قراءة رواية ثنايا الروح كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ثنايا الروح
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة رانيا الخولي
الفصل الخامس والثلاثون
الحزء الثاني
تم النشر الأربعاء
17/9/2025
حاولت أن تتكلم، أن تبرر، أن تقول أي شيء يكسر هذا الصمت المريع فتحت فمها، لكن لم يخرج أي صوت، حلقها كان جافًا تمامًا ولسانها التصق بسقف فمها.
بدأت الدنيا تدور بها لم يكن مجرد دوار عادي بل شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدميها بقع سوداء بدأت تتراقص أمام عينيها، وأطرافها شعرت بها باردة وثقيلة حاولت أن تستند على الحائط، أن تقاوم هذا الضعف الذي اجتاحها فجأة لكن جسدها خانها لقد استنفدت كل طاقتها في الخوف والتوتر.
تأوهت بصوت خافت وبدأت ركبتاها في الارتجاف.
وقبل أن يسقط جسدها بالكامل على الأرض كان أكمل قد تحرك بسرعة البرق.
_صبر...
في تلك اللحظة تبخر كل الغضب، وتلاشت كل الأسئلة لم يعد يرى المرأة التي خدعته بل رأى صبر الفتاة الهشة التي كانت بين يديه على وشك الانهيار اندفع نحوها ولحق بها قبل أن ترتطم رأسها بالأرض.
لف ذراعيه حولها وشعر بثقل جسدها المرتخي بين يديه.
_ صبر...
نطق اسمها بخوف حقيقي خوف نابع من أعماق قلبه، نسي معه كل شيء آخر نسي الخيانة، ونسي الطفل، ونسي كذبتها كل ما كان يراه هو وجهها الشاحب وعينيها المغلقتين.
حملها بين ذراعيه بسهولة وركض بها إلى غرفة النوم وضعها برفق على السرير ووقف للحظة ينظر إليها بقلق شديد.
لمس جبينها فوجده باردًا ورطبًا من العرق.
أخرج هاتفه بسرعة ويداه ترتجفان قليلاً بحث في جهات الاتصال عن رقم الدكتور مجدي، طبيب النساء الذي يسكن في نفس العمارة والذي تعرف عليه بالصدفة.
ضغط على زر الاتصال وشرح الموقف بسرعة وقلق.
لم تمر سوى دقائق قليلة حتى كان الطبيب يطرق الباب أدخله أكمل بسرعة إلى الغرفة بعد فحص سريع، نظر الطبيب إلى أكمل نظرة مطمئنة.
_ متقلقش يا أكمل بيه ده نتيجة إرهاق وتوتر، وشكلها كمان مش بتتغذى كويس.
الضغط عالي شويتين ودي حاجة متطمنش في الوقت ده من الحمل أنا اديتها حقنة هتفوقها بس لازم أول ما تصحى وتسترد قوتها تجيلي العيادة فورًا عشان نعمل فحوصات كاملة ونطمن على وضعها ووضع الجنين.
هز أكمل رأسه بالموافقة وشكر الطبيب ورافقه إلى الباب.
عندما عاد إلى الغرفة وجدها لا تزال نائمة جلس على حافة السرير، وعيناه لا تفارقان وجهها كانت مشاعره في حالة فوضى عارمة.
كان الغضب لا يزال هناك يغلي تحت السطح، الشعور بالخيانة كان لا يزال حادًا ومؤلمًا.
لكن الآن اختلط به شعور آخر، شعور قوي بالقلق بالخوف عليها، وبمسؤولية غريبة تجاهها وتجاه هذا الكائن الذي ينمو بداخلها.
كيف يمكن أن يكرهها ويخاف عليها في نفس الوقت؟ كيف يمكن أن يشعر بالرغبة في معاقبتها وفي حمايتها في آن واحد؟
نظر إلى بطنها المنتفخة، ثم إلى وجهها البريء في نومه لقد انقلب عالمه رأسًا على عقب في أقل من ساعة.
ولم يكن يعرف كيف سيعيد ترتيب هذا العالم، أو حتى من أين يبدأ كل ما عرفه في تلك اللحظة، وهو يراقب أنفاسها الهادئة هو أن القصة... لم تكن بالبساطة التي تخيلها.
❈-❈-❈
محاولات كثيرة بالاتصال لكنه لا يجيب.
قام بحظرها لكنها لم تستسلم وفعلتها من رقم آخر ظل يعد الساعات والدقائق حتى جاء موعد انطلاق الطائرة وعاد إلى بلده.
كانت فرحة عارمة تلك التي استقبلت مالك حين خطت قدماه عتبة السرايا.
تجمع الكل حوله الجد والأعمام والجميع فرحين بعودته النهائية.
كانت الوجوه مبتسمة والكلمات ترحيبية لكن العيون الفاحصة لاحظت شيئاً مختلفاً فيه
كان هناك إرهاق يطغى على ملامحه وبرود في عينيه لم يعتادوه منه.
_ حمدلله على السلامة يا ولدي نورت بيتك.
قالها جده وهو يحتضنه بقوة.
_ الله يسلمك يا جدي.
أجاب مالك بصوتٍ مجهد.
سألته والدته بقلق وهي تمرر يدها على وجهه
_ مالك يا حبيبي وشك أصفر كده ليه إنت تعبان؟
هز رأسه نافياً وهو يحاول رسم ابتسامة باهتة.
_ لأ يا أمي أبداً ده بس تعب السفر والطريج طويل.
قالت روح التي كانت تقف بجانبه وتتشبث بذراعه كأنها تخشى أن يختفي مرة أخرى
_ طب اطلع ارتاح في أوضتك يا مالك شكلك مرهق جوي.
وافق الجميع على اقتراحها وأصروا على أن يصعد ليرتاح.
ما إن أغلق باب جناحهما خلفه حتى تغير كل شيء.
في لحظة خاطفة استدار مالك وأغلق الباب خلفهما بالمفتاح
كان صوت نقرة القفل حاداً ونهائياً كأنه يعزل جناحهما عن العالم الخارجي بأكمله.
لم يمنح روح فرصة لتتحدث أو حتى لتلتقط أنفاسها في خطوتين كان أمامها، يداه القويتان أمسكتا بذراعيها وفي اللحظة التالية كان يخطفها إلى حضنه وفمه يطبق على فمها بقوة جائعة ويائسة.
لم تكن قبلة شوق فقط بل كان أشبه بمحاولة عنيفة لطرد شيطان يسكنه لإطفاء نيران تلتهم روحه من الداخل.
كانت قبلته مزيجاً غريباً ومخيفاً لم تعرفه من قبل، خليط من الشوق المرير والغضب المكتوم والألم الذي يكاد يفتت روحه.
كانت يداه تتجولان على ظهرها بقوة، تشدانها إليه كأنه يخشى إن أرخى قبضته أن تتبخر وتختفي.
تجمدت روح للحظة تحت وطأة هذا الهجوم المفاجئ لكنها سرعان ما شعرت بما هو أعمق من العنف.
شعرت باحتياجه المطلق لها أحست بأنه يحارب معركة داخلية طاحنة، معركة خسر فيها كل أسلحته وأنه يرى فيها طوق النجاة الوحيد، المرسى الأخير في محيط هائج.
استسلمت له لفت ذراعيها حول رقبته وبادلته قبلته محاولة أن تسكب فيها كل ما تملكه من حنان وسلام، على أمل أن يجد في قربها بعض السكينة.
لكن عنفه بدأ يزداد قليلاً دون وعي منه أصبحت قبلاته أكثر قسوة، وقبضته على خصرها أشد إيلاماً لم يعد يراها، كان يرى فقط أشباحه التي يقاتلها من خلالها.
هنا دق ناقوس الخطر في عقلها ليس خوفاً منه، بل خوفاً عليهما معاً.
ضغطت على صدره العريض برفق، وبالكاد استطاعت أن تجمع أنفاسها لتهمس بصوت لاهث ومتقطع
_ مالك... بالراحة... أنا حامل.
كانت كلماتها الثلاث كدلو من الماء الجليدي أُلقي عليه كانت كصفعة مدوية أعادته من حافة الهاوية إلى أرض الواقع.
ابتعد عنها فجأة خطوة، ثم خطوتين، وكأنه أفاق من كابوس مروع ورأى للتو حجم الدمار الذي كاد أن يسببه.
اتسعت عيناه بالرعب وهو ينظر إليها، ثم إلى بطنها ثم يعود بوجهه إليها.
كانت ملامحه تحمل ألماً يفوق الوصف، مزيجاً من الأسف والذنب وكراهية الذات.
_ أنا آسف... آسف يا روح... والله آسف... مكنتش......
فتحت فمها لتسأله لتهدئه لتقول له إن كل شيء على ما يرام، لتعرف ما الذي حطمه بهذا الشكل لكنه رفع رأسه قليلاً ووضع إصبعه على شفتيها برفق، وكانت عيناه تتوسلان إليها.
_ هششش... أرجوكي... مش عايز أي كلام مش هجدر أسمع حاچة ولا أجول حاچة خليكي بس في حضني عايز هدوء.
أغمض عينيه وأعاد رأسها إلى حضنه الدافئ، مستسلماً تماماً للصمت ولدفء قربها الذي كان الشيء الحقيقي الوحيد والنقطة المضيئة الوحيدة في عالمه المظلم والمضطرب.
بعد وقت طويل وروح مستلقية على الفراش ومالك يضع رأسه في حضنها وبرأسه قرارات متناقضة
تارة يود اخبارها، وتارة أخرى يخشى من رد فعلها
أما هي فكانت تنظر إليه بحيرة كانت تظن أن حالته تلك بسبب عودة نغم لزوجها لكن هو كان يعلم مسبقاً وأيد ذلك.
تريد ان تعرف منه، تريد ان تسأله عن سبب حالته لكنها فضلت الصمت كما طلب منها.
❈-❈-❈
أفاقت صبر على صداع عنيف يضرب رأسها بقوة
فتحت عينيها ببطء وصعوبة بالغة، ونظرت حولها لتجد الغرفة فارغة تمامًا، لا أثر لأي شخص حاولت النهوض من السرير لكنها شعرت بإرهاق شديد وألم مبرح في بطنها كأن سكينًا يُغرس فيها.
سمعت باب الشقة يُغلق بالخارج، صوت خافت لكنه واضح تلته خطوات سريعة في الصالة تقترب من غرفتها.
حاولت أن تقوم مرة أخرى مستجمعة ما تبقى من قوتها لكنها صرخت فجأة صرخة مكتومة حين زاد عليها الألم بشكل لا يُحتمل.
فُتح الباب ودخل أكمل الذي سألها بلهفة وقلق واضحين على وجهه
- صبر مالك؟ في إيه؟ إيه اللي حصل؟
حاولت أن تتكلم لكن الألم كان أقوى منها أجابت بصوت متقطع
- مفيش أنا بس تعبانة شوية
نظر أكمل إليها بعينين متفحصتين رغم قلقه الواضح كان فيه تحفظ غريب في كلامه في طريقة نظراته.
_ خلينا نروح للدكتور دلوقتي حالاً عشان نطمن.
هزت رأسها برفض ضعيف.
_ ملوش لزوم أنا زينة شوية وهبجى تمام.
لكنه أصر بحدة لم تعتدها منه.
_ مفيش حاجة اسمها كويسة دلوقتي لازم نروح.
ثم وضع كيس بلاستيكي كبير على المنضدة بجانب السرير.
_ جبتلك أكل من بره كلي قبل ما ننزل.
نظرت إلى الأكل ثم إليه.
_ مش عايزة مليش نفس.
جرحها بكلامه الذي خرج بارداً قاسياً.
_ ده مش عشانك ده عشان ابني أو بنتي مش أكتر.
أخرج الطعام من الكيس ووضعه أمامها
شعرت بصفعة قوية على وجهها، لكن ماذا كانت تنتظر منه.
ابتلعت غصتها وأكلت غصباً عنها كل لقمة كانت تنزل بصعوبة كأنها حجارة.
كانت عيناها معلقتين بالطبق لكن عقلها كان يدور في دوامة من الأسئلة المخيفة لماذا يتصرف أكمل هكذا؟ ما الذي يخبئه؟ هل هو قلق عليها حقاً أم على الجنين فقط؟ هل يمكن أن يأخذ ابنها منها ويطردها؟ هذه الفكرة كانت كابوساً يطاردها منذ أن رأته.
كان أكمل جالساً على المقعد الجانبي يتحاشى النظر إليها مباشرة.
كانت ملامحه جامدة لكن عينيه كانتا تخطفان نظرات سريعة إليها كل بضع ثواني كي يتأكد إذا كانت تتناول طعامها أم لا.
شعر بالحنق من نفسه بعد كل ما فعلته معه بعد كل الخيانة التي ارتكبتها مازال قلبه الخائن يحن إليها مازال يشعر بقلق غريب تجاهها كان يكره هذا الشعور ويكره ضعفه أمامها.
عندما انتهت من طعامها حمل الطاولة الصغيرة وأعادها للمطبخ ثم تطلع إليها بفتور مصطنع.
_ هتقدري تمشي؟
أومأت له بصمت وهي تحاول أن تجمع قواها
نهضت بصعوبة شديدة والوهن تمكن منها
كانت على وشك أن تسقط لولا أنه مد يده ليساندها، لمسة يده كانت كالصدمة لمسة باردة لكنها قوية شعرت بقشعريرة تسري في جسدها لمسة تحمل الكثير من التناقضات.
خرجت معه ونزلوا للطابق الثاني حيث عيادة الطبيب..
.....
في عيادة الدكتور كان الجو متوتراً بشكل لا يطاق الصمت كان ثقيلاً ومادياً يطبق على المكان كأنه يمهد لخبر كارثي.
بعد فحص دقيق ومطول وبعد مراجعة نتائج التحاليل السريعة التي طلبها، خلع الدكتور نظارته ووضعها على الطاولة أمامه نظر إلى أكمل وصبر بجدية قاتمة لم يسبق لها مثيل.
_ للأسف مش هقدر أطمنكم.
تعلقت عينا صبر بالدكتور بلهفة ممزوجة بالرعب، وشعرت بقلبها يهوي في بئر سحيق.
_ في إيه يا دكتور طمني.
قال الدكتور بوضوح قاطع، وكل كلمة كانت كضربة مطرقة.
_ ضغط الدم عندك مرتفع جداً يا مدام صبر وده ممكن يسبب حالة بنسميها "تسمم الحمل ".
اتسعت عينا أكمل بصدمة حقيقية لم يكن يتوقع هذا على الإطلاق.
_والحل ايه يا دكتور؟
رد الطبيب
_الحل إننا نحجزها في المستشفى عشان نكون مطمنين.
_ والحجز ليه؟
قال الدكتور مباشرة وبنبرة لا تحتمل الجدال موجهاً كلامه لأكمل
_هكون صريح معاكم ومخبيش حاجة، لإن الجنين في خطر حقيقي والأم أكتر.
الضغط العالي ده بيقلل تدفق الدم والأكسجين للمشيمة، وده ممكن يسبب توقف نمو الجنين أو انفصال المشيمة المفاجئ
أي حركة زيادة أي إجهاد بسيط، أي توتر ممكن يكون هو الزناد اللي يبدأ الكارثة لازم حجز فوري في المستشفى تحت الملاحظة الدقيقة على مدار الساعة.
شعر أكمل بأن الأرض تميد به كانت ترن في أذنيه كرصاصات
للحظة تبخر كل غضبه وكل كبريائه، وحل محله رعب خام، رعب نقي من أن يفقدها أن يفقد طفله.
نظر إلى صبر رأى وجهها الشاحب وعينيها المذعورتين وهي تضع يدها على بطنها بخوف وشعر بأن قلبه يتمزق.
لكن هذا الرعب نفسه هو ما أيقظ شيطاناً آخر بداخله.
شيطان الخوف من هروبها، فكرة وجودها في المستشفى بعيداً عن عينيه حيث يمكن لها أن تهرب... كانت فكرة لا تطاق.
رفض بشدة وبنبرة حاسمة كأنها صدرت من صخر نبرة ولدت من رحم الخوف المطلق.
_ لأ مفيش مستشفى أنا عايزك تعمل كل حاجة بس في البيت.
نظر إليه الدكتور باستغراب لم يستطع إخفاءه، وكأنه يرى رجلاً مجنوناً.
_ بس ده مش ممكن يا أستاذ أكمل ده انتحار الحالة محتاجة أدوية وريدية للضغط، ومراقبة مستمرة لنبض الجنين واستعداد فوري لعملية قيصرية طارئة في أي لحظة المستشفى هي المكان الوحيد اللي ممكن نضمن فيه سلامتها وسلامة الجنين!
اشتعلت عينا أكمل بالغضب غضب يائس لرجل محاصر.
حاول السيطرة على صوته الذي خرج متحشرجاً ومخيفاً.
_ أنا بقولك اعمل كل حاجة في البيت هجيبلك كل اللي تحتاجه
هجيب ممرضات ٢٤ ساعة هحول أوضة في البيت لغرفة عناية مركزة لو لزم الأمر.
هجيب أي جهاز تطلبه هجيب أي حاجة بس مراتي مش هتتحجز في مستشفى.
نظرت صبر إلى أكمل بصدمة أكبر ورعبها منه فاق رعبها من المرض لم تفهم سبب رفضه القاطع، هل هو قلق على طفله لهذه الدرجة؟ أم أن هناك سبباً آخر، سبباً مظلماً؟ كانت تشعر بالخوف يتسلل إلى كل خلية في جسدها.
خوف على جنينها وخوف منه هو
هل يخاف أن تهرب؟ هل يفضل أن تموت بين يديه على أن تخرج من سجنه؟
حاول الطبيب أن يقنعه مرة أخيرة، بنبرة شبه متوسلة.
_ يا أستاذ أكمل، أنا أقسمت قسم إني أحافظ على حياة المرضى
اللي بتطلبه ده ضد قسمي وضد المنطق، حياة المريضة والجنين في خطر وشيك.
قاطعه أكمل بحدة
_ وأنا مسؤول عن كل حاجة يا دكتور مسؤول عن حياتها وحياة اللي في بطنها بس مراتي مش هتخرج من البيت.
❈-❈-❈
وقفت نغم في منتصف الغرفة، تطل على أضواء القاهرة التي تتلألأ من كل اتجاه، كانت الشقة أشبه بتحفة فنية معلقة في السماء، كل قطعة فيها مختارة بعناية فائقة لكنها في عينيها لم تكن سوى قفص، قفص ذهبي لكنه يظل قفصاً.
لقد فعلها مرة أخرى.
خطفها اقتلعها من عالمها من أهلها من حياتها الهشة التي بدأت تستعيدها بصعوبة وألقى بها هنا
لم تكن هناك قيود حديدية هذه المرة، لم يكن هناك حراس بوجوه عابسة يقفون على الباب.
كان هناك صمت مطبق، بل يهمس بالعزلة.
تنهدت بمرارة لقد تعلم الدرس من المرة السابقة هذه المرة السجن أكثر تطوراً، وأكثر عزلة وأكثر إيلاماً لأنه يخاطب العقل لا الجسد.
حاولت البحث عن مخرج
لكنها تعرف جاسر ليس غبياً هو أذكى وأدهى مما تتخيل، هو بالتأكيد قد أمن كل شيء لكن لكل نظام ثغرة ولكل سجان نقطة ضعف.
عادت إلى غرفة النوم وجلست على حافة السرير، أغمضت عينيها وبدأت تفكر بعقلانية متجاهلة الخوف والغضب اللذين يعصفان بقلبها.
لكن هذه المرة كان التفكير مختلفاً.
لم يكن هناك غضب نقي أو رغبة واضحة في الانتقام كان هناك تردد حيرة مؤلمة تمزقها.
جزء منها الجزء الذي يحمل ندوب الماضي يصرخ بها:
"اهربي حاربي لا تسمحي له بأن يكسرك مرة أخرى تذكري خيانته، تذكري رسالة شروق، تذكري كل دمعة ذرفتيها بسببه لا تكوني غبية"
لكن جزءاً آخر جزء نما في الخفاء ورعاه الشوق يهمس لها:
"ولماذا تهربين؟ إلى أين؟ هل كنتِ سعيدة حقاً بدونه؟ تذكري رجاءه في عينيه أمام منزلك.
تذكري كيف تخلى عن كبريائه من أجلك تذكري اعترافه بأنه يحبك ألم يكن هذا ما كنتِ تتمنينه في أعماقك؟"
شعرت بأنها تقف على حافة جرف خطوة إلى الوراء تعني العودة إلى حياة آمنة لكنها فارغة وباردة وخطوة إلى الأمام تعني السقوط في المجهول، في حضن رجل هو سبب ألمها ومصدر شغفها في آن واحد.
هل تستطيع أن تثق به مرة أخرى؟ هل تغير حقاً؟ أم أن هذا مجرد وجه آخر من وجوهه المتقلبة، لعبة جديدة أكثر دهاءً من سابقاتها؟
فتحت عينيها ونظرت حولها هذا القفص الذهبي... لم يصممه سجان لضحيته.
لقد صممه رجل لمليكته كل تفصيل فيه يصرخ بالاهتمام، بالذوق الرفيع بالرغبة في توفير الراحة المطلقة هذا لم يكن سجناً للانتقام، بل كان ملاذاً قسرياً.
وهنا أدركت الحقيقة التي ترعبها نقطة ضعف جاسر لم تعد فقط حبه لها لقد أصبحت هي أيضاً نقطة ضعف نفسها.
ترددها هو سجّانها الحقيقي.
نهضت وسارت نحو الشرفة الزجاجية مرة أخرى.
وضعت كفها على الزجاج البارد وشعرت ببرودته يتسلل إلى يدها لكنه لم يستطع إطفاء النار المشتعلة في صدرها.
لم تعد تعرف ماذا تريد هل تريد الحرية بدونه؟ أم تريد العبودية معه؟ هل تكرهه لأنه سجنها، أم تحبه لأنه جعلها مركز عالمه لدرجة أنه لم يجد حلاً آخر سوى أن يسجنها ليحتفظ بها؟
كانت حائرة ضائعة ومترددة وأدركت أن المعركة القادمة لن تكون بينها وبين جاسر بل ستكون بينها وبين نفسها بين نغم التي تريد النجاة ونغم التي تريد أن تُحَب وأيهما ستنتصر سيحدد مصيرها إلى الأبد.
❈-❈-❈
عادت صبر مع أكمل إلى شقتهما الجديدة وكل خطوة كانت تخطوها على الأرضية الرخامية كانت تثير في نفسها موجة من القلق لم يكن خوفاً على نفسها، فقد تبلدت مشاعرها تجاه مصيرها بل كان خوفاً عميقاً ومتجذراً على الكائن الصغير الذي ينمو بداخلها، والذي أصبح محور وجودها وسببها الوحيد للاستمرار.
جلس أكمل على أقرب مقعد في الصالة وأشار لها بيد مرتعشة قليلاً لتجلس.
كان يحاول بجهد أن يرتدي قناع وكيل النيابة الهادئ والمسيطر، لكن خلف هذا القناع كان هناك رجل مرعوب، رجل اكتشف قبل ساعات قليلة أنه سيصبح أباً، وأن طفله وأمه كانا يعيشان في ظروف لم يكن ليتخيلها في أسوأ كوابيسه.
جلست صبر على حافة الأريكة المقابلة له في وضع استسلام كامل لم تعد لديها طاقة للمقاومة أو الجدال كل ما تريده هو أن ينتهي هذا الكابوس.
كسر أكمل الصمت بصوته الذي حاول أن يجعله رسمياً لكنه خرج أجشاً من فرط المشاعر المكبوتة.
_ جيتي القاهرة إزاي وكنتي قاعدة فين الفترة دي كلها؟
أطرقت صبر برأسها وأخفت عينيها التي امتلأت بظلال الحزن وكأنها تسترجع شريطاً سينمائياً مؤلماً.
_ بعد ما طردتني... مكنش ينفع أرجع لأبويا.
كنت هبجى عار عليه وحمل زيادة. مكنتش أعرف حد في الدنيا دي كلها أروحله غير ليان صاحبتي اللي كنت ساعات بكلمك عنها.
رفعت عينيها إليه للحظة وفي نظرتها عتاب صامت.
_ استقبلتني في بيتها وفتحتلي جلبها قبل بابها بعد فترة جبتلي شغل في محل ملابس.
كنت بحاول أجف على رچلي من غير ما احتاچ لحد، بس بعدها بفترة تعبت جوي ولما روحت للدكتور... جالي إني حامل.
قالت الكلمة الأخيرة بصوت خفيض وكأنها سر لا تزال تخشى البوح به أمامه.
_ أول تلات شهور كانوا أصعب حاچة في حياتي كنت تعبانة على طول والعلاج كان غالي مكنتش منتظمة عليه عشان الفلوس.
جوز ليان راجل ابن حلال كان بيدفع إيجار الشجة لوحده وأنا كنت بصر على ليان إني لازم أشاركها في مصاريف البيت والأكل باللي بجدر عليه.
أخذت نفساً طويلاً وكأن الكلمات تستنزف آخر ما تبقى من قوتها.
_ صاحبة الشغل الحاجة فاطمة، كانت ست طيبة وبتعتبرني زي بنتها لما عرفت بظروفي وحملي، كانت بتخليني أقف مكانها في المحل عشان متعبش نفسي في المواصلات، وكانت بتديني يومية زينة فضلت على الحال ده... لحد ما جيت أنت ولجيتني.
شعر أكمل بنيران الغضب تشتعل في صدره، غضب موجه بالكامل نحو نفسه كيف سمح لكبريائه وغضبه أن يعميه إلى هذا الحد؟ كيف تركها تلجأ للغرباء ليساندوها في أصعب أوقات حياتها، بينما كان هو، زوجها ووالد طفلها يعيش حياته غافلاً عن معاناتها؟
_ وليه مرحتيش لأبوكي؟
سأل بانفعال لم يستطع السيطرة عليه.
ارتسمت ابتسامة ساخرة وموجوعة على وجه صبر.
_ أبويا؟ وتفتكر أبويا كان هيعيشني معاه ويصرف عليا أنا واللي في بطني؟ أبويا كان أول واحد هيجولي سجطيه أو اتصرفي فيه كان هيشوفه غلطة لازم نتخلص منها.
انفعل أكمل ونهض من مكانه، يدور في الغرفة كوحش حبيس.
_ مكنتش هسمح لحد يصرف على ابني، ولا كنت هسمح لحد يمسه.
قاطعته صبر بصوت حاد وممزوج بالألم، صوت امرأة فاض بها الكيل.
_ وده اللي كنت عاملة حسابه بالظبط
وقفت هي الأخرى تواجهه، ودموعها تنهمر أخيراً بلا سيطرة.
_ كنت عارفة إنك هتجول محدش يصرف على ابني، وفي نفس الوجت كنت عارفة إنك عمرك ما هتسيبه يعيش مع حسان الفجير اللي أنت بتحتقره، ولا هتسيبه مع أم جشعة وبياعة زيي، زي ما أنت شايفني عشان اكده قررت إني أبعد عنكم كلكم! أبعد عن أبويا وجشعه، وأبعد عنك أنت وكبريائك.
شهقت وهي تحاول التقاط أنفاسها.
_ مكنتش عايزة من الدنيا دي كلها غير إني أعيش في سلام مع ابني أوضة صغيرة تلمنا، ولجمة بالحلال.
مكنتش عايزة منكم حاچة بس إزاي! لازم تظهروا في حياتي تاني وتخربوها أول ما صاحبك شافني في المحل جري على طول حكالك، مع إني حلفته بأغلى حاجة عنده ميجولش.
قطب أكمل جبينه بدهشة حقيقية، وتوقف عن الدوران.
_ صاحبك؟ قصدك مين؟ يعني مالك كان عارف وخبى عليا؟
ضغط على قبضته بقوة، وشعر بخيانة مزدوجة صديق عمره عرف وأخفى عنه أمراً كهذا
_ مالك عرفك إزاي؟
حكت له صبر كيف دخل مالك المحل بالصدفة، وكيف تعرف عليها وكيف توسلت إليه ألا يخبر أحداً ووعدها بذلك.
نظر إلى صبر التي كانت تقف منهارة أمامه، ورأى لأول مرة حجم المأساة التي تسبب فيها.
لم يرى المرأة الجشعة التي رسمها في خياله، بل رأى أماً كانت مستعدة لفعل أي شيء لتحمي طفلها، حتى لو كان ذلك يعني أن تعيش في فقر مدقع بعيداً عن الجميع.
تقدم منها ببطء ومد يده ليمسك بذراعها، لكنها تراجعت بخوف.
_ متخافيش... مش هأذيكي.
تابع بلهجة جادة
_ هترجعي تعيشي هنا في بيتك ومع ابني ومش هسمح لأي مخلوق على وجه الأرض إنه يقرب منكم.
همت بالرد عليه لكن انتبه كلاهما على صوت الباب
ذهب ليفتح فوجد فتاة في العشرين من عمرها
_انا أمل الممرضة اللي حضرتك طلبتها.
اومأ لها أكمل
_اه اتفضلي، خليكي معها هنزل اجيب العلاج.
يتبع...

هى الدنيا بتسخن كدا ليه مع الإبطال 🤔🤔
تسلم الايادي يا قمر روايه جميله
مالك كان بيهرب من روح بس معرفش
يبدلها أو يداوي نفسه بغيرها
حبه لها هو روحه لاتفارقه الا بالموت
بس هل سيدرا ح تستسلم ولا حتسافرله مصر وتكشف المستور
جاسر أصبح هو الأسير لنغم وليس سكانها هي التي سجنته في قلبها
أما اكمل اتفاجئ بصبر وحالتها وحالة جنينها
الخطيره اكتشف أنه قسي واغلق قلبه عن الحقيقه
تسلم ايدك علي البارت
❤️❤️❤️❤️
تسلم ايدك وافكارك يا رانيا
مبدعه ياناس تسلم ايدك بجد 💯💯💯💯💯💯💯💯💯💯💯💯💯💯💯💯💯💯💯👍👍👍👍👍
إيه ده جميله مشوقه غامضه سريعه
مبدعه