رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 7 - الأحد 25/1/2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل السابع
تم النشر الأحد
25/1/2026
دخلت جيهان المكتب، يتبعها تامر، وكان عدنان يلاحظ بوضوح ملامح القلق والجدية على وجهها. وضع عدنان نظارته على المكتب وسألها باهتمام:
ـ خير يا جيهان؟ إيه اللي حصل في الموقع يخليكي راجعة بالحالة دي؟
التقطت جيهان أنفاسها وقالت بلهجة قاطعة:
ـ يا عمي، أنا لما نزلت الموقع مكنش قصدي غير إني أطابق الأوراق بالواقع، لكن اللي شوفته صدمني. المواد اللي بتستخدم في الأساسات دلوقتي جودتها أقل بكتير جداً من اللي مكتوب في المواصفات الفنية للمشروع.
بدأ عدنان يركز بكل حواسه، فأكملت جيهان وهي تخرج هاتفها وتعرض له الصور:
ـ أنا صورت الخامات والماركات اللي وصلت الموقع، وبمجرد ما قارنتها بالأسعار الحالية في السوق، اكتشفت إن في فجوة كبيرة. إحنا بندفع تمن خامات "بريميوم" درجة أولى، واللي بيتوّرد للموقع فعلاً خامات رديئة مابتحققش أدنى معايير الأمان اللي شركة القاضي متعودة عليها.
ضربت جيهان على وتر حساس حين أضافت:
ـ أنا تتبعت الأسعار في الساعة اللي فاتت دي وعملت مقارنة سريعة، الفرق في الميزانية يودي في داهية يا عمي.. ده مش مجرد خطأ فني، ده تلاعب واضح في التوريدات، ولو كملنا تنفيذ بالخامات دي، إحنا بنعرض اسم الشركة وتاريخها للخطر.
ساد الصمت في المكتب، وشعر تامر بضيق شديد وهو يدرك أن شقيقه يوسف هو من وقع على هذه الاستلامات. أما عدنان، فقد بدت على وجهه علامات غضب مكتوم، ليس بسبب الخسارة المادية فحسب، بل لأن هذا حدث تحت إشراف ابنه.
أظلمت الرؤية تماماً أمام عيني عدنان القاضي، وشعر بضغط هائل يطبق على صدره؛ فاسم القاضي الذي بناه بشق الأنفس طوال عقود يهتز الآن بسبب إهمال أو تلاعب، ولم يتحمل قلبه حجم الصدمة فترنح في مقعده وكاد أن يسقط فاقداً للوعي.
انتبهت جيهان بلمح البصر، فاندفعت نحوه قبل أن يرتطم رأسه بالمكتب، وأمسكت بكتفيه وهي تصرخ بهلع:
ـ عمي! عمي عدنان.. فوق أرجوك!
التفتت خلفها لتجد تامر واقفاً في مكانه، شاحب الوجه وعيناه معلقتان بالصور، وكأنه دخل في حالة صدمة وجدانية منعته من الحركة. صرخت فيه جيهان بصوت زلزل أركان الغرفة:
ـ تامر!! إنت واقف بتعمل إيه؟ هات مية بسرعة واسند والدك معايا!
انتفض تامر من شروده وهرع نحو والده، وبدأ يمسح وجهه بالماء البارد وهو يرتجف. استعاد عدنان أنفاسه تدريجياً، وبدأت ملامحه تتصلب وتتحول من الضعف إلى غضب بركاني لم يره ابنه من قبل.
قبض عدنان يده بقوة على عصاه الأبنوس، وضرب بها الأرض ضربة قوية أصمتت الجميع، ثم نظر إلى تامر بعينين تشتعلان شرراً وقال بصوت متهدج من شدة الانفعال:
ـ روح هات يوسف من مكتبه حالاً.. يجي هنا فوراً وبأي شكل! لازم أفهم المهزلة دي حصلت إزاي ومن ورا ضهري!
خرج تامر مسرعاً، بينما بقيت جيهان واقفة بجانب عدنان تحاول تهدئته، وهي تدرك أن اللحظات القادمة ستكون الأصعب في تاريخ هذه العائلة؛ فيوسف الآن لا يواجه زوجة متمردة، بل يواجه والداً جريحاً في كرامته المهنية، وجيهان هي من تملك صك اتهامه.
في مكتب يوسف، كانت ندى تجلس مع شقيقها، تحاول بحديثها أن تخفف عنه ضغط اليوم، ويوسف مستسلم لدردشتها التي تخرجه من أجواء العمل المشحونة. فجأة، فُتح الباب ودخل تامر، وكان واضحاً على وجهه أن الأمر خطير جداً، فلم يلقِ سلاماً ولم يجلس.
نظر تامر ليوسف وقال بنبرة آمرة:
ـ يوسف، بابا عايزك في مكتبه حالاً.. الموضوع ميتأجلش ثانية واحدة.
انقبض قلب يوسف، فوالده لا يطلبه بهذا الاستعجال إلا للأمور العظيمة. قام من مكانه وهو يعدل قميصه، بينما وقفت ندى معترضة على مقاطعة جلستها مع شقيقها، وقالت بتذمر:
ـ إيه يا تامر في إيه؟ داخل كأن في حر.يقة! وبعدين مش تسلم عليا الأول؟ ده أنا حتى أختك حبيبتك.
رد تامر بحدة وهو لا ينظر إليها:
ـ مش وقته يا ندى خالص.. سلامك خليه بعدين، إحنا في مصيبة في الشغل والبيت.
لم يعجب ندى أسلوب تامر، فاقتربت من يوسف وقالت بإصرار:
ـ أنا جاية معاكم، عايزة أشوف بابا ماله، وأكيد هعرف أهدي الجو لو في مشكلة.
هنا وقف تامر سداً منيعاً أمام الباب، ونظر لشقيقته بصرامة الأخ الأكبر الذي لا يقبل النقاش:
ـ قلتلك لا يا ندى! بابا في حالة صحية صعبة ومش ناقص مناهدة ولا دلع بنات دلوقتي. خليكي هنا في المكتب أو اطلعي روحي، لكن مكتب بابا ممنوع تدخلي فيه دلوقتي.. يوسف، يلا قدامي!
خرج يوسف خلف تامر بقلب مثقل، بينما وقفت ندى خلفهما تضرب حقيبتها على المكتب بغيظ، وهي لا تفهم لماذا يعاملها تامر بهذه القسوة، ولماذا كل هذا الاستنفار في الشركة.
دخل يوسف المكتب بخطوات مرتبكة، وعيناه تزيغان بين والده وبين جيهان الواقفة بصمت. كان يظن أن والده سيثور في وجهه، لكنه فوجئ بهدوء عدنان القاتل وتلك النبرة الضعيفة التي لم يعهدها فيه أبداً.
سأل يوسف بصوت يحاول استجماع قوته:
ـ في إيه يا بابا؟ مالك تعبان كدة ليه؟ وتامر قالي كلام قلقني.. إيه اللي حصل لكل ده؟
لم يرفع عدنان عينه نحو يوسف، بل ظل ينظر للفراغ أمامه، وأجاب بصوت خافت، ضعيف، يحمل بحة الانكسار والهزيمة:
ـ ضاعت يا يوسف.. ضيعت الشركة وضيعت اسم القاضي بسبب إهمالك.. إحنا مش بس هنخسر فلوسنا، إحنا ممكن نتحبس يا ابني.
تجمد يوسف في مكانه، وشعر ببرودة تسري في جسده. لم يفهم سر هذا الحديث عن الحبس أو الضياع، فنظر إلى تامر ثم إلى جيهان بذهول، وقال متلعثماً:
ـ حبس إيه وضياع إيه يا بابا؟ إحنا شغالين صح، وكل الأوراق والتعاقدات سليمة وقانونية.. جيهان قالت لك إيه خلاك بالحالة دي؟
أغمض عدنان عينيه بألم، وقال بصوت يقطر وجعاً:
ـ جيهان ما قالتش.. جيهان كشفت.. كشفت الكارثة اللي إنت كنت بتمضي عليها وإنت مغمض. الورق اللي بتقول عليه سليم، بيغطي على جريمة في الموقع.. خامات مغشوشة، وأساسات مهددة، وفواتير مضروبة بأسعار وهمية.
أخذ يوسف الأوراق من يد تامر وهو في حالة ذهول، وبمجرد أن وقعت عيناه على التفاصيل التي أبرزتها جيهان، شعر وكأن أطرافه قد شُلّت تماماً. الأرقام لا تكذب، والصور التي تظهر جودة الخامات الرديئة كانت كفيلة بإسقاط أي دفاع. همس بصوت مرتجف:
ـ بس.. بس أنا مراجعتش لوحدي، الكل وقع على الورق ده، المكتب الفني كله أكد إنها مطابقة للمواصفات!
لكن عدنان لم يكن يملك القوة للدخول في جدال حول من المخطئ، رفع يده برعشة خفيفة وأشار للشركة وقال بصوت واهن يكاد يختفي:
ـ الشركة هتضيع.. ضاعت خلاص..
وفجأة، ثقل رأس عدنان وسقطت عصاه من يده لتحدث دوياً في الغرفة، قبل أن يفقد وعيه تماماً ويميل بجسده على المكتب. انطلقت صرخة مدوية من جيهان التي كانت أول من تحرك، اندفعت نحوه وهي تحاول إفاقته وصرخت في تامر ويوسف:
ـ عمي! عمي عدنان.. فوق أرجوك! يا تامر هات مية بسرعة، يوسف ساعدني نعدله!
في هذه اللحظة، اقتحمت ندى المكتب بعد أن نفد صبرها في الخارج، لتتسمر مكانها من هول المشهد. رأت والدها، رمز القوة في العائلة، ملقىً بلا حراك، وجيهان تحاول إنعاشه، ويوسف وتامر في حالة صدمة ذهول.
انفـ.ـجرت ندى في البكاء وصرخت بهستيريا وهي تندفع نحو والدها:
ـ بابا! بابا ماله؟ عملتوا فيه إيه؟ يوسف.. تامر.. واقفين كدة ليه؟ اطلبوا الإسعاف فوراً.. بابا هيروح مني!
انتبه تامر من صراخ ندى، فأخرج هاتفه فوراً وأجرى اتصالاً سريعاً بالإسعاف طالباً منهم الحضور بأقصى سرعة.
وصلت الإسعاف ونقلوا عدنان، وذهبت معه ندى وتامر في حالة من الانهيار. بقي يوسف في المكتب يشعر بالضياع والشتات، كأن الأرض قد انشقت وابتلعته. اقتربت منه جيهان وقالت بنبرة حازمة لتمده بالقوة:
ـ يوسف! فوق.. ده مش وقت ضعف. لازم تروح المستشفى فوراً، تماسك عشان خاطر والدك وعشان الشركة.
استجاب يوسف لكلمات جيهان التي أيقظته من ضياعه، وتحرك معها مسرعاً للحاق بهم.
قاد يوسف سيارته باتجاه المستشفى في حالة من الصمت الرهيب، كانت يده ترتجف فوق المقود وعقله لا يتوقف عن استعادة مشهد سقوط والده. رأت جيهان هذا الانكسار في عينيه؛ ورغم كل الألم والجرح الذي سببه لها يوسف في الماضي، إلا أنها نحت كل ذلك جانباً. كانت تدرك تماماً مرارة فقدان الأب، ولم تكن تريد ليوسف أن يذوق هذا الطعم.
وضعت يدها على يده برفق وقالت بصوت هادئ ومطمئن:
ـ اهدى يا يوسف.. عمي قوي، وطول عمره بيعدي الأزمات. هو مش هيسيبنا دلوقتي، هو عارف إننا محتاجين له.. إن شاء الله هيقوم بالسلامة.
وصلا إلى المستشفى، وكان الممر المؤدي للعناية المركزة يضج بالتوتر. رأيا تامر يقف بعيداً مسنداً رأسه إلى الحائط بضياع، بينما كانت ندى في الداخل تتابع مع الأطباء.
بعد دقائق ثقيلة، انفتح باب العناية وخرج الطبيب ومعه ندى التي كان وجهها شاحباً من كثرة البكاء. هرع يوسف وتامر نحو الطبيب بلهفة، فرفع الطبيب يده ليطمئنهم قائلاً بنبرة هادئة:
ـ الحمد لله، الحالة استقرت نسبياً. كانت أزمة قلبية حادة نتيجة ضغط عصبي شديد. هو حالياً تحت الملاحظة، ولازم يفضل في العناية الليلة دي لحد ما نطمن على كل الوظائف الحيوية.
بعدما غادر الطبيب، تنفس الجميع الصعداء وشعروا ببعض الطمأنينة. التفتت ندى نحو يوسف وتامر بنظرة عتاب ملؤها الحيرة وسألتهم بصوت مخنوق:
ـ ممكن أفهم إيه اللي حصل؟ بابا ماله؟ إيه اللي وجع قلبه وخلاه يوصل للحالة دي فجأة؟
نظر يوسف للأرض بعجز، فتدخل تامر بسرعة ليخفف من حدة الموقف ويحمي والده ويوسف أيضاً، فقال لها:
ـ مشاكل في الشغل يا ندى.. ضغط كبير حصل فجأة في الشركة وبابا قلبه مستحملش. بس متقلقيش، إحنا هنحل كل حاجة وهنخلص الأمور دي قبل ما بابا يخرج بالسلامة، المهم دلوقتي هو.
نظرت ندى لهما بضيق، ورغم أنها لا تعرف التفاصيل، إلا أن خوفها على والدها جعلها تنطق بتهديد خارج من قلبها المحروق:
ـ لو بابا جرى له حاجة، أنا مش هسامحكم أبداً..
ثم تركتهم ودخلت مسرعة لغرفة العناية لتبقى بجواره.
بقي تامر ويوسف ومعهما جيهان في الممر. ساد صمت ثقيل، فتامر يعلم أن هناك كارثة، ويوسف لا يزال تحت تأثير الصدمة والضياع، بينما تقف جيهان تترقب الموقف وهي تعلم أن الوقت يداهمهم لإصلاح ما يمكن إصلاحه في الشركة قبل فوات الأوان.
❈-❈-❈
بينما كان يوسف غارقاً في أفكاره وتامر يحاول استجماع شتاته، اقتربت ندى من تامر وقالت له بنبرة خافتة ولكن حازمة:
ـ تامر.. لازم تلاقوا حل بسرعة، الشركة مش هتقف، وبابا لما يقوم بالسلامة لازم يلاقي كل حاجة تمام.. ده مش وقت ضعف ولا وقت ندم على اللي فات.
وفي تلك اللحظة التي كان فيها تامر يهمّ بالرد عليها، وقع نظر جيهان على مشهد جعل قلبها ينقبض؛ رأت امرأة شابة وأنيقة تقترب من يوسف بخطوات واثقة، وبدون تردد أمسكت يده بحميمية وقالت له بصوت يملؤه القلق:
ـ يوسف! حبيبي.. إيه اللي حصل؟ طمني، عمي عدنان ماله؟
تسمرت جيهان في مكانها من الصدمة، واتسعت عيناها وهي ترى يوسف لا يبعد يدها بل يستند إليها بضعف. لاحظ تامر ملامح جيهان المصدومة، فاقترب منها وهمس في أذنها بهدوء وأسى:
ـ جيهان.. دي نور، الزوجة الجديدة ليوسف.
أغمضت جيهان عينيها بقوة وكأن خنـ.ـجراً طعنها في قلبها، شعرت بألم يفوق ألم خيانة يوسف المهنية؛ ففي وسط هذه الكارثة، تواجه حقيقة أنها استُبدلت بهذه البساطة.
أما نور، فاستمرت في حديثها مع يوسف متجاهلة وجود الجميع:
ـ إيه اللي حصل يا يوسف؟ ليه فجأة كدة؟
أجابها يوسف بصوت مجهد:
ـ بابا تعرض لوعكة صحية شديدة يا نور، وهو دلوقتي في العناية.
أومأت نور برأسها وقالت وهي تتركه وتتجه نحو غرفة العناية:
ـ طيب، أنا هدخل أفحصه بنفسي وأشوف حالته واصلة لإيه، وهرجع لك تاني أطمنك.
تركته نور ودخلت، وظلت جيهان واقفة في الممر، تشعر بأنها غريبة تماماً في هذا المكان، وبينما كانت تحاول الحفاظ على كبريائها أمام تامر وندى، كان يوسف لا يزال غير قادر على النظر في عينيها.
دخلت نور إلى غرفة العناية، وبعد دقائق خرجت وملامحها أكثر هدوءاً، اقتربت من يوسف والجميع وقالت بطمأنينة:
ـ الحمد لله، بدأ يتجاوز مرحلة الخطر، والمؤشرات الحيوية بدأت تستقر.. ده أهم حاجة دلوقتي.
في هذه اللحظة، اقتربت جيهان من يوسف، كانت تقف بصلابة تخفي خلفها انكساراً لا يعلمه إلا الله، وهتفت بهدوء وجفاء:
ـ يوسف، أنا ماشية دلوقتي عشان أطمن على الأولاد.. أظن وجودي مالوش لازمة دلوقتي. هتوصلني ولا أخد تاكسي؟
نظر إليها يوسف بذهول؛ لقد كان غارقاً في قلقه على والده وفي وجود نور لدرجة أنه نسي تماماً أن جيهان هي من كانت تقف بجانبه منذ لحظة سقوط والده في المكتب. حاول أن ينطق، أن يبرر، أو حتى يشكرها، لكن جيهان لم تعطه الفرصة. ابتسمت بسخرية مريرة وأكملت:
ـ مفيش داعي تتعب نفسك، إنت مش محتاج ليا دلوقتي.. زوجتك الجديدة معاك وهي قايمة بالواجب وزيادة.
كانت كلماتها كخنـ.ـجر يطـ.ـعنه في قلبه؛ شعر يوسف فجأة بفراغ هائل. جيهان هي الشخص الوحيد الذي كان يبث الأمان في روحه، وهي الوحيدة التي كان يطمئن لوجودها في أزماته، والآن أدرك بوضوح أنه خسرها، وأن خسارته لها ستجر خلفها سلسلة من الخسائر التي لا تعوض.
التفتت جيهان بعيداً عنه، ووجهت كلامها لتامر الذي كان يتابع الموقف بأسى:
ـ تامر، ممكن توصلني للبيت؟ محتاجة أطمن على البنات، وهكون هنا الصبح إن شاء الله.
أومأ تامر برأسه بالموافقة فوراً وهو ينظر لشقيقه بعتاب صامت، ثم تحرك مع جيهان نحو الباب، تاركين يوسف واقفاً في الممر، يشعر بالوحدة رغم وجود نور بجانبه، ويشعر بأن حياته بدأت تتداعى قطعة تلو الأخرى.
كان الصمت في السيارة ثقيلاً، تامر يقود وعينه على الطريق لكن عقله مع جيهان التي كانت تسند رأسها على نافذة السيارة، تنظر لبيوت وشوارع القاهرة التي تمر بسرعة وكأنها تشاهد شريط حياتها ينهار. قطع تامر الصمت بصوت خفيض ومليء بالخجل:
ـ جيهان.. أنا مش عارف أقولك إيه. اللي حصل في المستشفى ده.. وجود نور بالطريقة دي.. أنا بجد مكسوف منك نيابة عن يوسف.
التفتت إليه جيهان، وبانت على وجهها ابتسامة شاحبة وقالت بنبرة حزينة:
ـ مكسوف من إيه يا تامر؟ يوسف اختار طريقه من زمان، وأنا اللي كنت مغمضة عيني. بس النهاردة الصدمة كانت مزدوجة.. صدمة الشركة وصدمة وجودها. كنت فاكرة إني ممكن أساعده عشان خاطر البنات وعشان عمي، بس طلع مالوش لازمة فعلاً.
تنهد تامر بضيق وضرب المقود بيده:
ـ إزاي بتقولي كدة؟ ده إنتي اللي أنقذتيه من السجن! لولا الورق اللي جيبتيه والتحقيقات اللي عملتيها، كان زماننا دلوقتي بندور على محامين مش دكاترة. يوسف غرقان يا جيهان، وغرقه ده هيسحبنا كلنا معاه لو مفقش.
ردت جيهان بمرارة:
ـ الغرقان مبيشوفش مين بيمدله إيده يا تامر، بيشوف بس مين اللي بيعجبه منظره وهو بيعوم. يوسف خسر الأمان اللي كان بينا، وخسر ثقة عمي.. والظاهر إنه خسر نفسه كمان. المهم دلوقتي، بكره الصبح لازم نكون في الشركة قبل أي حد، الورق اللي معايا يثبت إن فيه تلاعب من الحسابات والموردين، لازم نوقف النزيف ده قبل ما الخبر يوصل للسوق.
هز تامر رأسه بالموافقة وهو ينظر إليها بإعجاب:
ـ إنتي قوية يا جيهان.. رغم كل اللي هو عمله لسه بتفكري في الشركة؟
نظرت جيهان للأمام وقالت بجمود:
ـ بفكر في حق بناتي، وبفكر في عمي عدنان اللي شالني في بيته سنين.. يوسف حسابي معاه لسه مجاش وقته، بس الشركة دي لازم تقف على رجليها عشان لما عمي يفوق يلاقي تعب عمره لسه موجود.
بعد رحيل جيهان وتامر، ساد صمت غريب. اقتربت نور من يوسف، لمست ذراعه برقة وسألت بنبرة فيها فضول ممزوج بالذكاء:
ـ يوسف.. هي مين الست اللي كانت واقفة دي؟ وليه مشيت وهي قالبة وشها كدة؟
يوسف بتنهيدة ثقيلة:
ـ دي جيهان.. كانت جاية تطمن على بابا.
ضيّقت نور عينيها وقالت وهي تتذكر الأسماء التي سمعتها سابقاً:
ـ جيهان؟ آه.. هي دي بقى جيهان اللي سمعت اسمها كتير؟ أنا مكنتش شوفتها قبل كدة، بس بصراحة يا يوسف من غير ما تزعل، أنا حسيت من نظراتها إنها مش مجرد واحدة قريبة.. دي كانت بتبص لي كأنها صاحبة حق، وكأن وجودي هنا مضايقها أوي.
يوسف بضيق يحاول إخفاءه:
ـ نور، جيهان شريكة في الشركة، وبنت أخو والدي، وطبيعي تكون قلقانة على عمها.. بلاش ندخل في تفاصيل دلوقتي.
ردت نور بابتسامة باردة:
ـ ماشي يا حبيبي، مش هندخل في تفاصيل.. بس هي واضحة أوي، الست دي شكلها "شخصية مسيطرة"، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي عشان تظهر في الصورة. المهم إنها مشيت، وأنا جنبك أهو مش هسيبك.
خيم الصمت على الممر بعد رحيل جيهان وتامر. كان يوسف يجلس على المقعد، مسنداً رأسه بين كفيه، وفي داخله صراع لا يهدأ. فرغم كبريائه، ورغم وجود امرأة أخرى في حياته، إلا أن الحقيقة التي يدركها الجميع هي أن يوسف لم يحب امرأة كما أحب جيهان؛ كانت هي الأمان والسكـ.ـينة التي يفتقدها الآن وهو في قمة ضياعه.
اقتربت نور منه بهدوء، ثم جلست بجواره محاولةً مواساته، بينما كان هو غارقاً في صمته. كان وجودها في تلك اللحظة باهتًا أمام طيف جيهان الذي لم يغادر مخيلته.
توقفت سيارة تامر أمام المنزل. التفتت إليه جيهان وقالت بصوت هادئ ومنهك:
ـ تامر، اتفضل اشرب حاجة.. تعبتك معايا النهاردة.
رد تامر بتقدير وهو ينظر لساعته:
ـ شكراً يا جيهان، بس الوقت اتأخر جداً.. اطلعي ارتاحي إنتي، والصباح رباح.
انتظر تامر حتى اطمأن أنها دخلت المنزل وأغلقت الباب خلفها، ثم غادر.
بمجرد دخولها، وجدت جيهان سميرة بانتظارها، وعلامات القلق تملأ وجهها. سألتها سميرة بلهفة عن سبب تأخرها، فأجابتها جيهان بإيجاز:
ـ عمي عدنان تعب فجأة ونقلوه العناية يا سميرة.. بس الحمد لله دلوقتي أحسن.
لم تشأ جيهان أن تذكر أي شيء عن رؤيتها لـ نور؛ فهي لا تملك الطاقة لخوض معارك جانبية الآن. صعدت إلى غرفتها وألقت بجسدها المنهك فوق السرير، وفي غضون دقائق كان الجميع قد استسلم لنوم عميق من فرط الإرهاق الجسدي والنفسي.
يتبع...
