رواية جديدة ثلاثة على واحد لهاجر التركي - الفصل 2- الأحد 25/1/2026

 

   قراءة رواية ثلاثة على واحد كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية ثلاثة على واحد 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة هاجر التركي 


الفصل الثاني


تم النشر يوم الأحد 

25/1/2026



_"أتفضل فوقه يا حيوان... أنتَ عملتله إيه ". 


أرتعد أمامه رعبًا، العرق يتقطر من وجهه الأسمر ذو التقاسيم الحادة، هتف متوترًا: 


_" ياباشا كان هيعملنا شوشرة، مكانش قُدامي حل غير إني أخدره كان هيفضحنا". 


زفرَ "زُهير" حانقًا، يشد علي خصلات شعره الأسود الذي تخلله بعض الشيب، وقفَ يتأمل"ياسين "النائم في سلام علي الأريكة... كان ضئيل الحجم نحيل البنية، لم يكن يتوقعه هكذا. 


فتحَ قنينة العطر، وأقترب منه، يرش القليل علي أنفهِ، تململَ الآخر بغير راحة، وقد أنكمش وجههِ من تلك الرائحة القوية، يشعر برأسهِ ثقيلاً جدًا، والصداع يكاد يفجره، فتحَ عينيه يرمش ببطءٍ... 


الرؤية مشوشة أمامه، لتلقيه ضربه قوية علي رأسه، أسترجعَ عقله لقطات سريعة لآخر شئ شهدهُ، فهنض فازعًا من مكانهِ، لا يري جيدًا، الرؤية ضبابية رفع يده يتحسس عينيه النظارة؟ أين هي؟ 


_" النضارة؟ النضارة فين؟ ". 


نطق بوهنٍ، فأسرع الآخر بمد يده بنظراتهِ، التقطها سريعًا يرتديها،قد وضحت له الرؤية، ظل ينظر لثواني لكل شيء حرفيًا، بداية من ذلك المنزل الكبير، والذي يقطر الثراء من كل زواياه.... 


رجال ضخماء بوجوه عابثة جادة... و ملامح مخيفة، يقفون كالتماثيل، منتشرين في أركان المكان، مما جعله ينكمش علي نفسه خوفًا، أين هو؟ ومن هؤلاء؟ 


_" حمدالله على سلامتك يابش مهندس، معلش بنعتذر علي اللي الحمير دول عملوه فيك". 


من هذا الرجل؟ أينَ هو؟ سؤال ظل يقفظ في عقله، هل خُطف؟ بالطبع لا، لماذا سيقومون بخطفهِ، هو لا يملك شيئًا حرفيًا يجعله مطمع حتى لطفل صغير، ظل مضيقًا عينيه بتشكيك وخوف، التفت "زُهير" إلي رجاله، وأشار لهم بأصبعهِ، بمعني أن يرحلون جميعًا... 


وبالفعل، نفذو اوامره وخرجوا واحدًا تلوى الآخر في هدوء تام، حتى بقي هو و"ياسين "فقط... 


_" مالك خايف ليه كده؟ متقلقش مفيش حاجه تقلق". 


حمحم يعتدل، يهندم ملابسه، ينظر له بترقبٍ، حتى تحدث الآخر مرة اخري: 


_"أعرفك بنفسي أنا زُهير النقاش، صاحب شركات النقاش للأدوية، أظن سمعت عني قبل كده؟ ". 


سأله فصمت في جهلهِ منه، حمحم" زُهير"يكرر سؤاله ببسمة صغيره: 


_"مسمعتش عني قبل كده؟ ". 


هز رأسه نافيًا، تبعه قوله: 


_" لا مسمعتش، وممكن أفهم أنا هنا ليه!؟ ". 


_" مالك مشدود ليه، قولتلك مفيش حاجة تقلق... وبالنسبة لأنتَ هنا ليه؟، أنتَ هنا لشُغل يا سيدي ". 


عقد حاجبيه مستغربًا، هل يظن مجنون، أي شغل هذا، الذي يخطفون فيه الناس عنوةً: 


_" شُغل؟ شُغل إيه؟أنا عايزة أمشي من هنا". 


أبتسمَ في وجههِ بكل هدوء وتفاهم، وكانه لا يعي للموقف العام، وانه جاء إلي هنا مخطوف، أو كانه أعتاد ذلك مثلاً... 


_"شُغل إيه دي، هقولهالك بس بعد ما نتعشي سوا علشان يبقي عيش وملح بينا، ثم أني قولتلك متقلقش أنت مش مخطوف يا بش مهندس، رجالتي هما اللي أغبياء شويه ".


❈-❈-❈


أرتفعَ صوتها مع صوتِ المُغني، تدندن بغزوبية مع كلمات الأغنية التي تسمعها عبر سماعة الأذن الحديثة،غير عابئة بأن الوقت متاخرًا والجميع نيام.. لم تكتفي بذلك فقط، بل نهضت تتمايلُ برشاقة مع اللحن الصاخب. 


موسيقي شعبية صاخبة، تتنافي مع ذوقها الهادئ في أختيار الموسيقي عادةً، إلا أنها قررت اليوم تجربة شيء مختلف لتفصل عقلها قليلاً عن ما يدور حولها. 


وفي وسط أندماجها التام مع الالحان، لاحظت حركة غريبة.... مع تراقص ظلال خفية علي ستارة الشُرفة بيضاء اللون، ضيقت عينيها بتركيز علها تتخيل، جذبت  الهاتف سريعًا تُغلق الموسيقي... 


أرتفعت ضربات قلبها خوفًا، وتوترت حركتها نحو الشرفة، حاولت صرف أي فكرة مرعبة عن رأسها الآن وإلا ستسقط مغشية عليها بمكانها... 


بيدٍ مرتعشة مترددة، أقتربت تُزيح الستائر بتمهلٍ، وقبل أن تفعل ذلك، سبقتها يد أخري تفتح الباب أمامها فجأة، صرخة عالية خرجت منها، ما أن وقعت عينيها علي الجسد البشري امامها.. وبخفة يد أخرس فمها بوضع كفهِ عليهِ، يوبخها بغيظ: 


_" أخرسي هتفضحينا، منك لله ". 


❈-❈-❈


وجدَ نفسهِ يسير معه بكل هدوء، الي حيث سفرة طويلة ممتدة، تتسع لعشرون فردًا، ممتلئة بما لذ وطاب من المأكولات الشهيّة، سحب له الخادم كرسيا بأحترام، جلس بتخفزٍ ومازال قلقًا ولا يفهم شيئًا... 


بينما" زُهير"كان يتعامل معه بود وكانه أحدي اصدقائه، جلسَ وبدأ في تناول طعامه بكل هدوء، دقائق، ولاحظ أن "ياسين" صامتًا، ولا يأكل، فشجعه قائلاً: 


_"متخافش مش حاطين سِم في الأكل، أحنا محتاحينك لسه. ". 


جحظت عيناه، من أين له أن يعرف أن ذلك ما خطر برأسه للحظات؟ أبتلع تفاجئه، ومد يده للشوكة أمامه، وقطع من اللحم ببطء وتناوله... 


_" سمعت إنك كنت التاني علي دفعتك طول تلات سنين، والاول في سنة رابعة". 


فتحَ حوار بينما يأكل،رد عليه الآخر: 


_"أيوه، ممكن بقا افهم أنا هنا بعمل ايه؟ وشغل ايه ده؟ أنا لازم أمشي، الوقت اتأخر جدتي زمانها قلقانة عليا ". 


_" متقلقيش جدتك أتبعت لها مسدج من تلفونك، إنك هتبات النهاردة عند مامتك ". 


جحظت عينيهِ بفزع: 


_" أنتَ عرفت كل الحاجات دي منين، أنت مين؟ ". 


رجعَ بظهرهِ إلي الوراء، يستريح أكثر، أرتشف من كوب العصير قبل أن يعرف عن نفسه بمنتهي البساطة والبرود للمرة الثانية: 


_" قولتلك زُهير النقاش ". 


_" وعايز مني إيه، أنا مش فاهم حاجة خالص؟ ". 


ترك الشوكة جانبًا، مشبِكًا أصابعهِ ببعضهم، قائلاً بجدية: 


_" محتاجة تنضم للتيم بتاعي في الشركة". 


رفع زاوية فمهِ ساخرًا: 


_"حضرتك مش واخد بالك من حاجة، أنا مهندس برمجة، مالي أنا بالأدوية ". 


_" أنا بقول عليك ذكي يا ياسين، احنا فعلاً شغلنا ملهوش علاقة، بس أنا محتاجك في حاجه تبع تخصصك، في شركة بتنافسنا في السوق... أنا محتاجك تعرفي كل حاجة بتدور جوا الشركة دي، من الألف للياء". 


وهنا قد بدأ يفهم هدف هذه الأستضافة الكريمة، سأله مستنكرًا: 


_"أختراق قصدك؟ ". 


_" مش بالمعني الحرفي، أنتَ يدوب هتدخل علي السيستم الخاص بالشركة دي، نأخد شويه معلومات ". 


هاجمعه بغضب: 


_" بس دا حرام طبعاً، دا تجسس". 


❈-❈-❈


ابتلعت رُعبها، وتوسعت عينيها ذُعرًا، كانَ يقف بزاوية مُعتمة، فدفعها للداخل، وهنا تبينَ لها أنه هو،سحب كفَّه مُحررًا ثغرها ، تنهدت بتوتر وما زال قلبها ينبض فزعًا..وبخته بعصبية: 


_"أنتَ غبي، إيه اللي بتعمله ده، في حد يدخل علي حد كده ". 


نعم تسلله لغُرفتها كاللصوص في وقت متأخر من الليل، شيء غير منطقيّ، لكنها لم تترك أمامه خيارًا آخر، فمُنذ أمس وهي تنفرد بنفسها في غرفتها، حتى طعامها تتناوله بمفردها، وهاتفها مُغلق... 


ربعَ يديه أسفل صدرهِ: 


_" ما لو الهانم بترُد علي تليفونها، أو حتى بتنزل تورينا جمال خطوتها، مكنتش أضطريت اعمل الفيلم الهندي دا". 


_"عادي عايزة أبقي لوحدي". 


أنتقلت عينيه لتفقد السماعة بين يديها، والهاتف مفتوح علي إحدي الاغاني لم يتبين له هويتها، فضيقَ عينيه عليها يسألها: 


_"ثواني، بقا أنا هتجنن من أمبارح ومش عارف أوصلك، وأنتِ هنا قاعدة تسمعي أغاني والغزالة رايقة". 


تحاشت النظر إليه، وزاغت نظراتها إلي أي جماد بالغُرفة، تقدمَ يخطو إليها حتى أصبحَ قريبًا منها، وقد لاحظ فعليًا هروبها منه، وحرمانه من الغوص في رماديّتيها الفاتنتين.. عقابها كان قاسيًا. 


هتفَ بنبرة لينة مغلفة بالعتاب: 


_"وحشتيني يا ميرال، وحشتني ضحكتك". 


نعم لقد شعرت بسخونه تلفح وجهها، ولا شك أنه الآن تلونَ للون الأحمر خجلاً، لكنها نبهت نفسها في اللحظة الاخيرة، سحبت نفسها من موقعها بقربه، وأبتعدت تقول بغضب مصطنع : 


_"ممكن تتفصل تُخرج برا، مينفعش وجودك بالشكل دا هنا، وفي وقت زي ده". 


_"يوه بقا، يكون في عِلمك بقا، أنا مش ماشي من هنا الإ بعد متقوليلي خلاص مش زعلانة منك يا آدم يا حبيبي ". 


ختمَ حديثهِ، وسريعًا جلسَ علي فراشها بإرياحية قائلاً بنبرة أستفزازية: 


_" وأدي قعدة، مع بعض للصُبح بقا". 


_"طيب أمشي دلوقتي وبُكره نتكلم ". 


نطقت متوسلة بغيظ، لكنه هتفَ باصرار: 


_" تؤتؤ، مش هيحصل". 


خفضت من نبرتها قليلاً: 


_"علشان خاطري يا آدم، ماما لو شمت خبر مش بعيد تطردني أنا وأنتَ من البيت دا". 


لم يعطي لكلماتها أهتمام، بل اجابها بعِناد طفولي: 


_"لا يعني لا، مش قبل ما نتصالح ". 


_" يوه بقا، أي شغل العيال دا". 


بأقل من ثانية كان قد نهض، مقتربًا منها، مضيقًا عينيهِ عليها يقول بخُبثٍ: 


_"بذمتك موحشتكيش؟ ". 


ضيقَ عليها الحصار بسؤالهِ، توردت وجنتيها، ولمع التوتر بعينيها، حاولت التملص إلا أنه كان محاصرًا لها.. حاولت دفعه بعيدًا إلا أنه رفض: 


_" رُدي، ساكته ليه؟ آدم حبيبك موحشكيش، كده تبقي بعيدة يومين ورا بعض ". 


_" وأيه حضرتك مش ملاحظ مين اللي كان السبب اصلا من الأول؟؟ ". 


_" أنا السبب، وبعتذرلك أهو وأقولك مش هتتكرر تاني، مش هتعصب عليكِ تاني ". 


لكي تتخلص من هذا الصغط، زفرت قبل أن تقول: 


_" خلاص حصل خير... أوعي بقي". 


دفعته بعيدًا، وأسرعت بالهروب إلي الشرفة، فلحقَ بها، لسعتها برودة الجو، وعبثت النسمات بشعرها الأسود الفحمي: 


_"يلا أتفضل زي ما جيت أخرج ". 


أشارت له على الشُرفة المجاورة لها، والتي كانت لشقيقتهُ" أروي"، ودونَ داعي للتخمين، نعم تسلل خلسةً من شرفة شقيقته حتى دخل لها هنا، غمز لها ضاحكًا: 


_"بس إيه رأيك في الرومانسيه بتاعتي، جايلك من البلكونة وحاجة افلام تسعينات علي الآخر يعني ". 


أبتسمت تخفض رأسها أرضًا، بينما هو لم يحررها من سِهام نظراته الثاقبة، حمحمت بخجلٍ وكادت تقول شيئًا، لولا أنها لاحظت شيئًا للتو انتبهت له. 


وسريعًا ما أقتربت منه تلمس وجهه بكفها، تقول بلهفة وخوف: 


_" إيه ده؟ من ايه الجرح ده؟ أنتَ كويس". 


راق له خوفها عليه، سحب يدها التي كانت تتحس الجرح علي طول خدهِ، مُقبلاً أياها برقةٍ، وأعادها مرة ثانيه لمكانها علي وجهه،يقول بنبرة دافئة: 


_"متخافيش أنا كويس، حاجه بسيطة كده، كان عندي ماتش النهاردة ". 


_" ملاكمة تاني يا آدم، وشك أتخرشم بسببها ". 


كان مستلذًا بقربها الحاني، ونظراتها الحنونة التي توزعها عليه، ونبرة الخوف في صوتها، أبتسمَ بعذوبية، وقد حُفرت غمازة عميقة في منتصف خده الأيسر، يقول مداعبًا: 


_" متخرشم بس برضو لسه وسيم ومُز". 


_"طول عُمرك وسيم ومُز في نظري أصلاً". 


اتسعت أبتسامته، هذا أفضل ثناء قد حصلَ عليهِ من قبل، غمزَ لها مشاكسًا بخفة ظل: 


_"بقولك ايه ما تيجي نكتب الكتاب ونُدخل، والفرح نعمله بعد سنتين تلاتة عادي دي كلها شكليات". 


توسعت عينيها بتفاجؤ، وقد تصبغ وجهها للمرة المئة، لكزته في كتفهِ تدفعه بعيدًا، قائلة وسط ضحكاتها: 


_"أمشي، أمشي يا آدم بدل ما أرميك من البلكونة دي ". 


_" أهون عليك يا غزالة". 


❈-❈-❈


لم يستغرب البتة، كان متوقعًا ردًا كهذا منه، "زُهير النقاش" عندما يريد شيء، يبحث وراه حتى جذور جذوره، ومن خلال معلوماته عن"ياسين"وتربيته ومبادئه، كان هذا أبسط رد منه... لذا بكل هدوء، بدأ يشرح له هدفه ويضع النقاط علي الأحرف، والهدف من ذلك أقناعه، وأقناعه بلُغته تحديدًا... 


_"أكيد طبعاً التجسس حرام، بس أظن لو التجسس دا هيبقي لصالح أننا ننقذ أرواح هتموت عبثًا بسبب أدوية منتهية الصلاحيه هتدخل الصيدليات ". 


_" مش فاهم". 


_"أفهمك، شركة العدوي للأدوية، شركة منافسة لينا في السوق، أتعرض عليا من شركة أيطالية، شُحنة أدوية، منتهية الصلاحيه هأخدها برُبع التمن، وهتنزل الأسواق بتمنها العادي اللي هو أضعاف أضعاف اللي دفعته، زائد انهم هيساعدوني بطريقتهم فأني أدخل الأدوية السوق من غير رقابة.... أنا طبعاً رفضت، ارواح البني آدمين أهم بكتير من أي فلوس". 


صمت لثواني، يراقب تأثير كلماتهِ علي وجه "ياسين"، مبتسمًا قبل أن يُكمل بخ كلماتهِ في عروقهِ، وكان يعرف جيدًا تأثيرها عليه، وينتقي الكلمات الملائمة لعقليته والتي ستأثر به: 


_" بعد ما أنا رفضت، عرفت أن شركة العدوي أتعاقدت مع الشركة الأيطالية دي، نفس الصفقة اللي أنا رفضتها، وهتنزل الأسواق قريب، بس أنا معرفش إيه تفاصيل الثفقة، ماهما أكيد غيروا فيها حاجات وبنود والله اعلم الكمية زادت ولا لا، فبتالي دا لا هو في صالحي ولا في صالح المواطنين، أنا عارف إنك مش مقتنع أن هدفي كله الحفاظ على سلامة الناس". 


رفع حاجبيه، هذا فعلاً ما كان يدور بداخل رأسهِ، فاومأ له بمغذي، أنه يفهمه قبل أن ينطق بذلك، فأكمل يُجيب علي سؤلاً لم يطرحه بعد: 


_"أكيد طبعاً دا مش هدفي الأساسي، هو آه جزء منه، بس مش الأساسي، أنا شركتي ليها أسم في السوق، وشركة العدوي دي منافسة ليا في السوق، بصفقة زي دي، هتنقلها في حتة تانية، وهتعلي عليا... فهمت بقي أنا هدفي أيه، هدفي مصلحة الجميع ومصلحتي برضو". 


ظهرَ عليه لمحة الأقتناع، صمت مفكرًا، سأله: 


_"والمُقابل". 


وبقوله هذا، أكد له أن كلماتهِ أقنعته، فأبتسم بأتساع: 


_"أهو كده أنت بدأت تفهمني، وتبقي ذكي". 


وأيضًا من واقع المعلومات التي بحوذتهِ عنهُ، كان علي دارية تامة بمستواه المادي، وحالته الأقتصاديه، وهذه هي نُقطة الضغط الأساسية: 


_"اللي تطلُبه يا بش مهندس، أنا راجل سوق وأحب أقدر وأدي لكُل حاجة قيمتها اللي تستحقها، وأنتَ مهندس شاطر وذكي جدًا، وأنا واثق من ده ". 


❈-❈-❈


كانت الساعه تُشير إلي السابعة صباحًا، حينَ فتح" ياسين "باب شقة جدته بمفتاحهِ الخاص، ودلفَ بوجه مُرهق، باهت، بحاجة شديدة إلي النوم، تفاجأ بجدتهِ مستيقظة، تقرأ في المصحف الشريف، وما أن رأته، حتى أغلقته متمتمة: 


_" صدق الله العظيم، حمدالله على السلامة ". 


نهضت عن كرسيها، تضم الشال الصوفي الأزرق حول كتفيها، تحتضنه مرحبة: 


_" البيت نور يا حبيبي، مش متخيل أنا أتبسط قد إيه لما بعتلي رسالة امبارح وقولتلي إنك هتبات مع رانيا". 


منحها أبتسامة باهتة، مربتًا علي كتفيها، لكنها لاحظت بُهتان وجهه، بقلبٍ قلق، سألته: 


_"أنت‌َ كويس يا حبيبي؟ مال وشك أصفر ليه كده؟ حد زعلك هناك؟ أتخانقت مع أمك صح؟ ". 


نفي برأسه سريعًا: 


_" لا لا، مفيش حاجه من كل ده، أنا بس نعسان، منمتش كويس، ما أنتِ عارفة مش برتاح في النوم غير في أوضتي ". 


_" ماشي يا حبيبي، أحضرلك فطار؟ ". 


انحني يُقبل يدها بأحترام: 


_" لا متتعبيش نفسك، أنا هدخل أنام ولما أصحي أبقي أكل". 


_"نوم الهنا، أنا هنزل السوق مع خالتك أم هنا، هسيبلك الفطار في المطبخ أبقي سخن وكُل". 


رد عليها وهو علي عتبة غرفتهِ قبل أن يدخل: 


_"متحرمش منك يا تيتة". 


اغلق الباب خلفهِ، وما أن راي السرير، حتى أرتمي عليه بتعب وأرهاق نزعَ نظارته يضعها جانبًا، وبأقل من دقيقة كان قد غرقَ في النوم العميق لا يشعر بشيء من حوله... 


أستيقظَ بعد ذلك يفرك عينينهِ، نظر للساعة، تبًا لقد نام لأكثر من خمس ساعات، نهض سريعًا يتلقط نظارته، وخرج للمرحاض، ينعم بحمام دافئ يهدئ من عضلات جسده التي تأن ألمًا منذ البارحة... 


بعدها أخذ شطيرة من المطبخ، وكوب قهوة، وحاسوبه، بالنهاية جلس مستقرًا في الشُرفة،فتح حاسوبه أمامه، وبتركيز بدأ البحث والتنقيب، كتب في خانة البحث "شركة النقاش للأدوية"، وبثواني حتى ظهرت له العديد والعديد من المواقع والمقالات عن هذه الشركة مؤسسيها وتاريخها، وعنوانها وفروعها.... 


وبعد نصف ساعه قضاهم في البحث وراء هذه الشركة بخبرة مبرمج، وجدها فعليًا نظيفة من كل الأتجاهات، لا يشوبهم شائبة، لا صفقات مضروبة كما توقع ولا تهريب، تقريباً لقد اساء الظن بهم... 


أستندَ بجزعهِ للخلف يقول بحيرة: 


_" أنا شكلي ظلمتهم... والراجل الغريب دا عنده حق ".


كانت جدته حريصة علي زرع العديد من المزروعات في الشرفة، كـالنعنان والقرنفل، لذلك الرائحة مريحة للأعصاب والجو مشمس اليوم، وذلك ساعده علي أن يكون مزاجه رائقًا. 


أنتقل بالبحث عن الشركة الأخري، شركة" العدوي"، وقد أتضح له انها شركة مماثلة، لا يشوبها شئ، إلا شئ واحد فقط، هنالك أعلان فعلي بالتعاقد مع شركة"HKP " الإيطالية، وتلقائي أنتقل للبحث عن تلك الشركة، والذي علمَ أنها فعلاً صاحبة عدة صفقات من نوع آخر.... 


❈-❈-❈


أنتهت من تأدية صلاوة الفجرة حاضرًا جلست لدقائق بمكانها علي سجادة الصلاة، ترتل بعض الأذكار، وتقرأ وردها من القُران، من ثم أنتهت أغلقت مصحفها، نهضت ترفع السجادة عن الأرض... ووضعت المصحف في مكانهِ.. 


نزعت عن رأسها الحجاب، تحرر خصلاتها السوداء الطويلة، من ثم نزعت أسدال الصلاة الفضفاض، وبقيت فقط بمنامتها القطنية ذات اللون العسلي.. 


وكانت هذه الأوقات، هي الأحب إلي قلبها، بعد صلاة الفجر، تذهب لتحضير كوبًا من النسكافيه، وتتناوله، في شرفتها تراقب شروق الشمس، متأملة في أبداع الخالق سبحانه وتعالي.. 


خرجت من المطبخ، تحمل كوب النسكافيه، وفي طريقها للأعلي حيث غرفتها، لاحظت أضائة المكتب... مكتب والداها، فغيرت مسارها إلي هناك. دقت الباب بخفة، سمح لها والداها بالدخول. 


أستقبلَها بأبتسامة بشوشة، منحته هي الأخري مثلها، وما أن أقتربت منه حتى أنحنت تقبل كفهِ: 


_"صباح الفل يا حبيبي، إيه اللي مصحيك بدري كده؟ ". 


تساءلت بينما تجلس بالكرسي المقابل، ترتشف من كوبها، تنهد" أحمد" تنهيدة محملة بعبء أفكاره ومخاوفه، يقول: 


_"أنا منمتش أصلاً ". 


شهقت بتفاجئ، تسأله بقلقٍ: 


_" ليه يا بابا؟ مالك؟ أنتَ كويس؟ ". 


لا يُريد أن يقلقها عليهِ، لكنه يعرف أبنتهُ، لن ترتاح إلا بعد أن تعرف ما بهِ، حتى ولو ظلت هنا لساعات، ربت علي كفها يطمئنها: 


_" مفيش، قلقان شويه بس، علشان كده مجاليش نوم". 


_"وقلقان ليه؟ ". 


" هدير" صغيرة سنًا نعم، لكن عقلها يزن مدينة بأكملها، أكتسبت رجاحة العقل من والداتها رحمها الله، كأنها توفيت وتركت له نسخة منها تعاونه فالحياة، وكأنها كانت تعلم أنه عندما يحتار في أي أمر، يغرق من دونها، كذلك كانت "هدير" تفهمه، وتفكر معه، تُمحي قلقهِ، لذا تحدث معها بصراحه: 


_"قلقان من الصفقة الجديده اللي جاية دي". 


هزت رأسها متفهمة، وبفطنة طمئنتهُ بلطفٍ، وكلمات ودودة: 


_"طبيعي يا حبيبي تقلق دي صفقة كبيرة، ومُهمة جدا بالنسبة للشركة". 


_"دي أهم صفقة في تاريخ الشركة كلها من يوم ما بدأت، أنا حطيت فيها اللي ورايا واللي قُدامي حتى الشقة دي مرهونة يا هدير، خايف أوي حاجة تحصل، هيبقي أتخرب بيتنا وبقينا علي الحديدة". 


_"متقولش كده، ربنا ميجيب خراب ابدًا، وبعدين يا بابا يا حبيبي مش حضرتك قولت أن معتز أبن عمتي مطمنك من ناحية الشركة دي والشغل معاهم ". 


أخذ ينقر علي الطاولة بالقلم، ينظر أمامه بشرود: 


_" أيوه، مأكدلي أنهم ناس كويسة وشغلهم زي الفُل ". 


_" بعيدًا عن إني مش برتاح لمُعتز من الأصل، بس أكيد هو مش هيضيعنا يعني، هو فاهم بيعمل إيه ده شغله". 


منحها ايماءة متفهمة، من ثم نهضَ: 


_"طيب يلا قُومي كملي نومك،وأنا هطلع أنام ساعتين قبل ما أنزل الشركة ". 


نهضت تسيره بجوارهِ، محتضنة أياه من الجانب، لا تطمئنه،لا داعي للخوف من الغد ، فإن الذي يملكه رحيم، كريم، ولطيف بعباده: 


_" متقلقش يا حبيبي، ربنا عالم بيك وأكيد مش هيضيع تعبك كل السنين دي فالهوا". 


_"ونعمة بالله... متنسيش تصحي حمزة علشان ينزل مدرسته". 


_"حاضر ".


شددَ من أحتضانها بدفءٍ وحنان،كم هي ممتنة لوجوده بجوارها، صديقها الأول وحبيبها وقرة عينيها الأول، لطالمَا كان بارعًا في صب الحنان في قلبها صبًا.تدعو الله كثيرًا أن يُطيل عمرهِ، فهي بدونة لا شيء.


يُتبع..


إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة هاجر التركي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل