رواية جديدة ثنايا الروح لرانيا الخولي - الفصل 46 - جـ 2 - السبت 27/9/2025

 

قراءة رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية ثنايا الروح

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة رانيا الخولي


الفصل السادس والأربعون

الحزء الثاني 

تم النشر السبت  

27/9/2025


شكر وهدان الطبيب الذي انصرف ليرتاح، وعاد الصمت ليخيم عليهم مرة أخرى، لكنه كان صمتًا مختلفًا لم يعد صمت الترقب بل صمت العجز والانتظار المرير، انتظار معجزة من السماء تعيد إليهم من يرقدون خلف الأبواب المغلقة 


دلفت ونس وشروق للردهة فتجد الجميع أمامها وجوههم لا تبشر مطلقاً 

اوقفت الطبيب الذي تركهم فأسرعت إليه برجاء

_طمني يا دكتور على ابني ومراته.

وجد الطبيب نفسه محاصرًا بين يدي أم مكلومة نظر إليها بأسف وحاول أن يجمع شتات كلماته ليعيدها مرة أخرى


_ يا امي اهدي أرجوكي أنا لسه جايلهم دلوجتي.

لكن ونس لم تسمعه

_ قايلهم إيه أنا أمه أنا اللي لازم أعرف ابني فين وديني أشوفه حالًا.

وهنا تدخل وهدان بصوته القوي رغم حزنه محاولًا السيطرة على الموقف


_ اهدي يا ام جاسر الدكتور بيجول إن جاسر خرچ من العمليات وحالته مستقرة بس هو في غيبوبة مينفعش تدخلي عنديه.

سقطت كلمة "غيبوبة" على ونس فسقطت هي على أقرب مقعد وانهارت في بكاء صامت يهز جسدها كله لم تعد تقوى على الوقوف أو الكلام


ساد صمت رهيب في المكان لم يقطعه سوى بكاء ونس المكتوم، وشهقات شروق المصدومة 

وقف الجميع عاجزين أمام هول الكارثة التي لم تفرق بين أحد .

لقد ضربت الجميع في أضعف نقاطهم وتركتهم حطامًا متناثرًا في ردهة مستشفى باردة لا يجمعهم سوى الألم المشترك، وانتظار فجر جديد قد يأتي وقد لا يأتي أبدًا.

لم يتركهم أكمل وظل معهم لحظة بلحظة.


❈-❈-❈


بينما كانت ونس غارقة في حزنها لمحت بحركة بطيئة قدمين تقفان أمامها رفعت رأسها المنهك، لتجد سالم ومالك يقفان أمامها، وعلى وجهيهما حزن عميق وتعاطف صادق. 

لم تكن هناك نظرة عداوة أو شماتة، بل نظرة إنسان لإنسان يشاركه نفس الألم.


انحنى سالم قليلاً وقال بصوتٍ هادئ وحنون

_يا أم چاسر... اهدي يا حاچة اللي بتعمليه في نفسك ده مش هيفيد ادعيله، ربنا كبير.


لكن كلماته كانت كالزيت الذي يُصب على النار انفجرت ونس في البكاء مرة أخرى بصوتٍ مكسور يملؤه اليأس.

_كيف أهدى؟ كيف أهدى وولدي روحه بتطلع بين إيدين الدكاترة؟ مش هرتاح... مش هرتاح غير لما أشوفه بعيني.


أضاف مالك بنبرة محترمة رغم الألم الذي كان يعتصره هو الآخر

_يا حاچة الدكتور جال الساعات اللي چاية صعبة مفيش في إيدينا غير الدعاء.


تدخل سالم مرة أخرى، مقترحاً حلاً عملياً يحمل في طياته لمسة من الرحمة.

_طيب اسمعيني... ادخلي عند نغم في أوضتها ليل وورد چوا معاها اجعدي معاهم، وأول ما يخرج الدكتور ويطمنا على چاسر هنيچي ونخبرك على طول أهوه تبقي چنب نغم تطمنيها وتطمنك.


عند ذكر اسم "نغم" انتفضت ونس وكأنها كانت قد نسيت وجودها في خضم صدمتها بابنها اتسعت عيناها بقلق جديد.

_نغم... هي... هي كيفها؟ چرالها إيه؟


أجاب سالم بحزن

_تعبانة يا حاچة بس الحمد لله حالتها مستقرة هي في أوضة عادية، بس لسة مفاجتش من أثر الحادثة.


في تلك اللحظة شعرت ونس بموجة جديدة من الألم. 

نغم... ابنتها التي لم تلدها الفتاة التي أعادت النور إلى حياتها وحياة ابنها لا يمكن أن تخسرها هي الأخرى.


ساعدتها شروق على النهوض وسندتها وهي تسير بخطوات ثقيلة نحو الغرفة التي أشاروا إليها، فتحت شروق الباب بهدوء ودخلت ونس أولاً.


كان المشهد في الداخل يدمي القلب 

كانت نغم راقدة على السرير شاحبة الوجه وهناك ضمادة صغيرة على جبينها كانت تبدو كزهرة رقيقة قد داستها عاصفة هوجاء. 

ليل وورد تجلسان بجانبها تقرآن القرآن بصوتٍ خافت.


ما إن رأت ونس نغم بذلك الحال حتى شعرت بخنجر آخر يغرس في قلبها لم تعد هذه زوجة ابنها، بل ابنتها بكل ما تحمله الكلمة من معنى هي التي عوضتها عن سنوات الوحدة، هي التي أذابت جليد قلب ابنها وأعادت إليه إنسانيته مستحيل... مستحيل أن تخسرها هي الأخرى.


تقدمت بخطوات مرتعشة وجلست على حافة السرير من الجانب الآخر. 

مدت يدها المرتجفة ومسحت على شعر نغم بحنان أمومي خالص، ثم انحنت وقبلت جبينها قبلة طويلة دافئة.


وبينما هي قريبة منها، سمعت همساً خافتاً يخرج من بين شفتي نغم اللاواعيتين، همساً بالكاد يُسمع لكنه اخترق قلب ونس كالسهم.

_"جاسر..."


هنا، لم تعد ونس قادرة على التحمل انهمرت دموعها مرة أخرى، لكنها هذه المرة كانت دموع حب وألم وأمل. 

انحنت وهمست لها بصوتٍ يرتجف من الوجع

_هيرچعلك يا جلب أمك... هيرچع جاسر جوي، وهيتحدى الموت عشانك.


شعرت ورد بمدى الألم الذي تعانيه ونس فقامت من مكانها واقتربت منها ووضعت يدها على كتفها تربت عليها بحنان.

_اهدي يا أم چاسر... إن شاء الله هيبقوا زينين ربنا مش هيضيع صبرنا.


ثم قالت بنبرة قوية ومليئة بالإيمان، موجهة حديثها للجميع

_تعالوا... تعالوا نتوضى ونصلي كلنا نصلي وندعي بنية شفاهم ونجاتهم. مفيش في إيدنا دلوجت حاجه غير رحمة ربنا.


في تلك الغرفة الصغيرة اجتمع قلب أم وقلب أخت، وقلب زوجة عم، وقلب أم لعدو الأمس، وضرة تراجع حسباتها، اجتمعوا جميعاً تحت راية واحدة: 

راية الدعاء والأمل في انتظار معجزة تعيد إليهم أحباءهم من على حافة الموت.


لكن لم يكن هناك وقت للعداوات أو للدهشة فالخوف كان أكبر من كل شيء.

❈-❈-❈



وقفت شروق عند باب الغرفة، لم تدخل بالكامل كانت تقف على العتبة، لا تنتمي إلى الداخل مع النساء المتوحدات في دعائهن، ولا إلى الخارج في ممر الرجال المليء بالترقب والغضب الصامت كانت في برزخ خاص بها، تشاهد المسرحية المأساوية التي كتب فصولها والدها بدم بارد.


من زاوية رؤيتها كانت ترى كل شيء ترى زوجة عمها ونس منهارة تحتضن يد نغم فاقدة الوعي، وكأنهما أم وابنتها يواجهان نفس المصير. 

ترى والدة نغم وعمتها التي لم تعرفها يواسيان أم عدو الأمس.

ترى رجال أبيها ورجال الرفاعي يقفون على طرفي نقيض في الممر، لكن الحزن والخوف كان قاسماً مشتركاً على وجوههم جميعاً إلا والدها حزنه في فشل مهمته.


وفجأة ضربها السؤال بقوة لم تعهدها من قبل.


عشان إيه؟


عشان إيه كل ده؟ عشان إيه كل هذا الدمار؟


نظرت إلى وجوه الرجال في الممر رجال أقوياء جبابرة في أراضيهم، يقفون الآن عاجزين ينتظرون كلمة من طبيب ليحدد مصير أبنائهم نظرت إلى النساء في الغرفة، قلوبهن تحترق ودموعهن لا تجف.


عشان إيه؟


هل يستحق المال كل هذا الألم؟ هل تستحق الأرض أن تُروى بدم الأهل؟ هل تستحق السلطة أن تُبنى على أنقاض القلوب المحطمة؟


لأول مرة في حياتها رأت شروق حقيقة عالمها عارية من أي زيف عالم قائم على الكراهية والطمع، والرغبة في السيطرة. 

عالم ظنت أنها جزء منه بل أميرته القادمة لكنها الآن وهي ترى النتيجة الحقيقية لهذه "الإمارة"، شعرت بغثيان عميق.


تذكرت والدها، وهو يتحدث بقوة في الهاتف يأمر بقتل ابن أخيه ببرود، وكأنه يأمر بذبح خروف. 

تذكرت والدتها وهي تحرضه وتطالبه بالمزيد من القسوة. 

تذكرت نفسها وهي تبكي وتغضب لأن جاسر اختار أخرى ولم تفكر يوماً في الثمن الذي قد يدفعه الجميع.


في تلك اللحظة كرهت كل شيء.


كرهت والدها الذي علمها أن القوة هي كل شيء، كرهت والدتها التي زرعت فيها الحقد والغيرة كرهت المال الذي لم يجلب سوى الخراب. 

كرهت السلطة التي أكلت قلوبهم وحولتهم إلى وحوش.


وفهمت أختها "زينة" فهمت لماذا هربت بعيداً عن هذا الجحيم زينة لم تكن جبانة بل كانت الأكثر شجاعة لقد رأت الحقيقة قبلهم جميعاً، واختارت أن تنقذ نفسها.


شعرت شروق بأنها غريبة، دخيلة على هذا المشهد هي ابنة القاتل تقف بين ضحاياه. 

لا مكان لها هنا لا مكان لها في عالم جاسر الذي كادت أن تدمره بغبائها وغيرتها لا مكان لها في هذه العائلة التي لم تعد تعرفها.


تراجعت بهدوء، خطوة خطوة، حتى خرجت من مدى رؤيتهم لم يلاحظها أحد فالجميع كان غارقاً في مأساته.


سارت في الممر الطويل الفارغ وأحست بأنها تسير بعيداً عن حياتها القديمة كلها لقد رأت الثمن والثمن كان باهظاً جداً.


يجب أن ترحل.


❈-❈-❈


في صباح اليوم التالي كان قد ذهب الجميع بأمر من الطبيب وظلت ليل مع ابنتها وكذلك ونس التي لم يستطع أحد إقناعها بالعودة.


في غرفة نغم..


كانت نغم تسبح في محيط أسود لا قرار له محيط من اللاوعي كان هادئًا ودافئًا ومريحًا لم تكن تريد أن تغادره أبدًا.

لكن كانت هناك أصوات تخترق هذا السكون أصوات حادة كشظايا الزجاج المكسور تتكرر في رأسها كصدى مشؤوم..


مات...

لا لسه بيتنفس....

اطلبوا الإسعاف حالًا....

صوت ارتطام عنيف.....

رمى نفسه عليها عشان يحميها......


كانت هذه الكلمات تطاردها في الظلام تجبرها على أن تتذكر ما لا تريد تذكره.


كانت ترفض العودة إلى الواقع ترفض الاصطدام ببشاعته، حاولت أن تغوص أعمق في محيط الظلام أن تختبئ في سكونه الأبدي، لكن ألمًا حادًا في صدرها كان يعيدها إلى السطح، ألم جعلها تئن بصوت خافت متقطع..


حينها شعرت بشيء دافئ يمسك بيدها شعرت بلمسة حانية، وأصوات أخرى تعرفها أصوات من عالم النور عالم الواقع الذي تهرب منه..


_نغم يا حبيبتي فوجي يا بنيتي عشان خاطري..

كان هذا صوت أمها صوت يملؤه القلق والحب.


_نغم فوجي يا بنيتي محتاجالك.

وهذا صوت ونس صوت يرتجف من الخوف.


كانتا تحاولان سحبها من محيطها المظلم إلى عالمهما المؤلم، لكنها كانت تقاوم لا تريد العودة لن تتحمل قسوة الخبر الذي ينتظرها هناك.

كانت تعرف أن هناك شيئًا فظيعًا قد حدث، شيئًا يتعلق بكلمة 

مات...

وشيئًا يتعلق بالرجل الذي رمى نفسه عليها ليحميها...


فتح باب الغرفة بهدوء ودخل الطبيب الذي اقترب من سرير نغم وفحص مؤشراتها الحيوية ثم نظر إلى ونس وليل

_هي بتستجيب وده كويس جدًا لازم تفضلوا تتكلموا معاها، لأن شكلها رافضة الواقع خالص..


أمسكت ليل بيد ابنتها الباردة وتكلمت بصوت يائس.

_نغم عشان خاطري فوجي أنا محتاچالك جوي، متسبينيش لحالى مجدرش أعيش من غيرك أنتِ وأختك.


شعرت نغم بدموع أمها الساخنة تسقط على يدها، وشعرت بكلماتها تخترق حصونها شيئًا فشيئًا لم تعد تستطيع المقاومة أكثر، الألم في صدرها يزداد والأصوات الحنونة تناديها بإصرار


فتحت عينيها ببطء شديد كان الضوء ساطعًا ومؤلمًا

أغمضتهما وفتحتهما مرة أخرى فرأت وجه أمها الباكي ووجه ونس القلق يطفوان فوقها كأنهما حلمان بعيدان..


نطقت ليل بلهفة

_نغم حبيبتي أنتِ سامعاني

حاولت نغم أن تتكلم لكن لم يخرج من حنجرتها سوى صوت أجش ضعيف،

حركت شفتيها بكلمة واحدة، سؤال واحد، كان يحوم في رأسها منذ أن بدأت تستيقظ.

_جاسر


تجمدت ملامح ليل وونس وتبادلتا نظرة سريعة مليئة بالألم والحيرة،

ماذا يقولان لها

كيف يخبرانها بالحقيقة القاسية، وهي في هذه الحالة الضعيفة.

لم تكونا تعرفان أن سؤالها هذا ليس عن حالته، بل هو محاولة يائسة لتكذيب الصوت الذي يتردد في رأسها ويقول مات..


بدأت تعود نغم إلى عالم الواقع على دفعات كمن يصعد من أعماق المحيط نحو سطح عاصف.

كان أول ما استقبلها هو الألم، ألم حاد نابض في ضلوعها يذكرها مع كل نفس بأن جسدها قد تحطم، ثم جاءت الأصوات واضحة هذه المرة صوت بكاء أمها المكتوم وصوت أنفاس ونس المتسارعة.

فتحت عينيها بالكامل وثبتت نظراتها الضائعة على وجه أمها

_ أمي.

_ حبيبتي حمد لله على سلامتك يا روح جلبي.


لكن نغم لم تكن تهتم بسلامتها، كان هناك سؤال واحد فقط يحترق في عقلها، سؤال يجب أن تعرف إجابته وإلا سيموت كل شيء بداخلها، نظرت إلى ونس ثم إلى أمها وكررت الكلمة التي نطقتها قبل أن تغيب عن الوعي لكن هذه المرة كانت نبرتها تحمل كل رجاء العالم وكل رعبه بصوت متهدج.

_ جاسر..... جاسر...... فين؟


ساد صمت مريع في الغرفة، صمت لم يدم سوى ثواني لكنه كان أبديًا.

تجمدت ملامح ليل بينما أشاحت ونس بوجهها غير قادرة على مواجهة نظراتها.

كان هذا الصمت هو الإجابة التي كانت تخشاها.

اخترق الرعب قلبها كشفرة جليدية.

لا مستحيل، لا يمكن أن يموت ويتركها هكذا، لا يمكن أن تكون آخر كلماتهما معًا كلمات غضب وخيبة أمل، لا يمكن أن يرحل وهي مدينة له بحياتها.

_جاسر....فين؟

صمتهما المستمر كان يقتلها، شعرت بأن الجدران تطبق عليها وأن الهواء ينسحب من الغرفة.

_ مستحيل مستحيل يموت ويسيبني بعد ما زعلته مستحيل.

حاولت أن تنهض أن تنتزع الأجهزة الموصولة بها، لكن حركة بسيطة أرسلت موجة من الألم المبرح عبر صدرها، فانطلقت منها صرخة ألم حقيقية صرخة ممزوجة باليأس

_ آآآه.

قالت ليل بلهفة

_اطمني جاسر كويس بس هو في العناية دلوجت.


كانت كلمة "العناية" هي الشرارة التي أشعلت حريقاً من اليأس في روح نغم. 

لم تسمع كلمة "كويس" في قاموس المستشفيات. 

"العناية" تعني أن الروح معلقة بخيط رفيع بين الحياة والموت.


_لأ... لأ... بتكدبوا عليا...

همست بها بصوت متقطع وهي تهز رأسها بعنف نظرت إلى وجه أمها إلى وجه ونس رأت الشفقة وهذا أكد لها أسوأ مخاوفها إنهم يخفون عنها الحقيقة.


_مستحيل... مستحيل يموت ويسيبني مش هسمحله..


قد لا تراه مرة أخرى ليسمع كلمة "آسفة" هذا الإحساس بالذنب كان أقوى من أي ألم جسدي كان سماً ينهش روحها

_هو عمل أكده عشان ينقذني... أنا السبب... أنا اللي جتلته...


اندفعت ليل نحوها.

_يا بنتي حرام عليكي نفسك! اهدي يا جلب أمك

دلف طبيب آخر ليتفاجئ بما يحدث

_في ايه يا جماعة ازاي تسبوها تتحرك كدة.

ردت ليل

_عايزة تروح لجوزها تطمن عليه


قال الطبيب بقلق

_يا مدام نغم لو اتحركتي تاني هتأذي نفسك أكتر! الضلع المكسور چنب الرئة، أي حركة غلط ممكن تعمل كارثة!


لكن نغم لم تكن تسمع كانت دموعها تنهمر كشلال حارق.

_لازم أشوفه... ودوني له... لازم أتأكد بنفسي...

وافق الطبيب أمام ذلك الإصرار وإن ذهابها إليه أفضل من انهيارها وحركتها التي تضرها أكثر.

قال للممرضة

_هتلها كرسي وخليها....

قاطعته نغم وهي تهز رأسها برفض قاطع ونظرت إليهم بعينين تقدحان ناراً من الإصرار والألم.

_لأ... مش هركب حاچة هروح له على رجليا.


صاحت ليل

_إنتي اتچننتي يا نغم! كيف هتمشي وأنتي إكده؟


نظرت نغم إلى أمها وفي صوتها كان هناك قوة غريبة قوة ولدت من رحم الألم قوة استدعتها من ذكرياتها معه

_هو... هو اللي علمني أكون جوية. علمني مواجهش ضعفي بالهروب مش هروح له وأني ضعيفة ومكسورة على كرسي هروح له واجفة.


كانت كلماتها جنوناً لكنه كان جنوناً منطقياً بالنسبة لها. 

أن تذهب إليه محمولة يعني أنها تعترف بالهزيمة وهو لم يعلمها الهزيمة قط.


في تلك اللحظة فُتح باب الغرفة ودخل عمها سالم توقف مكانه وهو يرى المشهد: نغم تحاول الوقوف والطبيب وأمها يحاولان منعها ووجهها شاحب كالموتى لكن عينيها تشتعلان حياةً وإصراراً.

_فيه إيه؟ إيه اللي بيوحصل إهنه؟


قالت نغم بصوتٍ يرتجف من الألم والإصرار، موجهة حديثها لعمها

_عايزة أروح لچاسر يا عمي وهروح له على رجليا.


نظر سالم إلى الطبيب الذي هز رأسه برفض، ثم نظر إلى ابنة أخيه رأى في عينيها شيئاً مختلفاً لم يرى عناداً طفولياً بل رأى قوة امرأة تحارب من أجل رجلها. 

رأى فيها صدى من قوة جاسر نفسه وأدرك أنها لن تتراجع.


تقدم نحوها بخطوات ثابتة وتجاهل كل الاعتراضات وقف أمامها، وقال بهدوء وحسم

_هتروحي له على رجليكي.


ثم استدار نحو الطبيب.

_جهزوا اللازم وأني هسندها المسؤولية مسؤوليتي.


تحت نظرات الجميع المصدومة، انحنى سالم وساعد نغم على الوقوف ما إن استقامت قامتها،د حتى أطلقت أنيناً طويلاً مكتوم وشعرت وكأن ألف سكين تخترق صدرها. 

أمسكت بذراع عمها بقوة تكاد أظافرها تنغرس في لحمه كانت ترتجف بالكامل والعرق البارد يغطي جبينها.


ووضع سالم يدها الأخرى بين يده وذراعه الآخر هو حول خصرها، ليحمل معظم وزنها.

_جاهزة يا بت أخوي؟


أومأت برأسها ودموع الألم تختلط بدموع الإصرار.


وبدأا المسيرة كانت أبطأ وأقسى مسيرة في حياتها كل خطوة كانت جحيماً كل نفس كان حريقاً في صدرها كانت تسير وهي تبكي بصمت، لا من الضعف بل من شدة الألم كان عمها يسير معها بنفس البطء، صامتاً، قوياً، يقدم لها الدعم الجسدي والمعنوي الذي تحتاجه.


كان مشهداً مهيباً ومؤلماً ابنة الرفاعي تسير متحدية الموت لترى عدو الأمس، ابن التهامي مسنودة على كتف عمها الذي كان يوماً ألد أعدائه. 

لقد محا الألم كل الخطوط ولم يترك سوى رابطة إنسانية قوية ورغبة امرأة في الوصول إلى الرجل الذي أصبح روحها، حتى لو كان الثمن هو تمزيق جسدها خطوة بخطوة.

كان هناك ألم واحد فقط تشعر به ألم الخوف عليه.

عندما وصلوا إلى باب العناية المركزة توقفوا أخذت نفسًا عميقًا ودفع عمها الباب.


كان راقدًا هناك في منتصف الغرفة كجبل هادئ بعد عاصفة مدمرة

سرير أبيض وجسد عاري الصدر، موصول بشبكة معقدة من الأنابيب والأسلاك.

كانت الأجهزة من حوله تصدر أصواتًا منتظمة، هي الدليل الوحيد على أنه لا يزال على قيد الحياة، كان وجهه شاحبًا، وعيناه مغمضتين، وهناك كدمة كبيرة على صدغه.


بصعوبة وألم لا يحتمل سارت نحوه بخطوات بطيئة متعثرة تسندها الممرضة التي أخذتها من يد سالم


كل خطوة كانت أصعب من التي قبلها، وقفت بجانب سريره ولم تعد قادرة على التحكم في دموعها

انهمرت بصمت وهي تتأمل الرجل الذي كان قبل ساعات كتلة من الغضب والقوة، والآن هو كتلة من السكون والضعف.

انحنت نحوه ويداها ترتجفان وهي تمدها لتلمس يده الباردة.

_ جاسر.... أنا آسفة....

كانت الكلمة أثقل من الجبال.

_ أنا السبب..... أنا اللي عملت فيك اكده، مكنش المفروض أكسر كلامك... مكنش المفروض أزعلك سامحني.... عشان خاطري سامحني....


كانت تريد أن تضع رأسها على صدره لكن الألم يزداد مع كل حركة وكل نفس.

كانت شهقاتها تهز جسدها المتألم

_ متسبنيش..... سامع أوعى تسيبني.... وتمشي...... لو عملتها......لو اتخليت عني دلوجت..... أنا عمري ما هسامحك.... ارچعلي يا جاسر أنا محتاچالك ارچع عشاني...

يتبع...

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة



2 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل