رواية جديدة ثنايا الروح لرانيا الخولي - الفصل 41 - جـ 2 - الإثنين 22/9/2025

 

قراءة رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية ثنايا الروح

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة رانيا الخولي


الفصل الواحد والأربعون

الحزء الثاني 

تم النشر الإثنين  

22/9/2025


كانت ليلة لا تشبه أي ليلة أخرى في هدوء بيت الجبل وتحت غطاء من النجوم الصافية، كانت نغم تستكين بين ذراعي جاسر. 

رأسها على صدره تستمع إلى نبضات قلبه المنتظمة التي أصبحت لحنها المفضل ويده القوية تلتف حولها بحماية مطلقة كان العالم كله قد اختفى، ولم يتبق سوى دفء حضنه ورائحة عطره التي أدمنتها.

بعد فترة من الصمت المريح، رفعت رأسها قليلاً لتنظر إليه، كان مستيقظاً ينظر إلى السقف بشرود، لكن ابتسامة خفيفة كانت ترتسم على شفتيه.

_ جاسر.

همست بصوت ناعم.

خفض نظره إليها وابتسم ابتسامة أوسع ثم انحنى ليطبع قبلة طويلة على شعرها.

_ عيون جاسر.

_ ممكن أسأل سؤال؟

_ أنتِ تأمري مش بس تسألي.

ترددت للحظة ثم قالت

_ ليه عملت كل ده؟ الفرح الكبير ده... ليه استعچلت ومستنتش حتى نخلص امتحاناتي؟

اعتدل قليلاً ليواجهها بشكل أفضل، ورفع يده ليمررها على خدها برفق.

_ عشان حاچتين أول حاچة، عشان أرفع راسك جدام البلد كلها عشان محدش يجرؤ يهمس بكلمة واحدة عنك كان لازم الكل يعرف إنك دخلتي السرايا دي ملكة، وخرچتي منها لبيتك عروسة في أكبر فرح شافوه أنتِ تستاهلي كده وأكتر تستاهلي إن الدنيا كلها تعرف قيمتك عندي.

شعرت بقلبها يذوب من كلماته لقد فكر في كرامتها قبل أي شيء آخر.

_ والحاچة التانية؟ 

هنا تغيرت نظراته قليلاً ظهر فيها عمق غامض لمسة من شيء لا تستطيع قراءته أخفى هذا الشعور بسرعة خلف ابتسامة ماكرة.

_ والحاچة التانية... إني خلاص مكنتش جادر اتحمل.

قالها بصوت أجش وهو يقرب وجهه منها.

_ كنت كل ما الاحظ الحزن في عنيكي من إن جوازنا كان شيء مفروض عليكي إنك معشتيش الفرحة اللي اي بنت بتعيشها جلت لازم اعيشهالك، كلمت مالك وجدك وهما رحبوا وجبت عيلتي كلها معايا عشان أخدك من بيتك معززة مكرمة.

كنت ديما بحس بفرحتي ناجصة لما  كنت بلاحظ الحزن في عنيكي 

كنت بعد الدجايج عشان أخلص من كل حاچة وأجفل عليكي باب واحد باب التهامي واشيل من عنيكي نظرة الحزن دي نهائي.

لم تتخيل نغم أن تكون بتلك الشفافية أمامه، فهذا ماكانت تفكر به أيضاً 

ثوب الزفاف وفرحة الجميع بها وهي تزف لحبيبها، وقد حقق لها كل ذلك.


لكن شيئاً في داخلها حدسها الأنثوي كان يخبرها أن هناك المزيد. 

هناك سبب آخر أعمق وأكثر خطورة يختبئ خلف عينيه. 

شعرت به في تلك اللحظة التي تغيرت فيها نظرته. 

شعرت بأن هذا الفرح بهذه السرعة كان كمن يبني حصناً منيعاً حولهما قبل وصول عاصفة يعرف هو أنها قادمة.

لكنها لم تسأل لقد قررت أن تثق به ثقة عمياء.

انحنى أكثر وهمس في أذنها عندما لاحظ شرودها

_ كفاية أسئلة الليلة دي مش للكلام.


لم تكن كلماته مجرد جملة رومانسية، بل كانت أيضاً طريقة ماهرة لإنهاء النقاش قبل أن تتعمق فيه أكثر وبدأت قبلاته تسقط عليها كالمطر الدافئ على عنقها وكتفها، وكل قبلة كانت تمحو أي شك أو سؤال من رأسها، وتغرقها في بحر من الأحاسيس التي لا تقاوم.

استسلمت له بالكامل وردت على قبلاته بشغف مماثل. 

لقد أدركت أن هناك أسراراً في عالم جاسر قد لا تعرفها أبداً وأن هناك جوانب مظلمة في حياته قد لا يكشفها لها لكن في تلك اللحظة، لم يكن أي من هذا مهماً المهم الوحيد هو أنها بين ذراعيه، آمنة، ومحبوبة.


وبينما كان يأخذها مرة أخرى إلى عالمه الخاص عالم لا وجود فيه إلا لهما، ظلّ ذلك الظل الخفي في عينيه، ظل السر الذي لم يُحكَا كقنبلة موقوتة، تنتظر بصمت في أعماق رجل يفعل كل ما بوسعه ليحمي جنته الصغيرة من الجحيم الذي يعرف أنه قادم لا محالة.


❈-❈-❈


كانت الغرفة غارقة في هدوء دافئ لا يقطعه سوى صوت أنفاسهما المتناغمة 

كانت روح مستلقية على صدر مالك، تستمع إلى نبضات قلبه القوية التي كانت كالموسيقى لروحها شعرت بسعادة غامرة سعادة العودة إلى وطنها، إلى حضنه الذي كان ملاذها الوحيد. 

لقد سامحته وتصالحا لكنها أدركت أن هناك جرحاً خفياً لا يزال ينبض بألم خافت في أعماق قلبها لم يكن جرح غضب بل جرح حزن على الصورة المثالية التي تحطمت.

شعر مالك بهذا الصمت المختلف لم يكن صمت رضا كامل، بل كان صمتاً يحمل ظلالاً من الماضي. 

شعر بتنهيدتها الخفيفة التي حاولت كبتها أدار رأسه لينظر إليها ورفع يده ليمررها على شعرها المنسدل على كتفه.

_ لسه زعلانة.

لم يكن سؤالاً بل كان تقريراً لحقيقة شعر بها بقلبه.

رفعت روح رأسها قليلاً لتنظر في عينيه، لم تكن تريد أن تعكر صفو هذه اللحظة، لكن عينيها لم تستطع إخفاء الحقيقة.

_هكدب عليك لو جولتلك نسيت او مش زعلانة... 

أومأ مالك برأسه متفهماً ثم اعتدل في جلسته قليلاً وسحبها لتجلس في مواجهته ممسكاً بيديها برفق

_ حجك وحجك عليا إني أشرحلك كل حاچة مش كدفاع عن نفسي بس عشان الچرح ده يطيب.

نظر في عينيها بعمق وبدأ يتحدث بصوت هادئ وصادق صوت رجل يفتح قلبه بالكامل.

_ لما سافرت كنت إنسان محطم يا روح، كنت بحبك ومش شايف اي أمل ليا معاكي وكمان بتتچوزي أخويا.

كل يوم كنت بصحى وبنام على وچع واحد. 

والغربة كانت بتاكل فيا والوحدة كانت بتجتلني.

صمت للحظة كأنه يسترجع ألماً قديماً.

_ سيدرا... ظهرت في الوجت ده كانت زميلتي في الشغل بنت لوحدها في بلد غريب زيي لجينا في بعض العزاء لانها برضه كانت مطلقة كانت بتسمعني وأنا بشتكي وبتشوفني وأنا بتعذب قدمتلي الونس اللي كنت محتاچه، وأنا قدمتلها الأمان اللي كانت بتدور عليه.

ضغط على يديها برفق وكأنه يرجوها أن تفهم.

_ جوازنا... مكانش جواز حب صدقيني يا روح

كان اتفاق كان صفقة بين اتنين وحيدين عشان يهونوا على بعض مرارة الغربة. 

مكانش فيه الشغف اللي بينا، ولا الدفا اللي في حضنك كانت علاقة باردة عملية

كنت بحاول أهرب من صورتك اللي مش بتفارقني وكنت بفشل كل مرة.


رأت روح الصدق والألم في عينيه لأول مرة لم تكن ترى خيانته بل كانت ترى وحدته وعذابه.

_ كنت غلطان إني خبيت عليكي غلطان جداً. 

بس كنت خايف، كنت مرعوب أخسرك بعد ما صدجت إن ربنا چمعنا كنت جبان، وخفت أواچهك بحجيجة ممكن تدمر كل حاچة حلوة بنيناها.


تجمعت الدموع في عينيها، لكنها هذه المرة كانت دموع تفهم وتعاطف.

_ أنا آسفة...

همست بصوت مختنق.

_ أنا اللي حكمت عليك بسرعة مشفتش غير جرحي أنا، ومنتبهتش لوچعك أنت.

هز رأسه بنفي ومسح دموعها بإبهامه.

_ إحنا الاتنين كنا مجروحين بس النهاردة... عايزين نطوي الصفحة دي للأبد. 

عايزك تعرفي إن من يوم ما رجعت وشفتك مفيش ست في الدنيا دي كلها تملى عيني غيرك. 

أنتِ مراتي وحبيبتي وأم بنتي وكل دنيتي وهي بالنسبالي صفحة واتقفلت من قبل ما أرجع ومستحيل تتفتح تاني.

انحنى وقبل جبينها قبلة طويلة، قبلة تحمل كل اعتذارات العالم.

_ سامحيني يا روح قلبي.

في تلك اللحظة، شعرت بأن آخر قطعة من الجليد في قلبها قد ذابت تماماً، لم يعد هناك جرح بل مجرد ندبة باهتة تذكرها بقوة حبهما الذي نجا من العاصفة.

_ مسمحاك.

قالتها بابتسامة صافية، ووضعت رأسها على صدره مرة أخرى.

احتضنها بقوة وشعر بأن عبئاً ثقيلاً قد أزيح عن كاهله لقد تصالحا أخيراً، ليس فقط بالجسد بل بالروح والقلب، وفي هدوء تلك الليلة بدأت قصتهما الحقيقية قصة مبنية ليس على المثالية بل على الغفران والتفهم، والحب الذي أصبح أقوى بعد أن تم اختباره.


❈-❈-❈


كان مكتب صخر غارقاً في ظلمة لم تكسرها سوى إضاءة خافتة من مصباح مكتبي تلقي بظلال طويلة ومشوهة على الجدران، تماماً مثل أفكاره.


لم يكن يفكر في ابنته المكسورة ولا في ابن أخيه الذي تحداه ولا في سمعة العائلة التي اهتزت. 

كل هذا كان ضجيجاً هامشياً كان عقله كآلة حاسبة باردة منشغلاً بالهدف الأسمى الهدف الذي بدأ كل شيء من أجله.

كانت خريطة كبيرة للأراضي الزراعية مفرودة أمامه على المكتب. 

مرر أصبعه الخشن عليها ليس بحب الفلاح لأرضه بل بجشع المالك الذي يرى في كل شبر قطعة من الذهب كانت عيناه تلمعان ببريق معدني قاسٍ.

تردد

ضحك ضحكة خافتة جافة خالية من أي مرح لم يكن تردداً حقيقياً، بل كان مجرد وقفة قصيرة وقفة الصياد الذي يتأمل فريسته قبل أن يطلق رصاصة الرحمة، لقد كان هذا هو مخططه منذ البداية، منذ سنوات طويلة كل ما حدث كل الدماء كل الدموع، كل الصراعات... لم تكن سوى خطوات مدروسة في خطته الكبرى.


لقد استخدم الثأر كوقود، وحرك الجميع كقطع شطرنج على رقعته. استخدم غضب جاسر وضعف الرفاعية وحتى حزن ابنته... كل ذلك كان مجرد أدوات لتحقيق غايته.


_المهم... أن يكون كل شيء باسمي وباسم ولدي.


هذه هي الحقيقة الوحيدة التي تهم ولده، ابنه الذي أرسله بعيداً عن هذا الجحيم، ليعود يوماً ما كوريث لإمبراطورية بناها أبوه على حطام الآخرين. 

لم يكن حباً لابنه بقدر ما كان امتداداً لجشعه رغبة في الخلود من خلال نسل يحمل اسمه وثروته.


نظر إلى صورة قديمة على الحائط، صورة تجمعه بأخيه والد جاسر لم ير فيها أخاً بل رأى منافساً شريكاً كان عليه التخلص منه ليحصل على كل شيء. 

لقد بكى عليه أمام الناس لكنه في الخفاء كان يحتفل بسقوطه الذي فتح له الطريق.

ولا احد يعرف ان الرصاصة لم تنطلق من مسدس كارم، بل مسدس خفي اطلق رصاصته في الوقت المناسب.


وعندما انكر كارم ذهب له في السجن واجبره على الاعتراف كي يرفع من شأن العائلة، وهو وافق بغباءه حتى حكم القاضي بحكمه الأخير، ولم يجدي اعترافه نفعاً..


والآن جاسر.

هذا الشبل الذي فاق الجميع قوة وأصبح عقبة. 

لكن حتى هذه العقبة سيحولها صخر إلى درجة في سلمه

فلينشغل جاسر بحبه وبفرحه، ولينشغل بالرفاعية وبصراعاتهم الصغيرة. 

هذا الانشغال هو أفضل غطاء لصخر لينفذ ضربته الأخيرة.


أمسك بقلمه وبدأ يضع علامات على الخريطة يقسم ويضم ويرسم حدود مملكته الجديدة لم يشعر بأي وخز للضمير. 

فالضمير ترف لا يملكه الأقوياء، لم يشعر بالذنب تجاه دماء أخيه أو دموع ابنته أو مستقبل ابن أخيه.

كان يرى فقط الأراضي الأموال القوة

كان يبني عرشه الخاص، غير مدرك أو غير مهتم بأنه يبنيه من رماد عائلته، وأنه في النهاية سيجلس عليه وحيداً، ملكاً على خراب من صنعه. 

رفع كأسه في الظلام كأنه يشرب نخب انتصاره القادم انتصار بارد وقاسٍ، ولا يرحم... تماماً مثله.


❈-❈-❈


كانت نغم مستقرة في حضن جاسر، رأسها على صدره، كانت تشعر بسكينة وسلام لم تشعر بهما من قبل، كأنها وصلت أخيراً إلى مينائها الآمن بعد رحلة طويلة في بحر هائج.


في وسط هذه السكينة، تسلل إليها شعور آخر... شعور حقيقي جداً. 

لقد أدركت فجأة أنها تتضور جوعاً رائحة الطعام اللذيذ التي كانت تملأ الجناح، والتي تجاهلتها في البداية بدأت الآن تناديها بقوة.


تحركت قليلاً ورفعت رأسها لتنظر إليه كان مغمض العينين، وعلى وجهه ابتسامة رضا وهدوء همست بصوتٍ ناعم

_جاسر...


فتح عينيه ببطء كأنه يخرج من حلم جميل.

_عيون جاسر.


_أنت مش جعان؟


نظر إليها بعمق وابتسم ابتسامة جانبية ساحرة.

_من ساعة ما دخلتي الجناح ده وأني نسيت كل حاچة في الدنيا... نسيت الوجت ونسيت التعب، ونسيت حتى الجوع شبعان بيكي عن الدنيا كلها.


شعرت بالخجل لكن معدتها الخاوية كان لها رأي آخر

ضحك جاسر ضحكة دافئة وعميقة هزت صدره تحت رأسها.

_بس شكل فيه حد تاني مش شبعان.


قبل جبينها برقة ثم نهض بخفة

_تعالي نشوف ست ونس عاملة إيه شكلها مجهزة وليمة.


سار نحو طاولة الطعام الصغيرة الموضوعة في زاوية الجناح، ورفع الأغطية الفضية عن الأطباق كانت والدته قد أعدت لهما بالفعل وليمة عشاء فاخرة من كل ما يحبانه.

مد يده إليها.

_يلا يا ملكة.


جذبت نغم المئزار ونهضت لترتديه وسارت نحوه فأسحب لها الكرسي لتجلس، ثم جلس هو على كرسي بجانبها، وليس أمامها أخذ طبقاً ووضع فيه من كل صنف قليلاً، ثم التقط الملعقة.

_خليني أوكلك بيدي.

نظرت إليه بخجل ودهشة.

_هاكل لوحدي.

هز رأسه برفض لطيف وقرب المعلقة من فمها.

_الليلة دي مفيش حاچة لوحدك الليلة دي أني اللي هخدمك.


استسلمت له وفتحت فمها فأطعمها اللقمة الأولى. 

كان طعم الأكل لذيذاً لكن اللحظة نفسها كانت ألذ. 

كان يطعمها بحنان ويمسح جانب فمها بأنامله برقة إذا لزم الأمر وعيناه لا تفارقانها تلتهمان كل رد فعل، كل ابتسامة خجولة كل نظرة سعيدة.


بعد عدة لقم قالت وهي تمضغ

_طب وأنت؟ مش هتاكل؟ كل معايا.


نظر إليها بحب عميق ثم أخذ لقمة أخرى وقربها منها.

_لما بتاكلي إنتي بحس إني باكل ليكي وليا فرحتك بتشبعني أكتر من أي أكل في الدنيا.


لم تعد قادرة على المجادلة استسلمت لدلاله وحبه، وتركته يطعمها وهي تشعر بأنها أسعد امرأة في الكون. 

لم يكن مجرد عشاء بل كان طقساً من طقوس العشق يؤكد لها فيه أنه لن يكون زوجها فقط، بل سيكون خادمها، وحارسها ومصدر دلالها الأبدي.


❈-❈-❈


فتحت نغم عينيها على ضوء شمس دافئ يتسلل من بين ستائر الغرفة الثقيلة. 

شعرت بدفء يحيط بها وأدركت أنها لا تزال في حضن جاسر. 

كان ذراعه يلتف حولها بحماية، ووجهه مسترخٍ في نوم عميق، خالٍ من أي قسوة وكأنه طفل كبير، ابتسمت بحب وهي تتأمل ملامحه الهادئة.

ألقت نظرة على هاتفها الذي كان على المنضدة بجانب السرير، فاتسعت عيناها بدهشة كانت الساعة قد تجاوزت الثانية عشرة ظهراً.

تسللت من بين ذراعيه بهدوء وحذر شديدين كأنها تتعامل مع أثمن كنز في العالم، حتى لا توقظه

دخلت الحمام على أطراف أصابعها، وأخذت حماماً سريعاً ومنعشاً ثم خرجت وهي تلف منشفة حول جسدها. 

ارتدت بيجامة حريرية بسيطة من دولابها، وتركت شعرها المبلل ينسدل على كتفيها.

ألقت نظرة أخيرة عليه فوجدته لا يزال غارقاً في نومه، لم تستطع مقاومة الرغبة في الاقتراب منه فانحنت وطبعت قبلة خفيفة على خده ثم خرجت من الغرفة بهدوء، وأغلقت الباب خلفها.

نزلت الدرج وهي تشعر بأنها في حلم. 


كان البيت هادئاً ومشمساً، قادتها رائحة القهوة الطازجة وصوت همهمة خافتة إلى المطبخ.

وجدتها هناك كانت حماتها ونس، تقف بجانب "سامية" العاملة الوفية وهما يجهزان شيئاً للغداء.

_ صباح الخير.

قالتها نغم بصوت خافت وحنون

التفتت ونس وابتسمت ابتسامة واسعة ومشرقة ما إن رأتها.

_ صباح النور يا أجمل عروسة في الدنيا.

ثم قطبت حاجبيها بعتاب لطيف.

_ بس إيه اللي نزلك دلوجت؟ كنتي المفروض تفضلي مرتاحة في أوضتك، وأنا كنت هبعتلك الفطار لحد عندك.

اقتربت منها نغم واحتضنتها بحب.

_ وحشتيني ومجدرتش أفضل فوج لوحدي عشان جاسر لساته نايم جلت أنزل أجعد معاكي شوية.

حاولت ونس إقناعها بالعودة.

_ يا حبيبتي ارچعي لچوزك ولما يصحى انزلوا براحتكم.

لكن نغم أصرت بعناد لطيف.

_ لأ هفضل هنا معاكي، هو نايم ومش هيصحى دلوجت.

ثم نظرت إلى ما يجهزانه.

_ أساعدكم في حاچة؟

رفضت حنان وونس في صوت واحد تقريباً دفعتها ونس برفق نحو الطاولة الصغيرة الموجودة في وسط المطبخ.

_ لا اجعدي اهنه، وممنوع تلمسي أي حاچة أنتِ عروسة.

جلست نغم وهي تبتسم وشعرت بدفء عائلي بينهما

بدأت تتحدث مع ونس، تسألها عن كل شيء يخص جاسر.


ضحكت حنان بسعادة وهي ترى هذا الاهتمام في عيني نغم.

_ يا حبيبتي متشيليش هم، أنا وسامية عارفين كل حاچة ومع الوجت هتتعلمي بس عشان تبجي عارفة، هو بيعشج صينية البطاطس من إيدي، وبيكره أي حد يصحيه من النوم فجأة...

شوفي بقا صينية البطاطس هتبجا أحلى من إيد مين

وقبل أن تكمل جملتها، دخل هو.

كان جاسر يقف عند باب المطبخ يرتدي طاقماً قطنياً، وشعره مبعثر من النوم، يفرك عينيه بنعاس. 

كان منظره مختلفاً تماماً عن صورة جاسر القوي المهيب كان يبدو وسيماً بشكل فوضوي ومريح.

_ صباح الخير.

قالها بصوت أجش وعميق من أثر النوم وعيناه تبحثان عنها هي فقط.

ابتسمت نغم بخجل، بينما ردت ونس.

_ صح النوم يا حبيبي إيه اللي صحاك؟

لم يرفع جاسر عينيه عن نغم وهو يجيب.

_ صحيت ملجتهاش چنبي جلجت.

ثم تقدم نحوها بخطوات بطيئة، وانحنى أمامها، وطبع قبلة صباحية رقيقة على خدها غير مهتم بوجود أي شخص آخر.

_ معوداني على المجالب جلت اجي اطمن.

احمر وجه نغم بينما ابتسمت ونس بسعادة وهي ترى حب ابنها الصادق.

_ طب كويس إنك صحيت اقعدوا انتوا الاتنين دجايج والغدا يكون جاهز.


جلس جاسر على الكرسي بجانب نغم، وأمسك بيدها تحت الطاولة وظل ينظر إليها بحب، بينما كانت هي تتحدث وتضحك مع حماتها. 

كان مشهداً بسيطاً وعادياً لكنه كان يحمل كل معاني السعادة لقد أصبح هذا المطبخ الدافئ، بوجود أمه وحبيبته، هو مملكة جاسر الحقيقية.

يتبع...

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة



4 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل