رواية جديدة رواية في فبضة فهد لهالة زين - الفصل 21 - السبت 14/12/2025

 

قراءة رواية في قبضة فهد كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر


رواية في قبضة فهد

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة هالة زين


الفصل الواحد والعشرون 


تم النشر السبت

14/12/2025



خرجت ميلا بخطوات مترددة من الجناح، تتأمل المكان الجديد الذي سيصبح بيتها  رغمًا عنها... كانت الجدران عالية.. والردهة واسعه...وكأنها تحاصرها أكثر مما تمنحها حرية... ومع ذلك كان بداخلها شغف طفولي يدفعها لاكتشاف ما تخبئه الفيلا بين أركانها.


في تلك اللحظة، كان يمان قد خرج من الحمام، شعره المبتل يقطر فوق كتفيه، وعيناه تبحثان بقلق عن أثرها. تسارعت أنفاسه، وخيل إليه أنها استغلت غيابه لتفر بعيدًا بعدما منعها بالأمس ، ضرب كفه بجدار الممر، يكاد صبره ينفد، ثم اندفع يبحث عنها بين الغرف والردهة بقلب لهيف خائف من فقدها مرة أخري .


لكن ما إن لمحها عند الحديقة الداخلية حتى تنفس الصعداء. وقفت ميلا هناك، تقفز بخفة كطفلة، عيناها تلمعان بفرحة خالصة وهي تهتف 


ميلا : وحشتني أوي يا زيزو ...


ركضت بخطوات صغيرة نحو الطفل الذي كان يضحك لها ببراءة ويجري تجاهها ، فمدت يديها لتحتضنه وهي تضحك من قلبها، كأنها نسيت كل ما يثقل صدرها. وكل ما حدث من والده بالأمس. 


وقف يمان غير بعيد، يراقب المشهد. كان الغضب قد أوشك أن يسيطر عليه، لكنه تراجع أمام الصورة الجميله التي رآها حيث ضحكتها البريئة وذراعيها المفتوحتين ليزيد. شعر بشيء مختلف يضغط على صدره... مزيج من راحة غريبة وغصة لا يريد الاعتراف بها هل تشعر انه أخاها منذ اللحظه الاولي التي رأته بها في باريس ، وتتحمل مسؤليه حمايته منذ ذلك الوقت ؟؟ وان للقدر يد في جمعهما معا تحت سقف منزل واحد حتي لا يتفرقا مره أخري .


اقترب منهم ببطء، ليستمع ما يقولون ،عندما دخلا الي الممر الطويل المؤدي لغرفه المعيشه الشاسعه ، حيث ميلا جلست تداعب يزيد بجوار النافذه ، وعيناها ما زالتا محمرّتَين من أثر بكاء ليله أمس ، تحاول تهدئة تنفسها بعد لحظات الانهيار التي مرت بها. حتي سمعت صوت خطوات خفيفة قادم من السلم الخارجي للفيلا شدّ انتباهها، قبل أن يظهر يزن وهو يمسح على شعره بتوتر يحمل دفئا يدعمها كعادته  .


يزن : حمد الله علي السلامه يا ميلا ...نورتي بيتك يا مرات أخويا .


حملت ميلا يزيد بينما نظرت الي يزن بيأس  وأردفت بغصه 


ميلا : الله يسلمك ..متشكره يا يزن .


جلس قبالها لم يستطع أن يتحدث رغم انه يجاهد حاله في فتح أي حديث معها فوقف أمامها ينظر إليها بقلق واضح

الي أن أردف بحنان 


يزن : إنتي… كويسة يا ميلا؟؟ مالك؟؟إنتي معيطه؟ 


هزّت رأسها نفيًا، والدموع تعود تتجمع في عينيها دون إرادة. اقترب منها خطوة أخرى، ثم قال بصوت منخفض ملئ  بالتعاطف


يزن : أنا عارف إنه كان صعب عليكي انك تكوني مع يمان تحت سقف واحد بعد اللي حصل منه في الصعيد ..صدقيني كلنا اتفاجأنا باللي حصل ...أنا أخوه وبقولك إنه كان فرحان من قلبه بسبب جوازكم  بس هوه  خرج عن شعوره علشان اللي خالك عمله وانه صغره في وسط العيله بالشكل ده ...وعارف برده ان كلامي ده مش مبرر لأفعاله الزباله دي ...وإن  مافيش قوه في الدنيا دي هتخليكي تسامحيه عليها …رغم كده أنا بقولك  أنا جنبك...أنا زي أخوكي بالظبط ، لما تحتاجيني هتلاقيني جنبك  فما تخافيش من أي حاجه .


نظرت إليه ميلا بعينين دامعتين، كأن الكلمات لامست مكانًا موجوعًا بداخلها وأومأت له بتفهم دون نطق أي كلمات .


رفع يزن يده بتردد، ثم وضعها بلطف على كتفها يهون عليها واردف .


يزن : ميلا… أنا عاوزك تعرفي إنك إنتي هنا مش لوحدك ...وده بيتك ...ليكي فيه زي مالينا بالظبط وأكتر كمان ....صدقيني، أنا مش هسمح له يضغطك بالشكل ده تاني. ولو زعّلك… هعرف أواجهه وأتكلم معاه.


اتسعت عيناها بدهشة خفيفة...ونظرت له بإستهزاء عابث 


فابتسم يزن ابتسامة صغيرة جانبية بها شئ من التمرد


يزن : آه… هواجهه علي فكره ... مش مصدقه ولا إيه ، علي فكره هو بيسمعلي ومش هيستحمل يعرف إني متضايق. وبعدين… إنتي مش فاهمة هو بيفكر فيكي وبيغير عليكي إزاي ...


مسحت ميلا دموعها بأصابع مرتجفةوتنهدت بغضب من كلماته ثم نظرت الي النافذه تفكر بكلمات يزن بيأس 


الي أن رد عليها يزن فورًا، بنبرة صادقة جدًا


يزن : مش مصدقاني صح ؟ طب أنا هثبتلك 


ساد الصمت بينهما لثوانٍ، لكنه  صمت ملئ بالمعاني 


وقف أمامها يزن  ثابت، وكأنه أول سند حقيقي داخل هذا البيت المليء بالاضطراب فأعطاها محرما لتجفف دموعها 


يزن: علي فكره بقا جوزك بيراقبنا من ساعه ما دخلت وثواني وهيجي يمسح بيا وبيكي بلاط الفيلا حالا .


وبينما كان الصمت يغلف  الممر، وقفت ميلا أمام يزن تحاول استعادة أنفاسها ...ويداه ما زالتا على كتفيها يطمئنها، عيناه ثابتتان في عينيها بثبات وحنان لم تعهده داخل هذا المنزل.


لكن فجأة…


اهتز الجو حولهما بصوت خطوات ثقيلة ...وريح باردة من الغضب دخلت قبل أن يدخل صاحبها.


التفت يزن أولًا ... ثم تجمدت ميلا في مكانها عندما رأت يمان واقفًا عند باب الممر .... شعره ما زال مبللًا بعد الاستحمام... وملامحه مشدودة… وبعينيه ذلك البريق الموحش الذي لا يبشر أبدًا بالخير.


لم يتكلم.

ولم يتحرك.

لكنه كان يغلي… وظهر هذا في قبضته التي انغلقت ببطء حتى صار لون مفاصل أصابعه أبيض.


اقترب خطوة…ثم أخرى…وصوت أنفاسه أصبح يسمع بوضوح.


قال بصوت خافت… لكنه يحمل صاعقة غضب


يمان : إنت بتعمل إيه هنا ....هو أنا قلت لك تيجي ؟



 قلتلك يا ست ميلا ..أهو جه بزعابيب أمشير أهوه 


توقفت قدما يمان أمامهما مباشرة، ينظر ليد يزن التي تعطيها المحارم  ويتحدث معها بحس فكاهي  فنظر في عيني ميلا… بنظرة لا تُقرأ كاملة، بل كانت عباره عن خليط من الجرح والغضب 


ابتلع يزن ريقه وتراجع للخلف من نظراته الغاضبه .


يزن : أنا قلت آجي علشان أرحب بمرات أخويا واشوف لو ناقصها حاجه أجيبهالها .


اقترب يمان منه ، حتى باتت المسافة بينه وبين أخيه  مجرد أنفاس ..نظر بعينه ..ودفعه للخلف وأردف بغضب 


يمان : أخرج من الفيلا وماترجعش الا لما أكلمك .


رفع يمان إصبعه في وجهه يقطعه


يمان : مش عاوز أسمع ولا كلمه … بره .


تردد يزن لحظة، نظر لميلا وكأنه يعتذر بعينيه، ثم انسحب ببطء خوفًا من تفجير الموقف أكثر من ذلك .

وما إن اختفى يزن خلف زاوية الممر…


حتى التفت يمان إلى ميلا، بعينين تحترقان مشاعر متناقضة غضب… خوف… وشيء قريب جدًا من الغيرة الموجعة.


اقترب منها خطوة أخيرة وقال بصوت منخفض… يذوب داخله شيء لا يريد الاعتراف به


يمان:  كنتوا بتتكلموا في إيه ؟


تجمدت ميلا لحظة أمام كلماته الجارحه …

لم تكن نبرة يمان عالية، لكنها كانت أشد وقعًا من الصراخ.

كان يتكلم وكأنه طُعن… وليس غاضبًا فقط.


ظهر الألم واضحًا على ملامحها ، كأنها  تلقت  صفعة قويه علي وجهها .


حدّق فيها طويلًا… طويلًا جدًا… وكأنه يحاول يستوعب إنها أمامه....زوجته ...ملكه فقط .


اقترب منها أكثر، حتى باتت تشعر بدفء أنفاسه على جبينها.

صوته كان مبحوح وعالي … غاضب نعم، لكنه مهزوز من الداخل فأردف من بين أسنانه 


يمان : ماتخرجيش من الجناح بعد كده الا بإذني. انتي فاهمه 


نظرت له بغضب وأردفت بعفويتها وهي لا تزال تحمل يزيد وتداعبه .


ميلا : ليه هو أنا في سجن ولا إيه ...


اغمض يمان عينيه لحظة… وكأنه يحارب غريزة بداخله تناديه أن ينفجر.

فتحهم ثانية نظر إليها  نظرة حادة… فيها غيرة قاتلة وكتمان جريح.


تنفست ميلا بعمق، وجهها احمر من الانفعال


ميلا : إسمع بقا أنا ماحبش حد يخنقني علشان مش كل مرة هسكت ...أنا هنا هعمل اللي يريحني زي مانت بتعمل اللي يريحك وياريت نتجنب بعض علشان الصدمات ..وافتكر أن البيت دلوقتي فيه طفل ماينفعش يسمع مناقراتنا وزعيقنا كل  شويه .


ظل ينظر إليها طويلاً بنظرات مبهمه ، محاولًا أن يخفي ارتباكه وراء نظرات صارمة، لكن في داخله كان يشعر أن تلك اللحظة الصغيرة سرقت منه قسوته المعتادة. ثم أردف بغضب 


يمان : حناااااان 


ركضت المربيه نحوه بريبه خوفا من صوته الغاضب 


حنان : أوامرك يا يمان بيه 

يمان : خدي يزيد علي أوضته وبلغي داده فاطمه تطلع الفطار للمدام فوق في الجناح علشان هنفطر هناك .


ثم سحب يمان يد ميلا بعنفٍ واضح، ملامح وجهه متصلبة، عيناه مشتعلة كأنها جمر مشتعل. دخل بها إلى جناحه وأغلق الباب خلفهما بقوة، حتى ارتجّت الجدران.


اقترب منها بخطوات سريعة، صوته يخرج عاصفًا


يمان : أنا هنا جوزك..وراجل البيت ده وأنا اللي أقول تعملي ايه وماتعمليش ايه ؟


دفعت يده بعيدا عنها وأردفت بغضب 


ميلا : إنت اللي إزاي تتكلّم معايا بالطريقة دي قدّام المربيه بتاعه إبنك ؟ إنت عارف إنت عملت إيه؟...أنا مش هسمحلك تهينّي ولا تتحكم في كل نفس باخده قدام الناس. أنا ليّا كرامة وكرامتي فوق الجميع ..وفوقك إنت شخصيا ...وما تنساش إني ميلا العماري بنت سعد العماري عين أعيان الصعيد وخالي يبقي آدم الشمري اللي رآسه برآسك في السوق مش واحده جايبها من الشارع ...حط ده في دماغك...علشان مش كل شويه هفكرك بيه .


دفعها للخلف الي أن ارتطم ظهرها بالحائط عندما ذكرت إسم والدها أمامه بتبجح واردف بغضب .


يمان : يبقي تسمعي الكلام لو مش عاوزاني أقلل منك أدام حد .وماتنطقيش أسم أبوكي في البيت ده تاني أدامي .


ارتجفت للحظة وهي تتأوه ، لكنها تماسكت، رفعت رأسها لتواجه عينيه بجرأة لم يتوقعها.


ميلا : يعني إيه بقا ..هستجني هنا ؟


اقترب أكثر، يكاد صوته ينفجر


يمان : انتي سمعتيني كويس ...وأنا قلتلك تسمعي الكلام وتنفذي اللي بقوله بالحرف ...ولو مش عاوزاني أقلل منك ولا من كرامتك ماتغبيش عن عيني ولو لثانيه واحده ..وتستأذنيني لو رايحه أي مكان حتي لو رايحه الحمام ويا أقبل إستاذانك ده يا أرفض .


أدارت رأسها للجهه الأخري ، لكن نبرتها ازدادت قوة، كأنها كسرت حاجز الخوف.


ميلا : وده من إيه ان شاء الله ...وإنت فاكرني هافضل ساكته على كل اللي بتقوله وبتعمله فيا ده... وهاقولك نعم وحاضر يا سي يمان ؟ إنت لو فضلت تعاملني علي إني أسيرة هنا...أقسم بالله يا يمان يافهد لهمشي من مكان ما جيت وابقي ساعتها إعمل اللي تعمله منك ل آدم بقا وابقي جيب معاه آخرك .


تجمدت يداه بجانبيه، أصابعه تقبض وتفلت، عيناه تراقبها بدهشة وصراع. لأول مرة منذ زمن طويل، وجد أن ميلا لم تعد الفتاة الضعيفة التي عمل علي قتل روحها وعادت قطه شرسه كما عاهدها من قبل بل امرأة قررت أن تواجهه بل وتتحداه.


ارتجف قلبه رغم قسوته، لم يحتمل مجرد فكرة أن تتركه بعدما نعم بعناقها أمس ، وأن تخرج من حياته بلا رجعة. عيناه احمرتا كجمر مشتعل، وفي لحظة فقد فيها زمام عقله، مدّ يده يقبض على عنقها بقوة.. فأردف بغضب وهو يقبض علي رقبتها بغضب .


يمان : إبقي خطي خطوه واحده بس بره الجناح من غير إذني يابت سعد  علشان أكسر رجليكي وأخليكي أسيره الجناح بصحيح لآخر عمرك .


حاولت أن تدفع يده، عيناها الزرقاوان الواسعتان امتلأتا بالدموع والاختناق، لكنها رغم ضعف أنفاسها لم تطلب الرحمه أو الابتعاد .


ارتخت أصابعه تدريجيًا مع رؤيته الدموع في عينيها، ومع ارتجاف جسدها بين يديه. صمت لبرهة، كأنما أدرك هول ما يفعل، لكنه لم يُفلتها تمامًا، بل بقيت قبضته مترددة بين العناد والخوف من فقدانها.


ارتجفت أصابعه وأفلتت رقبتها أخيرًا، فتراجعت ميلا وهي تسعل، تضع يدها على عنقها كأنها تحاول استعادة أنفاسها المقطوعة. كان الغضب ما زال يشتعل في عينيه، لكنه لم يستطع أن يواجه نظرتها المليئة بالصدمة والخذلان.


خطا خطوة للوراء، ثم عاد إليها مره أخري ورفع وجهها إليه 


رفعت عينيها الدامعتين تنظر إليه بصمت، وخوف ترى فيه رجلاً لأول مرة ينزع عنه قناع القوة والعناد ويخاف أن يؤلمها. 


اقترب منها بخطوات مضطربة، وعيناه تتشبثان بها كمن غرق ووجد طوق النجاة. مد يده يلمس وجهها المرتجف، ثم فجأة جذبها إليه، التصقت أنفاسه بأنفاسها، وأطبق شفتيه على شفتيها بقبلة متعطشة تحمل كل خوفه وكل وجعه، وكل جنونه بها.


تصلبت ميلا بين ذراعيه، حاولت أن تفلت، تضرب كفيه بضعف، لكنها كانت عاجزة أمام تمسكه بها. شيئًا فشيئًا، تلاشت قسوته، وصارت القبلة أكثر حنانًا، أكثر رجاءً، كأنه يتوسلها أن تبادله شعورًا يطفئ ناره.


ترددت عيناها المغمضتان بين الاستسلام والرفض، قلبها يخونها بدقاته المتسارعة، لكنهــا دفعت صدره بقوة أخيرة، تباعدت عنه وهي تلهث، تمسح دموعها ومكان قبلته بظهر كفها.


ميلا: أوعي تفكر تقرب مني تاني ...إنت فاهم يا حيوان إنت ؟


لم ترَ الصفعة…لكنها سمعتها....قوتها شقت وجنتها كالرصاصة وصوتها هز المكان كادت أن تصم أذنها ...اهتز رأسها جانبًا، ولسعت النار خدّها، وتجمد جسدها للحظة كأن الزمن توقف.


يمان نفسه بدا وكأنه لا يصدق ما فعل فيده ما زالت مرفوعة في الهواء، أصابعه مرتعشة، وعيناه متسعتان بصدمة ممزوجة بغضب أعمى.


أنفاسه كانت متلاحقة، صوته خرج أجشًّا مختلطا بالغضب 


يمان :  ما تسمحيش لنفسك… تنطقي الكلمة دي تاني....حتي مابينك وبين نفسك....إنتي مراتي ...أنا مش ماشي معاكي في الحرام .


وضعت ميلا يدها على خدها ببطء، لا تبكي… لا تصرخ…

نظرت إليه نظرة لم يرَها منها من قبل.


كانت نظرة إنكسار حقيقيه فقالت بهدوء مخيف


ميلا : أنا كنت مفكراك راجل ...بس أنت طلعت أوطي حد عرفته في حياتي ....إنت لو حتي ماشي مع واحده في الحرام هتحترم مشاعرها أكتر من كده ومش هتآخد منها حاجه غصب عنها 

لأول مرة…نظر لها بصدمه لم يجد ما يقوله...كلماتها ألجمت صوته ..فهي محقه بما تقول .


دمعة واحدة خانتها، لكنها مسحتها سريعًا وكأنها ترفض أن يراها ضعيفة أمامه .


شدّ شعره بيده بعنف، صوته خرج مبحوحًا وهو يضرب الحائط بقبضته.


يمان : ما اسمعش صوتك طول ما أنا موجود معاكي في الجناح لحد ما أغور.


التفتت نحوه فجأة، صرخت لأول مرة بعد ماقاله .


ميلا : أنا مش تمثال علشان انفذ كل اللي بتقوله أنا بشر  يا يمان بيه مش حاجة جايبها تفرغ فيها غضبك!


ساد صمت ثقيل.الصمت الذي يأتي بعد الخراب.


تراجع خطوة للخلف، وكأن الصفعة ارتدت إليه هو، وقال بصوت خافت أقرب للاعتراف:


يمان : بصي يابت سعد  أنا… عمري ما ضربت واحده ست. لكن انتي اللي بتجبريني أن أخرج عن طوري وأعمل فيكي كده ....فإسمعي الكلام واخرسي وابعدي عن سكه عفاريتي اللي بتنطط في وشي الساعه دي .


نظرت له بخذلان ثم استدارت ومشيت ببطء…كل خطوة كانت كأنها تسحب قلبه من صدره.


وقف يمان مكانه، ينظر إلى ظهرها يبتعد،وأدرك متأخرًا…

أن يده التي ارتفعت غضبًا قد تكون رفعت معها آخر خيط يربطها به.


ظل واقفًا يحدق بها، أنفاسه متلاحقة، وملامحه متكسرة بين الكبرياء والانكسار. أما هي فجلست بعيدا  عنه، ترتجف كمن خاض معركة مع قلبها ذاته، تأبى أن تمنحه ضعفها مهما اشتاقت روحها إليه.


تراجع يمان خطوتين للخلف، عندما ذهب تجاهها ليأخذ حافظه نقوده فظنت انه سيلمسها مره أخري فدفعته بعيدا عنها ...كأن دفعتها وحديثها كسرت شيئًا داخله لم يتوقع أن يُكسر يومًا. عيناه المشتعلتان بالعناد انطفأتا للحظة، لكن سرعان ما غطّى جرحه بغلاف من القسوة. ابتسم ابتسامة ساخرة، كأنها سيف يطعن به قلبه قبل قلبها، وقال بصوت متهدّج رغم محاولته السيطرة علي حاله .


يمان : أوعي تكوني فكره إن اللي حصل بينا ده ممكن يغير أي حاجه ...إنتي مراتي ومن حقي عليكي كزوجة أني أعمل كده في أي وقت ومن غير إستئذان .


اقترب منها مرة أخرى، فإنكمشت علي نفسها ...عندما رأي إرتعاشه جسدها لم يلمسها هذه المرة، بل اكتفى بأن يطوّقها بنظرته الحادة، نظرة تختلط فيها الغيرة بالخذلان. رفع يده للحظة، كأنه على وشك أن يلمسها، لكنه أنزلها فجأة، ثم استدار بعنف، وضرب بقبضته الحائط حتى سال الدم من يده.


التفت إليها بعينين تلمعان بالجنون المكبوت ودخل الحمام ثم احضر حقيبه الاسعافات جلس يمان قبالتهابالهدوء الذي يسبق العاصفة يلف المكان،وعينا يمان معلّقتان بجرحٍ صغير في شفتيها… شعر انه يؤلمها أكثر مما تُظهر.مدّ يده بالقطن والمطهر ثم اقترب.


تراجعت برأسها بعناد

ميلا : ابعد ايدك … متلمسنيش.


رفع حاجبه بينما صوته أصبح منخفض لكنه آمر


يمان :ما اسمعش صوتك اقعدي. الجرح ده لازم يتعقم



رفضت وهي تشيح بوجهها، كأنها تحتمي بكبريائها.


تقدم خطوة، أمسك ذقنها برفقٍ قاسٍ،أجبرها أن تنظر إليه.


يمان : إتهدي بقا ... أنا مش همشي غير لما أعقمه. 


ارتعشت،ليس خوفًا…بل من قربه.


استسلمت أخيرًا،وعيناها ثابتتان في عينيه،

نظرات صامته تحاول أن تخفي ارتباكًا عاشقًا.


لامس القطن شفتيها،فتنهدت دون قصد...همس، وهو يركز في الجرح


يمان : بتوجعك؟


توقف للحظة،نظر إليها،ثم أكمل دون أن يسمع منها تعليق.


يمان :شويه ومش هتحسي بحاجه .


حين انتهى،ابتعد قليلًا…لكن يدها تحركت فجأة،أمسكت بذراعه.


نظر إليها بدهشة خفيفة.


يمان : في ايه ؟



سحبت يده دون حديث رأت الجرح في مفاصل أصابعه نظرة لومٍ صامتة مرّت بعينيها.


ميلا : ليه بتعمل في نفسك كده ليه؟

قالتها وهي تضع المطهر بحذر.


راقبها يمان،تلك التي ترفضه بالكلمات وتحتضنه بالأفعال


رفعت عينيها إليه،وجدته يتأمل تفاصيلها شاردا في جمال وجهها وعندما نظرت إليه غاص في محيط زرقاواتها. 


نظرت للأسفل خجله من نظراته الثاقبه التفصيليه لحين أنهت تضميد يده،ثم تركتها ببطء،وكأنها تخشى أن تطيل اللمس.


ساد الصمت،صمتٌ مليء بأشياء لم تُقَل...لكنه أردف وهو خارجا بعدما عاد الي جموده 



يمان : ماتنسيش حدودك الأوضه دي ...بعد الأوضه دي هيبقي ليا معاكي تصرف تاني مش هتحبيه .ولا هيعجبك .


تركها تراقبه وهي ترتجف من شدة كلماته ونظراته ونبرته، بينما هو ارتدي ملابس أخري غير المبقعه بالدماء و خرج من الغرفة بخطوات ثقيلة، يحمل جرحه كمن فقد السيطرة على نفسه، لكنه يصرّ أن يُظهر عكس ذلك.


انفجرت دموع ميلا ما إن أغلق يمان الباب خلفه... وكأنها كانت تحبس تنهيدة عمرها كله... جلست على الأرض وكتفيها يهتزان بعنف، وجهها بين يديها.. تختنق بأنفاسها وحيده بين جدران الجناح السوداء.


الرهبة من قبضته ما زالت تخنق عنقها، وحرارة غضبه تطاردها حتى بعد رحيله. قلبها يصرخ بين الخوف والخذلان 

لم تغفر له لمساته او نظره الشفقه التي لامستها في عيونه ...فظل سؤال واحد فقط يتردد في عقلها إلى متى ستظل أسيرة في دوامة هذا الرجل؟


تعلّقت عيناها بالجدار المقابل، تنظر دون أن ترى، تحاول أن تجد مخرجاً، طوق نجاة، لكن ما وجدته فقط هو غصة تفتك بها وبكاء ينهش صدرها حتى كاد أن يُمزّقها.


هبط يمان الدرج بخطواتٍ ثابتة، ونظراته مشتعلة بالغيظ المكتوم من الذي حدث قبل قليل لكنه كعادته لم يسمح لمشاعره أن تُفضَح أمام أحد وقف في منتصف الصالة ورفع صوته الحاد فتجمّع الخدم والدادة فاطمة وحنان مربية يزيد على عجل.


أشار بيده نحو الجناح الخاص بهم وقال بلهجةٍ آمرة


يمان : أنتم طبعا عارفين إننا كنا في شهر العسل ومن النهاردة مدام ميلا هي ست البيت... أوامِرها هنا زي أوامري بالظبط ، وكل كلمة تقولها تتنفذ من غير نقاش. واللي هيقصّر أو هتشتكي منه مالوش عندي مكان هنا .


تبادلت الدادة فاطمة والمربية نظرات متفاجئة، ثم انحنت فاطمة بإجلال


فاطمه : حاضر يا بيه، أوامر حضرتك.


أكمل يمان وهو يثبت عينيه على مربية يزيد تحديدًا، ونبرته أكثر حدّة


يمان : تخلي بالك من تصرفاتك معاها وإنتي هنا مهمتك يزيد وبس .


أطرقت المربية برأسها، وابتلعت ريقها بخوف


حنان : حاضر يا يمان بيه .


يزن ورؤوف اللذان كانا يتابعان المشهد بذهول، لم يستطعا أن يخفوا سعادتهم ..شعروا أن يمان يحاول أن يعوضها بطريقته، يعلن مكانتها أمام الجميع، لكن داخله ما زال يموج بالتناقضات التي لا يعلمها أحد غيره ....أخذا يتهاماسا الي أن 

نظر لهم يمان وأردف بغضب .


يمان : أنت إيه اللي رجعك هنا تاني ؟


ركض خلف رؤوف يحتمي به واردف بعبث 


يزن : خفت علي البنيه منك بصراحه .


ألقاه يمان بإحدي التحف الثمينه ليجري أمامه وهو يضحك بصخب بينما هو  وصرخ بهم 


يمان :مستنين إيه ...إدامي علي الشركه ...ولو ناوين تأجزوا النهارده في يومكم اللي مش فايت ده ؟


انطلق الي السياره وتبعاه دون حديث بعدما شعروا بالدخان يتصاعد من أذنه  وأنفه .


انتظر الصغير رحيل والده وبعدما رحل دخل يزيد بخطوات صغيرة إلى الجناح، عينيه البريئتين تلمحان دموع ميلا المنهمرة علي وجنتيها .. اقترب منها بهدوء وجلس بجوارها على الأرض مدّ يده بلوح شوكولاتة كان يخبئه خلف ظهره.


وقال بصوت خافت لكنه مليء بالبراءة


يزيد : ما تعيطيش يا ميلا وخدي الشيكولا دي ..أنا يزن بيجيبهالي لما بابا بيزعقلي وبيقولي الزعل بيروح علطول لما بآكلها ... 


رفعت رأسها بصعوبة ونظرت إلى لوح الشيوكولاتة ثم إلى ملامحه التي لا تشبه والده قط ولكنها مليئه ببراءة الأطفال .


ميلا : وإنت لما بتآكلها الزعل بيروح؟ 


تابع يزيد وهو يحاول أن يمسح دموعها بيده الصغيرة


يزيد : بصراحه لا ...الزعل مش بيروح خالص علشان بابا بيزعقلي كل يوم فالزعل مش بيلحق يروح .


انكسرت ابتسامة باهتة على شفتي ميلا لا تعلم هل تبكي علي حالها أم علي حال هذا الطفل الصغير و من طريقتة الطفولية التي يحاول أن يواسيها بها أم تبكي أكثر لأنها وجدت في ابنه ما تفتقده في أبيه.


اقتربت ميلا أكثر من يزيد، أخذت لوح الشوكولاتة من يده ثم وضعته برفق على الطاولة. مدت ذراعيها إليه فجذبته نحوها بعاطفة جارفة، ضمته إلى صدرها وكأنها وجدت فيه الأمان الذي فقدته.


غرقت في دموعها وهي تهمس


ميلا : إنتَ مش عارف قد إيه وجودك معايا بيريّحني يا زيزو ... إنتَ الطوق الوحيد اللي هيهون وجودي هنا مع يمان الزفت ده .


رفع الصغير رأسه إليها، ابتسم بعفوية ومسح دموعها بيديه الصغيرتين وقال

يزيد : ما تعيطيش يا ميلا... أنا هنا معاكي ... ويزن هيحمينا من سكار الشرير (الشرير في فيلم lion King )


قهقهت ميلا من بين دموعها ثم حملته و جلست علي  الأريكة تحاول أن تخفي ابتسامتها، لكن لم تتمالك نفسها حين سمعت يزيد يضحك وهو يردد بحماس


يزيد : أنا ويزن مسمين بابا سكار الشرير ..علشان هو شرير و بيزعق كتير ....بس أوعي تقوليله علشان مايعاقبنيش أنا وهو 


ازدادت ضحكاتها ، لكن هذه المرة كان في داخلها مزيج غريب من الألم والدفء، كأنها وجدت في هذا الطفل الخليل الحقيقي الذي لم تتوقع أن تجده داخل هذه الحوائط البارده .


❈-❈-❈


في النجع وفي بهو البيت الريفي الكبير لعائله العماريه كانت زينب تجلس متوترة، تحاول أن تستوعب ما يحدث حولها وخاصه أن الخيوط بدأت تنفلت من بين يدها وخاصه بعدما علمت بعودة يمان وميلا المبكرة من شهر العسل المزعوم .


امسكت هاتفها وضغطت علي أسم مربية يزيد، تلك السيدة الغادره التي طالما اعتادت أن تراعي الصغير وتخيفه وتعرف أدق تفاصيل فيلا أولاد الفهد وتنقلها لها .


أجابتها حنان بصوت منخفض فيه حذر .


حنان : إزيك يا ست الناس 


ردت زينب بكل غرور 


زينب :إيه آخر الأخبار عنديكي؟ 


لكنها لم تستطع أن تخفي دهشتها عندما أخبرتها حنان 


حنان : البيه رجع إمبارح بدري من شهر العسل ومعاه بت الخوجايه ...في الأول كان باين عليهم انهم متخانقين وبعدين جمع كل الشغالين في الفيلا وامرنا إننا ننفذ أوامرها وطلباتها وإن  هي اللي بقت ست البيت دلوقتي وأوامرها من اوامره ... وإن اي كلمه تقولها لازم تتنفذ من غير نقاش حتي مانرجعلوش فيها .


شهقت زينب وإتسعت عيناها وكأن صاعقة ضربتها، وانتصبت واقفة وهي تلطم خدها 


زينب : إيه؟ قال إكده ليكوا ؟ انتي متوكده؟ من اللي بتقوليه ده .


أومأت المربية برأسها بهدوء وتحدثت وهي تقسم ان هذا حدث وكأنها تخشى رده الفعل منها .


حنا : أيوه... والله يا ست زينب ده حتى وصاني أخلي بالي من يزيد بيه وأخليه ما يتعبهاش. 


ضغطت زينب على يديها بعصبية، أظافرها تكاد تنغرس في كفها، والغيرة تتقد في عينيهالم تسمع أكثر منها إذ كان الغليان يملأ صدرها ويتحكم بها وعقلها يخطط كيف يتخلص منها حتي تغلق صفحه الماضي للأبد .

في ذلك اليوم ، كان قلب زينب قد حسم أمره قبل عقلها.

استدعت إحدي رجالها وأرسلته ل حنان 


زينب : الدوا اللي الراجل عطهولك ده يتحط في أكل بت الخوجايه … تلات أيام ورا بعض وماتخليش حد يآخد باله .


ارتجفت حنان واردفت بخوف


حنان : بس يا ست الناس … ده خطر.


حدّقت زينب فيها ببرود قاتل


زينب : الخطر الحقيقي إن بت الخوجايه تفضل عنديكي وتكشف المستور اللي اني وإنتي دفنينه سوا .


ارتبكت حنان وهي تستفهم منها عما سيحدث بعد ذلك

 

حنان : ماشي يا ست الناس بس بعد التلات أيام دول إيه اللي هيحصل 


زينب : اليوم الرابع هيحصلها نزيف ..هتروحي وياها للأسبتاليه إياها والدكتوره إهناك هتتعامل وياها ...وتشيلها الرحم وتخلصنا من هم عيال بت الخوجايه للأبد ....نفذي يا حنان بسرعه قبل ما تقع الفاس في الرأس ونلاقيها حبله 


ارتجفت يدا حنان حينما أغلقت الهاتف زينب في وجهها ....وانصرفت بيد مرتعش وهي ليس بيدها حيله غير التنفيذ .



أمسكت زينب الهاتف وهاتفت محمود مساعد يمان للمرة التي لا تعلم عددها ولكنه كالعاده لايرد .


❈-❈-❈


في إحدي الشقق الصغيره بالأماكن المتطرفة من القاهره كانت كانت ليل تنام على صدر محمود ، شعرها مسدول على كتفيه عيناها تلمعان بالفضول والقلق لرفض محمود البوح بأي سر من أسرار يمان ...


قالت بنبرة نافدة الصبر 


ليل :محمود إنت عارف إننا خرجنا في الطريق ده سوا ... فبلاش لف ودوران، أنا عايزة أعرف حصل إيه مع يمان والبت الصفرا دي ... وإزاي زينب سمحت لهم انهم يتجوزوا ؟وما وقفتش الجوازة دي .


ابتسم بخبث وهو يضع الهاتف علي الوضع الصامت لكثرة رنينه من زينب .


محمود : أنا لازم أغير الرقم ده هي الست زينب دي ايه ما بتزهقش؟


ليل : إنت بتوه يا محمود ؟وخلاص بقا ولائك ليمان 

نظر لها محمود بنفاذ صبر وأردف بخبث 


محمود : اللي حصل هناك كان زلزال يا ليل... يمان  بيه إتجوز  ميلا هانم رسمي... قدام الكل... والعيلتين باركوا وهنوا...يبقي نطلع إحنا منها ونخلي مراكبنا سايره ...زي ماهيه ...إنتي عارفه يمان الفهد نابه أزرق وإحنا مش أده.


انكمشت ملامح ليل، وأمسكت بكأس الماء أمامها، تديره بين أصابعها المرتعشه ببطء


ليل : هانم وهي بنت الكلب دي خلاص بقت هانم 


زم محمود شفتيه وأخذ يرتدي ملابسه علي عجل عندما رأي هاتفه يهتز بإسم يمان بيه .


محمود : طبعا هانم وست الهوانم كمان إنتي عارفه ورثها اللي زينب بنت الغدارة دي حاطه ايديها عليه يطلع كام .


اقترب محمود منها قليلًا، وصوته صار أكثر جدية


محمود : فلوس مالهاش عدد يمكن اكتر من فلوس يمان بيه بذات نفسه .


ابتسمت ليل وهي تردف بخبث


ليل : يعني ممكن  نلاعب زينب ونآخد منها اللي إحنا عاوزينه.


نظر لها بإستهزاء 


محمود : نصيحه مني ليكي ..ابعدي عن زينب دي نابها أزرق ...ما عرفتش تقتل أخوها فقتلت إبن أخوها وكوشت  علي كل حاجه في كرشها ولبستها لولاد الفهد ...ووقعت العيلتين في بعض زي مانتي شايفه ...يعني تقتل القتيل وتمشي في جنازته.


نظرت له بإهتمام 


ليل : تقصد أن هي اللي قتلت ابو ميلا .

لملم محمود اشيائه واستعد الخروج قائلا

محمود : ومش بعيد تكون هي اللي موتت الست سهر مرات يمان علشان تحبكها علي النجع .


ابتسمت ليل بخبث وهي ترسم خطتها كيف ستحاول أن تبتز زينب وكيف ستتقرب من يمان مرة أخري لتزف إليه هذه البشري وتنال رضاه مجددا .


دخلت داليدا بهدوء، كأنها تخشى أن ينهار المكان إن أصدرت صوتًا أعلى من اللازم.

كانت تحمل حقيبة صغيرة… بها أشياء ميلا التي نُقلت على عجل، كأن صاحبتها لم تكن تنوي الرحيل أصلًا.


رفعت ميلا رأسها ببطء.ووجه شاحب و عينان منتفختان ووجنه ما زالت تحمل أثر وجع لم يُشفَ بعد.


ما إن وقعت عينا داليدا عليها حتى توقفت مكانها.

سقطت الحقيبة من يدها دون أن تشعر.


اقتربت خطوة… ثم ركضت اليها ، وصوتها خرج مكسورًا


داليدا ا : في ايه يا ميلا… إيه اللي حصلك؟


لم تجبها ميلا. كل ما فعلته أنها مدت يدها، كأنها تتشبث بطوق نجاتها .


لم تحتمل داليدا هي الاخري ارتمت عليها وضمّتها بقوة، وكأنها تحاول أن تحميها من العالم كله.


انهارت ميلا في حضنها ببكاء مكتوم، ثم شهقات متتابعة، ثم صوت طفل مكسور فقد الأمان.


ميلا :  تعبت…قالتها ميلا بصوت يكاد أن يُسمع. تعبت قوي.


شدّت داليدا عليها أكثر، ودموعها تسيل بلا خجل


داليدا : وأنا كمان…إحنا الاتنين تعبانين إحنا  ما نستهالش اللي بيحصل لنا ده.


رفعت ميلا وجهها قليلًا، نظرت إليها بعينين غارقتين


ميلا : اتجوزني علشان ينتقم لمراته يا داليدا طلع قاسي اوي ؟


هزّت داليدا رأسها بعدم تصديق وهي تبكي .


أخذتها من يدها وجلست بجانبها على طرف السرير، كتف بكتف ..لا نصائح،لا وعود،فقط بكاء صادق على قلبين أُنهكهما الألم 


همست داليدا وهي تمسح دموع ميلا مهما حصل…


داليدا : إهدي يا حبيبتي أنا جنبك.حتى لو الدنيا كلها ضدك.


أغمضت ميلا عينيها، وأسندت رأسها على كتفها

ميلا : وجودك لوحده…مخليني لسه واقفة علي حيلي يا داليدا أنا خلاص مابقاش ليا حد .


وبين صمت الغرفة،كان بكاؤهما أشبه بنواح خافت على أحلام تشققت،ونساء حاولن النجاة…فدفعن الثمن غاليًا.


وبعد كثير من البكاء والنواح، هدأت الأنفاس قليلًا…

كأن الدموع فرغت ما تبقى من الوجع، أو لعل القلب تعب من الصراخ والألم 


قامت داليدا ببطء، مسحت وجهها بظهر يدها، ثم نظرت إلى ميلا نظرة حاسمة رغم الاحمرار في عينيها.كانت تلك النظرة التي تعرفها ميلا جيدًا…

نظرة الصديقة التي قررت أن تتحدث ، مهما كان الحديث  مؤلمًا.


قالت داليدا بصوت مبحوح لكنه ثابت


داليدا : ميلا… اسمعيني كويس، المرة دي مش هينفع أسيبك لدموعك ولقرفك اللي انتي دافنه نفسك فيه ده .


رفعت ميلا عينيها إليها، بلا مقاومة، بلا طاقة.بلا حياه ..وبلا روح 


جلست داليدا أمامها، وأمسكت يديها بين كفيها بقوة


داليدا : اللي حصل ده مش عادي…ولا ينفع يعدّي كده.

الضرب، والإهانة، والتهديد ..ده غير اللي عمله معاكي قبل كده يوم جوازكم في الصعيد ...يمان ده مش سوي  ده خطر...وممكن يأذيكي .


ارتجفت ميلا، وهمست 


داليدا : هو عصبي وأنا بقف قصاده وبرد عليه الكلمه بكلمتها علشان ما يقربليش. 


قاطعَتها داليدا بانفعال مكتوم

داليدا :  يا ميلا.اللي يمد إيده مرة، يمدها تاني واللي يشوفك ضعيفة كده ، هيكسرِك أكتر.


صمتت لحظة، ثم أضافت بوجع


داليدا : أنتي  سكتّي  على نفسك كتير…وسكوت عودك  علي  الوجع ...والوجع لما نسكته، بيكبر.


انسحبت دمعة جديدة من عين ميلا:


ميلا :  وأنا أعمل إيه؟مانتي شايفه اللي أنا فيه .أنا محاصَرة…ما بين خالي، وأخويا ..والطار ، والتهديدات…والانتقام .


مالت داليدا نحوها، وجعلت جبينها يلامس جبينها


داليدا : تعملي اللي يحميك يا هبله ...تحكّمي عقلك  قبل ما المخفي ده ما يأذيكي .إنتِ مش ضعيفة…إنتِ بس محتاجة تختاري نفسك.


ابتلعت ميلا ريقها، وصوتها خرج مكسورًا

ميلا : إزاي ؟ بس انتي مش شايفه اللي أنا فيه ده ..محرج عليا ما أخرجش بره الجناح .


ابتسمت داليدا وسط دموعها، ابتسامة موجوعة لكن صادقة


داليدا : يمان بيحبك انا شفت حبك في عينه يوم ما كنا في المستشفي واللهفه اللي كان عاوز يطمنك عليكي بيها كانت بتقول إن اللي بيحركه واللي بيعمله فيكي ده حاجه أكبر من الحب .


شدّت ميلا يدها، وكأنها تتعلق بطوق   النجاة

ميلا : مانا قلتلك انه بينتقم مني علشان الحادثه اللي بابا موت فيها مراته .


أجابت داليدا دون تردد


– لا ...حاجه غير كده خالص وهنكتشفها مع الوقت ودلوقتي 

ركزي معايا وحياه أبوكي وسيبك من موضوع الانتقام ده

 

اقتربت داليدا من ميلا أكثر، وأصبحت نبرتها هذه المرة لم تكن باكية ولا منكسرة بل كانت حازمة… حامية… كأنها تضع لها درعًا.


قالت وهي تمسح دموع ميلا بإبهامها.


داليدا :  بصّيلي يا ميلا.أوعى تسيبي نفسك للحزن.أوعى تخلي حد يشمت فيكِي ، ولا حتى بنظرة واحده .


تنفست بعمق، ثم أضافت بصوت أخفض لكنه أشد قسوة


داليدا : وخلّي بالك…يمان ممكن يكون دلوقتي مع ليل السكرتيره القذره بتاعته ،وانتي هنا محبوسة في القصر،

وهو عايش حياته وبيضحك وبيعمل اللي على مزاجه.


ارتعشت شفتا ميلا، لكن داليدا شدّت على يدها


ميلا :  إياكي … إياكي يشوفك مكسوره كده... اللي زي يمان بيغذّيه ضعفك بيستقوى لما يشوفك منهارة.


رفعت ميلا رأسها ببطء، نظرتها كانت مكسورة لكنها بدأت تستفيق.


تابعت داليدا بإصرار


داليدا : اهتمي بنفسك زي ما كنتِ دايمًا.شعرك، هدومك، ضحكتك…افتكري إنك ميلا اللي الكل كان يبصلها بإعجاب..وبيتمني نظره منها .


ثم قالت جملتها الأخيرة وكأنها سلاحها الفتاك 


داليدا :  ولما ييجي…تتجاهليه.ولا كلمة زيادة، ولا دمعة.

خليه يحس إنك مش سجينة حزنه،ولا لعبة في إيده.


همست ميلا بصوت ضعيف


ميلا : والتجاهل ده هيوجعه؟


ابتسمت داليدا ابتسامة خفيفة، وعيونها تلمع بتحدٍ لأنها تتخذه سلاحا هذه الأيام هي الأخري .


داليدا : أكتر من أي صريخ أو تحدي من اللي بتعمليهم أدامه 

..يا بنتي التجاهل ده بيجنّن اللي فاكر نفسه مركز الكون.


شدّت ميلا نفسها، وكأن كلمات داليدا بدأت تُعيد ترتيب شظايا قلبها المحطم .


ميلا :  هحاول…علشان نفسي، مش علشانه.


ربّتت داليدا على كتفها بحنان


ميلا :  بالظبط.خليكي قوية…مش علشان تنتصري عليه،

علشان ما يخسركيش نفسك.


عملت ميلا بنصيحه صديقتها فإختارت ثوب نومٍ هادئ اللون، ناعم القماش، أنثوي دون ابتذال…

ذلك النوع الذي لا يصرخ بالإغواء، بل يهمس بالثقة.


دخلت الحمّام، أغلقت الباب خلفها،وتركت الماء الدافئ ينساب على كتفيها كأنه يغسل عنها ثِقل الأيام الماضية.

أغمضت عينيها،و تنفست بعمق،وحين خرجت… لم تكن فقط أنظف جسدًا،بل أهدأ روحًا.


عادت إلى الغرفة حيث كانت داليدا تنتظرها،وما إن وقعت عيناها عليها حتى صفّرت ضاحكة وقالت بالعامية


داليدا : يا لهوي! إيه الجمال ده؟ ايوه كده يا بت إيف .


ابتسمت ميلا بخجل خفيف، ذلك الخجل الذي زادها سحرًا


ميلا : بلاش هزار يا داليدا…هو أنا كنت معفنه اوي كده .


سحبتها داليدا من يدها بحماس


داليدا : ده انتي ريحتك كانت قربت تفوح ....تعالي هنا… قدّام المراية كده ورشي البرفان بتاعك


أجلستها على المقعد،وأمسكت بالمشط، تمرره في شعرها برفقٍ شديد،كأنها لا تُمشّط شعرًا بل تُرتّب أفكارًا مبعثرة.


قالت وهي تعمل بهدوء


داليدا : شعرك ده لوحده حكاية…هيجننه وهيخليه مش علي بعضه ، .رفعت خصلاته، تركته ينسدل بطبيعته،ثم أخرجت أدوات التجميل ، ووضعت  لها لمسات خفيفة..وقليل من الضوء على الوجنتين ولون شفاه وردي  هادئ،وعينان بقيتا كما هما…صادقتين، حزينتين، ولكنهما جميلتين.


نظرت ميلا لانعكاسها في المرآة،وتفاجأت…لم ترَ امرأةمكسورة،بل امرأة بدأت تتعافى.


همست وهي تنظر لداليدا في المرآه 


ميلا : يااااه ده انا كنت قربت أنسي شكلي .


ابتسمت داليدا من خلفها، توضعت يديها على كتفيها وقالت بثقة


داليدا :  أيوه…هي دي ميلا اللي لازم تفتكريها.مش علشان حد،علشان نفسك يا حبيبتي .

تنفست ميلا بعمق،وللمرة الأولى منذ وقت طويل…

شعرت أنها قادرة على الوقوف أمام هذا الطاغيه .


غادرت داليدا الغرفة،تاركًة خلفها صمتًا مختلفًا…صمتًا لم يعد بكاء ..بل بداية صمود.


في مكتبه الزجاجي الواسع، جلس يمان خلف مكتبه الفخم،

الملفات مكدّسة، الأرقام أمامه، الهاتف يرنّ…

لكن عقله كان في مكانٍ آخر.


عيناه معلّقتان بنقطةٍ ما في الفراغ،ووجه ميلا يتسلّل إلى أفكاره دون استئذان...نظرتها...صمتها...دمعتها التي حاولت إخفاءها…وتلك الكلمة التي جرحت كبرياؤه  أكثر مما اعترف به..."حيوان"


دخل رؤوف أولًا، تبادلا نظرة سريعة،ثم لحقه يزن وهو يقول بنبرة عملية


رؤوف :  يمان، في اجتماع كمان نص ساعة، ولازم توقّع العقود دي النهارده.


لم يرد.ظل ساكنًا، كأن الكلمات لم تصله...اقترب رؤوف خطوة وقال بقلق


رؤوف : يمان؟


رفع عينيه ببطء، بنظرة شاردة، ثم عاد ينظر أمامه دون تعليق.


تنهد يزن بضيق، وقال بمزاحه المعتاد 


يزن :  إيه يا كبير ؟ مالك اليوم كله كده ...ولا كلمة… ولا رد...وأكمل بعبث ...ولا يكونش وحشك نصك الحلو ؟


نهض يمان فجأة،دفعة بعيد ، وكأنه ذكره بها الأن فقط ..وكأن قرارًا حُسم داخله.


أغلق الملف بعنف خفيف،التقط مفاتيحه ثم سترته ثم هاتفه.


وقال لهم ببرودٍ مقتضب


يمان : ابقوا بلغوني  وصلتوا لايه في التليفون .


تبادل يزن ورؤوف النظرات بدهشة.


قال رؤوف بعبث وهو يغمز ليزن 


رؤوف :رايح فين؟


توقف يمان عند الباب، والتفت لهم بذات العبث والمزاح 


يمان : عريس ..هكون رايح فين يعني ؟


فتح الباب وخرج،وترك خلفه يزن ورؤوف في حيره من أمرهم علي حالته التي لا يفهمونها .


أما يزن، فهزّ رأسه وقال بصوتٍ خافت


يزن:  باين كده يمان الفهد طب ولا حد سمي عليه زي ما قلتلي كده يا أوفه. 


رؤوف : طب أدامي ياخويا علشان نشوف الاجتماع اللي اتدبسنا فيه من تحت رآس أخوك ...وبدل ما تفكر فيه فكر هنوصل فيه لحد فين .


أشار له يزن 

يزن : هآجي وراك هعمل مكالمه سريعه وأحصلك .


خرجت داليدا من فيلا الفهد  بخطواتٍ هادئة،الهواء يلامس وجهها كأنّه يخفف عنها ثقل الأيام.رنّ هاتفها، وحين رأت اسم يزن، ارتسمت على شفتيها ابتسامة صادقة،تلك الابتسامة التي لا تأتي إلا مع صديق نقي مثله .


داليدا :  أيوه يا يزن بيه …

قالتها بعفوية، وهي تتابع سيرها في الشارع دون انتباه.


كان صوته مطمئنًا فاردف سأئلا


يزن : مقلنا بلاش بيه دي ....خليها يزن بس 


ضحكت داليدا 

داليدا : لا خليها بشمهندس ...ايه هير يا هندسه 


ضحك هو الاخر علي الناحيه الأخري 


يزن : ..ها طمنيني… ميلا عاملة إيه دلوقتي؟


تنهدت بخفة، ثم قالت 


داليدا : تعبانة… بس أحسن شوية. حاولت أضحكها،

بس اللي اتكسر جواها مش سهل يتصلّح...أخوك كاسر نفسها أوي....ربنا يكسر نفسه .


ضحك يزن ضحكة خفيفة ليخفف الجو ويلطفه 


يزن : بت انتي ماتدعيش علي أخويا ...وبعدين ما طول ما إنتي جنبها، هتعدي...أنا متأكد إنك  دايمًا بتعرفي تشيلي عنها وتهوني عليها ...أمال أنا كلمتك ليه ؟


ابتسامتها اتسعت، وضحكت ضحكة صغيرة،لم تعلم أن هذه الضحكة…كانت تُشعل نارًا في صدر رجلٍ آخر.


على بُعد أمتار،كانت سيارة آدم تسير ببطء خلفها.

عيناه لا تتركانها،يراقب حركاتها، وابتسامتها، وضحكتها وهي تتحدث في الهاتف…وكأن كل ثانية تمر، تزيده جنونًا.


ضغط على الفرامل فجأة،وتوقفت السيارة أمامها، قاطعة طريقها.


رفعت رأسها مصدومة،وقبل أن تنطق، فتح الباب وقال بحدة


آدم :  اركبي. دلوقتي.


نظرت إليه ببرودٍ جريح


داليدا :  مش راكبة. وسّع من طريقي..وشوف انت رايح فين .


لم ينتظر.

مد يده، جذبها من ذراعها بعنف،وأدخلها السيارة رغماً عنها، ثم أغلق الباب بقوة.


انطلقت السيارة،والصمت بينهما كان أثقل من الصراخ.


قال وهو يكتم غضبه


آدم :  كنتي بتكلمي مين؟


نظرت أمامها، ملامحها جامدة،ولم تنطق.


اشتعل صوته


آدم : بسألك! كنتي بتكلمي مين يا داليدا ؟!


ظلّت صامتة…صمتها كان استفزازًا مباشرًا.


مد يده فجأة،انتزع الهاتف من يدها بقسوة.


قالت أخيرًا بصوت منخفض لكنه حاد


داليدا :  هات التليفون ما لكش دعوة.


نظر إلى الشاشة ورأى الاسم…يزن.


تصلبت ملامحه،وعيناه اشتعلتا بغضبٍ أعمى.


آدم : آه يا بن ..... يزن؟!قالها وكأن الاسم إهانة.


وقبل أن تستوعب ما يحدث،رفع الهاتف وضربه بقوة على المقود،ثم أعاد الكرة…حتى تحطم بين يديه.


شهقت داليدا،لكنها لم تصرخ...فأمسك بيدها بغضبٍ متصاعد


آدم  : انتي فاكرة نفسك إيه؟فاكرة إنك حرة تكلمي اللي إنتي عايزاه؟!وتروحي وتيجي زي مانتي عاوزة ولا إيه داليدا .


كانت تنظر أمامها،دمعة حارقة تجمّعت في عينيها…لكنها لم تسقط...لم تنطق ببنت شفة...وهذا الصمت كان أكثر ما أفقد آدم سيطرته.


انحرفت السيارة فجأة عن الطريق الرئيسي،لم تعد داليدا ترى الشوارع التي تعرفها،كل شيء صار غريبًا… ومخيفًا.


نظرت إليه أخيرًا، بصوتٍ خرج مرتجفًا 


داليدا: إحنا رايحين فين يا آدم ؟


لم ينظر إليها كانت عينيه مثبتتين على الطريق، وفكه مشدود كالصخر.


آدم : رايحين نصحح  الغلط.


اتسعت عيناها، وشعرت بقلبها يهبط إلى قدميها.


داليدا:  غلط إيه؟ إنت اتجننت؟ نزلني هنا يا آدم خليني أروح ؟


أوقف السيارة فجأة أمام مبنى قديم يحمل لافته باهتة، لكنها واضحة…

مكتب مأذون شرعي.


التفت إليها أخيرًابنظرة قاسية، مجروحة، يختلط فيها الغضب بالهزيمة.


آدم :هكتب عليكي دلوقتي وغصب عنك يا داليدا .


يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة هالة زين، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل