية بالواسطة دلوقتي ".
_"أنتَ عارف موقفي من الموضوع دة، يبقي تُسكت فضلاً".
صمت لدقائق، جاء الصبي ووضع أمامهم المشروبات، شكره الآخر بودٍ، قبل أن يتحدث مازحًا:
_" متيجي تشتغل معايا في القهوة هنا... وهديك ياعم يومية مية وخمسين جنيه ".
نبرتهِ كانت مازحة حقا، إلا أن الآخر أنفجرَ فيه، يصيح بغضبٍ:
_" نعم عايزني أشتغل صبي في قهوة، أنا خريج كلية حاسبات، بعد أربع سنين مرمطة، فالأخر أشتغل صبي في قهوة؟ ".
كانت طريقته هجومية أكثر، منها حوارية، أطرق" محمد "رأسهِ بحُزن، مما جعل الآخر يزفر حانقًا من نفسه ومن غباءه، أمتدت يده تربت علي يد الآخر الموضوعة علي الطاولة، يعتذر من نادمًا علي ما نطق به من هراء:
_" حقك عليا يامحمد، أنا والله مقصدشِ، أنتَ فاهم قصدي".
فقط ايماءة صغيرة خرجت منه، وأشاح بوجههِ بعيدًا عنه، عض الآخر علي شفتيه بغيظ، تنهد، يقول بنبرة نادمة:
_"خلاص بقا والله مقصد، حقك عليا، متزعلش منى والله الفتره دي مضغوط وكل حاجة جاية عليا، وتلاقيني كده بقول أي كلام وخلاص "
_"ولا أي كلام وخلاص ولا حاجة، أنتَ عندك حق، أنت بش مهندس قد الدنيا، أكيد القهوة مش من مقامك، أنا اللي غلطت لما قولتلك كده.... القهوة قهوتك يا صحبي أنا هقوم أشوف الزباين.. ".
نهض متحفزًا، وقد فشلَ في أخفاء ضيقهِ، فظهر ذلك جليًا من تقضيبة حاجبيه الكاثيفتين، وقبل أن يغادر عاود النظر له مرة اخري يقول بنبرة حزينة تدل علي أنه لازال متأثًرا بما قاله له، بالرغم من محاولته في نفي ذلك:
_" معلش بقا يا صاحبي، أنا صبي قهوة، ولازم أقوم أشوف الزباين".
تركه مغادرًا من أمامه، فرجع بظهره إلي الخلف بضيق...
❈-❈-❈
وقفت منكمشة علي نفسها كالفرخِ المبلول أمامه، تخفض رأسها أرضًا كالطفلة التي تتلقي توبيخًا من والداها علي خطأ أرتكبتهُ، لم يُبالي بمظهرها الخائف من ثورة غضبه، ولا حتي بتواجد العاملين حولهم في كل بقعة.
_"أنا مية مرة أقولك متتصرفيش من أم دماغك، عاجبك اللي حصل؟ ".
توترت، أصابعها كادت تكسرهم من كثرة ضغطها عليهم، رفعت وجهها له، تُدافع عن نفسها:
_" يا آدم أنتَ اتأخرت، كُنت هعمل إيه، هفضل هناك".
مسحَ علي وجهه بغضب، يحاول أن لا ينفجر بها... علي ظنٍ أنه لم ينفجر فعليًا، حقًا كان غاضب، عروقة ظاهرة من شدة ضغطه علي أعصابه:
_"آه تفضلي هناك، مش أحسن من أن حيوان قذر زي دا يعاكسك ويحاول يلمسك، أنتِ مش مستوعبة حجم اللي حصل".
خاطئ، الأمر داخل نطاق أستيعابها،لكن لم تكن تعرف كيفَ تتصرف حينها، شُلت حركتها وعقلها، حينما أقترب منها ذلك الشاب الذي أعترض طريقها بينما كانت تسير في الشارع بحثًا عن سيارة تقلها إلي المنزل بعد الأنتهاء من التسوق في المول.
وضربت بكلمات"آدم"عرض الحائط، فقط لأنه تأخر عن الموعد المُتفق عليهِ، الموقف كان صعبًا عليها، الم يكفهِ أرتعاش جسدها حينها، وعوضًا عن أحتضانها وطمئنتها، يصرخ في وجهها...
_"خلاص يا آدم كفاية ".
_" آه تعملي المصيبة، خلاص يا آدم كفاية، يتزفت آدم علي كلام آدم واللي بيقوله "
تدخلت"وصال "سريعًا بينهم، ودون حاجة للسؤال،الأمر واضح وكالعادة،" آدم"يتشاجر مع شقيقتها، مشاجرات الجميع أعتاد عليها، حتي أصبحت روتينًا، لكن هذه المرة بدت غير.
أقتربت من شقيقتها التي كانت ترتجف، والدموع حبيسة بعينيها، وحولها الكثير من الحقائب ملقاه بأهمال، وفورًا سحبتها تضمها إلي أحضانها، تقف له بالمرصاد:
_"إيه، نازل تهزيق وصوتك جايب اخر الدنيا ليه، في إيه؟ عملت إيه لكل دا؟ ".
رفعَ أصبعه محذرًا:
_" متدخليش بينا يا وصال، واحد وخطيبته".
أبعدت شقيقتها خلف ظهرها بحركة عفوية، ووقفت أمامه تضع يدها بخصرها، تنظر له بتحدي:
_"لا راجل ياض، راجل وأنتَ عمال تزعق كده وصوتك ملعلع، الرجولة مش بالصوت يا استاذ آدم".
_"وصال" تكبرهم بثلاث سنوات، وحقًا هو يحترمها ويعتبرها أخت كبيرة له، لم يقدر علي الرد عليها، فقط تنهد يهدأ نفسه، يفسر لها:
_"مش لما تعرفي إيه اللي حصل، الهانم قايلها تستني في المول لحد ما اجي اروحها، عربيتي عطلت في الطريق، تقوم بقا هي تشغل دماغها، وتطلع فالشارع تدور علي تاكسي في منطقة مقطوعة أصلا بعد المول... يقوم عيل زبالة يتعرض لها وكان هيتحرش بيها"
شهقت بخضة، التفتت تنظر إلي شقيقتها، فهزت الآخري رأسها...
_"ودا بدل ما تطمنها وتهديها، قاعد تزعق لها وتخوفها أكتر، بجد مش عارفه أنت بتتعامل ازاي؟ دماغك دي شغاله ازاي؟ غصبن عنها هو بمزاجها يعني، ثم إنك أصلا غلطان بتتأخر عليها ليه وأنتَ عارف أنها مش بتعرف تتصرف، كنت كلمتها تأكد عليها أنها تفضل هناك وتستناك".
من ثم التفتت إلي شقيقتها تضم وجهها بحنان:
_"حقك عليا أنا يروحي، طيب مكلمتنيش لي جيت اخدتك، ولا كلمتي بابا أو السواق حتي ".
صمتت بحُزن، لم تعطها أجابة، ضمتها إلي احضانها مرة اخري، تربت علي ظهرها، تبث لها بكلمات دافئة حنونة...
_" مُمكن كفاية كده يا آدم وأتفضل شوف كنت هتعمل إيه، سيبها دلوقتي بعدين تبقي تتكلموا لما انتو الأتنين تهدو".
زفرَ حانقًا، وبالفعل تركهم مغادرًا للخارج، ظلت محتفظة بها باحضانها، تمسح علي خصلاتها السوداء:
_"حقك عليا انا، سيبك منك دا متخلف أصلا... وبعدين بيحبك وخايف عليكِ، دا مولع من الغيرة، مش شايفة عينه كانت هتطلع نار ازاى وهو بيحكي اللي حصل، هو آه جلنف موت، بس أنتِ اللي سيبتي الكرة الأرضية كلها وملقتيش غيره تحبيه".
ضحكت وصت بكائها، فشجعتها علي السير تقول بمرح:
_"تعالي خلينا نتفرج علي الحاجات الجديدة اللي جبتيها، ومش بعيد ابلطج كده علي كام حاجة... تعالي تعالي كبري دماغك من كلام الاهبل دا"
❈-❈-❈
دخلَ بهدوء إلي الشقة الغارقة في السكون، عدا من صوت جدته الذي يأتي من غرفة الصالون، بينما كانت تتحدث إلي أحدهم عبر الهاتف ولم تنتبه لوجوده بعد.
رمي نفسه علي الأريكة بأرهاق بعد رحلة دامت لسبع ساعات خارج المنزل، يتنقل بين الشركات للبحث عن عمل، وعاد صفرًا خاليًا، والخيبة ترتسم علي قسمات وجهه المُتعب.
وبعد دقائق نهض بقلبٍ ثقيل، إلي حيث غرفة الصالون، كانت جدته جالسة متربعة علي الأريكة، وامامها علي الطاولة العديد من عُلب الأدوية خاصتها تعبث بهم، بينما تتحدث للطرف الآخر فالهاتف:
_"لا متتعبيش نفسك أنتِ، أبعتيهم مع السواق يا رانيا ".
أذن تتحدث إلي والداتهُ، وقف بمكانه يتابع محادثتهم في صمت، بينما جدته أرتفع صوتها وهي تلوح بيدها رافضة قبل أن تنطق:
_" لا يا رانيا، مش عايزة إلا فلوس العلاج بس، أنا حلفت لياسين إني مُش بأخد منك أي مليم بيتحط في البيت.... يوه بقا متوجعيش قلبي معاكِ، أسمعي الكلام".
صمتت تستمع لرد والداته والذي خمنَ أنه توسل منها، لكي تقبل جدته أن تأخذ منها الأموال، تغيرت ملامحه إلي الحُزن، وشعر بضيقٍ يهجم علي قلبهِ، جدته تلجأ لأخذ الاموال من والداته... لسوء أحوالهم الأقتصادية هذه الفترة، وتاخذهم من وراء ظهره.. لم يتمكن بالأعتراض هذه المرة،لا يملك شيئًا.
حزنَ بشدة لكونه لا يملك المال الكافي لتغطية مستلزمات جدته من الأدوية، أنهت جدته المكالمة بقولها:
_"تمام خليه ييجي بُكره الصُبح، يكون ياسين نايم او برا... خلاص يا رانيا متشغليش بالك، مش مهم أشرب العلاج النهاردة، واللي ليا النصيب فيه هخده محدش بيهرب من الموت يا رانيا.... ماشي، يلا مع السلامة خلي بالك من العيال".
انهت معها المكالمة، متنهدة بحزن ظهر علي ملامحها المتعبة، ترقرقت طبقة شفافة من الدمعِ بداخل عينيه، نزع نظراته سريعًا يمسح عينيه...
لم يقدر علي مواجتها، ففضل الأختلاء بنفسه في غرفتهِ الآن، هذا أفضل، تحرك إلي غرفتهِ، مغلقًا الباب خلفه بهدوء، وأرتمي علي أول مقعد قابله بوهن، وعقل شارد.
❈-❈-❈
فكت ربطة شعرها، ليتساقط متحررًا خلف ظهرها بأنسيابية، تجلس متربعة في حديقة المنزل، غير عابئة بتلوث سروالها الأبيض الفاتح، قطتها الصغيرة تجلس أمامها، تُداعبها بأصابعها الرقية...
لطالمَا أعتبرت "ميرال" الحيوانات هي الطف كائنات خُلقت علي الكوكب، وتحديدًا القطط بكل أنواعها، تتبدل نفستها وتتجدد من نقيض لنقيض، فقط من خلال جلسة قصيرة بصُحبة قطتها اللطيفة...
قضت ليلة أمس كلها بمُفردها حزينة، بعد شِجارها مع "آدم"، وعِند ذكر أسمهِ بداخلها تنهدت تنهيدة طويلة.. أنتظرته ليلتها، ليأتي لمصالحتها لكنه وببساطة لم يأتي...
_" قُطة بتلعب مع قُطة، مقول دا يا ناس".
أنتفضت علي أثر كلماتهِ التي أتت فجأة، بظهوره المفاجئ في محيطها، توترت، هي الآن غاضبة منه، لتثبت علي موقفها، أشاحت بوجهها بعيدًا تتجاهل كونه سمح لنفسه بالجلوس جوارها، وعلى مقربة أيضًا، كان قُربه يوترها، لكن تظاهرت بعكس ذلك، مثلت الصلابة... حتى عندما بدأ يُداعب صغيرتها، وسهوةً أطراف أصابعه الباردة كقلبهِ لمست يدها الدافئة.
_"حلوة القُطة دي، أول مرة أخد بالي منها ".
منحته نظرة سريعة،تقول بنبرة ذات مغذي:
_" أنتَ طول عمرك مش واخد بالك من أي حاجة ".
كادت تنهض مغادرة وتُنهي توتر الأعصاب ذلك، لكنه اوقفها بسحبها من معصمها ليُعيدها لمكان جلوسها مرة أخري، يقول بنبرة لينة:
_" أقعدي يا ميرال، عايزك".
_"أتفضل".
قلبَ باقة الورد الصغيرة بين يديه، وبتردد مدها لها مع أبتسامة:
_"حقك عليا، أنا أسف ".
نظرت إلي باقة الورد الحمراء، لونها المُفضل، تنهدت بحُزن،كيف لها أن تخبره أنها لا تريد ورد أو هدايا، فقط تريد أن تشعر أنه يهتم لشأنها، ليسَ في الأوقات الجيدة، بل فالصعبة.
_" بمُناسبة إيه دي؟ ".
_" بمناسبة أني كُنت غبي، ومتهور وعصبيتي عمتني وزعقتلك وزعلتك، حقك عليا".
لم تُعطه رد، فقط تبادلا النظرات الصامتة لثواني، قبل أن يسحب كفها بينَ راحتهِ رغم أعتراضها في بادي الأمر، يقول بنبرة هادئة لينة:
_"والله بحبك، وكُنت هموت من الغيرة يا ميرال، أنتِ مش متخيلة أنا كُنت حاسس بأي ساعتها لما شوفته بيمد أيده وبيحاول يمسك أيدك".
لم تصمت مرة اخري، أنفجرت بهِ:
_"والله، وأنتَ مفكرتش أنا أحساسي كان إيه وقتها، ولا مشوفتش رعشة جسمي كله، ولا الرعب اللي كان في عيني.... عارف ليه يا آدم؟ علشان أنتَ مش بتشوف غير اللي يخصك بس، آه طبعا ازاي يحط أيده علي حاجه بتاعتك ويلمسها من غير أذنك... انما بقا انا حاسة بأي، المفروض تعاملني ازاي، مش مهم طظ في داهية".
ترقرقت طبقة شفافة من الدمع بعيونها الرمادية، منعت نفسها من البُكاء وأشاحت بوجهها بعيدًا عنه، تنهد هو بخزي، نعم كان غبيًا في التصّرف مع الموقف...
نهضت سريعًا، تغادر أمامه، تركته بمكانه وباقة الورد ملقاه بأهمال علي الأرض، سحبها يُلقي بها بعيدًا بعصبية بالغة.
❈-❈-❈
في نهاية اليوم، دخلَ إلي بداية شارعهم، سيرًا علي الأقدام، يجر أزيال الخيبة خلفهِ، بعد يوم طويل، ظل فيه هائمًا علي وجههِ يبحث هنا وهناك دون جدوي عن أي عمل.
وها قد حل الليل عليهِ، وأنتهي يومه، فعاد محبطًا، والحياة أمامه باتت سوداء وضيقة، أخذ يسير بخطئ هادئة حزينة، يحمل سترتهُ علي كتفهِ، وقد شمر من ساعديه، شعرهِ بات مشعثًا، وعليه بعض الغُبار، هيئتهِ غير مهندمة نتيجة ركضه وتنقله من مكان لآخر حتى بات لا يشعر بأقدامه.
كاد يقترب من البناية التي يقطن بها، وقف لثواني، أن رأت جدته حالته المزرية والمبعثرة تلك، ستقلق عليه، لذا سريعا حاول ترتيب ملابسه وشعرهِ، وعدل من موضع نظراتهِ البيضاء.
متنهدًا قبل أن يتحرك مرة اخري مكملاً في طريقه إلي المنزل، ضيقَ عينيهِ يلقي نظرات مستفسرة، علي تلك السيارة السوداء ذات الماركة، والتي بالطبع لا تتناسب مع المكان بتاتًا...
لم يدُم أستغرابه طويلاً، حتى شعر بحركةٍ خلفه، وقبل أن يستدير، كان قد لحقه شخصًا مجهول، يقيد حركتهُ، ويضع منديلاً تبين له أنه مخدرًا، حاول المقاومة يحرك قدميهِ عشوائيًا بلا فائدة فأضطر الآخر لضربهِ علي رأسه ، وفي النهاية وبسبب أرهاقه طوال اليوم لم يستطع المقاومة طويلاً، سكن وسقط مغشيًا عليه في ثواني معدودة....
تأكد الشاب أنه نامَ، فحملهُ بسهولة نظًرا لبنيتهِ الضعيفة فعليًا، وضعهُ في السيارة من الخلفِ، وأستقلَ مقعد السائق، وبجواره شابًا آخر، اخرج هاتفه عبث بهِ قليلاً، حتى فُتحَ الخط.
وسريعًا ما هتف متفاخرًا:
_"أطمن يا باشا، البش مهندس اللي عليه العين، جبناه لحضرتك متكتف وكله تمام ".
كان يتوقع مدحًا من الطرف الاخر علي مجهوده وعبقريته في تنفيذ اوامره، أو الوعد بأن له حفنة من المال الوفير مكفاءة له، إلا أن آماله تحطمت وسقط فكهِ عندما صرخ به منْ علي الطرف الثاني من الهاتف، يسبه بغضب شديد:
_" الله يحرقك... أنا قولتلك هاته، مش تخطفه يا متخلف أنت والحيوان اللي معاك، منكم لله، أوعا يكون جراله حاجة، أطير رقابكم فيها يا شويه متخلفين".
يُتبع..
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة هاجر التركي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
